.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة مـلـح الجسد

رحيم حمد علي

عندما تراودني أحلام اليقظة بالفرح , أجد حظي يتدلى قاب قوسين أو أدنى , ربما يضحك لي القـدر ليتراءى لي بحلة السرور الأبدية , فينسج لي شرنقة اعتقدت أنها ستكون معي لنهاية مطاف حياتي , فأرى الدنيا بأبهى صورها رغم حزني الدائم , إلا أن ذلك لا يدوم طويلاً لأرى نفسـي أمام شبح العوز والمعاناة , ابحث عن مخرج لما إنا فيه باحثاً عن عمل ما يمكن من خلالــه سد رمق عيش والدي مما اضطررت مجبراً على ترك وطني , لوطن أخر بحثاً عن عمــل مناسب .

مضى على وجودي في ارض الغـربة التي وجدت فيها موضع قدم مدة ليست بالقصيرة حيث باشــرت بعمل يتلائم ومؤهلاتي العلمية , لم أغادر وطني سابقاً لأول مرة تطأ قدماي ارض غريبة عني , انتابتني حالات أظل فيها مساهماً مفـكراً , شــعرت أن الغربة ساحة معبـأة بالخــوف المتكثف , لا يشعر بها أو يسمع قرع طبولها ألا الغريب نفسه , عندئذ لا أجد إلا كلمات الحنـــان , أما صلواتي فتذهب في شغوف القلب وتذوب ولم يبق لي سوى القران المذهب الذي يتدلى على صدري والذي اشعر ببرودته في أقسى أيام الحر .

أحب وطني ومدينتي التي ولدت فيها وحبيبتي وأهلي , اشتاق لهذه الأشياء شوقـاً عظيماً لا سيما حبيبتي (رحيق) التي أكبرها بسنوات لا تتعدى أصابع اليد , فيشكل لي هذا الحب دائرة محيطها جميع من أحبه .

في قراري أني سأستريح , سيضمني شعر حبيبتي ذو الشبه بأمواج الليل في سواده فارغب بالوصول إلى ما تحمله أمواجه , لا شي يحميني , حتى دعوات أمي , سوى ابتهال رحيق وصلاتها لي , فقدانها يوقع في قلبي صدمة كبيرة وعنيفة , تجعل العالم كله يتخلى عني , عندما أتذكرها ألج في عالم ذي عمق بلا نهاية فأنبهر إلى درجة الغثيان ويعتيرني الذهول .

_ هل من الضروري أن يمر المرء بمراحل ثقيلة من المعاناة النفسية والبدنية حتى     يحــقق ما يصبو إليه ؟ كأن الأمر كذلك , أنا رجل تراه عين الله عندما تكون هي معي ؟

وبدونها ؟

فلن أكون !!!؟

هي شريان حياتي , سأجعل صدري لها كهفاً تأوي إليه ؟

قلت تلك الكلمات لذاتي , أحيانا يتكلم المرء مع عقله الباطن عندما يشعر بحالة من اليأس أو القنـــوط .. قررت العودة رغم حاجتي الماسة للمال الذي أجنيه من عملي في هذا المكان هروباً من سياط الغربة وشوقاً لوطني المفجوع وحب بلا أمل , بقيت أتكلم في داخلي وقلت :

_ يجــــب أن أعود حالاً .. لا فائدة من وجـــــودي , مثلي كمثل الذي ينفخ الزوبعة في الرمـل , سأهبط على من أحب , الأرض والحبيبة ووالدتي ووالدي لأرى جمال الدنيا في عيونهم , ليس المال كل شي في الوجود , المهـــم إن اروي ضمأي , لألتقي بحبيبتي مثل الطــيف لأحاذي أصابعها المرتعشة فوق وجهي وألامسها بفمي ثم اخذ هذه الأصابع وادفن وجهي فيها , سوف أحيطها بكل جوارحي وأظللــها بجسدي , وأكون لها نخلـة من نخيل بــــلادي ...

يجـــب أن أعود , ضـــــربت بقبضتي الطاولة التي اجلس وراءها بقوة .. يجب أن أعـود , لماذا تغربت من اجل من ؟ الـم أتغرب من اجل الحصول على المال لكي أعود إلى ارضي وأنــا اجني ثمار أتعابي , لكي يكون لي مسكن ! الذي هو وطن المرء , أي إنسان بلا ســــكن , ليس له وطن .. عمر غير مؤهل لشي ذي قيمة , ما عاد ثمة قيمة , حتى أنـــا لســـت بقيمة .....

أريد أن أعود من اجل الأشياء التي ذكرتها لا سيما رحيق التفاحة أعتبرها تفاحة فهي فاكهة الروح وملح الجسد !! أحبها وعلامة حبنا صك مبارك وتعميد يذهب بنا نحن الاثنين إلى أعالي سماء الدنيا , في عينيها سر يتحلل ويتحلل فتتسرب بلوراته الشفافة وتتوزع في أنحاء جسدها فيلتمع صدرها الناهد , سحقاً لا يستقر بدني بعد ألان على ارض ليس لرحيق وجود عليها , تتقلص أحلامي وتتجرد من دلالاتها إلى قائمة من الأفكار التي ستكون مهيمنة علي وبالتالي أكون عرضة لنقاش واسع مع عقلي الباطن الذي يدرك أكثر من غيره مدى تصوري لما يحدث وما يمكن له من أي أمر قد ينجم عنه سيرورات لمراحل معينه من حياتي ربما تكون بسيطة أو معقده وهذا بوصفه ضرباً من الملاذ أو الملجأ .

أذ ليس من الممكن أذا أن ابني تصورات مناسبة لها طبيعة تكون قائمة على وعي تتلون فيه الفروقات ذات نزعة معينه إلى ما هو حقيقي أو وهمي , وهذا التقابل لا يتيح لي ألا ان يتقلص تفكيري بالأمور الأخرى عندئذ يكون التفكير بها وبعلاقتي لها هو القائم حقيقة وليس أحلام يقظة , فأكون من الذين يحتفون بهذه الرسالة ويتبعون امراً لا ينفصل عن حياتهم اليومية فتصبح مشروعية طقسي وعقيدتي هي حبي الكبير الى رحيق تلازمني سيرورة عمياء وغريزية دون ان يكون هذا خطأ لا متحايزاً لحجة موجودة في قلب المناظرات ذات العلاقة بالمصير الذي ينبغي ان اعده على نفسي من هذا صارت لي الرغبة بعدم القدرة على العمل او التمتع بالخبرات والخدمات التي يمكن ان اكون فيها الرابح الاول لذا حزمت حقائبي بغية وضع حد لضرب من اللامساواة بين قلبي وعقلي وهو ضرب من الظلم .

حملت حقائبي وعيناي تتقطر ببقايا نوم وحمرة تشوب بياضها من اثر السهر القلق مرت ساعات قليلة وجدت نفسي في السيارة (ماطاً) بدني على مقعدها , كانت السيارة تسير رايت نهوض الاشياء , الاشياء تنهض عند الوداع , لتزهو عذراء شامخة في حضور الذكرى , كانت ملامح الدنيا عائدة الى الوراء عندما تنقذف بي السيارة الى امام , رأيت معالم المدينة التي غادرتها من خلال زجاج السيارة , السماء زرقاء تمتد وتكبر , فيزداد المرء احساساً بيقين وجودة , سحبت سيجارة من علبة الدخان , نجحت باشعالها بصعوبة .

انا الان على الطريق عائداً الى وطني تفحصت محاذاته رايتها راكضة الى الخلف , بعيدة لا تنتهي الا مع هاوية العالم .

قلت للسائق :

_ اراك لا تسرع ! السرعة لديك قد اصابها ضعف محزن .

قال :

_ كيف سولت لك نفسك ان تستنتج بضرب من التعميم التعسفي اني لا اسير بسرعة , بالعكس سرعتي جنونية الان .

تنهدت فقلت :

_ هل رأيت طريقاً بهذا الجمال والامتداد يا ........

رد علي السائق قائلاً :

_ انا ابو بنين .

_ نعم يا ابو بنين هل رايت ذلك ؟

_ اجاب باقتضاب :

_ لا .

كانت السيارة تزعق عند الانعطافات فينعطف معها الطريق , يميل معها جميع الركاب , تجاوزنا شاحنة بطيئة غابت ملامح الطريق لحظتها عن بصري , الركاب يثرثرون في المقاعد الخلفية فلا تصلني الاصوات بوضوح , الفضاء مشرع والسماء حرة الا من نتف غيوم ربيعية .

نظرت الى السماء فلم اجد شيئاً يعلو هامني غيرها , كانت سقفاً كامداً ضربته خطوط الرطوبة المناخية , ما زال العالم مشوش , شرد ذهني وتخندق في مساحة الذكرى , كلمت نفسي من جديد قلت :

_ انها تجربة مخيبة لي , اجل هكذا اسميها تجربة لن ادخل في دائرة التفلسف , ولن افصل في المسائل , صحيح مشتاق لوطني ولكن وطني يعني لاحلامي شيئاً ابعد من الافق , لا سفر ولا غربة بعد اليوم ..... انها امور غاية في الرتابة , ربما تكون هذه الرتابة اعمق ما في الزمان , تغير كل شي , ما عاد الناس هم الناس , وما عادت الدنيا احلاماً , انطفات نجوم الاشياء في سماءها , ليس ثمة نجوم تولد من جديد , غريب .... منذ متى حدث هذا ؟

ومتى بدء ؟ منذ متى صارت الكلمات لا تقول الحقيقة ؟ لا ... يجب ان اكف عن الكلام ... لا , اريد ان استمر في الكلام , لا احد يتجسس على افكاري , ولن يفكر احد بالذي افكر فيه , اريدك يا نفسي ان تقفزي معي الى النقطة الاخرى , انا وانت معاً في المكان الواحد والزمان الواحد ولكنا لسنا بواحد .. اجل .. لسنا بواحد ؟

انت شي وانا شي اخر , لانه لوكان كذلك لكان الامر بيدي وحدي لكن ليس لي الخيار باتخاذ القرار لو كان لي ذلك لما تغربت عن وطني وحبيبتي وانا في وطن الخير والثروات , نعم الثروات والمركز الاقتصادي .

الا ان المركز الاقتصادي للعائلة في وطني صار قلما يكفي للتوفير اسباب السعادة وفقدانه صارت عوامل هدم قوية في مرتكزات ودعائم الاسرة فصارت الغربة ضريبة علينا ان ندفعها .

((ما مر عام و...... ليس فيه جوع)) سحقاً لمن يريدون لنا العذاب والجوع والغربة تبددت الثروات , لماذا تبددت الثروات , الخلل في كيفية تنظيم الامور نحتاج الى من يخرجنا من دائرة الانتظار ؟

_ نحن على وشك الوصول الى نقطة الحدود , وخزني السائق , خرق صوته انغلاقي على افكاري .

قلت له :

_ منذ متى ؟  بعد من الوقت ؟

قال :

_ عشر دقائق . 

ران الصمت ولم يبق سوى ازيز محرك السيارة , تجاوز الوقت الظهيرة , ارتفعت متوسطة السماء الباهتة شمس تضرب سهامها اجساد الناس فلا ملجأ ولا ظل ظليل في هذه الصحراء الحدودية المترامية الاطراف .

ضاقت نفسي واضناني الانتظار فغاليت بالامساك عن الكلام , كل المسائل في نظري ناقصة او هكذا تبدو لي الامور مؤجلة الى اشعار اخر , لاشي منجز سوى الانتظار قلت للسائق :

_ هل لديك امل في الحياة ؟

_ ولم لا ....

قلت له :

_ يا ابا بنين ان المقتل هو في ان نعيش الوهم , بحيث ان هذا الوهم يحكم قبضته على حياتنا ويجعلنا نسير في اكثر المضايق صعوبة ووعورة .      

ينقصنا الوضوح !

قال :

_ ما تعني بالوضوح ؟

_ اعني يا سيدي , ان الاشياء ليست كما نريدها , وذلك لعدم وجود حسم لاي موقف , يجب على اي منا , معرفة قانون الحياة , لانك اذا عرفت ذلك تتمكن من التغلب على معاناتك .... عليك ان لا تعيش في فوضى وتسير بقوة دفع من خارج ارادتك , كما لا تكن مسلوب الارادة من الداخل وتتارجح مثل بندول الساعة لا هدف لك في الحياة , انا واحد من الناس ارى نفسي كاني علامة استفهام , كل شي يملؤني بالخوف شأن المواطنين في بلادي والا ما عزمت على السفر متغرباً عن وطني واهلي , لو لم تكن ارادتي مسلوبة , لما تعرضت للذي به الان مثل الذي يؤخذ من يده الى بحر يخشاه وهو لا يعرف السباحة , بودي يا ابا بنين ان اصرخ واغضب واحتج لكني اخشى ان يكون ذلك ما يؤدي بي الى خسارة اكثر القضايا عدالةً .

_ وكيف اهتديت الى هذا الاستنتاج المدهش ؟

قلت :

_ تجربتي بالحياة زودتني جملة ملاحظات استنتاجية غاية في العمق والذكاء ؟

وهذه يمكنها ان تكون مصدراً ثميناً للايحاء بالنسبة الى الواقع الذي يتفحص جهده على وجه الدقة لجوانب حياة الانسان , فهو السمة الوحيدة الغير قابلة للتغيير لاي امر كان , لكن هناك مسالة علينا ان نتسائل عنها مفادها ماذا يمكن للانسان ان يصنع واقعاً متغيراً يتلائم وما يصبو اليه , لان الامور التي تفرض على مجتمعه اسهمت او تسهم اسهاماً واسعاً في تشويش سلالم القيم الصحيحة لابن المجتمع .

ومن المؤكد نجاح اي مجتمع يعتمد على ثقافته وهذا ما يعادل التقديس لاي عصراً او تطوراً في المستقبل , ولكن من المتعذر من باب اولى ان نبرهن على ان هذا الاستنتاج هو الصحيح لان خصوصيات المجتمعات تعتريها ترسبات من السلطة الحاكمة كما تعتري التربة رواسب الخصوبة والجدب , وهناك امثلة كثيرة على ذلك ليست من اختصاصي ان اوضحها على مسامعك ربما ادراكك لها يختلف عن ادراكي وادراك الاخرين ,الا انه نسعى جميعاً في الوقت نفسه الى ان نبرهن ان قوة المجتمع من ثقافة الفرد وكلما كانت ثقافة هذه الشرائح متقاربة تكون قادرة على ان تلجا الى فعل الشي الكثير من التغيير , بحيث لا يكون اي فرد خاضعاً لرجل السياسة او رجل السلطة , الا اذا كانت ثمة قدرة على التفاهم للمحافظة على ان تكون مفاهيم السلطة من راي المجتمع وغير مشتته ,مهما كانت الامور فان اي سلطة لا تستطيع حماية المجتمعات , ونادراً ما تضمن سلام الاشخاص الذين تتالف منهم تلك المجتمعات لكونهم مواطنين يعيشون ضمن الحدود الاجتماعية من الحياة , في حين ان المجتمعات تريد ان تغير الواقع الذي لا يلائمها وتزيح عن اكتاف مواطنيها عبء جدية قد تحدث اكثر ثقلاً مما يمكن ان تتحمل بحيث نستخدم كل وسيلة صالحة لهذا الغرض .

نحن العراقيين حملنا ولا زلنا نحمل مهمة بحجم قدر كبير الا وهي الحرب والارهاب والتي اثارها لا زالت جاثمة على صدورنا مما يجعل كل منا يركض في لحظة الى الشمس , فهي تمثل الفطنة الكبرى لاي منا لكونها بلغت درجة رفيعة في الباطنية ومستوى اقصى من العمق , صار لزاماً علينا ان نرغم الاشياء الاكثر حرصاً على التكتم لكي تنطق بصوت مسموع لذلك سنكون نحن اصحاب المقولة للحياة : (مالا يقتلني يجعلني اكثر قوة) وهذا ما يجعلنا ذو غاية في الحياة عندئذ نتلائم مــع الكيفيات .

توقفت عن الكلام ونظرت الى السائق رأيته والابتسامة في عينيه لكنها متعبه بقيت اتفرس في وجهه وارمقة بنظرات متفحصة , وجدت عينيه ترمش فيبتل جفناه بقطرة عرق نزلت من جبينه , تحركت قليلاً الى الامام وواصلت حديثي :

_ اراك مسافراً دوماً يا ابا بنين ولم تدس يوماً على ارض ......!

التفت إلي الرجل ثم ابتسم وقال بتردد :

_ نعم , هذه مهنتي طبعاً , ظروف العمل تحكم علي ان اكون بهذا الحال .

قلت :

_ هل والدتك على قيد الحياة !

_ نعم ..... اجاب باقتضاب .

قلت :

_ اعط للامك وقتاً , عسى تبلل عطشها وترتوي .

_ اين هو الوقت ياسيدي , ذهاباً واياباً دون جدوى , كشي جاءت به الريح عبر الريح ثم الى الريح , حيث لا قرار ولا قاع او قاعدة استند عليها !!

ضحكت دون صوت , عبارة عن نبضتين اهتز لها جسدي , باعثة شعور ان معاناة هذا الرجل هي نفس معاناتي .

قلت :

_ انت وطنك الـ .......

_ انا عراقي ومن ميسان

_ كذلك انا , اردفت قائلاً :

_ ان كل منا مختنق بحصاة حزن , لا هو قادر على لفظها ولا الحصاة تذوب وتترك فمه حراً , الواحد منا حقاً بارعاً في الدرجة الرفيعة فهو دائماً محافظاً على مرحة رغم انه يحمل على كتفيه قضية قاتمة على غاية من الجدية .

وصلت السيارة عاصمة وطني بغداد الحبيبة , رايت نجوم بلادي وظلمة الليل والهدير الذي يرتقي طبقات السكون , ودعت السائق وحملت حقائبي كي اتوجه حيث واسطة النقل في بغداد الى ميسان التي نشأت وترعرعت بها ... هذا هو الليل في بلادي , كاي ليل , حيث يبقى لزاماً على كل شي ان يبقى على ما هو عليه , وتعود الكائنات الى انغلاقها على ذواتها تختفي بين طيات براعمها لتمارس طقوس الحوارات السرية , مسافرون معاً وكل معه حقيبته الخاصة ... اشياءه الخاصة ... اسراره المخبوءة تتجمع الوجوه والقامات والعيون المشتعلة بشرارات الروح , وتململ الترقب والاحتمالات والزفرات المخنوقة في الافواه , شوقاً الى من تضطرم ناره في الفؤاد , ويستمر هكذا الليل لا تنضب جحافلة ولا يلتوي على شي حتى طلوع النهار .

استقليت في نفس الليلة واسطة النقل التي اوصلتني الى مدينتي التي تبدء من حي الفقراء وتتوقف عند الشارع الهابط من الجسر المعلق .

حتى مفترق الحرية , حيث محطة تعبئة الوقود ثم الطريق المؤدي الى جنوب المدينة , بعدها تبدء الساحات مكشوفة للمارة في منطقة تمتد حتى مبنى الكلية ذات اللون الرمادي واسمها البارز .

ترجلت من السيارة وذهبت فور وصولي متوجهاً الى حيث ملح الجسد (رحيق) قلت في نفسي وانا في طريقي اليها :

_ كيف ستنتهي هذه المهمة , هل ستنتهي بخير ؟ خوفي ان لا التقيها , لا محالة , يجب ان التقيها مهما كانت التضحيات , اريد ان اجلس معها , دون ان تظل هي صورة تلوكها ذاكرتي واحترق شوقاً اليها في كل مرة ! .... هذا معقول ..... ينتابني مثل هذا الشعور , ام ان الارهاق قد نال مني ماخذاً حتى الروح ! لا فرق بين الان والامس ليست فروق , الامكنة نفس الامكنة , والزمن فوضى , سحبت سيكارة وانا في الطريق اليها , اختفت حرارتي في دخان سيكارتي , وصلت دارها قلت (احبك يارحيق) قبل ان اطرق الباب , ثم طرقته , جاءني صوتها من خلف الباب , من الطارق .

_ انا .

 عرفتني من صوتي , فتحت الباب , اخذت بيدي , دخلنا الدار معاً .

قالت :

_ مرحباً بك , الحمد لله على سلامتك , عرفتك ستعود , الهامي اكد لي ذلك , لا تقوى على فراقي , هكذا الزمن يتوالد دون توقف وهو اداة تسخرها معطيات الوجود , وانت موجود ..... المهم سلامتك .

الحمد لله على كل شي , انا جداً سعيده بلقاءك يا حبيبي , لو تعرف كم شوقي الى رؤيتك عظيم , فراقك تجربة مرة حقيقية عشتها من بعدك , اما عندما تكون بجانبي اشعر اني املك اعظم كنز في الوجود .

 بعفوية انعكاس الفعل علي وجدت نفسي قد جذبتها إلي وقبلتها بحرارة ... كانت دافئة , رغم الخوف الذي يرعشها من ان احد يشعر بوجودي في بيتها , كانت رحيق دقيقة الجسم الى حد كبير , ان الله قد وضع كفاءته الفنية كلها في خلقها .

قالت :

_ بصوت لاهث وهي شديدة اللصق بي ...!

_ احبك !!

قلت لها محاولاً اثارتها وذراعاي تخاصرانها بقوة حميمية غريبة لكوني مشتاق جداً لها :-

_ الا تخشين على نفسك مني يا رحيق ؟

_ من من , منك انت ... كيف .. ولماذا , أأخشى قلبي , انت تتكلم وكانك مجنون انا احترق بنار حبك .

مضى من الليل ما يقارب النصف , تفرغت منها واطفات النور , لكنها عادت وانارت المكان , قلت مازحاً :-

_ اتخافين العتمه ؟ جبانة اذن انت .

 قالت ومسحت الجدية في صوتها وعينيها :-

_ حتى اراك جيداً مشتاقة اليك , اريد ان امارس معك الحب على حقيقته ونحن كذلك , اريد ان اتاكد من ان مشاعرك .......

ثم سكتت .

قلت :-

_ كيف ؟

لكنها غيرت الموضوع وقالت :-

_ هذا ليس وقته فلنعد الى ...... قاطتها بالحاح قائلاً :-

_ ارجوان تكملي ما نحن بصدده يا رحيق ! واضح اني لا ارغب الا في ان اكون عادلاً اتجاهك وفي هذا المضمار , لا اود ان اكون منصفاً لنفسي ايضاً .

قالت :-

_ الم تعتقد ان حبنا لبعضنا مسالة مصير ؟

نهضت لكني امسكت بيدها وغرست اصابعي في شعرها جاعلاً راسها على صدري افلتت مني , راحت تخطو في الغرفة .

_ اتعرف ... صمتت رحيق لحظة ثم اضافت وكان صوتها ياتيني رائقاً هادئاً :-

_ اسمع ما ساقوله لك وارجوك ان لا تاخذه على اني عاطفية , طيب انا عاطفية لكني لا ابالغ , اذا حدث لك شي ما , ساموت , وحتى وان مت فلا اريد ان تكون الا لي وحدي تكون ملكي فقط ؟

استمرت تقطع ارض الغرفة ذهاباً واياباً وتنتقل في نظراتها بيني وبين النافذة والجدران , كان التعبير عليها صعباً جداً , ضربت فخذها بكفيها ثم جلست .

رايت بداية بكاء مكبوت يلمع في عينيها التي ارتعش العسل فيهما , استدارت نحوي وقالت :-

_ انت تفهم , انا لا اعرف كيف اتحدث مثلك يا حبيبي لكونك انسان ذكي ولبق وتعرف كيف تتدبر الامور , لكني لا اطيق ان افقدك , تفهم معنى هذا ؟

طوقتها بذراعي وهدئتها اذ بدأت ترتجف , استدارت نحوي باكية , مغمضة العينين , كانت شهية حتى في بكائها , هشه تكسرها هبة هواء .

سرحت بافكاري بعيداً عنها , كنت احب الكلام مع نفسي , ارادتي ان لا اكلم الناس , حتى من كانت اقرب الي , تكلمت مع عقلي الباطن وقلت :-

_ عجيب , رحيق المجربة الشابة حقاً , الحاذقة في تدبير حياتها , المربية التي تطعم اسماع وعقول الاجيال بالتربية والتعليم , اراها تتمرغ كاشفة عن ضعف.

اهو الحب حقاً ..... ام الضعف وراء المسلكيات اليومية , هي الان تكشف عن جزء لم اعرفه فيها , فاجأتني وكشفت لي عن عجز حيال الذي لا افهمه , أأحبها فعلاً ؟ ..... ام مجرد علاقة عابرة لا اخسر فيها شي ! صارت رحيق ترتجف وتترنح علي , وانا لا املك غير التناقض مع نفسي , تنفست طويلاً وقالت :-

_ اتحبني فعلاً ؟       

قبلتها من فمها لزمن نسينا فيه نفسينا , دفعتني ساحبة فمها فقالت لي بوجهها المحتقن من اثر اللهفة , هذا هو الحب القاتل , لكنك لم تجب عن سؤالي أتحبني ؟

لم اقل لها كلمة , هي تسال وانا لا اجيب !!

قالت :-

_ الم تكن سعيداً معي ؟

قلت :-

_ انت دفئاً يشع علي ويتغلغل الى روحي , نعم احبك , وسعيداً جداً معك .

ظلت تتاملني طويلاً , بكت , مسحت عينيها بظاهر يدها , انساح الكحل على عرشي خديها , دفنت وجهها المجهش بالبكاء عند خاصرتي , خامرني شك بان هذه الدموع من رحيق وراءها موضوع مهم يصعب عليها قوله , فلا تستطيع الافصاح عنه الا بهذه الدموع , قالت :-

_ تغربت عن وطنك وانسجت في غربتك ارضاً سميتها الوطن , ثم عدت اليس كذلك ؟ قلت :-

_ ما كان بيدنا ان نفعل يا رحيق لقد غامرت وتغربت عن هذه الارض التي ارى حماتها لصوصها !! ولكني عدت اليها ومن اجل من ؟ من اجلك انت فقط لاني اذا تخليت عن حبك , اكون قد تخليت عن الحق في اخلاقي الاسلامية , وهذه هي الحقيقة ؟ قالت :-

اذن انت تحبني ومن هذا الموقف فاني اريدك لي وحدي فقط ؟ ولن تذهب عني بعد الان ؟ .....

قلت :-

_ ماذا تعنين , وما المقصود ؟

قالت :-

_ نتزوج والان !!!

صار صوتها كالصراخ يصخب في راسي , قض مضجعي , ضللت موزعاً بين وهم ووهم , كالمسافر بين بحر وبحر , نقلت راسي المشحون بالخواطر الكثيرة من جراء ما قالت لي من تجويف صدرها على استقامتي انبهرت بكلامها كان كالسيف الذي امتشق من غمدة لينغرس في قلبي , احسست بالضياع لانه من الصعب جداً ان انفذ ما تريده رحيق , هدر تيار انتقام الزمن من ذاتي , بدء غيم الهوة السحيقة بالظهور وتداخلت الاشياء في مفهومي , وتواصل جريان خواطري في داخلي وفي فؤادي المتقد , انا احبها , واريدها للحب فقط لا للزواج لان زواجي منها يقتل حبي فيها وهذا ما لا اريده , قلت :-

_ بعثرت احلامي يا رحيق هذا مستحيل لن يكون ابداً , لا بد ان اقتل حبي في زواجك , صحيح انا وضعتك بذرة صغيرة حتى كبرت في قلبي , لقد وضعتني يا رحيق امام سؤال جوابه صعب جداً , اذا تزوجنا لا احقق لك ما تريدين , وستبتعدين عني ويموت حبي فيك , وعندها ساكون ضائعاً بدونك , لم اخلق يا رحيق لاكون في وضع مثل هذا ولا احتمل ان اظل ضائعاً , لقد ظهر ظلمك لي بهذا الطلب .....

توقفت عن الكلام , لم اجد جملة ترسم ما يضطرم في اعماقي , واصلت صمتي صرت بخيلاً بالكلمات عليها , وهي حبيبتي التي احترق شوقاً الى رؤيتها , والان امامها ابتلع ضمأي بصمت متكبر . قالت :-

_ لا اصدق ما تقول ..... اين ومتى تقول مثل هذا الكلام ؟

قلت :-

هذه هي الحقيقة يا رحيق , ان عقيدتي تحرم علي ان يموت حبي فيك !!

كان في عينيها خوف حقيقي , لانها ستفقدني والى الابد , وان كرامتها تابى عليها ان تكون معي , رغم انها لاحظت علي انعكاس الحيرة في عيني , قالت :-

_ هذا قرارك الاخير ؟

_ نعم هذا قراري الاخير !!

اختنقت بالدموع وازفت عيناها بالبكاء وقالت لي بصوت متشنج :-

_ على الارض يوجد الليل ويوجد النهار , ولا يجتمعان سوية , لانه اذا تحقق ذلك انقلبت الدنيا وحل يوم القيامة , هكذا هو تفكيرك , كنت كنزي كما قلت لك سابقاً , وها كنزي جواهرة مزيفة , وقد برهنت الان على ان حبك لي كان مثل كثبان الصحراء تتكون ثم تختفي عندما تكون الريح قوية ..... اخرج من هنا ... هذا كل ما اريد قوله لك .

_ خرجت دون ان اودعها !!!.        

      

 

رحيم حمد علي


التعليقات




5000