.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في رحم رواية ( بطن صالحه )*لـ علي عبد النبي الزيدي

جاسم الصافي

إن العديد من الكتاب يمتلكون رصيدا من الثقافة تؤهلهم لإيجاد حضور حقيقي خارج حتى عن إرادتهم ، أي يرتفعون الى مرتبة الذات الفاعلة ، من نظرة سماوية تمدهم بقوى او قدرة على أعادة ترتيب متطلبات الفكر وتجاوز مطبات ما يواجهونها في طريقهم للمعرفة مثل الهموم اليومية وقيود التقليد والتسلط ، اوما يسحبنا إلى العالم السفلي ، وهذه القدره المتعالية تنشئ لدى فريق من الكتاب بطريقة تجعلهم يمرون بأطوار قاسية للنضج ، تنتهي بهم الى الخروج من صفة المخلوق السلبي المحكوم بقانون الحتمية الى ما هو أوسع , أي ينبت لديهم وعي اختياري وقدرة مثل ما لدى الأنبياء , يتجاوزون بها خلل الواقع الذي يرونه فيهبهم التوازن والصمود والجلد ، ولعل أقرب أداة لهذه القدرة تأتي عن طريق ألكتابه , فهي متنفس يمكن للكاتب الهرب إليه ، ليجعل من الحلم أمرا مشتركا مع الآخرين رغم خطورتها التي تكمن في الفجوة مابين وجود الكاتب ووجود النص او مابين الإبداع والوهم , فعمل الكتابة لا يكون مجرد خلق للنص بل خلق للنفس لتحقيق طموح غيرية ينفصل بها المتخيل عن الواقع اي بتخيل ما يحلم به الكاتب ، وهذا الخيال ينبع من الذاكرة وعمق التجربة وهما يكفلان بتوسيع افاق صورة الكاتب ، كما وان فعل الحماس له الاثر على تلك الصورة كونه الإلهام عند أفلاطون او مثلما يعبر عنها بعملية التطهر من الواقع والى ان يصل الكاتب الى تسطير هذا الواقع المتخيل يبدأ برفض قيد المخلوق ويحاول خلع أثواب ألبسها له الأمس وهذا ما ينعكس على نصه ، وعلى الهيكلية والأسلوب داخل النص , والطريقة المتبعة لتحقيق الإيصال لذلك الخيال او الحلم الذي يأتي به الكاتب ، وهذا الأمر اجمعه يشكل عملية ارتداد من الواقع الى الخيال ثم الى الواقع ، لذا فنجاحه هذا يتصل بواقعية الخيال ومدى تشابك خيوطه مع النسيج اليومي ، أي صدق التجربة فكلما دنت الصوره الفنية للواقع كانت اقرب الى التلقي ، اذ أننا نعيش واقع الخيال اكثر من واقع الواقع نفسه ، فمثلا لو جردنا الخيال من واقع ما نحياه وجمدنا الوهم والأماني وكل ما يستمد من النفس من عزم فلن يتبقى لنا سوى واقع حيواني يعتمد على أدوات العالم السفلي من نوم وأكل وجنس ، وقديما كان الخيال يشير لحركة داخل النفس الإنسانية تمزج الأحاسيس بالرأي فيتحقق وجود للخيال ما بين الإحساس والفكر لذا فهو لا يمتلك المباشرة في الإحساس ولا المنطق في التفكير ، بل يشكل منطقة وسطى بينهما ، ويبتدع صورة للصورة ويقرب الشعور بالظواهر من اجل أعطاء لغة للمحاكاة , رغم ان الواقع الذي نعيشه يدور في مدارات الإنسان اكبر وأعمق من هذا الفهم ، لان الخيال له متسع ليكون المغامر الوحيد في أكوان الفكر البشري ، والشمس التي تنير كل مجاهيله من ساعة الشك الى ساعة تسطيرها على الورق ، بل هو ( الكلمة الخلاقة ) كما يقول بودلير ، ولهذا نجد واقعنا وعلى الدوام مغلف بسكريات الخيال ، أذا لم يكن هو خيال محض يثمر صورا متكررة تعمل على تحريك مداركنا مثل ما كان لدى ابن المقفع والجاحظ ومؤلف ألف ليلة وليلة ، ولو أنهم قديما اعتبروها حكايات خيال ينحصر مجالها للفتن واللهو ولا يتعدى الكاتب من خلالها أسيجة التسلية ، لكن كتابات اليوم اوجدت للخيال عوالم أخر ، فراح الكثير منهم ينقب في الكتابات القديمة ليكتشف مكامن أخفتها عجرفة التهاون وقصور الفهم وإحاطة الكتابة بالموضوعية الحدثيه التي ساقت له مفردات المتخيل الكتابي شكليا في اكثر الاحيان ، الأمر الذي جعل ثورة الوعي في عصرنا تقفز بمجهود أولئك الآخرين الذين صنعوا عوالم مختلفة من خيالهم ، كان ولا يزال عاجزا أن يتجاوز الواقع الحسي بسبب اعتبارات لأدوات التوصيل الذهني , لذا كان طرحهم مجرد وسيلة او جسر  ليمرر على مداركنا ، وقد نبذ بعضهم هذة الادوات الحسية كما في المسرح الصامت .

أن الخيال في حقيقته يبقى يتغذى على العاطفة ولهذا فهو كلما التحم بها صار شعرا ولا يتنافر مع تلك العاطفة الا في حالة ان تكون مركبته نحو التعبير عن فكر ما ، وقتها يتلاش ويذوب في آلية التوصيل او الإدراك , ولهذا فهو اما منبع للوهم او منبع للإبداع وهو حكم يظهر مع المنتج بشكل مُقنع حين تعمل حركة الأفكار على التداخل في النص وعلى كيفية محاكاة المتلقي عبر (الخيال ) الذي لا يكون مجرد صور تتولد للتعبير عن الفكر او استعارة مجازيه او تشبيهيه بل أسلوب يعبث بالكاتب ليعطي الطرح الفوقي والشكل المبتكر .. الذي يصدم المتلقي في جوانب المخفي او المسكوت عنه ، ولقد كان المتخيل بين دفتي الممكن لتصور الكاتب اوالشاعر عدا الفيلسوف فهو لديه متخيل مطلق في الطرح اذ لا يعتمد على الخيال الحسي او الخيال المتصل كما يسميه ابن عربي بل على الخيال الروحي ، بمعنى ما قبل وبعد بُعدها السيكولوجي ، وهذا لان الكاتب يكتب عن صورة في خياله ، أما الفيلسوف فهو يحاول ان يجد معنى في خياله وابتكار ما هو غير معلوم تحت مجهر الحس او التصور الذي يتأطر بالممكنات الذهنية ، أي الخيال المنفصل الذي حجزته أقفاص الفلسفة والدين ليكون قاصرا في اعطاء مرونة في الكتابات الادبية كالقصة والرواية والمسرح ، وإذا كانت الأسطورة قد أوجدت بصمه في القديم لمثل هذا الخيال ، فهو كان محدد في طرح سببيات الخلق لا سببيات الوجود , وهذا ما جعل الخيال الحسي او المتصل هو امتداد للخيال المطلق او المنفصل كما يذكر ابن عربي الذي يعتبر ان الخيال المتصل : ( يذهب بذهاب المتخيل والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني والأرواح فتجسدها بخاصيتها , لا يكون غير ذلك . ومن هذا الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل . والخيال المتصل على نوعين : منه ما يوجد عن تخيل , ومنه ما لا يوجد عن تخيل كالنائم ما هو عن تخيل ما يراه من الصور في نومه . والذي يوجد عن تخيل ما يمسكه الإنسان في نفسه من مثل ما أحس به او صورته القوة المصورة إنشاء لصورة لم يدركها الحس من حيث مجموعها )

واليوم نجد كاتب مثل علي عبد النبي الزيدي يخترق جمود هذا الفهم ليعطي مرونة توقفنا حد الحدود الفاصلة مابين الواقع والخيال فيكون للخيال دورا متميزا في توليد فضاء اوسع للمعنى داخل خطاب فكرته المبتكرة في روايته ( بطن صالحة ) التي ينطلق منها صوت الوجود او المجهول ليحكي عن ما رأى ذلك الجنين الذي لا يتجاوز الكيلوغرام من العظام كما تقول الأم في الرواية , ليبقى بعدها عشرين عاما في تلك البطن وتحديدا بعد التاسع من شهر نيسان عام 2003 وهو تاريخ احتلال العراق فمن هو هذا المجهول ..... ؟ انه عنترة في رأي الأب الذي ينتظر خروجه ليحرر البلاد من المحتل لهذا يخاطب الجنين بقوله :

-إنها بندقيتك يا عنترة ، عندما تخرج من بطن أمك ستجدها بانتظارك يا بطل ...

السيف الذي ينتظرك جلبته من عمق التاريخ طوله يمتد من أول الليل الى آخر ليلة من أعمارنا ! 

عن أي سيف يتكلم الزيدي ؟

على العموم ان هذا الاب يكون أكثر صراحة أمام مرآته لأنها الوحيدة القادرة على فهمه وخصوصا حين يتحدث عن نفسه :

( أنا المدعو يحيى النباش أعيش من اجل ان انبش ، اعرف ان أبي مات وهو غير راض عني ، وظل يعتقد بأنني انبش في القبور من اجل سرقة أكفانهم ، لكنه ربما ألان عرف بأنني لم افعل ذلك والدليل لم انبش قبره ، قد أجدني أعيش وضعا صعبا نتيجة لقراءاتي  المتواصلة في واقع متناقض ، ولكن التناقض هو الذي يصنع التأريخ وإلا كيف تتكون التواريخ ؟ أنها مجموعة أحداث وهذه الإحداث لم تقع لولا وجود التناقض الذي سبب في حدوثها ...... أنا نباش ثقافات  ... !! )

ان نباش له دلالة تأصليه ارد منها الكاتب ان تكون امام خيبات المسكوت عنه والمتستر في قدسية الموروث لذا يجعل التصادم استباقي مع تصاعد الاحداث من خلال رمزيات المسميات وغرائبية وسخرية الواقع المتأزم بتناقضات الامس واليوم فهو يقول :

( الحلول التاريخية دائما تأتي لتؤكد قدرة التأريخ على صنع بطولاته بعد خوض جملة من الصراعات العظيمة التي تنجب بالأخير التأريخ الذي نريد ، تاريخ البنادق المخبأة في حدائق البيوت) 

لكن الأم أكثر معرفة من الأب فتسمي ذلك الجنين والذي هو تلميح للمجهول الذي ينطلق منه الوجود وتمهد للنهاية التي بدأها الكاتب من بطن الأم ، برفض خروج هذا الجنين من أحشائها لأن رحمها يضمن له البقاء في الحياة بعيدا عن المفخخات والعبوات الناسفة والأحزمة شديدة الانفجار فهي لا تحترم ألأفكار الداعية لخروجه ، او هي كما يصور الزيدي لا تحترم الأب إطلاقا ، وتصر على بقاء ابنها في بطنها فهذا اسلم ، وهو أي الكاتب يشير في مجمل هذا الصراع الى رحمين احدهما جدرانه تلك الغرفة التي تطل على شارع الجنائز ، وفيه تصور لنا الأم ان الحياة خارج بطنها جحيم وان الأب هو احد الذين سببوا هذا الجحيم المستمر ، والأخر رحم يتوسط بطنها في ظلام المجهول وهذه معادلة قد تستوقفنا كلما تقدمنا في بحر تجربة الكاتب ، فامتلاك الوعي قد يسخر لتعظيم المتناقض في الوجود وهو طرح اصطفى له الفلاسفة في كشوفاتهم ، لكن الزيدي في هذا العمل يسوق التفلسف الفكري في دراما بتجسد طبيعي بالاسود والابيض ، بل هو يستطيع ان يجمد نقاء الابيض بمعناه أي الابيض فعلا وليس الممزوج بلوث المتأصل والموروث ، لذا تجد ( ألام صالحه ) والتي على نقيض الاب نباش فنراها تتخذ موقف سلبي من افكار الاب وعلى طول ذلك الصراع الممتد في صفحات الرواية , وبسخرية تسمي الام تلك البندقية الصدئة التي يخرجها الأب من حديقة المنزل ليخاطب فيها روح أجداده العظام ( سويف خلف ) ولعلها تجد تبريرا مقنع يأتي بمرارة فائرة تفند به كل تلك الأساطير المروية عن البطولات الزائفة للجد في قولها :

- الجحيم يعني الاحتلال ، ولكن لا يمكن لأي احد ان يحتل بطني ، أنها محمية بقدرة القادر .

ان الرواية هي كوميديا ساخرة استمدت سخريتها من التناقض القائم ما بين عالم باطن وعالم ظاهر ، مابين خيال وواقع حبكها الكاتب بتعليقات وانتقادات تنبعث من وعي عارف وعالم بمصير أبطاله، وهو من وراء ما قدم لم يؤسس لكوميديا قصديه .. بل ان التناقض اوجد عملا دراميا شاملا قابل للتصديق عبر لغة طيعة ومباشرة لا تقوم على التلاعب اللفظي او التجريبي فهو يدخلنا في مرج بحرين متناقضين وغير متمازجين فيحتل ادراكنا برزخ من وعي الكاتب الذي يتنكر للواقع الحسي ولكن بطريقة ملتزمه تهيئ القارئ الى الدخول في عمق عالم العماء الذي أسس له الزيدي كما اتصور , ولكي اوضح هذه المفرد المتحررة من خيوط الحس المادي والروحي او التاريخي والميتافيزيقي فأشير الى قول الرسول حين سئل أين كان الله قبل ان يخلق الخلق ؟ فقال انه كان في العماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ) نعم العماء العالم القبلي والذي خفي عن خيال الكثير وقد جاء الزيدي ليكشف النقاب عن جانب منه وهو ينطلق من قوله تعالى ( كنت كنزا مخفيا فأحببت ان اعرف ) فحين يحاول الكاتب المعرفه يتجرع مرارة الواقع فيقسوا بطرحه ليكون رحيما مع المتلقي فيقول  :

( أحس بأنهم يحاولون أرضاء الله الحي العظيم في ملكوته الأعلى عندما يجدوا الشكل الأجمل والأروع والأكثر محبة في عملية قتلي ، هي مجرد رقبة ، هذا متفق عليه ، صغيرة ، طويلة ، غليظة ، رفيعة )

لعل هذه المرارة هي الحب للمعرفة التي جعلت من الزيدي يبحث عنها ، لكن سرعان ما تتحول الى مسلك للتمرد او التصوف لان بطل روايته لديه الذات العالمة بمصيرها وهو ما يدركه العالم او الفيلسوف فيشخص متناقضات الوجود فلا يكتفي بمحاولة الخروج عن مصير بل يرفض الأمر برمته ويتمرد في قول : ( المشكلة التي أرى أنني قد وقعت في  وسطها ، هو وجودي بين منطقتين لا يمكن ان تلتقيا ....ان المشكلة الحقيقية هي ( انا .... انا ) ؟ في الصراع القائم بين طرفي ( صالحه والنباش )

ان في الامر سر يزحف من أحضان صالحه ونباش الينا , انه تأصل جديد قد يكون وهمي ولكنه يأكل ويشرب من بطن صالحه ويفكر ويحب ويكره من بطن تلك الغرفه ( الرحم الحسي ) لذا يقول  

( يجب ان يستمر تأريخ النبش في عائلتنا ) وبهذا لا يؤول الكاتب ما يدرك من الرواية بل يترك ذلك الحمل الثقيل بعيد عنه فتبقى الشبه ترسخ تاريخي في الأب بالذات حين يقول عنه الجنين :

( ان أبي كان يرى بأنه لا يتكلم أنما ينبش ، وهذه مشكلة كبيرة وقع فيها يحيى النباش ، فقد كان جدي - الذي هو أبوه بالتأكيد - يفسر : أن النباش يعني بأن ولده ينبش في القبور ، وكلما حاول ان يفهمه بأنه ينبش في التاريخ  لا في القبور ، لا يقتنع جدي بذلك ويظل مصرا ان النبش هو واحد منذ ان بدأ الإنسان يدفن الموتى في قبور )

انه ينبش من اجل معرفة الحقائق ، او يعيش من اجل النبش في تاريخ الإحداث والأشخاص وخاصة الموتى , ويصرح الكاتب في فضح ما وراء بعض الاسماء بقوله :

( لقد جاءت أسباب تسمية أبي بالنباش لكونه مدرس تأريخ يميل لمفهوم العودة للجذور الإول للتاريخ العربي ، حيث الشجاعة والفروسية والبطولات والغزوات وقطع رقاب الأخر ، ويعتقد ان الواقع اليوم بحاجة ماسة لعنترة بن شداد العبسي وسيفه  وسواه من الأفذاذ الذين كتبت عنهم الحكايات والروايات والقصائد العظيمة )

ومثلما نلاحظ فان الزيدي لايغوص عميقا برغم ما يخبئ لنا لانه يبسط الامر مكرها لكي لا نتذمر من اختناق المعاني وصعوبة اللحاق او الوصول مع الاحداث فيحدد عالم الموجود الحسي والعاطفي مع تحرك العالم المعرفي والفلسفي بتوازي لا تكلف معه لتوضيح الحقيقي :

  ( افهم ان كلمة حرب تعني لعبة صغيرة سيهديها لي أبي عندما اخرج ، وافهم كلمة الموت بأنها تعني اللحظة المباركة التي تطأ فيها خطواتي الأرض ، وان كلمة التأريخ يعني الاحتفال بعيد ميلادي الأول .. هكذا كنت أفسر الأشياء ، وعندما كبرت في بطن أمي أخذت اضحك على هذي التفسيرات ، وبدأت تتكون عندي تصورات عن كل كلمة تقال .... ويكمل : حتى لا يضيع عنا الطريق او كي لا يترك لنا لذة استباقه في معرفة الاتي و ربما يعاملنا بمستوى واحد ويكون امامنا يستكشف ....... قد لا افهم كثيرا خطابات أبي )

ثم يقحمنا الكاتب في تفسير ضيق يختنق معه كل امل للخلاص من تلك التحولات القدرية , ليقول عن الجريمة الكبرى لهذا العالم أنها بدأت في نزول أدام وحواء من الجنة ....  بعد خطيئتهما التي نجني على طول خط الحياة مصائبها ...... وهي التي تسببت بجميع الحروب التي حدثت في الأرض وان الجميع لم يكونوا سوى ضحايا لتلك الخطيئة ) ويضيف في جانب أخر من ان ( الخطيئة عقل قابيل التوسعي ورغبته بامتلاك خيرات العالم ) ثم ينطفئ لديه المبعث الميتافيزيقي ليشكك بالأمر في شطحات تصوف غريبة على النص ، فيقول ( أعيش في كهف يعود ملكه الأصلي لابن جاوه او إنسان نياندرتال ...... ان البشر ينقسمون الى سيد وعبد ) ان هذا يجعل الكاتب في تناقض حي ودائم طبعا لبقية الحدث المشتعل بلهب المعرفة التي تشغل المتلقي بأسئلة الرواية حتى بعد ان تنتهي , بلغز لا حل له !!!!!

قد يتبادر الى الذهن هنا ان آلية التمرد التي اتبعها الزيدي موجودة على مساحات الأدب الواسعة ، فما الذي يعمل عليه او ما الجديد الذي يقدمه ، أقول ان الخيال قديما وحديثا قد اعتمد في بنائه على ثلاث أبنية شيدها الكاتب ضمن الخيال المعلوم وهو خيال سيكولوجي سواء كان إراديا مثل الأساطير وغيرها او لا إراديا وهو الرؤية والنبوة ، فمثلا مسخ كافكا كان كائنا معلوم المعالم لدينا اقصد ان متخيله ضمن نطاق الخيال الحسي الموجود مسبقا في ذاكرتنا وهو أيضا ماعتمدة مخيلة الأساطير القديمة عند اليونان والإغريق وكذلك في الحضارات البابلية والفرعونية ، وانا لا أتكلم هنا عن العلوم الروحية التي أثرت على تلك الأساطير بل عن ما تجسد في رسم معالم الشخصية الأسطورية ضمن المتخيل الحسي للخيال الروحي ، وهو ما نلاحظه بوضوح في البناء الثاني للخيال واقصد الخيال الاسقاطي وهو أحداث تسقط او شخصيه تلبس لإنسان معاصر لديه قيم غيريه يوقعها الكاتب بآلية أدبية مثل اندربه مور في السيمفونية الرعوية او برنادشو في بجماليون او نجيب محفوظ في أولاد حارتنا والأمثلة كثيرة أما النوع الثالث في المتخيل الحسي هو اللا إرادي ويتم في سرد الكاتب لقصة تثمر في عوالم غرائبيه ، وبعد كل هذا نكتشف ان الكاتب يعود الى الواقع حين يستفيق من نومه او تنتهي لعنة السحر التي تلبست في البطل ، من هذا نكتشف ان كل ما يبحث عنه الإنسان بالأمس واليوم هو المستقبل الحسي السهل والمستطاع تخيله وفي أصعب حالات تصوره يكون مستقبل الروحي ما بعد الموت أي عالم البرزخ ، بمعنى مختصر ان الخيال لم يتجاوز ( خيال خالق ... او خيال مؤلف ...او خيال موحي ... ) بل لا يتعدى ان يكون خيالا حسي يمكن تصوره في حين ان الزيدي ينتقل بنا الى عالم قد ضاعت منا معالمه وكيفيات تحوله ألا وهو ( العماء ) وهو عالم لا يحتويه المكان او الزمان ، بل هذه المسائل تكون في طرح الكاتب اعتبارية لجأ إليها ليحدد ملامح الحدث القصصي او البناء الروائي فنلاحظ انه لا يفرق بين الحاضر والمستقبل وفق ما نتصور ، بل يمزج الأمر في عرفانية روحية منزله في قوالب حسية لمداعبة الذهن .. في صور مألوفة يمكن للمتلقي تخيلها ، والمتابعة معها وكشف عوالمها الغرائبيه وهي تسبك في حجر أمومة النص الأدبي , ولعل الحفريات لأساطير الأمس أعطت تصورا أخرا لهذا العالم وخصوصا بعد القراءة التي شرخت وعقّدت التصور الحسي وجعلته خجلا امام اللغة ، وهي قراءات جديدة اعتمد المفردة في ذاتها لا ضمن سياقها مع الجملة كطرح المفكر عالم سبيط النيلي لأسطورة جلجامش لكن أفق هذه القراءات بقي مقيد في العلمية لكون الكاتب أراد هذا القيد ان يبقى للتمنطق في الطرح الأدبي .. لأنه تنظيري لا يتعدى على النص الأصلي إما عند الزيدي فقد تجاوز كل هذا بخبطة محترف وأدرك صناعته او خلقه للنص ، لذلك لم يترك مجالا لترهل العمل الذي يستعين بأدوات فكرية فلسفية عميقة لا تتواجد معها ميزة التشويق ، ومع هذا نرى ان التلاحق في العمل لدى الزيدي أعطى مسافة ابتعادية عن تعقيدات العمق الفلسفي فجاء النص بملمس ناعم رغم حتمية اللا جدوى من صوت المجهول في داخلنا ، وفي النص يمتزج هذا الصوت بالغرائبيه فهو يمتد بنا مع المتغيرات لنستنتج الحدث حين ندخل الى وجوده حسيا بعد ان اوقعنا الكاتب به وصار أمرا واقعيا ألا وهو الخيال المتصل فمثلا  ( الجاره ) التي تنجب (مائة وخمسون إبنا ) لدينا في الذاكرة معطيات تلك الشخصية أنها مثل كل النساء تنجب ، لكن الزيدي هو المسؤول عن ماذا تنجب وكم تنجب وهذا تقارب وتغازل من خيال المتلقي لينير له التقبل لما هو اكثر غرابة في الرواية وهو الشخصية المطلقة في الوجود السردي التي استثناها من حكم القدر وطرد عنها التصور لحقيقة المكان والزمان ، ان الكاتب يوهمنا بأن الجنين له القدرة على الحب والكره وله القدرة على التلاعب بمصير خروجه وكل هذا من اجل الحقيقة التي سيطلقها في الأخير لتحديد النهاية المفتوحة والتي تبقى في حاجة الى الكاتب، لقد استطاع الزيدي ان يصب سبائكه اللفظية ضمن قاموسه اللغوي الذي ابتدعه له المسرح ليكون مقنعا في تخطي التناقض في مشهد سهل موجود في خيال العقل وليس الحسي وهو بذلك يجعل المتلقي ينزلق من خيال الحس الى خيال منفصل يعقل ولا يشاهد ويعلم ولا يدرك ولا يتصف بوجود او عدم ، ولا يصح معه النفي ولا الإثبات لأنه يمثل شكلا فاصلا بين الوجود والعدم والعلم والجهل وذلك لان الحياة لدية مجموعة غرائب تحتاج الى تفسير والطبيعي منها لا يمكن إدراكه او تفسيره لأنه شاذ عن سياق العادة لذا فهو لا يدرك ما هو مدرك لدى كل إنسان بل يكون هذا طفرة نوعيه تطرح سؤالا ينقر صندوقه المتورم بالتناقضات .

( هل انا مجنون بين أناس عاقلين ام انا عاقل أمام أناس مجانين ؟ ) ان الكاتب يبتغي ( السعادة التي نبغي الوصول إليها جميعا ، والتي تعيش في أمكنة سرية يصعب على رؤوسنا - التي لا تفهم سوى لغة الحزن - ان تفك شفرات تلك الأمكنة ! .....  لان قلبي يعرف جيدا ان الحياة ليست سوى فخ لأحلامنا ! .... وان التأريخ حقيقة كتبت بأقلام سخيفة أما الذين لم يكتبوا الحقيقة ، كانت أقلامهم أكثر سخافة لانه كتب بأيد خشنة منتصرة ، أنا لا أومن بالخشونة فهي تذكرني بجدران بطن أمي ..... )

 ولهذا أجد في عملة عالما ما وراء الواقع والخيال ، عالم بكر لم يهبط عليه قلم الأديب ليس لانه غير معروف او مكتشف بل لان دخوله  يسبب تلاش للصورة وضبابيه للمعنى الذي يحتاجه الاديب مع المتلقي وهو يشكل خطورة حينما يحكي عن تصور فلسفي في مجال أدبي .

  

الهوامش

·        رواية ( بطن صالحه ) لعلي عبد النبي الزيدي ( الفائزة بجائزة دبي الابداعية للادب العربي ) ، الطبعة الاولى 2010  ( رواية صدرت بالعربية ومترجمة للإنكليزية ) دار الينابيع - سوريا

 ·        فلسفة التأويل ( دراسة في تأويل القرآن عند محي الدين ابن عربي )  د نصر حامد أبو زيد الطبعة الأولى 1983 ( دار التنوير للطباعة والنشر )

 

 

 

 

جاسم الصافي


التعليقات




5000