..... 
مواضيع تستحق وقفة 
.
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.....
 ÙˆØ§Ø«Ù‚ الجابري
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


إرحلوا ... وإلاّ

عزيز الشعباني

غداً سأكون حراً ... ولكن إلى أين ؟ 

    غادرت الجامعة كعادتي في كل عام عند بداية العطلة الصيفية متوجهاً إلى بغداد حيث توجد والدتي التي تنتظر بصبر نافد هذه الزيارة اليتيمة سنوياً .

     دخلت المدينة حوالي الساعة الخامسة عصراً عبر فتحة في جدار لم يكن لي عهد سابق به ، تتبعت تعرجاته ، والكتل الكونكريتية المتراصة بصورة لا تسمح لدخول شخص إلا من خلال فتحة رسمية ، والألوان المرسومة بفرشاة فنانين محترفين تفننوا في رسم معالم حضارتنا على الجدران العازلة ، كان منظر المدينة يضفى عليه جو العزلة الكئيبة ، وطبيعتها تبدو عذراء كلياً بهذا الغشاء الفولاذي . شعرت أن الممرات خلف الجدران لم تطأها أقدام بشر قبلي ، والمدينة بدت عميقة منعزلة بسبب ارتفاع الكتل الكونكريتية المبالغ به ، والضوء لا ينفذ إليها إلاّ من خلال الثغرات ، فتولد إحساس بأني كنت المغامر الأول الذي ينفذ من خلال الأسوار عبر تلك المنطقة .

     الساعة تجاوزت الخامسة عصراً وهذا الضباب الكثيف الممزوج بالأتربة الذي يميز الجو التموزي في بغداد والذي كان يغمر الأشياء ويضفي عليها منظراً صحراوياً كان كثيفاً مترباً لدرجة أنه أعاقني عن رؤية الأشياء ، التي تبعد عني أكثر من عشر خطوات . بدت الممرات كثيرة التشعب ورؤية الشمس بدت متعذرة ، لذا لم أعرف بأي اتجاه أسير في الوقت نفسه بدأت الجعة التي احتسيتها في الطريق لأقتل بها قيظ النهار اللاهب تفعل مفعولها فيّ فزادت من حدّة اهتمامي بأبسط الأشياء والارتباط بها عاطفياً وصرت أكثر تحسساً لدرجة أني تعاطفت مع ألوان رسوم الجدران وزاد اهتمامي بأوراق الشجيرات المتدلية خلف جدران مدينتي  وصار يثير انتباهي أزيز نحلة أو هبوب نسمة أو الروائح النتنة المنبعثة من أشياء متفسخة خلف الأسوار .

     هذه الأشياء مثلت لي عالم كامل من الإيحاءات ... سلسلة من التخيلات والأفكار غير المتماسكة ، مشيت ساعتين أو أكثر وأنا بهذه الحال على ذاتي أدور كسائح ضلّ الطريق ، بينما كان الضباب الترابي أو التراب الضبابي يزداد كثافة واحمراراً فضاعت معالم المكان ، بحيث اضطررت إلى تلمس طريقي خطوة خطوة ، وامتلكني ضيق شديد ... نوع من التردد والتوتر العصبيين ... كنت أخاف أن أخطو خطوة أخرى لئلا أغرق في هوة لا قرار لها وتذكرت قصصاً غريبة تروى عما يحدث خلف هذه الجدران وعن سلالات البشر المتوحشة التي سكنت وهادها ونهشت لحوم أبناء جلدتها .

     بدأت التصورات الغامضة تجثم عليّ وترهقني، وكان أفظع مافيها غموضها، وفجأة طرقت سمعي إطلاق عيارات نارية فكانت دهشتي بلا حدود والغروب بدأ يلف البيوت بوابل من ظلام مترب .

    ان أبواق الملائكة ما كانت لتفزعني أكثر مما فعلت تلك الاطلاقات ، لكن الأحداث التي تلتها كانت أكثر منها إثارة للحيرة والدهشة ، إذ سمعت قرقعة غريبة كما لو أنها صادرة عن رزمة من المفاتيح ،

 

(1-3)

 

 ثم اندفع أمامي رجل نصف عار ، كان يركض بسرعة خاطفة ، واقترب مني حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهي ورائحة جسده كانت قريبة إلى نفسي ، وكانت يداه مربوطتين بسلسلة أشبه بتلك التي يربط بها الكلاب يهزها بعنف وهو يركض ، وما كاد يحتمي بي حتى اندفع وراءه وحش على هيئة إنسان فغر شدقه واندلع الشر من عينيه ، ولم يعر لوجودي أهمية حين أفرغ ثلاث رصاصات في رأس الرجل بكل هدوء ، فدوى صوت خشن في أذني ولد عندي ايحاء عرضياً بأن أمي تناديني ، الغريب في الأمر أن حادثة القتل بددت مخاوفي ، اذاً هكذا يحصل القتل بهذه البساطة . تصاعد عندي الشعور بالعبثية . تسارعت خطواتي ... أسرعت أكثر ... تابعت سرعتي ... ركضت ... شعرت برغبة مسكرة أن أصرخ ... كل موجة متلاحقة من فكري ترهقني برعب جديد ... كنت أدرك أن التفكير يعني الموت ... أسرعت وقفزت كالمجنون ... لو كنت أستطيع اقتلاع لساني لفعلت ... فكرت في لحظة الجريمة ، لم أستطيع التنفس ، عانيت آلام الاختناق ، أصبحت أعمى أصم ، سكراناً وشعرت أن شيطاناً مستتراً ضربني على ظهري بيده العريضة فانطلقت أركض كالمجنون .

     عدت وحدي من جديد والأفكار تتزاحم في رأسي ، مزيج من الخوف والبله ، وقلبي الذي جنّ من هوس الظلم ، حاولت أن استرجع وعيي ، ولكني لم أقو حتى على أن أنظر بوجه الضحية ، خطوت إلى الأمام باندفاع وجرأة ... فركت عيني ... لملمت أطرافي التي أنهكها التعب ، وهذا الهواء الذي أصبح ثقيلاً على صدري ... جلست على الرصيف الدبق برائحة البول وأنا أحدق في الظلام الأغبر ... نهضت مسرعاً وبحالة من الانفعال المخيف شعرت بأني امتلك كامل قواي ... تذكرت طريقي جيداً ... الطريق الذي يوصلني إلى أمي . هذه المشاعر أدخلت إلى روحي عالماً جديداً أو أملاً أضاء عتمات الروح ، لكن حرارة الهواء ارتفعت فجأة لدرجة لا تطاق ، وانتشرت في الهواء رائحة غريبة ، وتناهت إلى مسامعي دمدمة خفيفة لكنها متواصلة ممزوجة بحشرجة وكأنها رحى تدور وتشبه في انسيابيتها صوت نهر كبير بطيء الجريان ومصحوبة بأصوات بشرية .

     بينما كنت أنصت بدهشة هائلة ، هبّت دفعة قوية من الريح وانتزعت شيئاً فشيئاً غلالة الضباب الكثيفة وكأن الأمر حصل بفعل ساحر ، لذا أصبح باستطاعتي أن أشاهد كل حدود وزوايا المدينة حيث كانت شوارعها عديدة لا تحصى ... تتقاطع في مختلف الاتجاهات بدون انتظام . وأزقة ضيقة وطويلة ويحيطها جميعاً جدار كونكريتي يرسم سوراً حول المدينة ... شرفات ... مآذن ... رموزاً دينية .

     ومع انتشار ضوء القمر الخجول الذي هبط بغنج على سطوح المدينة بدأت تتوضح الدمدمة وظهر حشد عسكري يتقاطر ويتجه وجهة واحدة ، وشاهدت في حركات الجنود أشد دلائل الهيجان .

     فجأة وبدافع لاشعوري تصاعد عندي الاهتمام بما يجري وينبجس في صدري ، وبدا لي أنه يترتب عليّ القيام بدور معين في هذا الحشد الذي يحيط بي ، أحسست بشعور العداوة يملأ صدري وأنا الطالب الجامعي المشحون بالوطنية ، حاولت أن أختفي مـن بينهم ... أبتعد عـن تروسهم ودباباتهم ،

 

(2-3)

 

 وبسرعة هربت سالكاً زقاقاً جانبياً ودخلت المدينة من جهة أخرى ، كان هناك يرتفع الضجيج الصاخب ، رأيت فرقة صغيرة من الجنود تنعكس أضواء الأقمار عن المعادن التي تزين بزاتهم العسكرية ، وأضواء الكشافات الليلية تنير الدرب أمامهم وهم يشتبكون بقتال غير متكافيء مع أبناء مدينتي وهم يتقافزون تحميهم كثرة تعرجات الأزقة .

   انضممت بحالة هستيرية إلى أبناء مدينتي ، لا أدري لماذا ... قد أكون أنصر الجانب الضعيف ، أو على قول الشاعر ((وهل أنا إلا من غزيّة ان غوت ... وان ترشد غزية أرشد)) فاتخذت سلاح ضابط كان قد سقط وسبّب هذا الهيجان ، فرحت أقاتل عدواً لا أعرف لماذا ... أو هل أنا أملك الرشد في قتاله ... وهل هذه الطريقة مناسبة ... ولم يخطر ببالي ما سيحدث للناس الأبرياء ، فقاتلت بكل ما أوتيت من قوة شحذتها من شحن العواطف ، لكني كنت لا أملك أكثر من أن أوليّ هارباً أمامهم في الأزقة ، وسرعان ما غلبنا على أمرنا بسبب قوة العدو عدداً وعدة من جانب ، ومن جانب آخر أننا لانفهم بعضنا جيداً ولا نعرف ماذا نريد ، فمات أغلبنا ولاذ بالفرار القليل جداً ، وأنا هنئت في إغماءة مميتة .

     لعدة دقائق تلت اغمائتي ، كنت أحلم وتبادر إلى ذهني أثناء الحلم ذاته أنني أحلم بأننا ابتعدنا عن مخبأ الحقيقة ونحن نركض وسط الجماهير المحيطة بنا والتي كانت تكوى بنارين في آن واحد وتنظر لنـا ولجنود العدو على حد سواء ، نظرة ملؤها الحنق والخوف والعتب ونحن نتقهقر أمام العدو مشتتين ، حتى أصبحنا في زقاق ضيق تحيط به العمارات الخانقة . ومن هنا ركضنا إلى زاوية لم يبلغها نور الشمس وهنا صار احساسي الوحيد ليس سوى الظلمة والعدم ، مع حلم واع بأنني ميت ، وبعدها أحسست وكأن روحي قد اعترتها هزة قوية ومفاجئة كصدمة التيار الكهربائي ، ومع تلك الهزة عاد اليّ الشعور بالتمدد والإحساس بالضوء ((لم أر الضوء إنما أحسست به)) وشعرت خلال برهة وكأني أخرج من بطن الأرض دون أن أملك حضوراً جسدياً ، وكانت العساكر غادرت المكان والصخب قـد توقف ، بدت المدينة هادئة نسبياً إلاّ من المشيعين لبطل مدينتي الذي كان يقودنا ليلة أمس ، فبدا إليّ حين اقتربت منه أنه القاتل الذي تجاهلني وقتل الرجل المقيد الليلة البارحة .

     تحتي كـان جسدي ملقى على الأرض ورأسي مثقل بجروح لا أعرف مصدرها ... تلمسته وكـان منتفخاً لدرجة أن شكله قد تغير ، لم أر هذه الأشياء أيضاً إنما شعرت بها ، لم يتملكني اهتمام بشيء ، حتى أن جسدي الميت لـم يستحوذني على أي اهتمام ، ولم أكن أملك إرادتي ... بدا لي كأنني كنت مجبراً على الحركة ... طفرت بخفـة خارج المدينة متبعاً نفس الطريق التـي قدمت منهـا عندما وصلت تلك النقطة من الطريق حيث احتمى بـي الرجل المقيـد العاري ... اعترتني ثانية تلك الهزة الروحية حين عرفت أن المقتول كان أخي الأكبر ... عدت إلى نفسي ... توجهت بشوق اليم تشوبني كل مظاهر القرف والضياع صوب بيتنا الذي وجدته مهجوراً ومكتوب على جدرانه ((ارحلوا ... وإلاّ)) .

       

 

 

عزيز الشعباني


التعليقات

الاسم: حسن
التاريخ: 06/02/2011 14:43:38
الموضوع جد مشوق واللغة قمة في الاداء ولكن اريد ان اعرف ان كانت القصة حقيقية.




5000