.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الصمت في المسرح..فعل التأويل والازاحه

د. سامي الحصناوي

لطالما اهتمت العروض المسرحية منذ ظهور الممثل الاول على يد ( ثيسبس ) في عصره اليوناني بالحركة والصوت للتعبير الدرامي عن مكنونات  الشخصية والاحداث الدرامية , وربما قد بالغت هذه العروض بزيادة ودفع ما في دواخل شخصياتها المسرحية من حواس وعواطف ومشاعر تجاه المتلقي مستخدمتا ً المنظر والاكسسوارات والقناع والحيل البصرية والمهمات المسرحية لتدعيم ذلك الشعور ولتجسيد قيمة العرض دراميا ً.وفي مرحلة متقدمة على ذلك لاسيما في العصر الروماني , ابتكرت هذه العروض الايماءة والعروض الفردية والتمثيل الصامت , كمصدر مهم مضاف للحركة والصوت لزيادة التعبير عن الشعور الوجداني لشخصيات المسرحية .لكن عندما نتخطى تلك الفترة الزمنية باتجاه العصر الحديث , نجدُ ان الممثل احسَ ان هناك شيء ما ينقصه لتكون الصورة كاملة في جملة التعبير العام لمعالم هذه الفترة التي تشابكت وتعقدت فيها سبل الحياة ووسائل التعبير عنها , فكان ان ابتكر في وقت لاحق لغة ( الصمت ) لتعبير ادق وانضج عن مكنونات النفس البشرية , ومحاولة إثارة اكبر قدر من انتباه المتلقي ودمجه مع احداث العرض والحدث المسرحي , ولكن هذه التقنية الجديدة على اهميتها الخطيرة على مسار العرض المسرحي وقيمته الدرامية وتماسكه وايقاعه , لا تخلوا من اشكالية , فكان السؤال ..... متى وأين ولماذا نوظف مفهوم الصمت في الاداء والحدث المسرحي وتأثيره على الفعل المسرحي ؟ ومن ثمَّ والاهم تأثيره على المتلقي ومسوغه وجوده بين ثنايا تلك الاشارة او تلك الحركة او الفعل ؟ والمشكلة الاخرى ما هي درجة تأثير الصمت على الايقاع العام على المشهد والشخصية المسرحية ؟ على اعتبار ان ( الصمت ) لحظة سكون داخل الفعل او الحركة أو الحوار , وبالتالي لابد ان تكون له علاقة بايقاع الشخصية وايقاع الفعل الدرامي المستمر داخل العرض , ومن ثمَّ كيف يوازن الممثل بين الفعل الحركي والصوتي وبين فترات الصمت وحدودها المعقولة دون ان تصبح عبئا ً بلا فائدة ؟ وهل يجب ان يتكرر فعل الصمت او يكون لمرة واحدة داخل الفعل او الحدث المسرحي للعرض ؟  فمنذ ُ ان ادرك الانسان البدائي حاجته الى التواصل والتعبير عن خواطره ورغباته , فطنَّ الى اهمية الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك فاستعانَّ بالحركة والصوت ثم الكلمة أي ( اللغة ) والتي تمثل اعلى درجة في التعبير المادي والحسي عن مكنونات النفس البشرية او طرح المعنى المباشر او المبطن , لكنه لاحقا وجد ان هذه الوسائل غير كافية للتعبير الانفعالي المتزايد عن تلك المكنونات اللامنتهية فكان التعبير الايمائي عن غرائز او حاجات يوضح فيها هذه الرغبات

 

فمثلا " حركات الاطباق المحكم للاسنان او قبضات الايدي هي إعدادات واضحة للقتال , ومن ثمَّ فهي تكشف عن الغضب " (1 )  ومن ثم فقد وسعّ افق تجربته في التعبير عن، الخوف، والقلق، والهم، والصدمة والفرح , بوسائل ايمائية اكثر قدرة على ملامسة ادراك المتلقي لها , فلكي يكشف عن الخوف والصدمة فهو يلجأ الى " تجميد الحركة والصمت , او فتح العينين بشكل واسع او التنفس بشكل واضح , اما الهم او القلق فهو يستدل عليه بواسطة الحركات العصبية , كالخطو جيئة وذهابا ً , والهرش في الرأس , وطقطقة او فرقعة الاصابع (2 )  , ثم ادرك لاحقا ً اهمية التعبير بالعين او الوجه بشكل عام , حيث ان الوجه هو احد الاعضاء كبيرة الاهمية بالنسبة للتعبير الانفعالي , ولكن هذا الانسان ادرك ان هناك شيئا ً غامضا يمتلكه اكثر قدرة على التعبير من كل الوسائل التي استخدمها سابقا ً , أمرا ً املته الفطرة في التعبير , فكان ان اكتشف ( الصمت ) الذي يمثل واحدا ً من الافعال والنشاطات التي مارسها الانسان والتي تنتج افعالا لأنظمة مشتركة الدلالات لفعاليات الانسان كفرد او مع الاخر او مع الجماعة لاقامة طقوسه وانشطته الحياتية , هذه القدرة التي يصنعها الصمت على  التخيل وتأويل المعنى أصبح اكثر قدرة على تحميل الموقف المشترك بين صاحب فعل الصمت والاخر لدلالات تعجز الحركة او الكلمة او الايماء على سبر اغوارها او فك شفرتها ومعناها , فان " الصمت من حيث هو لسان ( لا من حيث هو فراغ , الصمت حاله الصفر من اللسان او موقف جدي " (3)  فالمعنى المستخلص من فهم الصمت اكثر وقعا ًفى ايصال الدلالات الى الاخر من الاسهاب في الشرح وبذل الجهد العضلي والصوتي لايصال نفس ذلك المعنى . يركز ( بن جني ) على القول او الكلمة او المعنى من دون صوت او لفظ الا بالاشارة الحسية , أي بلغة الصمت ... بقوله " وقالت له العينان سمعا ً وطاعة , فانه وان لم يكن منهما صوت "(4) انه معنى الدلالة الحسية مصدرها او تنفيذها يحسن معها الانسان بحاجة الاخر او المجموعة الى مبتغى ما او الى معنى فيه غموض دون نطق بصوت او كلمة . لكن هذا لا يعنى ان الصمت هو بديل اساس عن الكلمة او المفردة او الحوار او هو افضل منهم جميعا ً , ولكن قد يبدوفي لحظة ما ان لغة ( الصمت ) قد فاقت عليهم او انها تملك القدرة على ايصال المعنى , بل وفي بعض الاحيان لديها القدرة على مساندة وجعل الكلام اكثر تأثيرا ً بملازمته فعل الصمت سواء كان هذا الكلام او الحوار قبل او بعد الصمت , فـ " الصمت فراغا ً في الوجود بل هو الملء  البنيوي لـ أنا يملأ عنده حضور الشخص الفرجة بين الالفاظ والاشياء والغير , لا ينفي اللسان بل يهيئه بنفس الدلالات , او على الاقل بنفس العلامات "(5) .وعلى مستوى العلاقة السابقة بين ( الصمت ) والكلمة , فان الصمت كذلك ليس بديلا ً هو الاخر جازما ً على الحركة او الجسد , بل هو مرادفا ً او قد يفوقهما في بعض الحلات التي يكون فيها الصمت اكثر قدرة على التعبير في لحظات معينة درامية تعجز منها الكلمة او الجسد او الصوت او الحركة على اظهار التعبير او المعنى الذي يختفي وراء اللفظ او الكلمة " فالجسد لا يعبر عن وإنما

 

 

يشير الى ولا يسهل تحويله الى معبر عن مباشر إذ يستلزم ذلك تحويل التجربة الصامتة الى تعبير عن معناها الذاتي أولا ً" (6) .  وعليه فان ( الصمت ) حالة من تجميع الرموز يتولى العقل ترتيبها وتجميعها ليتسنى تفسير العالم  المحيط بالإنسان والتعبير عنه من خلال اخراج المعاني الداخلية الدفينة او المختبئة الى حيز الوجود وعليه فان الصمت هو تعبير فطري في المقام الاول , أي انه لا يأتي بالمرتبة الثانية في اتمام عملية التعبير وفي تشكيل وقولبة المعنى , وانما هو اصل المعنى بصفته المباشرة او المتأولة , والذي يكسب الرموز والعلامات ودلالاتها سمتها ويترجمها الى معان ٍ قد تتشظى الى اخرى بفعل التأويل او الغرابة او الغموض الذي قد يكشف مرحلة اللحظة الصامتة وانسلاخ اللغة التقليدية المتمثلة بالكلمات والالفاظ عن شكلها المألوف واحلال لغة اخرى تتسم بشكل ثان ٍ من التعبير الذي يكتنفه الرمز في محتواه ودلالات متلاحقة ومتسارعة في ايصال معنى خطير تعجز صراحة المفردات عن اتمام شكل ذلك المعنى بعلانية، فالصمت لغة قاسية في صراحتها سواء كانت هذه الصراحة فيها من الشدة او اللين او العاطفة او المعاداة وما يترتب على فعل ذلك الصمت ومعناه الغامض او الواضح من دلالات اخرى قد استجدت بفعل تلك اللحظة وصمتها , او بفعل امور تعقدت وتراكمت تبعا ً لتأويلها الصحيح او الخاطيء .

 

وفي النص المسرحي  غالباً ما تتحدد هويته من خلال بنيته الفكرية أو ثيمته وكذلك حبكته أو شكله الحكائي، ومن ثمَّ بينته الحوارية التي من خلالها تتجسد هوية الشخصيات وأساليبها في النطق والتعامل، ومنذ نشأة الدراما في العصر اليوناني ، كان الحوار ركيزة مهمة في إنشاء جسد الصمت، واعتمد عليه المؤلف المسرحي في إدراج أفكاره عبر لسان شخصياته ولم يتورع أن لا يعير لكل التقنيات الكتابية الاهتمام الأكبر بقدر ما أعطاها للحوار الذي يكشف قدرته الأدبية في فرز وتحديد انتماء شخصياته الاجتماعية المتخيلة على أساس الطبقية الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى العصر الحديث والمعاصر تمكن كل المؤلفين من تمتين الحوار ليكون سيد الموقف في تعامل الشخصية وليكون الفاصل في إتمام وحل عقدة النص وثيمته ومن ثمَّ خاتمته، ولكن هذا الموقف قد تغير بفعل ظهور جيل من المؤلفين الذين ضربوا الحوار عرض الحائط واعتبروه جزءاً من تركه ثقيلة من الوهم والقيد والزيف والخداع والتلاعب بالألفاظ والعقول للوصول إلى مرامي ليست شريفة حيث ظهرت حركة العبث في المسرح ، التي أخذت من الفلسفة الوجودية جانبها السلبي التشاؤمي الذي يقول بوحدة الإنسان الوجودية واغترابه في عالم يناصبه العداء وباستحالة التواصل على أسس موضوعية، ولعل مجموعة من هؤلاء الكتاب أمثال (صموئيل بيكت) و(يونسكو) و(اداموف) و(هارولد بنتر) وغيرهم قد ركزوا على فكرة عبثية هي عدم مسوغه أو مدى التعامل باللغة في الحياة واستبدالها بعناصر المرئية المجسدة بعكس الاستعارة في المسرح الأغريقي القائم على اللغة وشاعريتها، والمؤلف (هارولد بنتر) قد أكد في نصوصه المسرحية نظريته العبثيه للغة والسخط عليها وحلاله الصمت كمعبر صادق عن صمت الحياة وتوقف الزمن ، ضارباً اللغة عرض الحائط مشتتاً ومشككاً استمراريتها في تأكيد الحقيقة لأنها تأتي بواسطة زيف اللغة وقيودها وانفصالها عن الحياة، فاللغة (بنتر) سجن يجلد فيه الذهن والعقل والجسد داخل قبضان لاحراك منها، فاللغة لامعنى لها واستخدامها هو نمط قهري استبدادي ، لذا فقد استخدم اللغة لمجرد السخرية منها ومن الحياة بشكل عام، فنرى الحوارات في نصوصه قصيرة ومشوهة ومبهمة وغامضة، وباتت الفكرة التي تعبر عنها غامضة هي الأخرى ، حيث تعبر عنها فكرة أخرى طارئة وغربية لتكشف عن هذيان الإنسان الذي لا ينقطع تجاه ما يحصل من دمار وحروب وعبثية وموت الضمير والإنسانية بلا معنى، لقد وجد (بنتر) في الصمت مضاداً حيوياً لطغيان اللغة وسيطرتها وجعلها الرئة في التنفس والإفصاح والتبليغ لأنها صادقة وثابتة وتمثل موقفاً فيه من الجرأة والشجاعة أمام قوى غاشمة لا قدرة على استباحتها ، تتمثل في صُناع الكلام ومراوغتهم المزيفة،

 

ولكن هذا الإحلال أو التبادلية بين الصمت كلغة وبين الحوار كلغة متحركة، قد شابها هي الاخرى نوع من الاشكالية في التلقي والمتعة والفهم ومنها ، هل يعبر الصمت حقيقة عن رغبة الأطراف في خضم التجربة التقليدية السابقة؟ وهل غموض اللغة وقصورها التواصلي المبهم كفيل بأن يقنع المتلقي ومعرفته الراسخة بأن الصمت هو البديل الموضوعي عن الحوار في التعبير والإمتاع ؟ وهل تجزئة الجملة الكلامية وغموضها ونسف الفكرة والوحدات الأرسطية يساعد على تقبل النص وأبعاده عن الملل والسأم ام العكس ؟ لطالما كان الصمت إشارة إلى الحكمة والمعرفة وحفظ الحياة أو على أقل تقدير تقليل الضرر بأقل الخسائر ، فالمقولة الشائعة (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) خير دليل على ذلك ، ولكن ليس الصمت بمعناه السلبي المرادف إلى الخوف ، بل الصمت المعبر عن جملة من الحقائق التي لا تستطيع الكلمة أن تفعلها أو تدرك معناها الحقيقي ، فالصمت قد يعني (الادانة أو الحب أو الاحتجاج) هو مفرده مضمره تحمل معنى الدلالة الحسية المتحركة، فالصمت دعوة الآخر إلى التأمل والنظر والوصول إلى قرار ، فالصمت لغة تتحرك من خلالها جملة من أعضاء أو أفعال ، فقد ترافقها لغة العيون أو ابتسامة دالة أو تقطيب الحاجبين. إن الصمت موقف عاطفي أو فكري أو اجتماعي يستمد قوته من قوة من يفعله ومن يدركه ومن قوة الكلمة قبله أو بعده ، وإذا كانت الكلمة تعمل كونها شيئاً أو معلومة أو خبر يستحق الانتباه والتركيز ، فالصمت له قوة التنفس والافصاح البليغ ، وإذا كانت الكلمة مدعاة إلى التعبير في أبسط أعرافه فالصمت بصفته وقدرته في سياق التعبير يستحق النظر والتأمل ، فهو على مستوى من الانتباه والتقدير من حيث الأثر الدرامي والوضوح . إن الصمت لغة بلا كلمات لديها القدرة على تجميع الرموز التي تشتغل بفعل تضمينها في ثنائية الوعي بين الذهن أو العقل أو العاطفة ، لكي تكون بعد ذلك قادرة على معرفة وتفسير أو التنبيه إلى البيئة المحيطة بالإنسان ، وتبيان خواصها الداخلية الدفينة ، ومن ثَّم العمل على انتقالها إلى سطح أو حيز الوجود . إن الصمت سواء كان تكوين بصري مرئي محسوس ، أو مرئي متخيل ، أي سواء كان في النص أو العرض المسرحي أو الحياة فهو يستطيع أن يحجم التكوين المتخيل للغة التقليدية ، ويعمل على تحيدها ومن ثم لتحل لغة جديدة تعمل على وفق التعبير الصامت المؤثر، ووفق الغاء المعايير البونية في اختصار أو اختزال المسافات الوهمية الحسية والفكرية والاجتماعية ، وازالت رواسب المفردة الكلامية وقلقها الفطري في غياب وضوح علامات الإنسان المتحضرة ، لتكشف زيف العلاقات وتعري الجوانب المظلمة التي تتحكم بالإنسان وتجعله قيد استبداد السلطة والتحكم اللامنتهي بمصائر البشر وإشاعة الكراهية والدمار والحروب ، فاللغة مفردات مكررة وصناعة وحشية لا تجلب غير الملل والسأم والنفور ولن نستطيع أن نخرج من أسرها إلا بتهميشها ووضعها في قوالب ذات جمل قصيرة تتسم بالغموض ، ليس لها معنى كما هي الحياة ، والصمت لغة سكتت فيها المفردات وسكنت الذهن والعقل والفؤاد لأنها عنوان صادق لدهشة الإنسان مما يحصل وهي صدى حقيقي للفضيحة المودوية في جور العلاقات السائدة التي هي أقرب إلى التعري والفساد ، فـ "عندما يخيم الصمت الحقيقي يظل معنا الصدى ، ولكننا نكون أقرب إلى التعري"(7) وهذا تأكيد على قدرة فعل الصمت على استجلاب ما وراء المعنى أو المستور عنه في الحقيقة بلا كلام أو لفظ أو صوت .

 

قال (هارولدبنتر) في واحد من خطاباته النادرة عام 1962، "هناك نوعان من الصمت، صمت لا تلفظ فيه كلمة ، وصمت قد يستخدم فيه سيل من اللغة"(8) ، وفي كلتا الحالتين هناك حقيقة تكمن وراء فعل ذلك الصمت ، حيث تتجلى قدرتان في فعله الأولى في شكله وأسلوبه وعمقه الموضعي أي اللحظوي الزمني والثاني القدرة على أسلوب إيصال مغزاه إلى الطرف الآخر سواء كان فرداً أو جماعة ، وفي نهاية الأمر مدى استيعاب ذلك الأخر أو الجماعة فك رموزه ومعرفة مبتغى ما يريده الأول للوصول إلى جوهر المعنى عبر ذلك السكون الكامن في فعله ، وتلك القدرة على تشظي جملة من العلامات قد تكون اللغة المحكية عاجزة عن إدراكها، يقول الشاعر (نُصيب) ، "ولو سكتوا اثنَتْ عليك الحقائِبُ"(9) وذلك للدلالة على ما بعد السكون من معنى مجازي يفوق الوصف فرد عليه أحدهم "نحن اعزك الله ، نسحرُ بالبيان ، ونموَّه بالقول ، فَاِّثر في امرِنا اثراً ينطق إذا سكتنا"(10) ، أي مدى قوة ذلك الأثر فينا عند السكوت بدون همس أو لفظ بسيط ، ولكن مع ذلك فأن الصمت من حيث دلالته والتعبير الذي يبغيه هو لغة باطنه أو حوار غير منطوق يقراءه ويسمعه العقل لا الاذن ، وهذه دلالة على المزاوجة بين الذهن أو العقل وإدراكها وبين الصمت كلغة حسية نفسية تقرائها العيون وتدركها العاطفة . فـ "الصمت يمثل معطى لغوياً ، ولكنه لا يلتزم سياقات الحوار المألوفة لأنها منطقة حوارية تعبيرية تمثل منطقة الإحساس والمشاعر الباطنية التي لا يمكن لها أن تندرج تحت أي سياق ، لأنها تكون منفلته حتى من قوانين الطبيعة ذاتها التي تمثل شكلها الخارجي ، ومن هذه الحالة (يشكل الصمت) بؤرة ثرية واسعة لا يجدها حتى شكلها الخارجي الذي يكون هو الأخر منفلتاً عن السياق الضابط لشكله الظاهري له مما يمنح له هذا الانفلات علامات خاصة"(11) ، وبذلك التشظي العلاماتي تتشكل مساحة واسعة من الفهم في السياق السيميائي وتتمدد إلى فضائيات التأويل في حدود المعنى المحصور ، وعند ذلك فأن (الصمت) يخلقُ جملة من التناقضات تصبُ في تفعيل المعنى وإدراك مراميه للغير مباشرة أو تأويلاً ، بأسرع فترة مختصراً الزمن وإيقاع الحركة ومبررات الصياغة اللفظية وثقلها لذلك فأن "الصمت يمثل البنية العميقة الماثلة في مساحته المخفية التي تشكل تأويلاً فضلاً عن أنها تمثلُ ثراءاً سيميائياً في إنتاج معاني متعددة للصمت وعلاقاته النسقية المتنوعة وكل مرتبط بسياق منظومته"(12) ومع هذا النسق التأويلي السيميائي للصمت ، فأن لديه الجرأة على كشف الحقيقة مباشرة وبلا ستار أو تغطية بلاغية، ومثلما يؤكد (هارولدبنتر) على أن الصمت هو كشف للتعري ، فأنه يقلل من أهمية الحوار الذي يغطي هذا التعري بقوله" إن إحدى طرق النظر إلى الكلام هي القول أنه عبارة عن خدعه بارعة لتغطية التعري"(13) . فالعلاقة قد لا تأتي من خلال الكلام بل من خلال نظم أخرى ،كألايماءه أو الحركة أو الصوت أو الصمت فإذا "كان اللسان علامة فليست كل علامة لساناً"(14)، ومن هذا نجد الصمتُ يمثل بؤرة من بؤر الخطاب التي تكون صورتها الظاهرة في اللفظ الممتلك لمظمونه الدلالي المتفق على معناه ضمناً فهو يمثل الوجه الثاني للملفوظ المختفى تحته .

 


 

 

([1]) ويلسون , جلين :سيكولوجية فنون الاداء , تر : شاكر عبالحميد , ( الكويت , المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب , سلسلة عالم المعرفة ( 258 ) , 2000 ) , ص168 .

([2]) المصدر نفسه , ص169 .

([3]) اوزياس , جان ماري : النيوية , تر : ميخائيل فحول , ( دمشق : منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي , 1972 ) , ص65 .

([4]) بن جني , ابي الفتح : الخصائص , ج1 , ( بغداد : دار الشؤون الثقافية , 1990 ) ص25 .

([5]) اوزياس , جان ماري , مصدر سابق , ص65 , ص66 .

([6]) باربا , اوجينو واخرون : طاقة اممتل , تر : سهيل الجمل , ( القاهرة , وزارة الثقافة , مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي , 1999 ) , ص5 .

 بنتر، هارولد (1930 -

    كاتب مسرحي، وممثل، ومخرج إنجليزي مشهور في بريطانيا كأحد أقطاب مسرح العبث، من أعماله حفله غيد الميلاد 1957 العودة 1965، أرض غير مأهوله 1975، أنظر: رينجير، جان بيير: قراءة المسرح المعاصر، تر: حمادة إبراهيم، القاهرة: مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ، 2004، ص235 .

([7]) هيمن ، رونالد، قراءة المسرحيه ، ص45 .

([8]) المصدر نفسه ، ص45 .

([9]) الجرجاني، عبد القاهر : دلائل الاعجاز ، (القاهرة : مكتبة الخانجي ، 1989) ، ص511.

([10]) المصدر نفسه ، ص511 .

([11]) الميالي ، سافرة ناجي : الصمت في نصوص اللامعقول ، إطروحة دكتوراه غير منشورة بغداد : جامعة بغداد ، 2004، ص14 ([12]) الميالي،سافره،مصدرسابق ، ص14 .

([13]) هيمن ، رونالد ، المصدر السابق ، ص45 .

([14]) اوزياس ، جان ماري ، البنيوية ، كلية التربية: ميخائيل فحول ، (دمشق : منشورات وزارة الثقافة ، 1972) ، ص63 .

د. سامي الحصناوي


التعليقات




5000