هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جواد الحطاب في نماذجه العالية

جواد الحطاب

 د. محمد رضا مبارك

 ديوان الشاعر جواد الحطاب (اكليل موسيقى على جثه بيانو) الصادر عن دار الساقي ، واحد من الاعمال الشعرية المميزة ، التي نشرت في السنوات الاخيرة ، وقد ظل الشاعر يواصل كتابة القصيدة بطريقة تدعو الى النظر جديا في مشروعه الكتابي ، وتوضيح هذا المشروع وسط زحمة الاسماء الشعرية في جيله والاجيال اللاحقه ، مع ضبابية المشهد الشعري العراقي منذ الستينات حتى اليوم ، واذ كون الستينيون بعض ملامح تجربتهم على الرغم من اختلاف هذه التجربة وتقاطعها في مابينهم ، فان السبعينين عملوا على تجاوز الزمن في تجارب السابقين ، ان جواد الحطاب كان حذرا من الدخول في المشروع السبعيني المدعى والمفترض ، وظل يكتب خارج النخبة السبعينية التي عملت جاهدة على توسيع مشروعها الشعري ، وربما كان على حق في حذره هذا ، ان السبعينين لم تكن لهم هوية ابداعية واضحة ، على الرغم من كثرة القصائد وكثرة الكلام فيها وحولها ، وليس هذا غضا من التجربة السبعينية ، فلابد من ان هذا الركام الشعري سوف يفرز نوعا جديرا بالرعاية والاهتمام ، اذا تصدى ناقد متفرغ ليدرس التجربة بجدية وتفصيل وقدرة نقدية متميزة .

    الشاعر جواد الحطاب اذا داخل في اعطاف الشعر السبعيني وخارج منه في الوقت نفسه ، فهو لم ينجرف منذ ديوانه الاول (سلاما ايها الفقراء) في لعبة الشكل ، الذي وصل الى مداه في الستينات والسبعينات عبر مجلة شعر ، وموجة قصيدة النثر التي تأثر بها المحيط العربي والعراق على وجه الخصوص ، وكانت بيروت هي الموئل والحاضنه الحقيقية للحداثة الشعرية ، كان كل شئ مغريا للشعراء كي يدخلوا جميعا في مشروع قصيدة النثر ، بعد ان قالت قصيدة التفعيلة كل مالديها في شعر السياب والبياتي واخرين ، ولم تنفع محاولات التجديد لبعث دم جديد يتدفق في عروقها ، ولعل سعدي يوسف هو اخر من التزم بالتفعيلة مشروعا شعريا نهضويا ، يقف الى جانبه عدد من الشعراء في مقدمتهم محمود درويش .

بعد الاضطراب السياسي بل الفوضى السياسية العربية اضطرب المشروع الشعري العربي الذي توضحت اركانه في الخمسينات في شعر الثلاثي العراقي المعروف السياب والبياتي ونازك ، فلقد قادت فوضى السياسة الى فوضى الفكر ، والشعر جزء من الفكر واذا اردنا شعرا عميقا ، فلا بد ان تكون البنيات التي تنتجه مستقرة والا اصبح شعرا انتقائيا فاقدا لمكانته وكينونته . ولعل القارئ العراقي يستجيب ويتفاعل مع القصائد التي تكتب داخل الوطن ، لاسيما في السنوات الاخيرة فالشعراء العراقيون الذين حلوا ضيوفا خلال ايام معدودة ثم رحلوا ليسوا هم الشعراء الذين ينتظرهم القارئ ، انهم خارج السياق الانفعالي الوجداني المأساوي ، فهم يسارعون الى الرحيل قبل ان تطأ النار المشتعلة اطراف اثوابهم ، وهم محقون ربما في ذلك ، والقارئ محق ايضا في موقفه فهم لايمكن الا ان يكونوا شعراء في منافيهم البعيدة ، ونتذكر ان اجمل قصائد الجواهري هي تلك التي كتبها في بغداد ، اما قصائد المنافي فلم يذكر منها شئ ، وقد اقتضت الضرورة ان يلوي اعناق قصائده لكي يجازي اهل الفضل الملوك والامراء .

جواد الحطاب اقام اقامة مطلقة بل هو المقيم بلا اقامة لان قلقه وهواجسه ، تجعل اقامته هلامية رمادية اللون ، وقد خرج بعض الوقت الى سوريا لكن المنفى القريب لم يكن قريبا فعاد مسرعا بعد فترة وجيزة ، ان قراءة لشعره قائمة على اساس الوعي الممكن ضمن اطار فكري حدده لوسيان كولد مان ربما يكون اكثر فائدة في قراءة الشعر على الرغم من مضي سنوات طويلة على البنيوية التكوينية ، فالوعي الممكن هو استباق الوعي السائد انه اطروحه المح اليها فيما بعد رولان بارت حين انتقل بالنصوص من رؤية التعبير الى رؤية التغيير ... وبهذا فان الوعي الممكن ليس هو الوعي السائد انه البحث عن تغيير ما يقع في الذهن ، اما الكلمات فهي اوعية لهذا الوعي . يقول الشاعر :

هل فاتك فاتك

ام ان جميع الفتاك

كمنوا فيه

انه المتنبي يفتح جواد الحطاب ديوانه به وفي السؤال طريق لفتح التاريخ وقد بدأ الشاعر تاريخيا فذكر الخلفاء العباسيين والعلويين وطرح اسئلة مهمة حول نسق التاريخ ، وماذا لو لم يات بنو العباس وماذا لو لم يقتل فاتك المتنبي ، اسئلة افتراضية باتجاه افتراضات اخرى ، سياق حضاري تاريخي فليس فاتك هو قاتل المتنبي وهو تصور شعري غاية في الحذق لان السؤال سوف يفضي الى قضية تاريخية ، فالمتنبي مطلوب ليس من فاتك بل من الامة ، الشاعر يوضح رؤيته تلك القول :

هل فاتك فاتك

ام نحن جميعا كنا فيه

هي الامة التي منذ عهد سحيق تقتل مبديعها او تنفيهم ، لذا فأن المتنبي في وعي الشاعر الممكن رمز لتخلي العصور عن حكمائها ، لذا ظلت الارض عطشى لحكيم او شاعر او فيلسوف ، على هذا النحو نفي ابن رشد واحرقت كتبه ، وعلى هذا النحو ايضا غادر البحتري الى منبج وهو في الثمانين بعد ان طغى سلطان العامة في بغداد ومات هناك ، لم يحتمل احد بيتا من الشعر القاه البحتري في حاضرة العباسيين حين وصف الدنيا :

     تراها عيانا وهي صنعة واحد                  فتحسبها صنعا حكيم واخرق

  

واذ نفي البحتري ، فقد ظل النفي والقتل والاهمال يطارد كل فتى او شيخ ، لذا اشارة جواد الحطاب تلخص تاريخا عميقا في جملة واحدة (لكنك كنت المتنبي فقتلناك) (ص17) والاشارة الصريحة في الجملة السابقة جاءت بعد سلسلة من الممهدات التي وضعها الشاعر ، فلم يكن هناك سبب واضح لقتل المتنبي لكن المتنبي تحول الى رمز وابتعد عن معناه المحدد الى المعنى الاوسع ، خرج من الفردي الى العام ومن المحدد الى المطلق وهو يتناسق مع رموز اخرى ، وهو عنصر من عناصر اخرى ، يشكلون جميعا نسقا مفهوميا ينسحب على الحاضر ، بعد ان تجذر في الماضي (قتلناك فقط كي نعطي رأسك تذكارا للسياح من النحات) .. هل الشاعر يصور الماضي ام يصور الحاضر ؟ حين يتجاوز رمز المتنبي العصور وهناك من امثال المتنبي يعيشون بيننا لكننا قتلناهم ، وسجلنا سبب قتلهم على الشركات او على (العم سام) كما يقول فكثيرا يقتلون من اجل النفط ، وحين تحول الرمز من الشخصانية الى الوطن بأكمله او الاوطان كلها التي اغتيلت بسبب النفط ولما تزل وهو يشير الى مأساة حاضرة تقترب من مأساة ذهاب الوطن وتفككه .

القصيدة اذا تعبير عن الواقع او صوغ لغوي له وهي قد تتجاوز الواقع الى بوح اعلى على شكل وهيئة الشعر المؤسس الذي لايقف عند الحادثة بل يتجاوزها ولا يقف عند التعبير بل عند التغيير يتجاوز الرؤيا الفردية الى الرؤيا الجماعية (( فكل عمل ابداعي هو تجسيد لرؤية العالم التي تصنعها الذات المجاوزة للفرد ، وذلك بالمعنى الذي ينقل هذه الرؤيا من مستوى الوعي الفعلي الذي بلغته الى مستوى الوعي الممكن خصوصا عندما يكشف العمل الابداعي عن التلاحم العلائقي للرؤيا وتجانسها الفكري من منظورها الخاص على الاقل )) .هذا المستوى الذي يجب ان تصل اليه الاعمال الابداعية قد لا يتحقق الا بأعمال ذات بناء شكلي ومضمون كبير وقد تقود اليه مقاربات فلسفية وعقلية لاتصل اليها النصوص المعتادة ، او النصوص التي تجهد للخلاص من المعتاد الذي ألفته الذاكرة النمطية ، فالخلاص في النصوص المجاوزة هو ماتبحث عنه مجموعة جواد الحطاب ، التي تجهد لتجد مكانا لها داخل الوعي الممكن لان كبار المبدعين لايقفون (( عند حدود الوعي العقلي مقتصرين على وصفه وانما يلقون الضوء بأعمالهم على التلاحم البنيوي لرؤى العالم التي تتولد منها اعمالهم ، كاشفه عنها ومؤكدة التلاحم العلائقي لوعيها الممكن في الوقت نفسه )) .

ربما كانت الافكار الاساسية للوسيان كولد مان ، مازالت تطرق الذاكرة وتعيد اليها بعض اشراقات ثمانينيات القرن الماضي ، حين اعتني عناية خاصة بأطروحات كولد مان الاساسية ، واذ انقضت عقود عدة على ذلك منذ موته مطلع سبعينات القرن الماضي لكن الافق مازال يشد الناقد الى المنهج الذي اتبعته البنيوية التكوينية او التوليدية في مقاربة النصوص مع ضرورة اجراء تعديلات واستدراكات عليها اضافها النقاد فيما بعد . يدرك الناقد ان التمكن من مصطلحاتها وان بدت قديمة يمكن ان تضئ اضاءات حقيقة انطلاقا من التاريخ ومعطيات الحاضر ، وحقيقة العلائق المشتركة بين الاثنين ، ويعمل جل الشعراء على النظر الى التاريخ من زاوية الحاضر ، ودمج وعي الحاضر بوعي الماضي في نوع من صيغ التمني كما حدث في مجموعة جواد الحطاب الذي يقول :

لو كان بن ابي طالب قد مد يده للعباس

لو ان الكوفة لم تتخاذل عن ابن عقيل

لو ان سليمان تجاهل امر ابي هاشم (...)

هل كنت ستشد من اجل امارة ؟؟؟

الشعر في زمن القواد دعارة (ص9-10)

في ابجدية الوعي الشعري يصدم النص قارئة ، وهذا هو الفعل المغير المتحول ، فالعالم ساكن والقصائد تحركه ، العالم نائم والكلمات توقظه على هذا النحو ينمو الشعر ليحطم السكون ، بل الضجيج الذي تحول لعمق كثافته الى صمت ، الصمت والضجيج اسمان حركيان ، وحين تتداعى الاشياء في ذاكرة الشاعر يصبح الشئ غير الممكن ممكنا فلطالما خرب الاموات منذ الف حياتنا ، يقترب ذلك من لحظة الوعي الممكن عند الشاعر حين يقول (بعد رحيل الفئ حي يحمل ميتا ميت يمضي في تخريب الحي (ص52) لو جمعنا هذا المقطع الصغير وضممناه الى مقاطع التاريخ في مستهل المجموعة والتي اشرنا الى بعض منها تشكل مع اللغة مجموعة من العلاقات وهذا المقطع ينسجم مع المقاطع الاخرى في القصائد الاولى ، بل هو جزء حيوي منها ، الموت والحياة رموز معاصرة ورموز تاريخية ايضا تتحكم فينا ولا قدرة لنا على ردها ، ما العلاقة اذا بين مد يدي علي بن ابي طالب وفكرة الموت والحياة ، وامعان الموتى في تخريب حياة الاحياء يلاحظ ان التاريخ حلقات قد يفقد بعضها وتضيع وقد نعثر على بعض الحلقات صدفة ، فتفسر لنا ماغاب عنا وفي غيابه ضياع الوقت وضياع الوعي وفي تكرار الحي والميت وفي المطابقة البلاغية بين اسمين يبرز اسم ثالث يشير الى التاريخ ، فالاحياء يحملون الاموات منذ زمن وماذا يفعل الميت سوى ان يحمل ، ولكنه مع ذلك له فعل اخر هو من اشد الافعال ضراوة حين يجعل الخراب ممكنا بل فعلا تدميريا ، ليس هذا تفسيرا للمقاطع الشعرية لان المقطع يفسر نفسه بنفسه ، لكنه مواضعه فكرية قد تلتقي مع مدلولات فلسفيه اعمق هو نقل من الوعي الفكري الى الوعي بالمستقبل فعدم المبايعة جزء من المستقبل لا جزء من التاريخ ، وهنا تجاوز لوعي الحاضر بأتجاه وعي الاتي وهو مايطلق عليه الوعي الممكن (consience possible) وينشأ من الوعي الفعلي ولكنه يتجاوزه ويشكل الوعي المستقبل ، وذلك طبيعي لان الوعي بالحاضر لابد ان يولد وعيا بأمكان تغييره وتطويره) .

فهل ترك الشاعر وعيه الفعلي ليقترب من الوعي الممكن ؟ اسئلة كبرى تدور في مخيلة القارئ والناقد عن طبيعة الابداع في بيئتنا الثقافية التي يطمح فيها ان يتجاوز المبدع مواقفه المعينه ليصل الى عمق البنية المؤثرة والمغيره ، ولم يأت ذلك الا في صياغات تربط بين فعل الكلام وفعل التغيير ، ولعلنا نجد ملامح من ذلك في عدد من قصائد جواد الحطاب وفي هذه المجموعة نفسها ، يظل الشاعر امينا لوعيه السائد ، فليس مهما ان نعكس ازمة الوطن كما في قصيدة (ثوم على الامه جاجيك على الايام) ، على الرغم من التماعات عديدة في هذه القصيدة ، لاسيما تلك التي تشير الى بغداد والى ماضيها القريب احيائها مقاهيها بعض معالمها ، غير ان الشعر لايحتفل بكل ذلك ، هناك عاطفة يراد لها ان تتأجج بالقصائد مثل قوله (في الخاصرة جرح لايعرفه الا الله) تعبير لايؤدي الا الى معان متشابهة ، او قوله (ثوم على BBC) او (ثوم على الايام) ، لا اجد ان هناك معاني متفرعة في ماوراء التعبير مثل قوله (ثوم على ايامكم ايها السادة) ص69 ، ربما كان الشاعر على حق نسبيا حينما اوجد هذه العبارات وانها تشي بالتماعات واشعاعات كثيفه ، او يظن ان مجرد ذكر الاسماء والاماكن واثارة العواطف مايجعلها اكثر تشبثا بالوجدان ، لكنها لم تكن الا ضمن الوعي السائد الذي لا يتيح خارج العبارة مجالا واسعا للتأويل وتعدد المعاني ، مثل قوله للشعراء الذين تركوا الوطن وهاجروا (لاتسألوا كيف طرد ابو داود ، لانه لم يعد يقوى على حمل استكانات الشاي) ، سؤال يحمل جوابا منطقيا ... لو كان الجواب لم يعد احد يزور المقهى (كما هو الواقع) ، وتصور هذا الواقع انطلاقا من هذه الزواية ربما كانت الاجدر والاوفر ، فلو كان ابو داود لما يزل يستطيع حمل استكانات الشاي فلمن يقدمها ؟ بعد رحيل الشعراء اصبح مقهى حسن عجمي فارغا مظلما ثم مهملا ... ولكن في مقابل المعتاد من القول الشعري يقف القول الاكثر قدرة على الادهاش والابتكار وكأنه يقترب من الوعي الممكن ، حين يقول جواد الحطاب في احد مقاطعه ((امس اتكأت على كتف الوطن وتساءلت : ما الذي نفعله بالقنابل الفائضة عن حاجة قتلنا)) ، السؤال يجيب عن عدة اسئلة او ربما عن عدد هائل منها ، وهو محاولة للربط بين الوعي الفردي والوعي الجماعي ، يخرج الشعر هنا من فرديته ومن عزلته يتسلق افقا جمعيا ، فالنص الشعري حين يستسلم للفردية يفقد اواصر التفاعل مع الآخر ، وهو المجتمع والشاعر يحرص في هذه المجموعة على ان يكون شعره بابا للدخول الى الساحة الكبرى ، وكنا ننتظر من شعراء كثيرين ان يوسعوا من رؤيتهم لتكون رؤية كونيه ، اي تتعدى المكان المحدد لتشمل زمنا واسعا في الماضي والحاضر والمستقبل ، اذ ان القنابل الفائضه عن حاجة القتل مازالت تتوسع لتشكل اشكالية في كثير من المجتمعات المعاصرة ، ولعل مجتمعنا العراقي في مقدمة من يعاني منها ، لا نقول ان رؤية العالم قد تحققت هنا لكننا نقول ان نص الشعر لدينا بدأ ينزاح خارج السياقات المعهودة ، ولعل ذلك سبب اساسي في تطور البنية الشعرية لدى بعض الشعراء وفي مقدمتهم جواد الحطاب ، الذين جهدوا ليقتربوا من هذا العالم التعس على وفق عبارة رولان بارت ، ولطالما اهتمت نظريات النقد بهذه الرؤية منذ الادب الماركسي مرورا بالبنيوية التكوينية بل كل مدارس مابعد الحداثة التي وحدت بين النظرة الشكلية والمضمونية للنصوص ، فالوعي الممكن هو الذي يشكل جوهر المشكلة وباب الدخول الى البنية الاجتماعية وكأن الادب ، لم يعد معطى جماليا فقط بل تذوقي ، انه يدخل في عمق التغيير وبهذا يتساوق الادب مع الفلسفه على هذا النحو درس (غولد مان) راسين وباسكال في منهج واحد ، ومهمة الفيلسوف تغيير الواقع لا تفسيره ، وبهذا يكتسب الادب قوة كبيرة لانه يحمل فعل التغيير (عندما يصل الوعي الممكن الى درجة من التلاحم الداخلي التي تصنع كلية متجانسة من التصورات عن المشكلات التي تواجهها الطبقة وكيفية حلها ، وعندما تزداد درجة التلاحم شمولا لتصنع بنية اوسع من التصورات الاجتماعية والكونية ، عندما يحدث ذاك يصبح الوعي الممكن رؤية للعالم).

الهم الشخصي يتلاشي ويصبح هما جماعيا ، والجماعي يصبح شخصيا ، نحن الذين طالما تغنينا بأنفسنا وطالعنا ارواحنا التي تتعذب في نار الوطن وجحيمه المستمر ، لابد ان تكون لنا وقفه مع الموئل الاول والسفر الاول التي طالما ابتعدنا عنه لنعود اليه ، وهو هم جماعي ايضا لكن كيف تجلى هذا الهم الجماعي ليصبح رؤية كونيه لاتقتصر على حدث او زمن او شعب معين ، التجربة الشخصية حاضرة لاشك في ذلك لاسيما في النصوص الشعرية التي عادة ماتكون غنائية فردية ، بوح شكوى عذاب ، سواء من حب ممنوع او حب مقموع او من سوء طالع كما يحدث دائما في وطن كالعراق ، يلاحقه النحس في كل حين ، لهذا فالحوار بين الشاعر واصدقائه المهاجرين بعد الهجرات الكبرى في التسعينات هو حوار جماعي ، يكونه الهاجس والخوف الشخصي يقول (هناك اذا اغمي عليك تهتم بك الاسعاف : هناك اذا ارتكبت جريمة يهتم بك البوليس ، هناك اذا سقطت ميتا تهتم بك البلدية ، لكن من يهتم بدمعك حين يصيح غروب الشمس بلادي) المجموعة ص67 .

في القصيدة روح (بول ايلوار) الذي افاد منه الشاعر ، وهو على الرغم من كل مامضى من عقود ، يظل فاعلا ومؤثرا لابدادائيته او سورياليته بل بواقعيته ايضا ، شاعر الحب ايلوار بكل مافي هذه الكلمة من ايحاءات ، فأن المقاربه بينه وبين الكثير من الشعراء لابد ان تكون قوية ، او قد نجد ظلا لها في اكثر من قصيدة من مجموعة الحطاب ، ايلوار على الرغم من غنائيته الطاغية يظل شاعرا اجتماعيا ، فلقد استبدل الهم الفردي بالهم الجماعي ، ادرك ان حال الاخرين يشبه حاله ، وان شقاء البشر ، يرجع الى الحواجز العديدة ، وانطواء كل واحد على نفسه يقول : (يستيقظ الاخرون رغم انفهم ، جباههم وبطونهم مجعدة ، لكن النار مازالت تجتذبهم خارج كل شئ بأستثناء البؤس ، ان دمهم صار بلا حراك) ايلوار . ص19 ترجمة سامية احمد .

على هذا النحو يمعن ايلوار في ايجاد رابط اجتماعي ، يجلل شعره كله وكأنه يستبق الوعي الممكن لا الوعي السائد ، ويجعل الاخرين عنوانا للتغيير ، ولن يكون ذلك ممكنا الا بوصف ذي كلمات شفافه ، لكنه لايقف عند الوصف ولا عند الانعكاس ، يجهد لكي يخرج سريعا ويقف امام ليل طويل ، فلا نهار بين الديار .. عبارة تشع من الداخل لتدفع الى الفعل والى العمل ، من اجل هذا النهار الذي قد يأتي وقد لا يأتي ابدا ، ولعل قوله (دمهم صار بلا حراك) فكأنه يشبه دمنا اليوم ، الذي اصبح بلا حراك ايضا ، فهو يتوقف عند كل حين وكل يوم ، بعد هدير القنابل والانفجارات ، وعنف الانسان ضد اخيه الانسان ، مناخ اشبه بمناخ شعرائنا الذين قرؤوا ايلوار ، وتتداعى صوره الاجتماعية في قصائد كثيرين ، حتى وان لم يقرؤوه ، لان الوعي بأهمية التغيير واحد  ، ونجد هناك تشابها تيبولوجيا على وفق عبارة جورج لوكاش بين المنتج الابداعي الانساني ، منذ الملاحم والقصص حتى القصائد الشعرية ، لاسيما تلك التي تتحدث عن هم اجتماعي مشترك ، عن انسان عام يحضر في وعي الشاعر ، يقول جواد الحطاب (ما اصعب ان تضطر لشرح الموت) وينتقل من هذا العنوان الى المقطع الاتي ، (لاتستغربوا مع هذا العدد الهائل من الاعياد ، شعب له كل هذا الحزن) المجموعة ص103 . هل يتساوق هذا ويتسع مع الوعي الممكن الذي تراءت له ملامح من قبل في مقاطع نقلناها من مجموعته عن الشعراء ، الذين اختاروا المنافي ، يقول الحطاب (من يهتم بدمعك حين يصيح غروب الشمس بلادي) .

اذا لكم الزهور الندية ، والاجواء اليانعة والعطر ، والطرقات الزجاجية ، لكم ان تجلسوا قرب برك الماء الفضية ، وتعبروا ما شاء لكم ان تعبروا وتتجولوا في الحواضر والمدن التي الفها السلم ، ولنا ان نواجه في كل يوم اخوانا لنا ، يزرعون اللاصقات ويملؤون الطرقات بوحل القنابل ، لنا ان نلبس قميصنا الصبح ولا ننزعه ربما الا في مشرحة او مستشفى ، او يتلطخ بدم الضحايا ، التي تتطاير من فرط انفجار ما .. نحن الميالون الى الفجيعه ، مازال الوطن لا يميل الينا ، نحن المطمئنون الى ان ننام وتحت جفوننا حلم اسود ، للصوص سوف يكسرون باب احلامنا السوداء ، ويأخذون ما تبقى ، نحن من يخرج الى الشارع خوفا وفرقا ، من ان يقتل احد ، وترمى جثته في شارع متقدم ، نحن المقيمون ولكن العصيون على الهجرة . حقا تنقلب المعادلة في اتجاه اخر لتشكل وعيا خارج المعتاد او خارج الوعي السائد ، فأذا اهتمت بجثتك البلدية ، فهنا في وطنك لا احد يهتم بك ، واذا مرضت هناك ذهبت الى المستشفى ، هنا في وطنك لا مستشفى واذا ارتكبت جريمة يهتم بك البوليس ، هنا اذا ارتكبت جريمة تترك طليقا بل ربما تكافأ ، اما دمعك فهنا في بلدك يخرج مدرارا غزيرا ، ولا احد يعرف انك تبكي ، لان الجميع يبكون ، فمن يهتم بك ؟ فقط عليك ان تلامس الاشجار وتتطلع الى النخيل وهو يطل من كل زاوية ثم تذهب متوحدا صوب النهر ، لتذكر السياب (اغابة من الدموع انت ام نهر) .. وعيان يتصارعان ، شعراء الخارج المهاجرون وشعراء الداخل المدمنون على الاقامة ، يبدو لي ان الشاعر جواد الحطاب يعني عكس مايقول ، واني لاشعر انها سخرية مرة أهم ما فيها اننا باقون في حلمنا الجمعي لن نغادر وان تحول دمنا الى ماء ودمعنا الى نسمات تطيرها الريح اما وجوهنا فلن تشيخ ابدا وان اعتراها الذبول ، نحن الباقون لكن المتطلعون من هنا يمكن القول ان وعي الشاعر جواد الحطاب يقع بين مايقول ومالايقول ، بين الظاهر والمخفي ، بين الوهم والحقيقة ، بقاؤنا اندماج في ملايين الحناجر وملايين القمصان البيضاء التي تجهد لكي لا يلطخها الدم ، ستجدون ان قمصاننا يغسلها الفجر وان أصروا على قيامة الموت في طريق الفقراء .

..........

..........

(انتهى القسم الأول من الدراسة .. وسننشر القسم الثاني بعنوان : اللغة والإطار الاجتماعي) .

  

 

 

 

 

جواد الحطاب


التعليقات

الاسم: علي مولود الطالبي
التاريخ: 2010-09-25 12:29:49
سلمتم سيدي على عبق الرياح التي همت بنا في مرايا الالق ..
مودتي




5000