..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الكلام صفةالمتكلم / 5 من يقف وراء مجازر كركوك

محمد علي محيي الدين

تناولنا في الحلقات السابقة مجمل القضايا التي تطرق لها ألعبيدي وسنعرج لتناول قضية كركوك التي تناولها بنفس بعثي قومي كريه عبر من خلاله عن حقده الأسود وخلفيته الشوفونية التي لا تزيل أكدارها مياه المحيطات لما فيها من رواسب متأصلة في نفس مريضة  بتراكمات اجتماعية لا زالت البداوة مدار تفكيرها ولا زالت تعيش أوهام النزوع القومي المريض.

 وكركوك  التي تضم ثلاثة قوميات رئيسية وطائفة مسيحية، حفل تاريخها بالخصومات والمنازعات ولا زالت بؤرة للصراع القومي المقيت،وكانت وستبقى القنبلة الموقوتة التي تهدد بالانفجار ومثار للأزمات فالصراع العربي الكردي التركماني جعل من هذه المدينة مسرحا لمعارك كثيرة راح ضحيته الآلاف لتحقيق طموحات فردية لهذه الجهة أو تلك،وما يعنينا اليوم ما حدث في الذكرى الأولى لثورة الشعب الظافرة في تموز 1958 والاحتفال بذكراها الأولى في كركوك عام 1959.

 فقد وقف الكرد إلى جانب الثورة التي اتخذت موقفا كريما معهم فيما وقف التركمان والعرب إلى صف أعدائها ،وقد وجدت القوى الخارجية والمتضررة من الثورة في التركمان آلة طيعة لتحقيق الفرقة والتناحر كما يحدث اليوم وكانت شركات النفط المتضررة من الثورة قد جندت إلى جانبها أغوات الترك  ممن يدينون بالولاء لتركيا ،ووقفوا بالضد من الكرد أيام التسلط العثماني المقيت،فكانت النار تحت الرماد والفرصة مؤاتية لأثارة الشغب وتعكير الأجواء ،وخصوصا أن التحالف الدولي المدعوم عربيا وإقليما  استعان بجهات عدة لإسقاط الثورة،منها الجبهة التركمانية التي  لا زالت تدين بالولاء لتركيا البلد الأم،فقامت مجموعات تركمانية  باغتيال لبعض الشخصيات الكردية،ومحاولة لاغتيال الزعيم الكردي الملا مصطفى البرزاني.

  كانت مسيرة الجبهة الوطنية تحاول ما وسعها الجهد تحاشي الاصطدام بالمتعصبين التركمان،فاتخذت طريقا بعيدا عن أماكن تواجدهم خشية النزاع والاصطدام،  " وما أن دخلت المسيرة  [شارع أطلس] ، ومرت قرب [كازينو14  تموز ] ، حتى انهال عليها القوميون التركمان المتعصبون ، بالحجارة ،وقطع الطريق ، من سطح الكازينو ، ثم ما لبثوا أن انهالوا عليهم بالرصاص من كل جانب ، وحلت الفوضى بالمسيرة ، وأخذ المشاركون يتزاحمون ، ويندفعون للخروج من الشارع الضيق ، وديس عدد منهم تحت الأرجل ، واستطاع بعض المشاركين في المسيرة شق طريقهم نحو مصدر النيران والحجارة ، فيما راحت الجموع تزحف فوق بعضها البعض ، في جو من الفزع والفوضى ، وكان منظر الأطفال ،والأقدام تدوسهم ،مؤلم جداً ، كما سقط العديد من النساء بين الأرجل .

 لم يكن في تلك اللحظة من الممكن السيطرة على جموح وغضب الجماهير الشعبية ، بينما الرصاص والحجارة ما زالا ينهمران عليهم من القلعة القديمة ،وقد أستمر إطلاق الرصاص منها ثلاثة أيام متتالية ،ولم يسكت إلا بعد أن قام الجيش ،والمقاومة الشعبية بتمشيط القلعة ، وقد جرت مشاركة المقاومة الشعبية بطلب من قيادة الفرقة الثانية ، بموجب توجيهات وصلتها من بغداد ، وكان حصيلة تلك الأحداث ،مقتل [ 32 ] فرداً من المعتدين ، وتم اعتقال عدد آخر منهم وضعوا رهن التحقيق" .

ويذكر الباحث الموضوعي الدكتور حامد الحمداني حقيقة الارتباطات المشبوهة للجهات الواقفة خلف الحادث ويورد شهادات عديدة تدعم رأيه ،يقول"  إن ما حدث في كركوك ، لم يكن إلا عدواناً أثيماً ، دبرته القوى الرجعية ، المعادية لثورة 14 تموز ومسيرتها ، ولم يكن عملاء شركات النفط بعيدين عن تلك الأحداث ، ومحرضين عليها .

لقد جرى تضخيم تلك الأحداث ، وفبركة وقائع لم تقع إطلاقاً ، وظهرت شائعاتهم التي كانت تقول أنه كانت هناك مجزرة  أُعد لها مسبقاً ، وذهب ضحيتها المئات ، بل الألوف ، ملصقين أشنع التهم بالحزب الشيوعي ، من أجل استعداء السلطة عليه ، وجرى تصوير جثث عدد من القتلى من جهات مختلفة ، وكانت الوجوه مشوهة ، لكي يقال أن عدد القتلى كان كبيراً ، كما تكّشف فيما بعد ، أن كثيرً من صور حرب التحرير الجزائرية ، وجرائم المستعمرين الفرنسيين ، ضد الشعب الجزائري ، قد استخدمت في ذلك التزييف ، لكي يصوروا ما حدث وكأنه مجزرة كبرى قام بها الشيوعيون ضد التركمان ، في حين كان الحزب دائم الحرص على تمتين عرى الأخوه العربية ، التركمانية ، وبيانات الحزب المنشورة في صحيفته  [اتحاد الشعب ] خير دليل على ذلك ، فقد ورد في الصحيفة في عددها الصادر في 27 آذار 959 ما يلي :

{ إننا ننبه أولئك الرجعيين الشوفينيين، الذين يوغرون صدور التركمان ، ويثيرون المخاوف بين الكردي والعربي والتركماني ، ويزرعون في عين الوقت بذور الفتن  ، ويبثون الشكوك والأكاذيب بين الجماهير الكردية ، ضد إخواننا التركمان ، إننا ندعو المواطنين الكرام إلى التزام جانب الحذر ، واليقظة ، والتمسك بعرى الاخوة ،والاتحاد بين مختلف القوميات } .

 وفي شهادة مدير شرطة كركوك أمام المجلس العرفي العسكري حول الأحداث قال :

 [ إنه بسبب العداء المستحكم بين التركمان والأكراد ، وبالنظر إلى الاستفزازات التي قام بها التركمان ، والتي سبقت المسيرة ، وفي أثنائها ، اتخذت التدابير المقتضية من قبلنا ، وفي حوالي الساعة السابعة ، عندما وصلت المسيرة إلى الجسر القديم ، وهي في طريقها إلى القلعة ، اقتربت منها تظاهرة للتركمان ، وكان أهلها يركبون سيارات تابعة للجيش ، فتدخلت الشرطة ، وحجزت بين الطرفين ، وتقدمت المسيرة حتى وصلت إلى مقهى 14 تموز ، وهي مقهى يرتادها التركمان ، وعلى حين غرة انهالت الأحجار فوق رؤوس المشاركين في المسيرة ، وصار هرج ومرج ، ثم تطور ذلك إلى استخدام السلاح ، ودوى صوت إطلاق الرصاص على المسيرة ".

      ولإكمال خيوط المؤامرة التي كانت تستهدف الشيوعيين بالذات عمد التركمان لرفع عقيرتهم بالشكوى وإرسال عرائض التظلم  يدعمهم في ذلك الكثير من الجهات التي وجدت في الحادثة بابا للنيل من الشيوعيين،ولأن قاسم كان ينزع لأضعاف الحزب الشيوعي وتحجيم دوره بعد أن ظهر كقوة مؤثرة في الشارع العراقي وخصوصا بعد مسيرة الأول من أيار المليونية،فقد وجد في الحادثة مبررا لضرب الشيوعيين وتحجيمهم فكان خطابه المعروف في كنيسة مار يوسف الذي ضخم من خلاله الأحداث وغير الوقائع رغم علمه بحقيقة الأحداث وشهادات المسئولين وأن القوة العسكرية تحركت بموافقته شخصيا،ويقول الحمداني"   وفي 2 آب 959 ، ذكر قاسم أن عدد القتلى كان ( 79 ) فرداً ، ثم عاد في 2 كانون الثاني  وأكد أن عدد القتلى لا يتجاوز (32 ) فرداً ، وقد تأكد للمجلس العرفي العسكري أن عدد القتلى كان ( 32 ) فرداً منهم (29 ) تركمانياً ،و( 3 ) أكراد ، وجرح ( 130 ) فرداً بينهم (6) أكراد ".

 وهناك شهادات لكتاب محايدين عن قضية كركوك ذكرها الأستاذ جاسم الحلوائي في رده على ما كتبه الدكتور سيار الجميل يقول: أحداث كركوك في تموز 1959
يقول الباحث حنا بطاطو: " لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 ـ 16 تموز (يوليو). ومع ذلك، فقد أصبح مؤكداً الآن أن هذه الأحداث لم تكن مدّبرة من قبل زعمائهم، ولا هم سمحوا بها. ويمكن أن تعزى هذه الأحداث جزئياً إلى طبيعة تلك الأزمنة، من أفعال القسوة القصوى التي كانت شائعة في لحظات عدم الاستقرار الاجتماعي والغليان غير الطبيعي" .

 أما الكاتب جرجيس فتح الله، فيكرر ما قاله بطاطو ولكن بصيغة أخرى فيبدأ مقالته عن الموضوع بالقول:" لم يلحق الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين العراقيين من أذى ... قدر ما ألحقتهما بهم وقائع الرابع عشر والخامس عشر من شهر تموز 1959. ولم يفعل شيئاً كثيراً في تخفيف الشعور العام ضدهم، انكشاف حقائق كثيرة كانت محض خيال ابتدعه أعداؤهم للنيل منهم، وبعد أن عُريت أعمال النهب والقتل عما ألبستها أجهزة الإعلام الخارجية من مبالغات وتهويل. وما أحدثته هجوم الصحف المحلية المعارضة لحكم (قاسم) المعادية للشيوعيين من آثار عميقة في النفوس". ويضيف فتح الله قائلاً: " على أن ما بات في حكم المؤكد الآن وبالشكل الذي لا يقبل الجدل أن تلك الأحداث الأليمة لم تكن مدبرة، وإنما هي بنت ساعتها. إن قادة الحزب الشيوعي في العاصمة لم يكونوا وراءها ولم يأمروا بها ولم يوطئوا لها عن قصد وإنما فوجئوا بها مثل غيرهم" .

   ويقول المؤرخ ألن دان: "وليس ثمّ دليل قانوني يثبت صدور أمر من مركز ح. ش. ع. (الحزب الشيوعي العراقي) في بغداد لتنفيذ مخطط مذبحة. ولكن يمكن التأكيد وبصورة معقولة إن أمراً كهذا لم يصدر قط".



هذه ثلاث شهادات محايدة تبرئ ساحة الحزب من تدبير مجزرة كركوك. وسنرى أن كل الوقائع والأدلة تقف إلى جانب هذه الشهادات."

وفي الوثيقة التاريخية المهمة لتاريخ تلك الفترة تذكر ثمينة ناجي يوسف  في كتابها سلام عادل سيرة مناضل, الجزء الثاني ص66

ومن شهود العيان الذين نشروا شهاداتهم حول أحداث كركوك عضو الحزب الشيوعي العراقي عادل مصري (أبو سرود) الذي كان وقتها عضوا في لجنة المحلية في كركوك , يقول فيه" تقرر أن تكون ساحة المدرسة الثانوية مكان تجمع المشاركين في المسيرة . ومنها تنطلق عبر الشارع الرئيسي في - قوريه- ثم تمر أمام الثكنة العسكرية وتعبر الجسر قرب القلعة القديمة ثم الجسر الثاني وتتجه بعد ذلك عبر شارع أطلس حتى تنتهي قرب المدرسة الثانوية التي كانت قد انطلقت منها . وكذلك جرى تثبيت الشعارات والهتافات الرئيسية للمسيرة ووضعت قائمة بالمنظمات والهيئات التي ستشارك فيها وحدد موقع كل منها ...وجرى التأكيد على تشديد الحراسة وعلى اليقظة إزاء محاولات التخريب التي قد تلجأ إليها الفئات المعادية خاصة من أوساط عملاء شركة النفط .وفي ما يتعلق بالطريق الذي اختير للمسيرة أرى من الواجب الإشارة إلى أن اللجنة المحلية قررت أن لا تعبر المسيرة الصوب الصغير إلى محلة - المصلى -التي يسكنها كثير من المواطنين التركمان وذلك تجنبا لأي احتكاك مع المتعصبين منهم الذين قد يندسون من خلال آلاف الناس في المسيرة .... وبدأت المسيرة كما كان مقررا.

      قبل الظهر شهدت المدينة عرضا عسكريا لقطعات الجيش والقوات المسلحة الأخرى و ... انطلقت بصورة نظامية تعلوها الشعارات المقررة وليس غيرها واجتازت شارعا في - قوريه - ثم الثكنة العسكرية وحسب المقرر لم تعبر الصوب الصغير بل اتجهت في الطريق المؤدي إلى شارع أطلس ... ولم يحدث أي إشكال قبل دخولها مرحلتها الأخيرة . كانت تتقدم المسيرة مجموعة من الأطفال بملابس بيضاء وهم يحملون الأزهار وجاء بعدهم أنصار السلام ورجال الدين ثم عمال النفط وأعضاء النقابات الأخرى والشبيبة والطلبة والجمعيات الفلاحية ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة ... والتحق بالمسيرة جنود كثيرون وكان واضحا , أن أبناء جميع القوميات المتعايشة في كركوك دون استثناء يشاركون فيها وكان هذا أكثر مما أثار حنق عملاء شركة النفط الذين فشلوا حتى اللحظة في القيام بأي عمل تخريبي ضد المسيرة ...إلا أنهم وكما تبين فيما بعد , كانوا يبيتون لمجزرة ضد المواطنين العزل المشاركين في المسيرة السلمية فبعد دخول المسيرة شارع أطلس ومع وصولها كازينو الشباب وسينما أطلس انهالت عليها من السطوح الحجارة وقطع الآجر ثم سرعان ما انهمرت زخات الرصاص من سطح أحد المنازل المطلة على الشارع وفوجئ الناس بهذا العمل العدواني الغادر فتزاحموا متدافعين من الشارع الضيق وشق البعض طريقه مفتشا عن مصدر النيران لإسكاته وفاض الشارع بالجموع التي راحت تزحف فوق بعضها في جو من الفزع والفوضى وتوالت المشاهد المفجعة خاصة منظر الأطفال الهلعين المولولين والأقدام تدوسهم ...وتطورت الأمور بسرعة ولم يمكن السيطرة عليها وانطلقت عناصر يبدو أنها مهيأة سلفا من قبل عملاء شركة النفط تشيع وتؤجج الفوضى وتحرض الناس على كسر أبواب الدكاكين وعلى القتل والنهب وإشعال الحرائق خاصة من بعض المتاجر العائدة لمالكين من التركمان وغيرهم وبلغ هياج الناس حدا أصبح كل إنسان في الشارع أيا كان مهددا بالموت لمجرد أن يرتفع بوجهه أصبع اتهام مهما كان مصدره.

    ولم ينج عدد من رفاقنا الشيوعيين وبعض التقدميين من محاولات القتل والسحل .. بيد أن العناصر المعادية لم تكف عن الاستفزاز والعدوان وبقي الرصاص يطلق من قلعة كركوك القديمة بصورة منقطعة طيلة ثلاثة أيام ولم يمكن إسكاته إلا بعد تمشيط القلعة من قبل الجيش والمقاومة الشعبية وجاءت مشاركة المقاومة الشعبية في عملية التمشيط استجابة لطلب تقدمت به قيادة الفرقة الثانية ولتوجيهات وصلت من بغداد بوضع حد لإجرام العناصر الرجعية المعادية للجمهورية ...إن ما حدث في كركوك وما تعرضت له مسيرة الذكرى الأولى لثورة تموز فيها , لم يكن غير عدوان آثم دبره عملاء شركة النفط وقوى الردة في المدينة) المصدر السابق ثمينه ناجي ج2 ص 68-69.

     إذن فان الشهادة أعلاه وعشرات الشهادات الأخرى , وتطورات الأحداث السياسية لاحقا , تثبت جميعا دون أدنى شك , مسؤولية الشركات النفطية الاستعمارية عن إحداث كركوك , ومن جهته الباحث حنا بطاطو, قد خلص إلى استنتاج في دراسته الأكاديمية الموسوعية الحيادية لتأريخ العراق الحديث, يبرأ قيادة الحزب الشيوعي العراقي من أي مسؤولية عن إحداث كركوك فهو يقيم الأمر ب " لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 -16 تموز- يوليو- ومع ذلك فقد أصبح مؤكدا الآن أن هذه الأحداث لم تكن من قبل زعمائهم ولا هم سمحوا بها) حنا بطاطو . الكتاب الثالث , ص 223.

    أما الشهيد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم , فأنه بالرغم من استغلاله لأحداث كركوك ذريعة لاتخاذ إجراءات قاسية شاملة ضد الحزب الشيوعي العراقي بهدف تحجيم دوره المتنامي , فقد أعترف بخطئه في الساعات الأخيرة قبل استشهاده , عبر الاتصال الهاتفي الذي كان قد أجراه معه الشهيد سلام عادل زعيم الحزب الشيوعي العراقي لحظة قيادته المقاومة الشعبية لانقلاب الفاشست, وحينما كان الزعيم الشهيد يتصدى للانقلابيين من مقره في وزارة الدفاع " واستمر سلام عادل بالاتصال تلفونيا بوزارة الدفاع بين فترة وأخرى مستفسرا عن وضع الموجودين فيها مقدما اقتراحاته لهم . وقد رد عبد الكريم قاسم على أحد الاتصالات التلفونية التي أجراها سلام عادل مع وزارة الدفاع , وقال له بأننا أخطأنا مع الشيوعيين وقدم له الاعتذار قائلا بأنه سيضعهم في المكان المناسب واعدا بمعالجة الأخطاء التي ارتكبت بحق الحزب , لكن سلام عادل قطع حديثه بلباقة موضحا له بأن الوضع حرج يحتاج العمل السريع وعدم مناقشة الماضي وطلب منه إذاعة بيان موجه إلى القوات المسلحة بصوته من الإذاعة السرية التي كان الحزب يعتقد بوجودها في وزارة الدفاع يدعو فيها الجماهير الى مقاومة الانقلاب وتسليم السلاح للجماهير"سيرة مناضل ج2 ص339

وأحدث ما صدر عن كركوك الدراسة الأكاديمية الوثائقية "من كان وراء حوادث الموصل وكركوك الدامية للدكتور عبد الفتاح علي بوتاني الأستاذ في كلية الآداب جامعة دهوك/ 80 ص، مطبوعات بزاف 2004"وكرس الباحث القسم الثاني من مبحثه للكشف عن بعض ملابسات أحداث كركوك مركزا على دور العوامل الخارجية في إثارة الفتنة، يقول:

"لقد وقفت على معظم ما كتب عن حوادث كركوك، واطلعت على ملفها الحكومي في دار الكتب والوثائق"، ولاحظت "إن الذين تصدوا لهذا الموضوع قد صادروا قدرا من الموضوعية المطلوبة في مثل هذه الدراسات بانحيازهم المسبق وبحكم عوامل عديدة، وإهمالهم العامل الخارجي في تدبير تلك (الفتنة الدموية) ويستطرد "وهذا البحث سيركز على هذا العامل الذي تمثل في دور إيران وتركيا والجمهورية العربية المتحدة (مصر سوريا) وشركة نفط كركوك ومركز الاستعلامات الأميركية والقنصلية البريطانية" مستخلصا إن "هذه الدول والمؤسسات.. كانت سبباً في بث الفرقة بين أطراف الشعب العراقي.."

  يلاحظ الباحث ص 29 انه "لم يكن هناك خلاف على هوية المدينة (كركوك) الكوردية ولم تشهد كركوك آية حادثة ذات طابع سياسي، أو تنافس قومي بين الكورد والتركمان الا بعد زوال النظام الملكي في 14 تموز 1958".

ويعزو ذلك إلى نشاط دول حلف بغداد، الذي أخرجت ثورة تموز بغداد منه. لمواجهة ثورة تموز وإجهاضها، ويورد الباحث نماذج من التحريض الإعلامي التركي فقد كتبت صحيفة "حريت" (14 أيلول 1958، أي بعد شهرين بالضبط من قيام ثورة تموز) كتبت تقول: "إن جميع سكان العراق هم أتراك(!) وان العراق ليس بلدا عربيا (كذا!) صحيح يتكلم أكثر سكان العراق اللغة العربية ولكن مظهرهم وسيماهم يصرح بتركيته (!) نحن نحزن من اجل 100 ألف تركي في قبرص ولا نفكر بمصير مليون تركي في العراق.."

     أما صحيفة "وطن" (7 تشرين الأول 1958) التركية فكانت أكثر صراحة في رسم الإستراتيجية التركية الرسمية اللاحقة (يبدو إنها مازالت سارية) تكتب "الوطن": إذا استطعنا أن نفهم حكومة العراق الجديدة إنها تستطيع أن تنتظر منا دائما اخلص التعاون ضد التحركات الكوردية، فان هذه القضية التي تبدو الآن وكأنها نقطة تفريق بيننا يمكن أن تلعب دورا هاما في التقريب بين أنقرة وبغداد. إلا إن المسئولين العراقيين إذا تجاهلوا ذلك، ففي هذه الحالة، وخلافا لرغباتنا كلها، لا يمكن إقامة الصداقة بين العراق وتركيا".

        لكن الأمر تجاوز التحريض الإعلامي إلى التحريض بالسلاح، فحسب كتاب رسمي وقعه المرحوم ناظم الطبقجلي عندما كان آمرا للفرقة الثانية إلى موقع الموصل/ متصرفية الموصل، كتاب مديرية الاستخبارات العسكرية 2285، 21/10/1958"أرسلت تركيا الى العراق 500 قطعة سلاح عن طريق حدود تركيا - العراق وان محاولات إرسال السلاح لا تزال قائمة..."

     ولم يكن دور إيران الشاهنشاهية، العضو الآخر في حلف بغداد، بأقل حقدا على ثورة تموز، ولا اقل رغبة في إثارة القلاقل والمشاكل للجمهورية الوليدة، ويبدو إن الأمر تم بتنسيق وتعاون بين سائر أطراف حلف بغداد (حلف المعاهدة المركزية كما أطلق عليه بعد خروج بغداد منه) ووفق خطة مدروسة. فحسب كتاب مدير أمن كركوك (رقم 9857 في 8/9/1959) فـ "إن هناك إيرانيين من الذين دخلوا العراق حديثا خلسة بدون جواز سفر اشتركوا فعلا بالحوادث المذكورة (أحداث كركوك) منهم الإيراني سيف الله كريم.. والإيراني توفيق مصطفى..".

   ولم يكن ينقص جوقة التحريض وإثارة الفتنة إلا نشاط شركات النفط، بل انه كان سيبدو غريبا لو لم تصب هذه الشركات الزيت على النار. ويتجاوز الأمر حدود الحدس السياسي إلى الوقائع. فحسب كتاب أكرم عبد المجيد قائم مقام  قضاء عقره آنذاك إلى مديرية شرطة القضاء (رقم 153 تاريخ 20/12/1958) أي قبل أحداث كركوك بحوالي سبعة أشهر واستنادا إلى إشعار الفرقة الثانية (عندما كان المرحوم الطبقجلي ما يزال قائدا لها) فـ "إن شركات النفط تعد العدة لجلب الأسلحة من الخارج لتوزيعها على بعض الجماعات المأجورة وذلك بوضعها في الأجهزة والأجزاء والمكائن والحاجيات المستوردة للشركات وإخفائها بصورة جيدة..".

و لـ.د. بوتاني رأي في ذلك. فهو يكتب: أما لماذا تسرع قاسم في اتهام اليسار العراقي وبالذات الشيوعيين في تدبير أحداث كركوك فيعود إلى انه كان ومنذ مظاهرة الأول من أيار 1959 التي طالب فيها الشيوعيون المشاركة في الحكم، ينتظر فرصته أو يبحث عن مبرر لضربهم، بسبب خوفه من تنامي نفوذهم وتأثيرهم في مجرى السياسة العراقية. وهكذا، يستطرد الباحث: "يفسر لنا إسراعه وقبل إجراء أي تحقيق باتهام الحزب الشيوعي العراقي بتدبير تلك الأحداث".بل انه أي الباحث يذهب ابعد من ذلك إذ يكتب استناداً إلى الوثائق الحكومية إلى إن قاسم استدعى في 15 تموز، أي قبل خطابه في كنيسة مار يوسف، استدعى مدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي ومدير الأمن العام عبد المجيد (جليل) وأمرهم بملاحقة الشيوعيين واعتقالهم".

وأدناه روابط لشهادات أخرى حول قضية كركوك  ليطلع عليها المنصفون ففيها الكثير من الحقائق والأدلة الدامغة على عقم المحاولات الفوضوية لإلصاق التهم بالشيوعيين والوطنيين وهناك غيرها يمكن الرجوع إليها.

 

 

محمد علي محيي الدين


التعليقات




5000