..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات / الحلقة السابعة

وديع شامخ

باسم فرات
باسم فرات

 

تقديم الناقد الدكتور حاتم الصكر

 

س36: علي الوردي من أوائل العلماء الذين أدركوا طبيعة المجتمع العراقي المزدوجة، وأشّروا الى مظاهرها وخطوطها العامة والخاصة، وأما فيما يتعلق بإصرارك على تجهيل الآخرين بالتاريخ العراقي أراه ضرباً من البكاء على الأطلال.. لسبب وجيه: إن العراق الحديث هو فعلاً دولة من صنع إتفاقية سايكس ــ بيكو ونتائج الحرب العالمية الأولى ودور بريطانيا العظمى فيها آنذاك، وإن العودة الى تاريخ العراق القديم لا تعطي العراق الحديث غير حجج للإقليات القومية والدينية والمذهبية بالإنفصال والمطالبة بحقوقهم المهدورة في ظل الغزو العربي الإسلامي للعراق منذ دخول الإسلام للعراق وحتى بداية حركات التطرف الديني والاثني فيه، وهو ما رأينا نتائجه بعد سقوط النظام البائد؟

الإشاعة والشفاهية لعبتا دوراً خطيراً في ما تشكل من وعينا، وما مقولة "الغزو أو الفتح العربي الإسلامي للعراق، إلا واحدة من أخطر المقولات، التي هي نتاج أنساقنا الثقافية بإرتكازها على الإشاعة والشفاهية والصدى الببغائي، أعني حفظ مقولات بدون تدقيق.

سوف أناقش مفردة العربي، ضمن ورودها في جملة "الفتح أو الغزو العربي الإسلامي للعراق"، وإعتراضي على كلمة العربي لا غير، فحين نقول العربي، توحي لنا أن لا وجود للعرب في العراق قبل الإسلام، أو إن العرب أقلية ضئيلة غير فاعلة إطلاقاً، ولكن أصبح لهم ذكر في العراق بعد الإسلام، وهنا علينا أن نتحرى الحقيقة، والوقائع وليس كتب البلدانيين والمؤرخين فقط، بل الإكتشافات الآثارية وأساليب العمارة ونُظم العيش بكل جوانبها، وحتى كتب الأدب وغيرها تنفعنا ففيها سوف نقف على الحقيقة، وهل حقاً لاوجود للعرب في العراق قبل الإسلام؟، أو في أحسن الأحوال أنهم كانوا أقلية ضئيلة خاملة لا نشاط لها، ولهذا استحق القول إن ما جرى في النصف الأول من القرن السابع الميلادي هو عملية غزو عربي لأرض غريبة تماماً عنهم؟.

وهل الأقليات التي أشرتَ لها، هي فعلاً كان لها تواجد أهم وأقوى من العرب في العراق قبل الإسلام، وكانت لهم مَدنيتهم (الحضارة كلمة مطاطية تشمل حتى رعي الغنم، أما المَدَنية فكما أسلفت سابقاً، تستند على ركنين أساسيين هما الكتابة والعمارة) بإستثناء السريان، لا توجد فئة أخرى لها تاريخ فاعل في العراق قبل الإسلام، والفئة الثانية هم العرب، أما بالنسبة الى بقايا الأقوام الأخرى فقد ذابت في السريان أولاً، ومن ثم ذاب السريان ومن تبقى من فئات أخرى جميعاً بالعرب، فيهود العراق كانوا يتكلمون السريانية، وهي لغة المنطقة الكبرى في حينها، والصابئة كان غالبيتهم يتكلمون المندائية، ولكن الجميع تعربوا كما تَعربَ غيرهم، وأكثر من خمس وتسعين بالمئة من سكان العراق كانوا يدينون بالمسيحية واليهودية والصابئية المندائية، وجمع غفير من العرب كان يدين بهذه الديانات الثلاث، قبل أن يأتي الإسلام ويمنعها من التبشير، إذ لا وجود لديانة غير تبشيرية، وإنما الديانات تنكمش على نفسها حين تجبرها الظروف على ذلك.

لا أحبذ تكرار ما قلته في غير موضع من هذا الحوار، ولكني أؤكد إن مقولة الغزو العربي الإسلامي للعراق غير سليمة، ويجب حذف كلمة العربي، لأن سنطرُق (من قضاعة) ملك العرب لم يكن إلا في بيث عربايا أي الموصل اليوم، وسجاح النبية كذلك، والشاعر العربي المنخل بن حارثة اليشكري لم يكن عضواً في أي وفد من الوفود التي صاغت معاهدة سايكس بيكو، حين قال:

إن كنت عاذلتي فسيري نحو العراق ولا تغوري

ثم يذكر قصرين وهما من التراث المعلوم أي العمارة في وسط العراق تقريباً:

فإذا انتشيت فإننــي ربّ الخورنقِ والسدير

وقول الآخر:

تغلّ لكم مالا تغل لأهلها قرى بالعراق من قفير ودرهم

وأقدم ذكر لأسم بيث عربايا يرجع الى أواخر القرن السادس قبل الميلاد في كتابة حجر بهستون، وحسب الأصمعي: "كانت قريش تسأل في الجاهلية عن خصب باعربايا وهي الموصل لقدرها عندهم".والجدير ذكره إن الموصل كانت مملكة عربية من الممالك التي تأسست بعد سقوط الحكم البارثي، في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي، وملكها هو سابق بن مالك.

والعرب كانت لهم أكثر من حاضرة في العراق قبل الإسلام، لدرجة أن هناك من غير العرب قد ذابوا بالمجتمع وكتبوا بالعربية، وما العُبّاد وغيرهم في الحيرة إلا دليل على قوة الحضور العربي في المنطقة، بحيث أصبحت لديهم مدينة وليس قرية كبيرة (كتابة، عمارة، مجتمع مختلط يتبنى ثقافة الكبير)، وذات الأمر في منطقة بيث عربايا وغيرها في الشمال، أما كركوك فكانت مصيف بني شيبان.

وحسب الطبرسي في كتابه الإحتجاج، فإن شيخَ المعتزلة أبي الهذيل العلاف (ت230هـ) وهو يُعرفُ نفسه لِمُتَكَلّمٍ من أهلِ الرقة بالشام، يدعى مجنون الدير، بعد سؤال الأخير له إستعداداً لمناظرة بينهما: "ممن يكون الرجل؟ قلتُ: من أهل العراق. قال: نِعمَ أهل الظرف والأدب. قال: من أيهم أنتَ؟ قلتُ من أهل البصرة. قال: أهل التجارب والعلم. قال: فمن أيهم أنت؟ قلتُ: أبو الهذيل العلاف".وإذا كان البلداني أحمد بن رستة المتوفي سنة 289 هجرية يقول: "إن حد السواد الذي تم مسحه في صدر الإسلام هو من لدن تخوم الموصل، ماراً إلى ساحل البحر من بلاد عبادان، من شرقي دجلة طولاً، فإن المسعودي (ت346هـ) يستوقنا لنتأمل عبارته التي جاء فيها: "السواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب، وأعلى دجلة من ناحية آثور وهي الموصل القريتان، المعروفة أحدهما بالعلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة"، وأما الخليل فيقول: "العراق شاطئ البحر، وسمي العراق عراقا لأنه على شاطئ دجلة والفرات مدّا حتى يتصّل بالبحر على طوله"، بينما ذكر اليعقوبي في كتابه البلدان" إنما ابتدأت بالعراق لأنها وسط الدنيا وذكرت بغداد لأنها وسط العراق والمدينة العظمى التي ليس لها نظير في مشارق الأرض ومغاربها سعة وكبراً وكثرة مياهٍ وصحة هواء لأنه سكنها من أصناف الناس وأهل الأمصار والكور وأنتقل إليها من جميع البلدان القاصية والدانية وأثرها جميع أهل الآفاق على أوطانهم.. "وذات ما حدده المسعودي نجده عند ابن حوقل ونجده في مناقب بغداد لأبن الجوزي وعند صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي، وأما الجغرافي أبو سعيد المغربي (1286م) فيحدد حدود العراق بالزاب المجنون (الأعلى) شمالاً، وعبادان جنوباً، وعلى ذكر الزاب الأعلى يذكر الدينوري في الأخبار الطوال، عن زاب بن بودكان وهو أحد مَن حكموا العراق خلال السيطرة الساسانية إنه " كرى بالعراق أنهارا عظيمة سمّاها الزواّبي إشتق اسمها من إسمه وهي الزابي الأعلى والأوسط والأسفل "، وقبل الحرب العالمية الأولى بأكثر من قرن من الزمان، وقبل تنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق بمئة وعشرة أعوام (1811م) نشر المؤرخ البريطاني كينير، كتابه "الأمبراطورية الفارسية" والذي جاء فيه مايثبت قولنا بالنص: "يمتد العراق من أدنى شط العرب جنوباً حتى مدينة ماردين شمالاً ومن زرباطية شرقاً الى الخابور غرباً ". فهل يبقى لنا شكّ بعد قول المسعودي الذي ذكر مصطلح العراق بحدوده، وتعريف الخليل لمعنى العراق مع تحديد موقعه على إمتداد دجلة والفرات، وماذكره كل هذا الحشد من المؤرخين والبلدانيين، بل إن هناك عشرات الأدلة التي تؤكد أن العراق إقليم له ثوابت جغرافية متفق عليها وإن شعبه عاش متحاباً وهو ما يؤكده المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي في كتابه"البشرية والأرض الأم" بالقول: " بالرغم من الحروب والصراعات القديمة بين الممالك العراقية عندما تنتهى واحدتها وتبدأ حياة ثانيتها فأن العراقيين كانوا يعاملون بعضهم بعضاً بمنتهى الإحترام والكياسة بإعتبارهم أصحاب وطن واحد هو موطن المدنية المشتركة"، كما أن أي مطلع حقيقي على التاريخ يعلم أن والي بغداد كان يحمل رتبة وزير، وهو الآمر الناهي على كل العراق، وقد ذكر عباس العزاوي في العراق بين احتلالين ورسول الكركوكلي في دوحة الوزراء وابراهيم صبغة الله الحيدري في كتابه عنوان المجد وعلي الوردي في اللمحات وغيرهم الكثير من الأدلة على أن والي بغداد هو الحاكم الفعلي لكل العراق، وإن العراق بكيانه الحالي كان معروفاً لدى الناس قبل معاهدة سايكس بيكو بسنوات وبعقود وبقرون.

وإلا ما معنى أن يذكر إبراهيم صبغة الله الحيدري، عام 1869م مايلي"في بيان العلماء الذين أدركتُ عصرهم من العراقيين"ويذكر منهم البغدادي والحلي جبناً الى جنب الكردي، والكركوكلي والأربيلي والموصلي، والمزوري العمادي (نسبة الى العمادية شمال العراق) .

أما ما ذكره قبل ذلك بما يقارب نصف قرن، صاحب كتاب دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء، وذلك قبل مِئة عام تقريباً من تنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق، في الصفحة 275 ما نَصه "لقد أثمرت المساعي التي بذلها الأهلون والعشائر والرؤساء، ولاسيما أمراء الأكراد، الذين قدموا العرائض والالتماسات إلى المقامات العليا بيد خاصة الى الأستانة، وصدر الفرمان البادشاهي بتعيين داود أفندي والياً على بغداد والبصرة وشهرزور وعن رتبة وزير، فكان لتعيينه رنة إستحسان في سائر أنحاء العراق" أنتهى النَص والذي يثبت أن العراق بحدوده الحالية هو العراق منذ القدم وأن عَربه في بغداد والبصرة وكُرده في شهرزور بل خصوصاً كُرده توحدوا من أجل تعيين حاكم عليهم في عاصمتهم بغداد.

أما حرفة الكَلاّك، وهي واحدة من أعرق وأقدم الحرف بالعراق، عمرها آلاف السنين وبقيت منذ العصر الآشوري وحتى منتصف القرن العشرين تقريباً، تُدلل على إرتباط الموصل وتخومها الشمالية تاريخياً ببغداد وجنوبها، مصدقة مقولة ياقوت بأن الموصل مفتاح العراق.

هذا غيض من فيض، يدلّ على أن البريطانيين كانوا على بينة من طبيعة العراق، وتاريخية حدوده، وكم أتمنى لو أن مثقفينا يملكون نصف ثقافة المس بيل بتاريخ العراق، وأعني بالمثقفين أولئك الذين يكتبون دون دراية، وبدل أن يكونوا صمام أمان للأمة وللوطن راحوا يفتون كل حسب هواه، بل منهم من لم يسمع بجهود أولئك الصفوة من المؤرخين الذين أثبتوا أضعاف ما ذكرته هنا، يحدوهم حب الحقيقة والمعلومة العلمية الرصينة، بعيداً عن الأهواء والعقائد والنحل.

مَن لا يحترم الكلمة وقدسيتها يُحرف كل شيء، ومما يؤسف له أن مجتمعاتنا قد هيأت الأرضية الخصبة للتقولات غير المسؤولة، والإدعاءات الفنطازية ليس لدى الأدباء والفنانين حسب بل لدى الساسة وغيرهم، فأصبح الكل يعيش في هذه الأرض منذ آلاف السنين، لاغياً الآخرين ومزوراً الحقائق، الكل عارض مشروع كتابة التاريخ الذي دعى له النظام العراقي أثناء الحرب العراقية الايرانية، ولكن هذا الكل قام بإعادة كتابة التاريخ بشكل أسوء من النظام، وإلا هل يعقل أن كل فئة تدعي وصلاً بالسومريين، بينما مَن له أدنى معلومات بالتاريخ يعلم أن هناك عشر نظريات لأصل السومريين، إضافة للنظرية الجديدة للباحث المتخصص بالعراق القديم الأستاذ نائل حنون، والتي قلبت كل إدعاءات دعاة النسب السومري بإعتبارها أن السومرية لغة اخترعها الأكديون، فلماذا كل فئة تصر على إلغاء تسعة أعشار الحقيقة على الأقل، وتعلن بلغة الواثق أن السومريين يعودون لهم وحدهم، بدل القول إن السومريين هم لكل العراق وإننا جميعاً جذورنا سومرية، نعم كان من الممكن أن يقول العربي والآشوري والكردي والتركماني والفيلي والشبكي واليزيدي إننا جميعاً سومريون، مما يكون حافزاً قوياً لتوحدنا، وإننا جميعاً ورثة هذا التاريخ وهذه الحضارة، فيصبح سرجون الأكدي وحمورابي وأحيقار الحكيم وآشور بانيبال وأبو حنيفة والحسن البصري وتراث الكلدانيين والآراميين السريان وكل ميراث العراق هو ملك العراقيين بنفس الدرجة، وهكذا مع الأدباء والفنانين وغيرهم، بل حتى الاعلام في مجالات كتابية أو غير كتابية، ممن عاشوا في العراق من فرس وترك وأفغان وشيشان وأفارقة وإلخ، لماذا لا نعتز بهم بِغَضّ النظر عن دينهم ومذهبهم، نعم نفخر بكونهم اختاروا العراق للدراسة أو العمل أو الإستقرار، لأن هذا يمنحنا شعوراً بإنسانيتنا مثلما يجعلنا نفخر بعراقيتنا وتنوعنا.

يستطيع أي شخص في زمن ضياع الموازين والمفاهيم، والأخلاق، والإنعطافة التاريخية الحادة التي يمرّ بها الوطن، أن يكتب إن هذه الأرض أو الأقليم له منذ ألف سنة أو ستة آلاف سنة، وإن أحب فعشرة آلاف عام، ولكن في المقابل عليه أن يكف عن رمي الآخرين بشتى التهم، لا لشيء إلا لأنهم لا يتفقون معه، وحين لا أتفق معه، فأنا احترم ذاتي، والآخر يريد أن يُزيف وعيي مثلما يُزيف الحقائق.لا شكّ أن من حق أي فرد أو جماعة أن تنتقل من مكان الى آخر، بحثاً عن الرزق أو الأمان، ولكن لا يحق لها بعد جيلين أو ثلاثة، أو حتى عشرة أجيال، الأدعاء بملكيتها للأرض، وإطلاق اسمها عليها، لاغياً منجزات الآخرين، ممن يحملون تراثاً وميراثاً متواصلا على مدى عشرات القرون، ويستغل تعاطف سكان العراق الأصليين والأقدم معه، فيخلق له تاريخاً ملفقاً، مستنداً على جهل غالبية المؤيدين له بالتاريخ ودقائقه، فحين يذكر لنا المؤرخون أن الجيش الإسلامي، عندما وصل الى بغداد وسامراء وتكريت صعوداً الى أعالي الرافدين، كانوا يسمعون لغة غريبة عليهم، هذا لا يعني أن هذه اللغة كانت مجهولة بحيث تمنح الحق كلّ يدعيها، فالقراءة الواعية للتاريخ، تدلنا على أن المؤرخين ذكروا في مواقع أخرى من موسوعاتهم، مَن هم سكنة الأرض، إنهم بلا أدنى شك السريان المسيحيون نساطرة على إمتداد العراق التاريخي، ومينوفيزيين (يعاقبة) في تكريت التي رمى أميرها عبد السطيح نفسه ممتطياً فرسه من أعلى قلعتها منتحراً في دجلة على أن يستسلم للجيش الإسلامي، فأصبح بحق رمز الشموخ العراقي.

فعلى من يدعي إنه يعيش منذ كذا فترة زمنية، وأن هذه الأرض أرضه التاريخية، لاغياً الآخرين، أن يعطينا على الأقل ربع الفترة المدّعاة، إن له فيها ميراثاً مكتوباً ومعلوماً، أي يرينا مئات الكتب التي عمرها يقارب ربع الفترة الزمنية التي يدعيها، أن يثبت بالوثائق والأدلة أن للفئة التي ينتمي لها حراكاً ثقافياً يمتد الى عشرات الأجيال، وإن ميراثه يضاهي ميراث بقية الفئات التي تعيش معه على نفس الأرض مجتمعة، وإلا فهو يمتهن إنسانيتنا، لكونه يريد لعقولنا أن تقدم الإستقالة من التفكير، ولذهنيتنا الإخصاء، وأن نلغي فئات معه تُشكل طيفنا العراقي الذي نفخر به ونتباهى، إننا جميعاً قوس قزح، والعراق بستاننا معاً وليس بستاناً لقريش.

الحقيقة التي يجب أن تشاع كما الهواء، من وجهة نظري هي أن الناطقين بالعربية اليوم هم نتاج تزاوج جميع الأقوام التي سكنت المنطقة والعراق منها، وتكرار هذا القول، لأهميته إذ إن هذه الحقيقة سوف تلجم القوميين العرب المؤمنين بنقاوة العرق العربي، بذات الدرجة التي سوف تلجم سواهم من القوميين إن كانوا فعلا هم سكان العراق القدماء كالسريان (الكلدوآشوريين السريان) أو ممن نزحوا خلال العهد العباسي الثاني خصوصاً وما تلاه، أو الذين كانوا على حدوده الجبلية الوعرة، ولم ينزلوا للمدن إلا فرادى بسبب ثأر أو ترحيل قبلي أو غير ذلك، ولكنهم في العصر الحديث بدأوا يتكاثرون ونزولهم للمدن أصبح علامة فارقة لبعض هذه المدن نتيجة ما حصل قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، من مجازر تحدثنا عنها في موضع آخر من الحوار.

لم تخل أربيل وكركوك وغيرهما يوماً من الأكراد والعرب، ولكن كانوا أقلية على مدى التاريخ حتى أطل علينا القرن العشرون فغير الموازين وكان السريان والتركمان الخاسرين مما حدث، مثلما لم تخل الموصل العربية يوماً من التركمان والاكراد والشبك وسواهم، وإذا كان الكثير من العرب نزحوا الى كركوك تحت مدافع السلطة التي احتلت الدولة، فإن غير التركمان والعرب في كركوك وبغالبية مطلقة فُرضوا عليها تحت مدافع الإحتلال البريطاني ما بين تأسيس الحكم الوطني وحتى قيام الجمهورية.

العراق وطن يدل على شعبٍ، وليس على عرق أو إثنية، وطن عاش في كنفه هذا الشعب متنوعاً كتنوع أراضيه، ولكن الأكدية منذ 2300 قبل الميلاد سيطرت كلغة تفاهم وتواصل بين أبنائه، والى اليوم ما زالت من خلال بناتها، ومنذ أربعة عشر قرناً تسنمت اللغة العربية من أخواتها الأُخريات الراية، فلا يمكن أن نضعفه أو نجزئه لأسباب هي أوهى من بيت العنكبوت، ومَن يريد أن يؤسس فيدرالياته الطائفية، مذهبية كانت أو أثنية، فإنه يمنح مَن عارضهم ووقف مع الإحتلال بكل قوته لكي يبني عراقاً حراُ ولكل أهله كما يقول، صكوك غفران على ما ارتكبوا من مجازر وإساءات بحقنا وحق وطننا.

ما ذنب الذي يعيش منذ قرون على أرض آبائه وأجداده، وفجأة يرى نفسه في إقليم تسميته الأثنية أو المذهبية تختلف عن أثنيته أو مذهبه أو دينه.

مَن يريد تأسيس دويلته فليؤسسها على أرضه التاريخية التي تزدحم به منذ قرون وعشرات الأجيال، ولكن ليعلم إنه يغرف من ذات المستنقع الشوفيني الإلغائي الإقصائي العنصري الذي طالما تذمر منه واشتكى وعانى، علماً إن الناطقين بالعربية والسريانية فقط هم سكان العراق الأقدم، لأنهم ببساطة وكما ذكرت مراراً وأعيده هنا للتذكير أنهم خليط من جميع الأقوام التي سكنت العراق والمنطقة على مر الازمان.

ما ذكره علي الوردي، كلام صحيح ولكن هناك مسكوت عنه في كلامه، وكلام من نحا منحاه في أن العراق ضحية الهجمات البدوية، هذا المسكوت هو مَن أوحى للجميع أن العراق استقبل هجرات من الغرب والجنوب الغربي فقط، مما مَنح الفرصة للآخرين أن يتهموا الناطقين بالعربية أنهم غزاة، وسواهم سكان الأرض الأصليين، حتى حدا بالبعض أن يطالب برميهم الى الصحراء، ومن المضحكات حقاً أن هذا البعض ينتمي لفئة لم يولد جدها الأول في العراق، وإذا تفحصنا خطابات بعض الأحزاب القومية، لغير الناطقين بالعربية، فسوف نلاحظ كيف تم إستغلال المسكوت عنه في قول العلامة علي الوردي وغيره، إستغلالاً يُعبر فعلاً عن حقيقة أن القوميين في العراق بجميع أطيافهم اللغوية تغرف من مستنقع الشوفينية والإلغاء والإقصاء للآخر، وتزوير التاريخ والحقائق.

لا شكّ إن العلامة علي الوردي، بذل جهوداً جبارة في دراسة هذه الظاهرة، فالعقل البدويّ ما زال مسيطراً على سلوكياتنا، ولو تتبعنا ظاهرة الفرهود 1941 والسحل بالحبال بعد إنقلاب الرابع عشر من تموز 1958، ودموية الثامن من شباط 1963 الإنتقامية وعمليات العنف والعنف المضاد في آذار ونيسان 1991 وانفلات ما بعد التاسع من نيسان 2003، سوف نلاحظ بكل جلاء العقل البدوي النَهّاب والمنتقم بطريقته البدائية العدوانية، لا نستغرب حين نرى البسطاء من الناس يسرقون المال العام، لأن هذا المواطن وهو يسرق كرسياً من مبنى عام، يشعر بأنه ينتصر على الحكومة التي طالما أجبرته على الخضوع والخنوع من وجهة نظره، وها هو دوره في أخذ ثاره منها، وبكل تأكيد لو أن الحكومات شرعت برامج تربوية مَدنية لخلقت لنا أجيالاً تؤمن بالنظام وبالدولة، ولفرقت بين الدولة والسلطة، وميزت أن المال العام والبيئة والوطن بكل ما فيه لها وليس للسلطة، ولكن السلطة نفسها (أحزاباً وأفراداً كضباط الجيش) استحوذت على الدولة، أليس شعار "إذا قال صدام قال العراق" تعبيراً دقيقاً على هذه العقلية الإستحواذية، وما كان يردده الجالسون على قمة الهرم السلطوي، من انهم جاءوا بقوتهم ومَن يريد أن يستولي على السلطة فلينازلهم، لأن العقل البدوي بقي منتصراً، ولم تنتصر عليه المدارس والجامعات والإحتكاك بالعالم، بسبب التعليم التلقيني لدينا.

المعارضة وجه آخر للنظام، وما حدث بعد التاسع من نيسان 2003 يثبت أن القادمين الجدد لم يكونوا معارضة لنسق الحكم، وسلطويته، وتحويل الدولة الى خادم للسلطة، وإنما معارضتهم كانت للانفراد بالسلطة، وها هو الوضع في العراق يقول إن العراق تحول من بلد فيه شيخ القبيلة زعيم أوحد، الى إنفصال العشائر التي تكون القبيلة، ونبذ والغاء سلطة شيخ القبيلة لتتوزع على شيوخ العشائر، والأفخاذ أحياناً، وما زالت الذاكرة مرهقة بمناظر وأخبار الأحزاب وهي تستولي على المال العام، وتدمر كل ما تعتقده يمثل رئيس القبيلة المخلوع، وإلا ما علاقة التماثيل والنصب بالنظام، وهناك الكثير من الأمثلة التي يصعب حصرها.

العقل البدوي، في الجنوب والوسط يبيع آثار البلد وذاكرته لأنها حسب زعمه وتبريره تتناقض مع الدين الحنيف، وفي الشمال يبيع آثار البلد وذاكرته ويسرق المصارف ويحرق دوائر التسجيل المدني (الولادات، العقارات، ووثائق البلد) لأنها تمثل الدكتاتور والطاغية الذي أبادهم وأرتكب المجازر بحقهم وغيبهم وإلخ من التبريرات التي لا تقنعه هو نفسه، حتى امتلأت إيران وتركيا بالمال العام العراقي المُهرب لها من الشمال الشرقي منذ مطلع 1991 وحتى الآن، بينما الحقيقة أن كلاهما العقل البدوي السهلي والجبلي، تصرفوا بما يمليه عليهم وعيهم البدوي النهّاب، الذي كلما مَثّلَ بضحيته وزاد من انتقامه منها، ونهبها وإذلالها كلما شعرَ بقوته وجبروته، ولحظة السقوطات إن جاز التعبير، أي سقوط بغداد وسقوط السلطة وسقوط الدولة كانت الفرصة المواتية لهذا العقل كي ينهب ويستولي ويحرق ويدمر، لم يختلف في ذلك بسطاء وفقراء البلد وأحزابه ومَن يرون في أنفسهم زعماء المستقبل، والمعارضة التي ناضلت طويلاً من أجل الوطن حسب تعبيرهم.

المَدنية والبداوة متناقضتان، ولن نتمكن من بناء دولة عصرية، إلا بالقضاء على البداوة،

وسوف تبقى مصطلحات المناطق المتنازع عليها والفيدرالية وحق تقرير المصير وغيرها من المصطلحات والشعارات المثيرة للجدل والشفقة، بل والضحك، تدار بهذه العقلية، التي تلقفت هذه المصطلحات لتستخدمها بطريقتها البدوية الالغائية، ضاربة بعرض الحائط أن هذه مصطلحات لا تنطبق على الوضع العراقي، فمن يعارض جلب النظام السابق لفئة ما الى مناطق معينة عليه أن يقرّ بالحقيقة وهي أنه جُلبَ تحت مدافع الإحتلال البريطاني إليها قبل ذلك، والأجدى أن يفتح صفحة جديدة مضمونها المحبة والتسامح والإيمان بأن الوطن كله لكل أبنائه، وإن سريانية وتركمانية وشبكية ويزيدية وكردية بغداد لا تقل عن عروبتها، وكذا الحال مع كل مدينة عراقية، ولكن هيهات، وهذا يعني بقاء استحواذ السلطة على الدولة، وتسخير المال العام للحزب وقائده، بل أن هذه الأحزاب لها شرطتها السرية التي تلعب دوراً بارزاً في إمتهان المواطن والوطن.

العقل البدوي أينما وضع قدمه استحل كل شيء، وأعتبر الاخرين غرباء، عكس العقل المديني المؤمن بالتنوع والاختلاط والمشاركة، وإلا ألا يخجل هؤلاء مما اقترفوه وما استولوا عليه، وما ارتكبوه بحق الاخر المختلف عنهم ديناً ومذهباً وأثنية ؟ وكيف تم ويتم الاستيلاء وهذه المرة بقوة القانون على مناطق هم نزحوا اليها قبل عقود تعدّ على أصابع اليدين.

العراق وطوال تاريخه كان يستقبل هجرات من كل مكان، ومثلما هو معروف كبلد متعدد اللغات والديانات والمذاهب، كبقية بلدان العالم، لموقعه المميز وخيراته الوفيرة، فهو بلد معروف بثوابت جغرافيته، وما يحتاجه هو عقلية تؤمن أن كل مدنه وقصباته مشتركة.

فحين نؤمن أن بغداد والبصرة والموصل وأربيل وكربلاء وميسان وكركوك وديالى وغيرها هي مدن مشتركة ونرفض تصنيفها لغوياً ودينياً ومذهبياً ومناطقياً، وحين نعيد النظر في أنساقنا الثقافية وخطابنا السياسي، وندين النسق الذي أنجب لنا هذا الخراب والدمار الذي نعانيه منذ نصف قرن تقريباً، وتهيئة المعلومة للجميع، فلن يتمكن أحد ما من ظلم الآخرين أو الانفراد بالسلطة، أو بث روح الانعزال والتقوقع لدى فئة ما، عندها لن يجرؤ من لم يولد جده الأول أو الخامس في أقصى الحالات، ومَن لا آثار له، أو مَن جلبه الاحتلال البريطاني أو غير البريطاني لأرضنا أو مَن جاء هارباً بدينه ومعتقده إلينا، ليدعي ما يدعي، وليشيع عنا ما نحن لسنا أهله، ويعتبرنا الغزاة والبدو الرحل الذين يجب رميهم الى الصحراء.

العراق إقليم ثابتة معالم جغرافيته، وما يحتاجه أن يكف العقل السياسي فيه استحواذ سلطته على الدولة، وتحويل المواطنين الى رعايا السلطة وليسوا مواطني الدولة، عندها سوف لن يصبح المواطن مشكوكاً فيه، ولن نحتاج الى أقاليم شوفينية عنصرية أو طائفية، وبكل تأكيد سوف تصبح العمامة والعقال والشروال والريشة والسدارة محل فخرنا ودليل تسامحنا.

 

وديع شامخ


التعليقات

الاسم: رحيم الحلي
التاريخ: 24/05/2010 05:08:58
الشاعر والباحث باسم فرات :
هكذا يجب ان نخاطبك لانك تهتم بالتاريخ فانت تبحث عن الجذور انك تستنجد بالماضي لكي تفهم الحاضر ، ذلك قد يكون ذلك مفيداً في احيان كثيرة ان اعتمدالباحث على مصادر معرفية موثوقة ، وان استخدم المرء عقله الانساني في التحليل وترك عواطفه جانباً ، قد يساعد المرء في كشف المكائد وتعرية الغاصبين والمزورين والالغائيين المستبدين الذي اسميتهم بدو انا عشت راعيا للاغنام وخالطت البدو بعمق حين هربت من العراق ايام ديكتاتورية صدام عبر البادية ، وكانوا اعظم الالغائيين والمحتقرين للاخر ومن خلال ذلك فهمت عقلية صدام وازلامه وسبب لؤمهم وعدم تقبلهم الاخر ، فهم هوامش المجتمع البدوي ما اجمل قولك :
العقل البدوي، في الجنوب والوسط يبيع آثار البلد وذاكرته لأنها حسب زعمه وتبريره تتناقض مع الدين الحنيف ، وفي الشمال يبيع آثار البلد وذاكرته ويسرق المصارف ويحرق دوائر التسجيل المدني (الولادات، العقارات، ووثائق البلد) لأنها تمثل الدكتاتور والطاغية الذي أبادهم وأرتكب المجازر بحقهم وغيبهم وإلخ من التبريرات التي لا تقنعه هو نفسه، حتى امتلأت إيران وتركيا بالمال العام العراقي المُهرب لها من الشمال الشرقي منذ مطلع 1991 وحتى الآن، بينما الحقيقة أن كلاهما العقل البدوي السهلي والجبلي، تصرفوا بما يمليه عليهم وعيهم البدوي النهّاب، الذي كلما مَثّلَ بضحيته وزاد من انتقامه منها، ونهبها وإذلالها كلما شعرَ بقوته وجبروته، ولحظة السقوطات إن جاز التعبير، أي سقوط بغداد وسقوط السلطة وسقوط الدولة كانت الفرصة المواتية لهذا العقل كي ينهب ويستولي ويحرق ويدمر، لم يختلف في ذلك بسطاء وفقراء البلد وأحزابه ومَن يرون في أنفسهم زعماء المستقبل، والمعارضة التي ناضلت طويلاً من أجل الوطن حسب تعبيرهم.
المَدنية والبداوة متناقضتان، ولن نتمكن من بناء دولة عصرية، إلا بالقضاء على البداوة،
وسوف تبقى مصطلحات المناطق المتنازع عليها والفيدرالية وحق تقرير المصير وغيرها من المصطلحات والشعارات المثيرة للجدل والشفقة، بل والضحك، تدار بهذه العقلية، التي تلقفت هذه المصطلحات لتستخدمها بطريقتها البدوية الالغائية
العراق إقليم ثابتة معالم جغرافيته، وما يحتاجه أن يكف العقل السياسي فيه استحواذ سلطته على الدولة، وتحويل المواطنين الى رعايا السلطة وليسوا مواطني الدولة، عندها سوف لن يصبح المواطن مشكوكاً فيه، ولن نحتاج الى أقاليم شوفينية عنصرية أو طائفية، وبكل تأكيد سوف تصبح العمامة والعقال والشروال والريشة والسدارة محل فخرنا ودليل تسامحنا.
تحية للشاعر الوطني المثقف باسم فرات
تحية للاستاذ وديع شامخ ود حاتم الصكر
رحيم الحلي




5000