..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
عبدالغني علي يحيى
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مسرحية / هدهدة الأمل

وليم عبد الله

 هدهدة الأمل

 

 

 

 

 

   مسرحية من خمسة مشاهد

 

 

   تأليف :

   وليم عبد الله 

 

        المشهد الأول

             

 

                [ ورود بيضاء تملئ المكان ، تدخل فتاة ترتدي فستاناً أبيض، ترقص

                 بفرح وتتنقل بين الأزهار .... ]

الفتاة ( تدور حول نفسها مترنمة ) : ما أجمل الحياة عندما تهدأ الأعاصير

         وتأتي الفراشات ، ... ما أجملها عندما تغرّد طيور السنونو كلّ صباح

         معلنةً شروق شمس من الصعب أن تغيب ،وإن غابت تركت ورائها أفقاً

         لا يأفل من مخيّلة كل محبّ ... أفقاً ما هو إلاّ مرآة لذكريات اقتطعت من

          الحياة سنين ورمتها في أعماق البحار ... ذكريات ارتشفت الجمال جرعة

         من ثغر الحياة ... ذكريات تذكر بالنعيم الآفل وتحرق بلوعة الشوق الوقت

          الحاضر .. ( بنغمة حزينة )  يا لها من حياة تلك التي لا تمنح أبنائها السكينة

          في أعماقهم ... والسلام في أفئدتهم المحترقة ... إنها لحياة قاسية تلك التي

        تقتل بأقدس الموجودات وأرّق النسائم .. تلك التي تقتل بالبلسم وتميت بالدواء

        .. تلك الحياة التي ما إن رأت أبنائها يتنعموّن بالأحاسيس الأبدية ، حتى شعرت

       بالغيرة وقتلتهم برمز وجودهم ... ( تتنهد ) قتلتهم بالحب ... ( تجلس متربّعة

        بين الأزهار بينما تنخفض الإنارة قليلاً ) الآن وبعد مضيّ دهور على ولادتي

       ... أحسّ بالملل المجهول سببه ... أنظر في المرآة فأجد ملامحي ما تزال كما

        هيَ دائماً ... مشرقة كإشراقة شمس الصباح .. هادئة كهدوء الطفل الرضيع

       على صدر أمه .. رائعة كروعة الورود البيضاء في المروج الخضراء ...

       أبحث عن الأجزاء المكتئبة فلا أجدها في المرآة ... أتلّفت يميناً ويساراً ،

       أعاين السماء متأملّة وأحدّق بالأرض مفكرّة ... ولكن ... ما من إجابة تشفي

        غليلي ، وما من إشارة تستنبط الأمل الدفين في ظلمات قلبي ... مهلاً ( تقف

       وتضاء الحديقة بقوّة ) أسمع أنين ... إنه طير الشوق يصدح بأغنيته المعتادة

        مطالباً بالإفراج عنه ، يا له من طير مسكين ... لا يعلم إن هو بلغ مراده ...

        سيموت .... ( تسير مداعبة الورود البيضاء ) ولكن فليمت هذا الطير لأنّ

        حياته تعني الفراق ... وموته يعني اللقاء .... ( تضحك ببراءة ) قد أدركت

        سبب كآبتي أيها الطير .. ولكن هل من دواء لمرضي ؟ وهل من أمل يمكنه

        الخروج من ظلمات مكان مجهول ؟ ... نعم ... قد علّمتني الحياة أنّ الإعصار

        يخفي بداخله هدوءاً ولكن من يريد الدخول إلى قلب الإعصار عليه أن يعارك

        رياحه العاتية أولاً ! ..........( تخرج بهدوء كما دخلت )

 

 

           

 

              

 

           ( يدخل شاب متباطئً بمشيته ، يحاول أن يداعب الورود فيسحب يده )

 

الشاب : عذراً أيتها الورود ، فقد اعتقدت بوجود الأمل برؤيتك ... سمعت أنين الوفاء

           يتمخّض ليلدَ السعادة عندما داعبتك .... ولكن ما لبثت أن  اكتشفت مدى

           الوهم الذي يحيط بي من كل جانب ( يضحك ساخراً ) هل يمكن لمشلول ٍ

           أن يسابق الزمن ؟ ... أو لأعمى أن يعاين تفاصيل حياته ؟ ... ( يدور

           في مكانه ويعود من جديد لمداعبة الورود ) عذراً مرّة ثانية أيتها الورود

           فأنا مدرك لمدى سخطك من ملمس يدي ، أنا الفاشل الذي ما إن رأى

           النور حتى أطفأ سراجه ...( تتصاعد نغمة حديثه ) أنا ذاك الاتكالي على ما

           يحمله الزمن في جعبته المثقوبة لأبنائه البررة ... ( بهدوء )  أو الأغبياء  

           ( يرفع صوته قليلاً ) لثقتهم بالذي لا يرحم ( بغضب ) و أملهم بالذي لا يعط ِ           وعوداً و إن أعطى كذبَ .... ( يعود لهدوئه )  

           أيتها الحياة  يا مَن منحتني  القوة من بعد الضعف ، والقدرة من بعد العجز  

            ... أجيبي ولو بإشارة عن بعض ما يجول في رأسي الهرم من تساؤلات ....

           اقتلي شكّاً ... اخنقي حيرةً ... ( يجلس ويضحك ساخراً من نفسه ) كم أنا

           غبي كي أطلب الرحمة من جلاّدي ... ( يرفع صوته باكياً ) قد طلبت منك

           الكثير أيتها الحياة ، ولكن ماذا فعلت لأجلي ؟ ... ( بهدوء ) قد فعلت الكثير

           .. قتلت قلبي في مهده ... وصلبت مشاعري في شبابها ... وأحييت الكراهية  

          من بعد مماتها .. قد قلبت ِ قوّتي ضعفاًً وجرأتي تردداً .... قد فعلتِ ما بوسعك  

          فلماذا ألومك ؟ .. ( يقف ويتابع مداعبته للورود ) لا أدرِ أيّ أمل ٍ أجده فيك ِ

          أيتها الورود ... علامَ تفاؤلك ِ , لا أعرف ؟.. في نهاية الحرب تملئين ساحتها  

          .. وكأنّ شيئاً لم يحدث .. كي ألتق ِ رفيقة عمري ترافقيني إليها مشرقةً متفائلة

          .. وإن فقدتها ، أجدك ِ كما كنت ِ مشرقة ومتفائلة ... ( يتوقف عن مداعبتها )

         أيعقل أن تكوني بلا إحساس ؟ .. أو لعلّك تشمتين بي وبأمثالي ؟ .. هناك أمور

         من الصعب تفسيرها ، وأنت ِ إحداها ... ( يجلس ناكثاً رأسه ) إني لشقيٌّ

         تعيس ، فقدتُ رغبتي في الحياة و أصاب العمى تطلعاتي لأمل مختبئ في

         طيّات الزمن القادم .... ( تنخفض الإنارة تدريجياً إلى أن تنطفئ ) .

 

                 *                       *                         *

 

                                المشهد الثاني

 

               [  صخرة ومن حولها بضع شجيرات ... تجلس الفتاة محدّقة بالشجيرات

 

                 وتعلو شفتيها ابتسامة حزينة ]

 

الفتاة : يا لهذا الانسجام بين نعومة الحياة وقسوتها ، ولكن هل هو تفاهم تعقّل أم

         عجز ؟ ما أغرب الأمور وما أعقدها من تفاسير عندما يجتمع السواد والبياض

          في نقطة واحدة ويتقاسمان مع الزمن روعة الحياة وقبح العيش فيها ... أيتها

          الشجيرة الخضراء ، أتدركين ما أنت ِ عليه ؟ أترين بجانب من تعيشين ؟

          أأنت ِ من اختار العيش هنا أم هي إرادة القدر ؟ ( تقف وتدور حول الشجيرة

         مداعبةً إيّاها ) لا تجزعي يا صديقتي كلنّا نحيا هكذا ، لا نختار أين ومع مَنْ

         سنمضي بقية عمرنا ... ( تقترب من الصخرة )  كم أشفق عليك ِ ، لا بُدَّ

         و أنّك ِ تجهلين مدى السوء الذي يكتنف مظهرك ... هل يا ترى تخفين بداخلك

         ما يظهره شكلك من صلابة ومتانة ؟ هل يا ترى لم تجد المشاعر مكاناً

         بداخلك فغادرت مُكسِبةً  إيّاك صفة خالدة للكراهية واللامبالاة .. أو أنّ 

       الصخور تخفي  ما لا يتوقعه أحد ؟ ( بهدوء ) أيعقل أن تكون كأبطال الإنسانية

         لا تُظهر لا عاطفة و لا مشاعر فقط كي تحافظ  على مكانها وجسارتها ؟ ...

          يا لا غرابة الحياة و غربة مكنوناتها .... في أبسط الأشياء تختبئ أغرب

       الأمور وتزداد تعقيداً أسَلًسْ القضايا ... ( تتنهد بعمق ) آاه كم أتمّنى

       لو كنت مثلك قادرة على دفن مشاعري في أعماق نفسي و أتخلّص من

       العذاب الذي يلّم بي من كل مكان ويغمر وجداني بالهواجس الخالدة ...

        ( تخرج ببطء ...... يدخل الشاب من الباب الآخر ويقترب من الصخرة )

 

الشاب ( يتأمل الصخرة ) : لا أدري أيّ شعور يكتنفني عندما أرى الصخور

       هل هو احتقار لضعفي ، أم انشراح لصدري ؟ لا أستطيع أن أرى في الصخور

        إلاّ القوة والجَلَدْ .... ولكن ( يدير ظهره للصخرة ويلتفت متأملاً الشجيرات )

        هذه القوة ليست إلاّ نتيجة مشاعر مدفونة ... ( يداعب شجيرة ) للضعف

        محاسنه أيضاً ، يكفيه أنّه إحدى صفات الأنوثة ...( يتنهد بعمق ) ياااه !

       ... أنوثة !! .. ما أروعها من كلمة تلفظها الشفاه وصورة يرسمها الخيال  

       ومستقبل يقترب مبتعداً عن الحاضر ... كم هي الفروق شاسعة بين الأنوثة    

       والقوة ولكن للاثنين معنى واحد وهو السيادة المطلقة ... ولكن هل من شبه بين

       الصخرة والأنوثة ؟ ...  ( يعود للصخرة ويلمسها بيده برفق ) أيمكن للصخرة  

       أن تزهر يوماً ؟ ... ( يتنهد بعمق ويتابع حالماً )  لطالما رأيت الكثير من  

       الأعشاب تنمو على الصخور مضيفةً للطبيعة إحدى عجائب الجمال وللمروج  

       أكاليل مختلفة من الورود الملائكية ... ( يتوقف عن  حلمه )  أيمكن للصخرة

      القاطنة في صدري والقابضة على أنفاسي والموقفة نبضات قلبي أن تزهر يوماً

      و تتحول من صخرة جامدة إلى جدول ماء رقراق ؟ ... هل لتلك البقعة من 

      الأرض حيث دفنت أحلامي في طفولتي أن تُنبتَ أشجار شبابي  ؟ ... لا بُدّ

      من أن ذلك يحدث ، لأنّ المعجزات ليست حكراً على الأنبياء وحدهم . ( يضم

      الصخرة برفق ) أنا أثق بوجود قلب ينبض بداخلك صارخاً يطلب الإفراج عنه

      وتحطيم القيود التي فرضها القدر ... ( يجلس متكئاً على الصخرة ) على قلبي

      أن يكسر جداره الصخري ويعود للحياة من جديد ... ربّاه إنها أمنيتي الوحيدة ،  

      وأنت حرّ في منحي ما أريد أو لا .

                     

                                  - تُطفأ الإنارة  -

         

                             المشهد الثالث        

 

           [ نبع ماء رقراق تظللّه شجرة هرمة مُصفرّة أوراقها ... طوراً تُسمع

             رقرقة الماء  وطوراً أُخرى يُسمع حفيف أوراق الشجرة ... تدخل الفتاة

             وبيدها دفتر صغير تقلّب صفحاته بحزن شديد ... تقترب من جزع الشجرة

             وتجلس متكئة عليه وتفتح دفترها ]

الفتاة : هنا تعيش ذكريات ماضيّ الراحل  دون استئذان والمتحفّظ على موعد

         عودته .. هنا قُتلَت لحظات سعادتي وهنا ولدت سنين شقائي ... ( تغلق الدفتر

          وتنظر للأعلى محدقة بالشجرة ) ما أشدّ شقائك أيتها الشجرة ، إنّي لمدركةٌ

          كم هي عصيبة هذه اللحظات التي تمرّين بها ، لا تعرفين ما إذا كنت

          ستكونين أو لا بعد نهاية الخريف ... ( تفتح الدفتر ) هنا كنت أنتظر ( تقلب

          الصفحة ) وهنا أدركت أنه ما من شيء أنتظر ... ( تنهض وتدور حول

          نفسها ومن ثم حول الشجرة ) لا أدري لِما كلّ هذه الحيرة ولِما كل هذا

         الحزن .. ( تقترب من النبع وترمي الدفتر من يدها ) هنا هيَ السعادة (

         تداعب بيديها الماء ) هنا هيَ الإرادة ، هنا تكمن حقيقة لطالما كنّا نجهلها

         هنا دُفنَ الهمّ وولد التفاؤل ، هنا مات الماضي وولد المستقبل ، هنا رحل

         الرحيل .. هنا تأبّد الشروق واندثر الغروب ... ( تجلس متثاقلة على الأرض

         وتضحك ساخرة من نفسها ) لماذا اخترت أن أكون هذه الشجرة الهرمة وكنت

         أستطيع أن أكون هذا النبع ؟ لماذا أعاني من الفناء كلما تذكرت وكنت أستطيع

         أن أكون الديمومة والتجدد ؟ ! أنا مخطئة ولكن ... أيمكن لمخطئ أن يصلح

         خطأه ؟ ... في هذه الحياة تتكرر الأشياء نفسها وأحياناً تختلف اختلافات

         بسيطة ( تنكث رأسها )  كثيرة ٌ هي الروايات ذات التفاصيل الواحدة وهناك  

         تفاصيل  كثيرة لرواية واحدة ... ( تقف وتمشي متباطئة جيئة وذاهباً ومن ثمّ

          تنظر إلى الشجرة وتضحك ) أنت ِ مثل تلك الرواية ذات التفاصيل الواحدة

         لا جديد يحدث فيك ِ ، لا هرمك ِ ولا تجددّك ِ يُعتبران بالشيئين المختلفين

         فأنت ِ جامدة بلا حراك . . . ولكن في جمودك حركة وفي صمتك كلمات ثاقبة

        والغبي هو الذي لا يتعلم من كلماتك ! ... أما أنا فقد قررّت أن أفهم ما ترمين

        إليه وسأعتبر من خريفك ( تنظر إلى النبع ) وسأشرب من ماءك و أحاول  

        التشبه ببقائك بنفس البهجة رغم تبدّل الفصول ( تنحني وتلتقط دفترها ) أنا

        ذاهبة فالبرد قد اشتّد وأخشى من تجمد أحلامي هنا ...... ( تخرج بهدوء )

 

 

الشاب ( يتوقف أمام الشجرة ) : لا بُدَّ وأنّ الذكرى قد سببت اصفرار أوراقك

         كما هي تضغط على أنفاسي ( يقترب أكثر من الشجرة ) ها هيَ الذكريات

         تخنقني وتحيطيني بهموم من أزل ... كلما طردت الماضي عاد ليجلس

         متربعاً على عرش وجودي (  يتنهد بعمق ) كلما انطلقت مسرعاً عدت

         أدراجي خائباً لا أمل لديّ ولا طموح فلم يعد هناك ما يدفع حياتي قُدماً

         نحو الأمام ... أنت ِ مثلي تماماً أيتها الشجرة الكئيبة ، لم يعد هناك ما

         تنتظرينه سوى تساقط أوراقك ، فيا لا سخرية الحياة وسذاجة أحلامها ...

         ( يلتفت إلى النبع ) ماذا تريد أن تقول برقرقة مياهك أيها النبع ؟ أسمعت

         كلامي ورغبت بالرّد على ما قلته ؟ ... من أنت ؟ ... كيف تستمر ؟ ...

        هل بقائك متعلّق بماهيتّك ؟ أيمكن أن أصبح مثلك ، أو أنا مثلك ولا أدري ؟

        أتسخر من  حاضر هذه الشجرة أم لعلّها هي حزينة لمستقبلك ؟ ( يجلس

        القرفصاء ويتأمل النبع ) لديّ شعور بأنك تسخر من كلامي ، فأنت تسيل

        دون أن تفكر بالغد أو تتألم على الماضي ، في هذه الحياة تجري أغرب

        الأمور المألوفة وأعقد القضايا البسيطة دون أن ننتبه إلى إحداها فأنت

        أيها النبع دون أن تدري تخبئ أعظم قصة ببساطتك ، وأعذب أمل برقرقة

        مياهك ... أنت مثال العطاء الأبدي ( يضحك ساخراً من نفسه ) لا تدري كم

        أشعر بالازدراء عندما أنظر إليك وأجد صورتي متلألئة في أصفى مرآة والتي

        لم تقدر اليد البشرية على صنع واحدة مثلها حتى الآن ... هنا يجتمع الأمل

        والإحباط ، الانتصار والهزيمة ، المستقبل والماضي ... ما يميزك عن سائر

       المخلوقات هو أنك لا تملك ماضي فأنت لا تسير للخلف أو تتوقف في مكان !

      دائماً تتقدم  دون أن تعود .... ( يستلقي على ظهره متنهداً بعمق ) ترى لماذا

      لست مثلك ؟ هل لحاضري علاقة بعجزي ؟ ( يقف ويتأمل الشجرة ) لا أظن

      ذلك فأنت ِ لم تكون ِ يوماً عاجزة وانظري لنفسك الآن ! ... ( ينظر إلى الأرض

      ويضرب بقدمه حصاة ) أظن بأنني قد استخدمت المثال الخطأ فمن الطبيعي أن

      توجد نتيجة واحدة لأسباب مختلفة وحالات متعددة ... أنا من اختار الطريق الذي

      أوصلني إلى هنا والآن عليّ أن أتعايش مع واقعي أو أحاول من جديد تغيير

      قدري ( ينحني من جديد فوق النبع ) سأكون مثلك يا معلّمي وسأبحث دوماً

      عن التجدد ( يقف وينظر إلى الشجرة ) وسأتجنب الوصول إلى الخريف ...

      ( يغادر بهدوء بينما تنخفض الإنارة تدريجياً حتى تُطفأ كلياً )

 

                          المشهد الرابع

  

           

             [ غرفة ذات نافذة واحدة تطلّ على الطبيعة المغطاة بالثلج ... تجلس

              الفتاة ملتحفة بغطاء إلى جانب موقد نار ملتهبة ناره ]

 

الفتاة ( تنظر إلى النار بتمعن وفجأة تنفعل وكأنها احترقت بها ) : ثوري أيتها

         النار واحرقي ... واحرقي ...واحترقي فلم يعد هناك ما ننتظر سوى الفناء

         والتألم ... أحبك أيتها النار لأنك تُريني ما يجري بداخلي ولكن أكرهك

        لأنك لا تشبهيني فأنت ِ تحترقين لأشعر بالدفء أما أنا فأحترق لأشعر

       بالجحيم الأبدي وهنا يكمن الاختلاف بيننا ... ( تنظر من النافذة إلى الثلج )

        يا ليتك ِ نار باردة لكان تغيّر معنى الجحيم واكتسب معنى أهدأ ممّا هوَ

        عليه ، لا يمكن لأحد أن يشعر بما أشعر وهنا تتجسد الوحدة بأقسى معانيها

       ( تمسك ورقة صغيرة وترميها في النار ) لتحترق هذه الكلمات التي رّبما

       كانت ستبني حياة مفعمة بالسعادة والأحلام الوردية ولكن كل الذي كان سراب

       مصيره سيكون الاحتراق والاندثار ... ( تقف غاضبة وتنظر من النافذة إلى

       الثلج المترامي في كل مكان ) أحسدك أيها الثلج على البرودة التي تتمتع بها

       ولكن أأحزن على موتك السريع ؟! ... ( تضحك بسخرية ) ما أغبانا نحن

       البشر ! ... من كثرة سذاجتنا نعتقد بأن الموت هو أحد مصائب الحياة وفي

       الحقيقة إنما الموت هو الوسيلة الوحيدة القادرة على مساعدة أولئك الفاقدين

       للأمل أو للدوافع الحياتية ... ( تجلس متثاقلة وتتنهد بتعب ) ولكن ماذا عن أبناء

       السعادة ؟ .. كم أنا أنانية ! لا أفكر إلاّ بنفسي ! للحياة أسباب كثيرة تحثّنا على

       عيشها ولكن ...( تنكث رأسها ) لا أستطيع أن أتحمل ما أنا عليه ، لا أحتمل

       فكرة استسلامي لظروف صنعها قدري الأحمق ، ( تنظر من النافذة ودمعتها

       تتلألأ من وهج النار ) هناك كانت الأزهار تملأ المكان والآن حلّ محلّها الثلج

       الأبيض ولكن ( تضحك ساخرة من نفسها ) كم أنا فتاة ساذجة ! غداً ستعود

       الأزهار تملأ المكان روائح زكيّة ولن تذكر أو حتى تفكر بالثلج الذي كان ...

       هذه هي الحياة زوال وعودة ، وكم هي صعبة تلك اللحظات عندما نقف أمام

       عائق صغير عاجزين عن الانطلاق في زحمة الهموم ومتعثرين بخيالات

        السعادة المبعثرة في محيط الدنيا ... ( تنظر إلى النار ومن ثم تنقل نظرها  

        بسرعة إلى الثلج ) ما أعظم فكرة الوجود وما أبسط الحياة فهنا اشتعلت

       الكلمات وهناك تجمدت المشاعر وفي كلا الاثنين استمرارية وزوال ، ليست

       العوائق إلاّ ثغور في جبالنا كان من السهل تجاوزها ولكن بجهلنا للأمور تعالت

       لتصبح كُتل صخرية تضغط بقوة على قممنا ... ( تقف غاضبة وتنظر من

       النافذة ) لن أدع هذه الثغرات تتحول إلى عائق يسّد طريقي ، غداً سآتي إليك

       أيها الربيع وستكون ورودك شمسي ورائحتها أملي والوداع للشتاء الذي في  

       داخلي ... ( تخرج ومن ثم تُطفأ الإنارة )

          [ غرفة ذات نافذة مُضاءة قليلاً بشمعة واحدة وصوت الرعد لا ينقطع ...

           يجلس الشاب وحده متأملاً الشمعة ]

الشاب : من قال بأن أرقّ الأشياء تستطيع أن تختبئ في أقساها ؟ ... من قال بأنّ

          الهدوء هو ابن الضجيج ؟ ... ( يمرر يده فوق الشمعة ) لماذا لا تحرقي

          يدي أيتها الشمعة ؟ أهي شفقة تتصدقين بها عليّ أم هو تجاهل ليدي ؟

      

          ( يقف فتتوهج الشمعة ) ما بالك سخطت ِ من وقوفي ؟ أتوّدين أن تقولي شيئاً

          لشخص قد فقد رغبته في سماع أي شيء ؟ ... ( يجلس مرة أخرى فتتوهج

              الشمعة مرة ثانية ) لا بدّ وأنّ كلماتك ثقيلة وصراخك الصامت هو الوسيلة

          الوحيدة لقول ما تريدين ، ولكن ماذا تريدين ؟ أكلامك هو سخط ٌ على  

         ضعفي أو اشمئزاز من استسلامي ؟ ... أعرف  أنّ خنوعي لا يعجبك ولكن

         ماذا عليّ أن أفعل ؟ قد حاولت كثيراً ولكن لا يمكن لنبتة صغيرة أن تواجه

         إعصاراً لوحدها ( يتذكر قليلاً ومن ثم يتنهد فتتوهج الشمعة ) الآن فهمت ،

        أنت ِ لا تطيقين الاستسلام فالبرغم من حجمك الصغير ما تزالين صامدة بوجه   

        الظلام العملاق الذي يحاول دون توقف التهامك .... ولكن أأنا مثلك أيتها

        الشمعة ؟ ( صوت رعد قوي يُجفل الشاب ) يا إلهي ما هذا الصوت القوي ؟ (

        صوت رعد مرة ثانية ) ما تريد منّي أيها الرعد ؟ لا تقل لي أن أكون مثلك

        فنحن شيئين مختلفين تماماً فأنت تستطيع خرق الغيوم  بصرخة واحدة ولكن أنا  

        أستطيع أن أخسر لساني بكلمة واحدة ... على أرضي توجد قوالب مسبقة

        الصنع للحرية واتجاهات محددة للحب والأمل ، ومن يريد الخروج خارج

        القطيع سيتوجب عليه أن يدفع الثمن الذي سيكون ... ( صوت الرعد مرة

        أخرى ، يقف الشاب ) لا تجزعي أيتها الطبيعة من ضعف أبنائك فالتردد قد

            أصبح أحد خصالنا دون أن ندري ... ( بإصرار ) ولكن ليس المعيب ارتكاب

            الخطيئة بل الاستمرار بها وأنا لن أرضخ وسأتخذ قراري من الآن .... (

             يخرج غاضباً ) ..........

           (  تطفأ الإنارة ويستمر الظلام برهة حيث يُسمع حفيف أوراق الشجر وأصوات

          مختلفة لنحيب البوم ومن ثم يتوقف صوت حفيف أوراق الشجر وتختفي جميع    

      جميع ألأصوات ويعم الهدوء )

 

                      المشهد الخامس                         

       

            [ شجيرة صغيرة وإلى جانبها شجرة كبيرة ونبع ماء رقراق يتوسطون

             مرجاً من الورود المختلفة ... تدخل الفتاة لاهثة من التعب ]

الفتاة ( بحزن ) : اعتقدت بأني سأراك هنا بين الورود كما هي العادة ولكن قد

            أخطأت التقدير هذه المرة ، فأنت تسبح في بحر وأنا ما أزال أتخبط في

            جدولي الصغير أحلم بالانطلاق إلى بحرك والعيش هناك حتى الأبدية ... 

            ( تجلس ناكثة رأسها ) تُرى هل تفكر بي كما أفعل الآن ؟ أم لعلّك قد

             نسيتني وانجرفت مع التيار ... ( تبكي ) قد خسرت كل شيء الآن ، فأنا

             متأكدة من أنّ الجميع يبحث عنّي لا لرؤيتي ولكن لدفني حية ... أين أنت

             يا من منحتني الأمل من بعد قتله و أضأت طريقي إلى غابة مظلمة وهناك

             عندما احتجت إلى النور كنتَ قد أطفأتَ سراجك وبسبب الظلام الذي

            خطفني منك ...  تهت ُ وباتت الذئاب البشرية

            

              تحيط بي من كل الاتجاهات ... ( بتعب ) إن لم تأت ِ يا حبيبي الغالي

             فستكون هذه الكلمات هي آخر ما أنطق به ... ( تتقدم بين الورود ) أرجوك

             أن تأتي يا منقذي الوحيد ( تسقط بين الورود ولا يظهر أياً من آثارها في

             المكان ... يدخل الشاب لاهثاً من التعب و يبحث بعينيه في أرجاء المكان              

             دون أن ير َ شيئاً فيلتفت إلى الشجرة و غصّة تخنق صوته )

الشاب : أرأيت ِ أيتها الشجرة غاليتي ؟ ... أرأيت ِ فراشة تطير مترنمة بين الورود ؟

           ... إنها حبيبتي إن كنت ِ لا تدرين ؟  لماذا لا تجيبيني ؟ ... أتخفين عنّي شيئاً

           ولا تريدينني أن أعرفه ؟ ... أرجوك قولي لي هل أتت إلى هنا أو لا ؟ ...

           لا أريد أن أفقدها فقد باتت الهواء الذي أتنفسه والنور الذي أهتدي به في

           ظلماتي ، الآن أدركت معنى أن يكون المرء وحيداً ( يقترب من النبع ) ألا

           تشعر بمصيبتي أيها النبع أم أنك تجري دون أن تلتفت ورائك ؟ ... معك حق

           فلا أحد يلتفت وراءه إلا المترددين ولكن ما العمل إن كانت أحداث الماضي

          هي التي تحدد طريق المستقبل ( يتنهد بعمق ) قد فقدت كل شيء وعليّ  

          العودة ( يدور كي يخرج فينتبه لوجود شخص نائم بين الورود فيقترب منه  

          وعندما يرى الفتاة يشهق وينادي بأعلى صوته ) لا يمكن أن أصدق ما أرى ،

          ملاكي يا شمس صباحي أنت ِ هنا ؟ ( ينحني فوقها ) يااه ! ما أجمل هدوئك  

          يا أميرتي النائمة ( يهزّها ) استيقظي فأنا متعطش لسماع صوتك ( تنهض

          الفتاة متثائبة )

الفتاة ( تفرك عينيها وتضحك ملئ فاها ) : خالد ! آه لو تدري كم افتقدتك ( تعانقه )

خالد : لن نفترق بعد الآن ، أعدك بذلك !

الفتاة ( تطأطئ رأسها ) : وماذا بشأن أهلنا ؟

خالد : عليهم تفهّم شعورنا والرضوخ لقرارنا .

الفتاة : الرضوخ ! ( تضحك هازئة ) أوَ تظنهم سيتفهمّون قرارنا ؟

خالد : يجب ذلك .

الفتاة : وإن لم يتفهموا ؟

خالد : عندها عليهم أن ينسوا ولديهما !

الفتاة : وهل نقدر على العيش وحدنا ؟

خالد : كل ما على الأرض يعيش وحده .

الفتاة : غير صحيح !

خالد ( يدور حولها ) : ليال ، عليك ِ أن تساعديني لا أن تحبطي من عزيمتي !

ليال : أنا معك يا حبيبي في كل ما تقول ولكن أتوقع دائماً الأسوأ لأعتاد على السيئ

          عندما يأتي .

خالد ( يمسك بيدها ) : لنذهب الآن .

ليال : إلى أين ؟

خالد : إلى مكان حيث نتمكن من إنجاب سعادتنا والاعتناء بها .

ليال ( مترددة ) : أنا خائفة .

 

خالد : هل بقي ما تخافين منه ؟

ليال : وهل خيم علينا الأمان ؟

خالد : صحيح أنّ الابتعاد عن الإعصار لا يقينا المطر ولكنه يحمينا من الموت تحت

         رياحه العاتية .

ليال ( تلتف بيده ) : لنذهب يا حبيبي !

          ( يتقدمان خطوتين من الباب الأيمن للمسرح فيفاجئهما مجموعة من الشباب

            كانوا قد أتوا بحثاً عنهم ... عندما يراهم الشباب يتوقفون والشرر يتطاير             

            من عيونهم ويتقدم مروان من خالد وليال )

مروان : أخيراً عثرنا عليكم  .

خالد ( يمسك جيداً بليال  ) : ماذا تريدون منّا ؟

مروان : اسمع يا أخي ، عليك أن تترك هذه الفتاة وتعود إلى ديارك .

خالد : لا فأنا أحبها ولا أستطيع التخلّي عنها .

مروان : لا مكان للحب عندما تتكلم التقاليد .

خالد ( يمسك جيداً بليال ) : لن أتخلّى عنها حتى لو جُنّت التقاليد .

مروان ( يقترب منهما فيتراجعان ) : أستطيع أن أساعدك يا أخي شريطة أن تعود

          معي .

خالد : وكيف ستساعدني ؟

مروان : سأكذب و سأطلق الفتاة .

خالد ( مندهش ) : وماذا كنت ستفعل ؟

مروان : قد طُلِبَ منّي أن أذبحها وأترك لك حرّية العودة أو لا .

ليال ( تجهش بالبكاء ) : أتراني نعجة أيها الشيطان !

مروان ( ينفعل ) : بل أفعى أيتها الخبيثة !

خالد ( يثب على مروان ويصفعه على وجهه ) : إيّاك أن تكرر ما قلته .

مروان ( يضع يده على وجهه إثر الصفعة بينما يتقدّم الآخرون لمهاجمة خالد ولكن

          مروان يومئ لهم بيده بأن يتوقفوا ) : اتركوه فهو أعمى .

خالد : من يحب لا يكون أعمى بل ذاك الذي يفعل ما لا يتقبلّه العقل ولا ترضى عنه

         الإنسانية .

مروان : الثأر هو ما يطلبه المنطق .

خالد ( متهكماً ) : ممّاذا ؟ هل أحرقنا غاباتكم أم  قطعنا الخبز عن أطفالكم ؟

مروان : لا ، ولكنكم قد خالفتم أمر الله .

خالد : لم يعط ِ الله يوماً أوامر تحرّم السعادة .

مروان : وهل كنت أحد جنوده لتعرف إن كان قد أعطى أوامر أو لا ؟

خالد : كنت أحد جنود المنطق والمنطق قد قال دائماً بأنّ السعادة حق من حقوق البشر

مروان : أنت تنكر التاريخ إذاً ؟

خالد ( ساخراً ) : لم أقرأ يوماً في الكتب ما يمنع زواجي من ليال .  

مروان : لكن آبائنا قد قرؤوا ذلك .

 

ليال ( تجثو على ركبتيها متوسلّة ) : أرجوك أن تتركنا وشأننا !

مروان : لا أستطيع أن  أجلب جهنّم لنفسي .

خالد ( يرفع ليال ) : من أين تأتي بهذه الترّهات ؟

مروان : كل شيء مكتوب .

ليال : وهل قرأت ذلك بنفسك ؟

مروان ( غاضباً ) : أتشككين بكلام آبائي ؟

خالد ( يمسك ليال من يدها ويتهيأ للرحيل ) : إن كنت أعمى فنحن لسنا كذلك (

        يهمّان بالذهاب فيعترضهما مروان شاهراً سكينه )   

مروان : اعذرني يا خالد ، فأنت لم تترك لي خيار آخر ( يقترب من ليال ليطعنها

        بالسكين فتركض هي وخالد إلى الباب الآخر فيعترضهما مجموعة شباب كانوا

        قد جاءوا باحثين عن ليال ، يتوقف خالد وليال ويتراجعان بينما يتوقف الشباب

        ويتقدم  جورج من خالد وليال )

جورج : ماذا فعلتما أيها الغبيان ؟

ليال : استجبنا لنداء قلبينا .

جورج : على القلب أن يخرس عندما يتكلّم العقل .

ليال : عن أيّ عقل تتكلم وأنت تتجاهل أنّ الله هو المحبة .

جورج ( غاضباً ) : لا تتكلمي عن الله فأنت لا تعرفينه .

ليال : أوَ تظن نفسك تعرفه ؟

جورج : أكثر منك .

ليال : وهل سمعت الله أو قرأت في كتبه المقدسة عن تحريم المحبة ؟

جورج : للمحبة قوانين وشروط لا نستطيع تجاهلها .

ليال : للمحبة شرط واحد وهو وجود اثنين يحبان بعضهما بإخلاص .

جورج : هذا صحيح ولكن ضمن حدود معينة .

ليال ( منفعلة ) : ليس للحب حدود !

خالد : أنا أحب ليال ولا أجد أيّ حاجز يفصلني عنها .

جورج ( باحتقار ) : اذهب إلى الجحيم فأنت تنكر الحواجز .

خالد ( يتمسك بليال ) : لن أترك لك فرصة أخذها منّي .

جورج : لن تمتلك فرصة لتركها لأنك ستكون في عداد الموتى بعد برهة .

مروان ( يتدخل بغضب ) : لا أظن ذلك لأنك ستموت أنت وهذه الفتاة قبل أن

          تسنح لك فرصة الثأر .

جورج( باستخفاف ) : لم أكن أرغب إلاّ بقتله وحده ولكن يبدو أنني سأخلّص

         البشرية من اثنين .

مروان ( يشهر سكينه في وجه جورج ) : لنرى إذاً من سيذهب للجحيم أولاً .

جورج ( يشهر سكينه بدوره ) : ستكون أنت بالتأكيد ( يقترب الاثنان من بعضهما

         كالجمال الهائجة وقبل أن يصطدما تصرخ ليال وخالد بأن يتوقفوا )

مروان : ما بالك يا خالد أأنت خائف عليه ؟

 

 

ليال ( باكية ) : توقفا أيها المعتوهان ، ألا تريان أنكما تتصرفان كالآلة دون

         أيّة عاطفة .

جورج : ما حاجتنا للعاطفة بشيء واضح وضوح الشمس ؟

ليال : وأين الوضوح في هذا ؟

جورج ( يومئ بيده إلى خالد ) : هذا ... سيدنسّنا بزواجه منك .

مروان ( يومئ بيده إلى ليال ) : بل هذه التي ستجلب لنا العار إن هو تزوجها .

جورج : خسئت أيها الكافر فأنت الخزي بذاته .

مروان : أيها الملحد أنت تنكر  من أنت وما أنت عليه من خطر .

جورج ( يضحك ) : خطر !!  أنت الذي هو مثل مرض السرطان الذي ما إن حلّ

           بمكان حتى قضى عليه برمته بسمّه المميت .

مروان : يجب أن ... ( يقاطعه خالد غاضباً )

خالد : كفاكما تهريجاً ! ... أوَ يعرف أحدكما الآخر ؟ ( لا أحد يجيب ) أنت يا مروان

         هل سبق لك أن التقيت  بجورج ؟

مروان : لا ولا يشرفني اللقاء به .

خالد ( لجورج ) : وأنت يا جورج أسبق لك أن عرفت نوايا مروان ؟

جورج : وماذا يمكن للأفعى أن تضمر من نوايا إلا السوء .

           ( يثور الاثنان على بعضهما فتصرخ ليال مبعدةً إياهما عن بعضهما

           البعض  )  

ليال : كفاكما أيها الغبيان ، لماذا لا تتفهمان طبيعة المشكلة ؟

جورج : أية مشكلة أكثر وضوحاً من هذه المشكلة ؟

ليال : كلّنا شخص واحد وما من شيء يفرّقنا إلا الغباء .

مروان : احذري من كلامك فأنا لست غبي .

خالد : ولكنهم يسوقونك مثل البعير بتعاليمهم الزائفة .

مروان ( ينفعل بشدة ) : إياك أن تسيء للتعاليم بكلماتك البذيئة .

خالد : ولكنها زائفة ، انظر إلى ليال كم هي جميلة ... أوَ تظن بأن هذا المخلوق

        الرقيق يمكنه أن يضمر شرّاً بداخله .

مروان : بالتأكيد .

خالد : من قال ذلك ؟

مروان ( يرتبك ) : التاريخ .

جورج : أقرأته ؟

مروان : آبائي  قرؤوه وعلّموني إيّاه .

ليال : وهل صدقت كل شيء ؟

مروان : هم لا يكذبون .

خالد : عليك أن تستخدم عقلك .

مروان ( يرمي سكينه بالأرض ) : وماذا يقول العقل .

 

 

خالد ( يبتسم ) : أننا إخوة ... كذلك جورج وأهله .

جورج ( ينفعل ) : مستحيل ، فنحن نؤمن بالله .

خالد : وهل نحن نؤمن بالشيطان ؟

جورج : هكذا تعلّمنا .

مروان ( كالثور الهائج ) : أيها الحقير ( يحاول ضربه لكن خالد يمنعه )

خالد : أرجوكم كفاكم هراءً ... لنبدأ من جديد وليكن العقل سيدّنا !

جورج : وماذا يفيدنا العقل إذا كانت الحقائق واضحة وضوح الشمس ؟

خالد : يفيدنا بأنه يقشع الغيوم من أمام هذه الشمس .

ليال : خالد على حق ( لجورج ) لماذا لا تصدقونا ؟

جورج : هناك من هم أكبر منكم وأعرف منكم .

ليال ( ترفع صوتها ) : ولكنهم بشر مثلنا ( لمروان ) وهذا يعني بأنهم يخطئون

          أيضاً .

جورج : وما مصلحتهم ؟

ليال : كونهم بشر فا بالتأكيد لهم مصلحة .

جورج : أنت ِ تتهجمين بعنف فاحذري ما تقولين .

ليال : لم أقصد الجميع وكل ما أريد قوله هو أن تجربوا .

جورج ( ينظر إلى مروان  ) : لا أستطيع ؟

ليال : لأنك ضعيف .

جورج ( بغضب ) : بل أذكى من أن أكذّب الآلاف وأصدق فتاة .

ليال : أوَ تظنّ بأنّ الآلاف لديهم نفس رأيك ؟

جورج : بالتأكيد فالكل لم يشتكي يوماً من هذه التقاليد .

ليال : لأنهم يفتقدون للجرأة .

جورج : بل لأن روح الإيمان لم تفارقهم بعد .

خالد ( لمروان ) : دائماً عندما كنّا نختلف على شيء ما كنت تقول لي لنجرب رأيك

        ثم رأيي ، ألا تذكر ذلك ؟

مروان : إلامَ ترمي ؟

خالد : لماذا لا تجرب رأيي هذه المرة ؟

مروان : ولكن هذه المرة مختلفة عن تلك المرات .

خالد : لا و إنما أنت المختلف عن مروان السابق .

مروان ( ينظر إلى الشباب الواقفين خلفه ) : ما رأيكم بما سمعتم ؟

الشباب : نجرّب .

ليال ( لجورج ) : وأنت يا جورج ما رأيك بما حدث ؟

جورج ( ينظر إلى رفاقه بدوره ) : ما رأيكم ؟

الشباب : نحن نحبّذ هذا .

خالد : إذاً لنبقى هنا ولنعيش مع بعضنا .

          

             ( تُطفأ الإنارة ويُسمع صوت الريح ومن ثم أصوات الرعد المتفاوتة الشدّة

             وأخيراً تُسمع أصوات العصافير وخرير مياه النبع ... فجأة يتوقف صوت

             كل شيء ويُسمع أصوات صارخة تخرج من البابين ، يُضاء المسرح

             فيدخل رجال من الباب الأيمن وآخرون من الباب الأيسر فيقف الشباب

            ويتكاتفون مشكلّين حلقة محكمة حول خالد وليال ليمنعوا الجميع من

           الاقتراب )

مروان ( للرجال الذين دخلوا من الباب الأيمن ) : أرجوكم أن تعودوا أو تتقبلّونا كما

          نحن لأنني لن أسمح لأيّ مخلوق كان أن يلمس شعرة واحدة من ليال أو

         جورج أو الآخرين .

رجل : ما بالك يا ولدي مروان هل ضللت طريقك ؟

مروان : بل اهتديت .

الرجل : اهتديت إلى ماذا ؟

مروان : إلى الأخوّة .

جورج ( للرجل الذي يكلّم مروان )  : أرجوك يا عمّاه أن تتفهموا ما اخترناه .

الرجل : ومن أنت ؟

جورج : أنا أخو ليال .

          ( يتقدم أبو جورج من جورج )

أبو جورج ( بغضب ) : أأنت مريض يا ولدي ؟ هل بتّ تفضلّ الظلام على النور ؟

جورج : لا ، ولكن النور الذي منحتموني إيّاه كان نوراً جزئياً والآن قد اكتمل .

أبو جورج : والآن ماذا تريد أن تفعل ؟

جورج : إن تقبلّتنا كما نحن فسأعود معكم .

أبو جورج : وإن لم نتقبلّك هكذا ؟

جورج : وقتها سأكون مضطراً لاعتزالكم .

أبو جورج : أرى أنك قد اتخذت قرارك لوحدك .

جورج : لدى الشباب قدرة لاتخاذ قرارات لوحدهم .

أبو جورج : ما المطلوب الآن ؟

جورج : أن تتقبل فكرة زواج ليال من خالد .

أبو جورج ( مندهشاً ) : ماذا ؟ ... أجننت ؟

مروان ( يومئ للرجل الذي كان يكلّمه بأن يتكلم )  : لماذا لا تتقدم بطلب يد ليال إلى

          خالد ، فما من شيء يمكنه إبعادهما عن بعضهما ؟ .

أبو مروان : يبدو أن خالد قد ضلّ و أضلّك معه .

مروان : الحق واضح وضوح الشمس ولم تتمكن غيومنا الواهية من إخفاءه .

أبو مروان ( ينظر إلى أبو جورج ) : أصدقني القول ، ما هو شعورك اتجاه ما

           يجري ؟

أبو جورج : بما أنني لم أعتد الكذب ، فسأقول حقيقة ما يجري بداخلي ( يسير قليلاً

            ناظراً بتمعن إلى ليال وخالد ) : ما يجري بداخلي هو شيء من السعادة

 

          ممزوج بالكثير من الغضب ... ( يتوقف ) أنا الآن كالسمكة التي كانت تعتقد 

          بأنّ الأسماك تموت عندما تخرج إلى اليابسة ولكن عندما رأيت ابنتي بأنها ما

          ما تزال على قيد الحياة دُهِشْتُ وأحببت فكرة أنّ الأسماك تعيش على اليابسة

          كما لو أنها في الماء ولكن من الصعب أن تخرج كل الأسماك للعيش على

          اليابسة ... وهنا تضرب الحيرة فؤادي .

ليال : لا تحتار يا أبي فنحن لا نطلب ثورة وإنما تفهم لحقيقة مدفونة في قشرة

        الأرض وليس في أعماقها .

أبو جورج : يبدو أنك مقتنعة بما جرى .

ليال ( باكية ) : بل مؤمنة به .

مروان ( يحاول وضع نهاية لما يجري ) : يبدو بأنه لدى أبي ما يقوله لأبو جورج !

أبو مروان ( متفاجئاً ) : أنا ااا ؟!

مروان ( يلتفت نحوه ) : كل شيء بيدك الآن .

  أبو مروان ( ينظر إلى خالد وليال بتمعن ثم يبدأ ) : يبدو أنّ مشيئة شبابنا قد

          تغلّبت على مشيئة الكبار و نتيجة لما حدث الآن فقد رأيت أن نعيد النظر

          بعاداتنا وتقاليدنا التي لا تخلو من بعض الأخطاء ، و نتيجة للسعادة التي

          أراها مرتسمة على وجوه الشباب هنا فقد قررت أن أتقدم بطلب يد الآنسة

          ليال إلى ولدي خالد هذا إن وافق والدها !

أبو جورج ( متردد ) : ولكن ....

جورج ( بإلحاح ) : أبي ...

أبو جورج : في الواقع عليّ أن أستشير من هم أكبر منّي .

جورج ( بخبث ) : الجميع في إجازة يا أبي .

أبو جورج : لا بدّ وأن توجد مناوبة لأحدهم .

جورج : قد رأيت آخرهم يذهب مسرعاً قائلاً بأنه لن يعود الآن .

أبو جورج : كيف رأيته وأنت هنا منذ زمن ؟

جورج ( مرتبكاً ) : آاه ؟ ....

ليال : لقد كان يذهب يومياً إلى القرية .

جورج ( معجب بالكذبة ) : نعم كنت أذهب دائماً .

أبو جورج ( يضحك ) : أراهن على أنك تكذب .. ( يقترب من ليال ويداعب وجهها)

            لم أسعد يوماً كاليوم الذي ولدت فيه ابنتي ليال وسعادتها تعنيني أكثر من  

           أي شيء آخر ، وبما أنّ سعادتها تكون بعيشها زوجة مع  خالد فأنا أوافق .

         ( تقفز ليال وخالد وباقي الشباب من الفرحة ، بينما يكتفي الآباء بالابتسام

          .. فيحيطونهم الشباب ويدخلونهم بينهم فيضحك الجميع ويتعانق الجميع )

          

•-         تُطفأ الإنارة -

                 

 

وليم عبد الله


التعليقات




5000