..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
جمعة عبدالله
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الفصل الاول من رواية أحلام

محمد نصار

الصفير سهم ينغرس فى الدماغ وصمت أسدله ليل كانون يسهم بتوطؤ مفضوح فى إذكاء نار الآلم ، يهتز الجسد المسجي إثر رعشة تنتابه من حين الى آخر, فتترك آثارها على الأنفاس الرتيبة , لتتسارع كاللهاث حينا وتخبو كالأنين حينا  وفى كلتا الحالتين تتبدل ملامح وجهها متمايزة مابين هلع المفزوع  وشحوب المحتضر .

سعت جاهدة لكى  تخرج من تلك الدائرة ولكن عبثا .. قررت الهرب ولكن إلى أين ؟

أعياها العجز .. فا ستسلمت  لقدرها  المشئوم  , الهواء ينفد من حولها , ينسحب باتجاه الركن، يتجسد عملاقا يطبق على عنقها .. يعصرها بقوة... يتدلى لسانها , يتلمس ذرات الهواء,  تشيح بيديها وتصرخ بلا وعي منها , فتهب مذعورة .. تتحسس عنقها .. تدور بأعين زائغة شاردة, ترعبها ضربات قلبها وقد خيلت إليها طبولا تنذر ببدء المعركة . وقع بصرها على طفلها , فعاودتها رتابة الأنفاس , لكن ذلك الصفير ظل يلاحقها, فشعرت بالخوف مرة أخرى , نظرت إلى الركن الآخر من الغرفة , كان التلفاز مشعلا , همست بحنق : يبدو أنني غفوت و ظل هذا اللعين مشعلا .

اندفعت نحوه بعصبية ظاهرة , ضغطت على المفتاح بغضب و كأنها تعاقبه على فعلته , فعاد الهدوء يخيم من جديد و يزاحمه توتر زاد من إحساسها  بالجفاف الذي يشوي حلقها , اتجهت إلى المطبخ وبأصابع مرتجفة كادت تسقط الكأس من يدها ، أفرغت ما حوت في جوفها , تهالكت على مقعد يجاور طاولة الطعام , راحت تتأمل الكأس بصمت,أعادت ملأها مرة أخرى , ثم دلقتها في جوفها من دون أن تعبأ  بقطرات الماء التي انحدرت على نحرها , أحست بنسمات البرد تسلل إلى جسدها مخترقة قميصها الشفاف , فأسرعت إلى النافذة تغلقها, ثم استدارت عائدة , توقفت عند الباب ومدت يدها إلى مفتاح النور, فعدلت عن رأيها , مرت على الغرف تتفقدها , كانت نافذة الصالة المطلة على البلدة مفتوحة بعض الشيء ، أطلت منها بحذر , طالعتها ظلمه حجبت نجوم السماء , شعرت برعدة تسري في جسدها ,أغلقت النافذة على عجل من دون أن تكترث بما أحدثته من ضجة .

 وقفت بباب غرفته المشرع , تأملته لبعض الوقت , كان يغط في سبات عميق  تاركا للدثار أن يتدلى  بجزئه الأكبر عن السرير و الجزء الآخر لا يكاد يغطي شيئا من جسده , اقتربت منه بحذر, مدت يدها لترفع النظارة من على وجهه , فاستوقفتها الشعيرات الدقيقة التي برزت تحت أنفه , تأملتها للحظة  ثم تمتمت بصوت مكتوم : أبهذا يريدون حمايتي! .

أعادت الدثار عليه و انصرفت يغالبها البكاء , و قفت بباب الغرفة المجاورة فسمعت شخيرها .. همت بفتح الباب .. ترددت قليلا , ثم قفلت عائدة إلى غرفتها , أغلقت الباب خلفها و أسندت ظهرها عليه , نظرت إلى طفلها , كان مستغرقا في النوم , تابعت أنفاسه لبعض الوقت  ثم رفعت رأسها فوقع بصرها على صورة زوجها المعلقة على الجدار المقابل , حدقت فيها للحظة , ثم همست بصوت مبحوح : أنت السبب .

فتحت عينيها إثر الرنين  الآتي من قبل الباب , فشعرت بألم يطبق على رأسها و ثقل استصعبت معه النهوض من الفراش , أطبقت جفنيها مرة أخرى , فغمرتها لذة ودت لو تملكتها إلى الأبد , إلا أن الرنين المزعج أبى عليها ذلك , صا حت بضيق : مين ؟ .

فجاءها الرد من هناك .. عرفت صاحبه .. خطت بإعياء واضح و أيد تحاول جاهدة إزالة آثار النوم من على جفونها, فتحت الباب..طالعها وجه عمها المتجهم و بشيء من العتاب سألها : أيش دهاك ؟ .

-         أعذرني يا عم .

 تبعها الرجل إلى الصالة , حدق في وجهها .. تبدلت ملامحه إثر الشحوب الذي يلفها , جلس في الجهة المقابلة .. ظل ينظر إليها .. أفزعته الدوائر الزرقاء التي تحت جفونها وأربكه الذهول الذي يلفها .. اقترب منها وهمس كأب حنون : مالك يا بنتي ؟ .

انحدرت الدموع من عينيها, تحشرج صوتها بالبكاء ، لم تقو على كبت مشاعرها , فأطلقت لنفسها العنان حتى علا صوتها مؤذنا بإيقاظ الصغير , فلم يتدخل , ظل يراقبها حتى هدأت ثورتها .. جففت دموعها .. اجترت ريقها و همست بصوت خافت : آسفة يا عم .

-         لا عليك يا بنتي .

-         حذرته و ما استجاب .

بدا التأثر واضحا على و جهه .. أطرق للحظة .. خيم الصمت.. ثم سألهما مستفسرا  : خالد راح المدرسة ؟ .

-         بالطبع . ، ثم وقفت قاصدة غرفته و قبل أن تصلها التفتت اليه تسأله : كم الساعة ؟ .

-         عشرة و نص .

عادت و ألقت بجسدها المنهك على المقعد , همست بإعياء : راح من دون ما يصحيني .

-         و عمتك ؟.

-   ما وصلتكم  ! .

-   لحد ما جيت ما كانت .

أسرعت إلى غرفتها .. فتحت الباب .. فرأتها في فراشها.. اقتربت منها.. همست في أذنها بصوت مبحوح : عمتي..عمتي . , فتحت العجوز عينيها .. نظرت إليها .. همست بصوت خافت : رأسي راح ينفجر .   

    -   لاعليك , مجرد صداع ويزول .

أقبل الرجل يستطلع لأمر, سمع  ما دار من حديث .. تسلل إلى نفسه القلق, لكنه آثر ألا يشعر أحدا بذلك ، دنا منها وقال مداعبآ : حبة أسبرين وتصيري مثل الحصان .

علا صوت الطفل من داخل الغرفة مناديا : ماما.... ماما .

 هرعت إليه ..  تغيبت للحظة ثم عادت تحتضنه.. تداعبة..تلثمة بقبلاتها وقد نسيت ما ألم بها قبل لحظات ,وقفت قبالة عمها.. أشارت للطفل عليه , فتنبه إلى وجوده : سيدو .... سيدو.

تهللت أساريره , لوح بيديه مهللا , غردت بلابله فى الفضاء , دفعته إلى حضن جده  وعرجت على  المطبخ ,راح يعبث بلحيته والشيخ يدغدغده بأنامله ، يمرر لحيته على خده الناعم , تشوكه الشعيرات , يشيح الطفل بوجهه .. يكركر ضاحكا ، فيعيده مرة أخرى , يتملص الطفل ثم يعيده , تعلو ضحكاته تتطاير بلابل تشدو سمفونية فى لحن الوجود .

عادت المرأة  تحمل صينية القهوة , ناولته فنجانآ فوضعه بعيدآ عن الطفل وأخذت  لنفسها  آخر , ثم جلست تنظر إليهما بسرور وارتياح  .

توقف الطفل عن اللعب ،راح ينقل نظراته بينهما .. يدور في المكان .. يبحث عن شيئ لا يملك  القدرة على الإفصاح عنه ، دخل إلى غرفة خالد ، ظلا يراقبانه بصمت ، عاد بعد لحظات وقد تبدلت ملامحه ، أخذ يشد أمه من ثوبها ويشير بإصبعه إلى الغرفة .

ضمته إلى صدرها وحادثته كشاب يعي ما تقول : راح ع المدرسة .

كفكف الشيخ دمعة انحدرت على خده وتمتم بأسى : ربنا يصلح الحال .

أوشك الطفل أن ينفجر بالبكاء بعدما فشلت الأم في إقناعه ، فناوله الجد قطعة حلوى كان قد أحضرها خصيصا له ، فساهمت إلى حد ما في انفراج الأزمة ، بعدها هم الرجل بالانصراف فألحت عليه بالبقاء قليلا ، تذرع بكثرة مشاغله .. تعلق الطفل به ، فأشار إلى غرفة العجوز وقال : أذهب إلى ستو .

تراخت أصابع الطفل عن بنطاله ، نظر إلى الغرفة مليا وكأنه يقيم الأمر ، ثم توجه إلى الغرفة بخطى متوجسة ، لمحها في الفراش فاندفع نحوها متهلالا .

أشاح الجد بوجهه مداريا دموعه ثم انصرف بصمت .

        تماست حبات المطر بالدموع المنهمرة على وجنتيه ، ارتدت مذعورة ، لسعتها الحمم المنجرفة مع سيل البركان الآتي من هناك ، حيث العيون المشتعلة بلهيب الواقع الذي يحاصره ، تبخرت إلى صفحة السماء لاهثة يعتريها الفزع ، ألسنة البركان المستعر بداخله أنسته ما يدور من حوله وجرفته إلى الأعماق المستعرة ، يغوص فيها كيفما تشاء .. تجره أفكاره إلى حيث تريد ، استوقفها يوم لا ينسى ، ظل محفورا على صفحاتها رغم ما استجد بعده من أحداث ، فعادت الصور تطفو على السطح من جديد ، حيث البداية الأولى ، يوم أن استوقفه الجند عند مدخل البلدة ، سألوه عن وجهته والحقيبة التي يحملها ، هموا بفتحها ، لكن الضابط منعهم ، دقق في بطاقته .. رفع رأسه وحدق في وجهه بصمت أثار بداخله الفزع .. ناوله البطاقة ، ثم أمر الجنود بتركه يصل إلى حيث يريد .

تحسب حينها من هذا التصرف الشاذ وأربكه الانتشار الكثيف لدوريات الجند و الوحشة التى يغذيها خلو الشوارع من المارة ، و باستثناء الدوريا ت التى  كانت تحثه على الاسراع  كلما صادفها، لم ير أحدا يستفسر منه عما يجري في المكان  .

 اختفت الصورة من مخيلته للحظة لتحل مكانها أخرى ,  أطل على الزقاق المؤدي إلى بيته , الناس يتحركون بحرية ممنوعة فى الشوارع الأخرى , ارتفعت وتيرة التوتر لديه أكثر حين اقترب من البيت .. اتسعت الصورة لتغطى مساحة شاسعة ... دنت الشخوص منه .. فهم الكلمات الأولى : البقية فى حياتك

ثم تحولت إلى أشباح تسبح فى الفضاء من حوله ... عن يمينه .. عن شماله ... الكلمات صارت غمغمات لامعنى لها ... ظلام أطبق على عينية ...سرى فى عروقة مخدرا ، فتراخت تحت وطأته ,ثم همدت بلا حراك .

غادرته الظلمة بعد حين لتلف الكون من حوله , نظر فى الوجوه , فكانت العيون تحاصره , جال فيها فانكشف سرها , أيقن أنه محمود ، لم يسأل متى وكيف .. الإجابة واضحة فى العيون والشوارع المحاصرة , غمغم بصوت مبحوح: لله ما أخذ  ولله ما أبقى  .

     شده صوت آت من الطرف المقا بل  للشارع  , التفت إليه , فإذ بالرجل يهرول نحوه , نظر إليه فانتابه " القرف "  ... تساءل مستغرابا : ماذا يريد ؟

اقترب الرجل وبأنفاس متلاحقة صاح به : في عاقل يمشي فى هذا المطر ؟ .

نظر إلى السماء , مازال الرذاذ يتساقط , ثم نظر إلى ملابسه , التى راحت تقطر ماء  فأدركه الحرج ... تأمل الرجل لبرهة ، ثم قال : خليها على الله

تفاجأ الرجل بالرد , أمسك بيده وقاصدا حانوته ,جالسا يتوسطهما كانون فحم  تتراقص فيه ألسنة لهب زرقاء  تبث الدفء فى المكان وعلى ركن منه يتربع إبريق قهوة نحاسي , رفعة الرجل بعد أن لف يده  بخرقة بالية , صب فنجانا للحاج وأبقى الآخر لنفسه , ارتشف الفنجان دفعه واحدة , فشعر بالدفء يسرى فى عروقه ، صب له فنجانا آخر , فأتبعه نفس المصير ، ثم راح يمرر كفية فوق ألسنة اللهب , يتابع الأبخرة المتصاعدة من ملابسه بصمت  موهما الرجل بالإنصات إلى حديثه .

أقبلت فتاة في مقتبل العمر تبغى بعض الحاجيات , فوقف الرجل يطريها بسيل من الكلمات، احمرة وجه الفتاة على إثرها و بدا الخجل واضحا عليها .. تململ الحاج فى مكانه مضطربا , أثاره تصرف العجوز المتصابى , تنبهت الفتاة لاختلاجاته , لملمت  حاجياتها وانصرفت على عجل .

عاد الرجل إلى مكانه , قال مبتسما : التجارة شطارة يا حاج .

 تمتم الحاج بكلمات , ثم وقف مستأذنا , فأمسك الرجال بطرفه وألح عليه بالبقاء إلى أن تجف ملابسه ، لكنه غادر دون أن يكترث للدهشة التى ألمت بالرجل . 

  لاحقته صورة الرجل قبل خمسين عاما , يوم كان مطروحا على الأرض  وحسون المقلب بشيخ الشباب جاثم على صدره يكيل له الصفعات ، فتنفر الدماء من وجهه  وتختلط برمال الأرض التى يدسها فى فمه وهو يصيح به قائلا : سبق وقلت لك ما تقرب منها ياكلب .

- التوبة يا شيخ الشباب ... التوبة .

علا الصراخ ، فهرع العمال من أرجاء البيارة يستطلعون الأمر ، توقفوا بعيدا يراقبون ما يجرى،  دون أن يجرؤ أى منهم على الاقتراب , عندها أقبل  " الوقيف " مهرولا , صاح مطالبا إياهم بالعودة إلى أعمالهم , ثم أمسك بحسون من طوقه وأزاحه عن صدر الفتى، الذى أطلق لساقيه العنان وهو يكيل الشتائم والسباب ، دون أن يجرؤ على الالتفات خلفه .

انفرجت أساريره إثر تذكره لتلك الحادثة  وهمس محدثا نفسه : ذيل الكلب ما ينعدل.

     عند المنعطف توقف للحظة يستكشف المكان , ثم تابع سيره بحماسة أشد وكأنه استذكر أمرا فاته , فانحرف فى  اللحظة الأخيرة عن عربة كارو كادت  تصدمة، سار من دون أن يبدي اكتراثا  للعبارات النابية التى قدفه بها السائق  .

اقترب من نهاية السوق، فاستوقفه صوت أثار تقززه ، نظر صوبها فاقبلت  تتمايل بدلال أثار اشمئزازه ، تساءل  مستهجنا : ماذاتريد هذه ال ...   !.

- خير يا حرمة ؟ .

فردت بغنج يفوق عمرها : خير ..  المحروسة "كنتك" ؟ .

شعربقلبه يهوى بين قدميه .. يتمرغ فى التراب كطير مذبوح ، حاول التقاطه .. الإمساك به .. إرجاعه  إلى مكانه لكى يقوى على الوقوف أمامها أو فهم ما تقول ، فأعياده الأمر .. تساءل بذهول : ما بها ؟

ردت المرأة بصوت عال قاصدة إحراجه : فلوسنا ياسيد ..ثمن الفستان اللي اشترته يوم زفاف أخيها .

تقزم الرجل .. شعربأطرافه تنكمش .. تدنو من الأرض حتى لامس التراب لحيته ، نظر حوله مذعورا ، لم يلتفت أحد لما يجري ، أخرج منديلا يسمح به جبينه وبصوت يغلب عليه الرجاء سألها : أرجوك ومن دون فضايح كم المبلغ ؟

- ورقة بعشرين  .

نقدها المبلغ وانصرف تعصف به ثورة لاحد لها ، فالرصيد الذى اتكأ عليه لما تبقى من الشهر اهتز بشكل ملحوظ والأخطر من ذلك كله ، تلك العلاقة التى نشأت بين زوجة أبنه وهذه المرأة التى لم تشفع لها حجتها لدى الناس ولا السنون التى تعاقبت عليها استطاعت كف ألسنتهم عن توارث سيرتها جيلا بعد جيل ، دون أن يعنيها من الأمر شيئا ، بل أحيانا تأخدها العزة بالإثم فتمعن فى احتقارهم وكثيرا ماتردد أمام النسوة بشيء من المباهاة : الله يرحم أيام زمان ، لما كان أطول شنب فى هالبلدة ...

فتضحك النسوة ..  يتمايلن ، ثم تعلق إحداهن قائلة : كنت صغيرة .

- وبعدي صغيرة يا حبيبتي  .

يشهقن ذاهلات وتسأل إحداهن بخبث:والحجة ؟.. ياخسارة المال اللى راح فيها .

-         أحج مرة ثانية يا حبيبتي .

       انطلق كصيد فر من الشباك .. تعثرت خطاه .. ترنح .. تابع سيره تعصف به ثورة .. صراخ .. هتاف يطالب بإيقاع أشد العقوبات"بكنته " .. تلاحقه ذكرى المرأة .. تحملها الجموع الهائجة ... تقربها من وجهه .. يشيح عنها محاولا الهرب .. تتسع الدائرة وتمتد ، تغطي المساحات من حوله فلا يرى سوى هيئتها في تلك الليلة .

كانت في العشرين من عمرها ، ذات جمال أخاذ، يملأ القلوب شغفا ويثير الحقد في نفوس قريناتها اللواتي ما كففن يوما عن الكيد لها، أملا في طردها ودرئ شرها وإغوائها المسلط على أزواجهن ، فتضج العشش صراخا وعويلا يجلب النوم إلى جفونها مغموسا بلذة غريبة لا تعرفها الأعشاش المجاورة ، تلك الأعشاش التي كانوا يبنونها بأعواد البوص ونبات الحلفا ، تقليدا توارثوه عن آبائهم الرحل منذ عهد إبراهيم باشا ، يوم كانوا يرتحلون من مكان إلى آخر بحثا عن العمل وتحديدا في مدينة ملبس المزدهرة ببساتينها ، تاركين قريتهم للعجزة والمسنين .

ولما استولى الخواجا كوهين على البيارة في بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين لم يغير ذلك التقليد وأبقى عليهم أربعة أشهر من كل عام يعملون صباحا في بيارته والبيارات المجاورة ويبيتون مساء في أعشاشهم المرصوصة على أطرافها مكونة عزبة صغيرة .

        في تلك الليلة أحس بألم يغزو أمعاءه ، فترك الكوخ وتوجه إلى الخلاء لقضاء حاجته ، توارى خلف تلة قريبة ،غاب خلفها لبعض الوقت ثم عاد على عجل تفزعه عتمة الليل ووحشته .

استوقفته أصوات غريبة .. أنين لا يعرف مصدره و لايقدر بسنيه الست على تمييزه ، فتملكه الخوف حين تبادر إلى ذهنه أن قتيلا يئن من داخل الأعشاش أو عفريتا يطل من خلف التلال .

هرول مسرعا يقصد العشة التي خرج منها ، فاتضح الصوت وتبينت الجهة التي يصدرعنها ، تريث للحظة ثم همس في سره : إنه كوخ الفتاة .

نظرعبر فراغ بين عيدان البوص فوقع نظره على وجهها المكسو بحمرة ما شهدها من قبل ورأى شعرها المتناثر كخيوط الشمس ،أعاد النظر إلى وجهها الغارق في حبات العرق المتلألئة على صفحته وكأنها الدرعلى فرش من الذهب ، شده خيال يرتسم على باطن الخص ، يتحرك بفعل لسان اللهب المتراقص من سراج وضع في الركن ويستجيب لصدى أنفاسها المحمومة ، ثم رجل يدنو من وجهها .. يلاحقه .. يلثمه .. يطبق على شفتيها ، فتنحبس الأنفاس يبتعد قليلا .. تتأوه ثم يعيد الكرة .

تساءل الطفل مستغربا : أيبغي قتلها ؟ ... إذا لماذا تعرى هو أيضا .

عاد إلى الكوخ مسرعا فطالعه وجه أبيه القلق ، سأله عن سرخروجه فأخبره وحين حدثه بما رأى ، احتد الرجل وصفعه صارخا : كيف لك أن تتجسس على بيوت الناس !.

-         لم أقصد يا أبي .

-         إياك أن تفعلها مرة ثانية أو تخبر أحدا بما رأيت .

     امتدت يده تتحسس خده بعد طول سنين ، فشعر برعدة تسري في جسده وسؤال يلح في نفسه : هل كفا عن الالتقاء بعد هذه السنين ؟

عمته الدهشة مما يرى وفكر بالرجوع من حيث أتى ، تريث قليلا وتساءل مستغربا : أيعقل أن يفتح الديوان في مثل هذه الساعة من النهار ! .

نظر إلى ساعته فأشارت إلى الواحدة ظهرا فاستدرك قائلا : لعلها صلحة أرادها المختار في هذا الوقت حتى يتناول الطرفان طعام الغداء لديه .

تسلل بين العربات المحتشدة بباب الديوان ، دس نفسه بين الجالسين وراح يراقب ما يدور بصمت ، جذبه حديث المختار بسحره وأسرته قوة عباراته التي راح ينثرها وكأنه ينهل من كتاب مفتوح ، أذهلته ذاكرته التي تمكنه من إعادة حجج المتخاصمين بالحرف ، بل يتبعها بزخارف توهم الواحد منهم بأنه صاحب الحق في القضية .

أدرك من الحديث الدائر بأن الخلاف ناجم عن عراك سببه معاكسة أحد الشباب لفتاة في العائلة الأخرى ، فتطور بعد ذلك إلى عراك شغل أسرة المستشفى بعدد من الجرحى في كلا الطرفين .

أخفى ابتسامة ارتسمت على شفته وهو ينصت لخطبة المختار التي تسبق الحكم وقد رصعها بعبارات تزخر بالمثل ومكارم الأخلاق ، فعاودته ذكرى الليلة التي شاهده فيها مع مصيونة في تلك العشة قبل خمسين عاما أو يزيد ، كان يومها في مثل سن الشاب الذي يحاكمه الآن ، حسون الملقب بشيخ الشباب ، قوي البنية .. خشن الطبع ، لم يسمح لأحد في المشغل كله أن يقترب من مصيونة ، حادا في طبعه لدرجة أنه ضرب الخواجا الذي يشغله على مرآى من الجميع حين هم بطردها من المشغل ، فاضطر الخواجا إلى نسيان ما حدث تحت تهديد القوة وموقف أهل البلدة المناصر  .

تحسس خده وقد عاوده لسع الصفعة من جديد ، فتساءل مرة أخرى : هل كفا عن الالتقاء ؟ .

تعذبل من الشيطان محاولا طرد الفكرة ،لكنها عادت وألحت عليه ، خصوصا أن ترددها عليه بحجة المشاكل التي تعترضها لم ينقطع .

أيقظته الجموع من حوله ورائحة اللحم التي أقبلت على ظهور آنية يحملها عدد من الشباب ، بسمل المختار  فتبعه الحاضرون .. تناوبت الأيادي ، ثم خرج الجمع ولم يبق في الديوان غير عدد قليل من أبناء العائلة .

اقترب من الحلقة وجلس بجوار المختار ، فاستقبله الرجل بالترحاب و سأله مستفسرا :  أكلت معنا ؟ . ، فرد الحاج بالإيجاب

ابتسم المختار وسأله بشيء من الاعتزاز : وشو رأيك في اللي صار ؟ .

رد الحاج بثقة الذى سمع ورأى : عظيم جدا يامختار .

فازداد المختار زهوا وعلق قائلا : هذه الأمور تتطلب الحنكة والدراية ، ناهيك عن التجربة ، كثير من القضايا تم تحويلها من المحاكم إلي  .

- أنت لها يا مختار . رد الحاج ثم أطرق للحظة قال بعدها بلهجة يغلب عليها الرجاء والتردد : الحال لا يسر عدو ولا صديق  يامختار .

- صبرك بالله يارجل .

- الولد فى السجن وزجته مثل الجبل على صدرى .

- إن الله مع الصابرين .

- الأمر بحاجة لسعي  يا مختار .

- الأمور مش بهذه السهولة ياحاج .

- أنت كبيرنا يا مختار ومطلع أكثر من غيرك على أمورنا ولا أخفيك أنا ما عدت قادرأصرف على بيتين .

 فرد المختار بشيء من الحدة : زوجته متعلمة ..  تعمل ياأخي ! .

- هو العمل موجود وما عملت ؟ .

- من جد وجد.

-  ما لي عليها إلا بالحسنى ، خصوصا فى غياب زوجها .

- وأيش راح يصير لها ؟ , ولا وصفها مقطوع !.

- ألسنة الناس ما بترحم يامختار ، البنت صغيرة والشيطان شاطر .

- فلتذهب إلى الجحيم .. البنات مثل الهم ع القلب .. أزوجه ست البنات .

   انتفض الحاج وبشىء من الامتعاض رد قائلا : هذه النبرة سمعتها لما دخل أبني السحن بسببك .

بهت المختار لبرهة ثم زمجر صائحا بالرجل : أنا اللي قلت له  يقلع عين الرجل ؟ .

-    أنت السبب .

-         انجنيت يا رجل ! ..هذا جزاي بعد كل اللي عملته .

هب الحاج منتفضا .. صاح بالمختار بشكل أذهل الحاضرين : وأيش عملت ؟ .. تسببت في مصيبتي و وقفت تتفرج علي  .

-         غور من وجهي يا رجل . . غور .

-         نستاهل أكثر .. خليه يخمج الهامل في السجن لأنه دافع عن حثالة مثلك .

غور يا حيوان وما تعتب بيتي بالمرة  

 

 

 

.

محمد نصار


التعليقات

الاسم: خزعل طاهر المفرجي
التاريخ: 27/04/2010 08:31:09
مبدعنا الرائع محمد نصار
ما اروعك
سرد رائع وجميل
اسعدت في هذا العزف الابداعي
دمت تالقا
احترامي




5000