..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار في كتاب أجراه وديع شامخ مع باسم فرات / الحلقة الأولى

وديع شامخ

 باسم فرات
باسم فرات

تقديم الناقد الدكتور حاتم الصكر

  

  

من مدينة الدموع إلى مملكة النشيج

حاتم الصكر

 

يقتسم هذا الحوار المطول ـ ستون سؤالا، أكثر من أربعة وعشرين ألف كلمة، في تسع وثمانين صفحة ـ مكان رمزي هو المغترب أو المنفى الذي آل إليه شتات العراقيين النموذجي.

سركون بولص الذي تنعقد الأسئلة والأجوبة بمناسبة موته يأتي من أمريكا صوتاً أو صمتاً، ويتوجه سؤال وديع شامخ من أستراليا متسائلاً في الأغلب لا سائلاً، بينما تنطلق أجوبة باسم فرات من هيروشيما مغمسة برنين المدينة الكارثي: القنبلة الذرية في الحرب العالمية على أيدي القاتل ذاته الذي ستنزل من طائراته قنابل أخرى على مدن العراق، ولكن الأمكنة المتباعدة لا تعود لتعني شيئاً إزاء الأمكنة الغائبة ذات الحضور: كربلاء باسم فرات بمحمولها الفجائعي وأساطيرها وأنهار دموعها وفراتها الدامي الذي أخذه باسم إسماً شعرياً له، وكركوك سركون المتعددة الألسنة والثقافات أو العراق المصغّر كما يحلو للعراقيين القابضين على قلوبهم خشية الإحتراب حولها أن يسموها، وهنا في اليمن البعيد حيث أقرأ الحوار قبل نشره وأعلقُ عليه تلتقي أسهم المدن والأمكنة لتثير في القلب شجن التبعثر والتناثر والتمزق الذي إقترن بالوطن وساكنيه، وشعرائه في المقدمة.

لكن الروح الديالوجية التي يرمز إليها مشروع الحوار تتجاوز الأمكنة المرتبطة بأزمان مختلفة لها وقعها على أصحابها والقراء معا: لقد كان باختين يختار دستويفسكي لحوارية رواياته أو روحها البوليفونية، ويرفض تولستوي لأنه مونيفوني ـ أحادي الصوت، لا تسمع أصوات خصومه أو أنداد أبطاله.

يقف الحوار كعلامة على الحرية والتفكير الديمقراطي، إنه كما يُفترض أبرز مثيرات الفكر ومشجعات المراجعة والتيقن من الحدوس والأفكار بل أصبح الحوار من سمات خطاب ما بعد الحداثة ومن علاماته الفارقة التي تظهر بشكل عرض لرأي الآخر قبل بيان الرأي الخاص، هنا يمتد خيط حواري مع الآخر والذات في الآن نفسه، فباسم فرات منذ خروجه الإضطراري من الوطن عام 1993 لا يحمل للأمكنة ضغائن أو يحمّلها وزر نفيه ـ يصرح بحنينه لأمكنة عمل فيها بكدّ ليعيش كعمّان ـ. إنه يمارس حالة وعي ظاهراتي يُسقط فيها وعيه وشعوره على المكان ليشيده كما يحب. لكن أسطرة عجيبة تمت للحاضنة والمكان الأول الذي ظل معه في تنقلاته كحبل سري غير قابل للانتزاع.

تمتزج في الحوار السيرة الذاتية والأفكار حول الشعر والتاريخ والمكان والإنسان مما يجعل القراءة ذات أطياف قزحية: ألوانها تثري الكلمات وتهبها حيوية هي حيوية جيل باسم الشعري، باسم لا يرى في التجييل إلا مظهرا لكسل النقاد!! لكن التجييل ـ الذي أؤمن به شخصياً وألجأ إليه في القراءة ـ هو تكتيك إجرائي لم ينفرد به النقد العراقي بل تم استخدامه في مراحل شعرية في العالم أيضاً. وللعراق مراحل ومحارق توزع ثقلها بتفاوت على أجيال الشعراء منذ الأربعينيات بوضوح حتى الألفية الثالثة، مما يبرر اللجوء إليه ـ أي التجييل ـ معياراً للفرز الفني أو الفكري. كثير من هموم جيل باسم الشعري ستنعكس كقناعات يثريها الحوار بالأمثلة المقرّبة والبليغة، تعليقاً على قول سعدي يوسف بصدد موت سركون بولص إنه كان الشاعر الوحيد، يرفض باسم صيغة الأوحد والوحيد والأمير والعميد، ويرى أنها إطلاقات لا تتفق وفهمه للثقافة، ولكن ربما كان تميز باسم في سَوْق المبررات، فهو لا ينطلق من ضغينة ما أو تحاسد فج، بل له من المستندات الثقافية ما يجعله يرفض تلك التعميمات الحصرية حتى لو جاءت في سياق تمجيد شاعر كسركون بولص استنزف دموعه وهو يرثيه ويستذكر لقاءاتهما ومكالماتهما الهاتفية، وثمة ما ينفرد به باسم ويعكسه الحوار: إنه لا يهرع إلى تاريخ وطنه الزاخر بالشواهد الحضارية ليجعل مفرداته ملصقات شعرية عبر الرمز أو التضمين الأسطوري بل يغور عميقاً في التاريخ الثقافي لبلاد ما بين النهرين في الحقب المختلفة، ويدهشنا هذا العكوف الحفري والتفسير المجتهد لأحداث بلاد وادي الرافدين التاريخية وتحولاتها ومسمياتها وما تعرضت له، ولشواخص إبداعاتها الروحية والثقافية والفنية واكتنازها الملهم، ولعل ما أثاره وديع شامخ المحاور الداعي أو المحفز للجدل والنقاش مع باسم في قناعاته تلك حول سمة المرثاة في شعر باسم مناسبة جيدة للقول إن خطابه الشعري نفسه يستفيد من تلك الروح المرثاتية التي لوّنت أدب وادي الرافدين وجعلت تسمية أرض السواد تلهب مخيلة الكُتاب والشعراء بما جرى على هذه الأرض من دم وما سالت من دموع حدت بباسم ليصف مدينته بأنها مدينة الدموع بل سيفيض ما يجري به نهرا العراق من الدموع لتصطبغ به المنافي أيضاً، ويتعدى حدود التسميات (إشارة إلى عنوان ديوان باسم الفجائعي: خريف المآذن) وليسقط على مدينة أو مدن أخرى يسكنها باسم بجسده بينما روحه تهفو للمكان الدمعي الأول بأساطيره وبشره وَجَوّهِ الأسَري الذي يستفيض باسم في استذكاره كمشغّل أول لوعيه الشعري رغم البؤس الذي عاشه والعنف المسلّط على وجوده وحريته ووعيه.

لقد اشتغل باسم منذ صغره مصوراً فوتوغرافياً محترفاً، ولكن خلف ظلام غرف التظهير، وحيث تغرق وجوه الزبائن في الأحماض والماء وتظهر من بعد بملامحها المتعبة كان باسم يقتنص ويختزن صوراً شعرية ستكون لا عوناً له على حياة كريمة وفرتها مهنة التصوير كما قال، بل لتخلق أيضاً عالماً من الخيال والعواطف يمكن الإستعانة به لقراءة شعره.

كثير من هموم الشعر وإشكالاته سيجدها القارئ هنا وسيعثر على نظرات للتراث والقطيعة المعرفية معه، وإشكالات قصيدة النثر التي يسميها شامخ إلهة الشعر العربي، والأنا والآخر وما بينهما من اتصال وانفصال، والشفاهي والمكتوب وتنافذ الأثر بينهما، وكلها إنشغالات تؤيد زعمنا بأن الشعر صار ملتقى لمعارف وخطابات متنوعة ولم يعد ذلك اللسان الغنائي والشاعري والبلاغات الهائمة والتراكيب العائمة..

ولكن في مسألة الشفهي والمكتوب يغامر باسم بالقول إن المكتوب يؤثر في الشفاهي وهو ما استوقف محاوره ليناقشه فيه، وأحسب أن الفرضية مقلوبة تماماً فالشفهي يتمظهر في المكتوب ويورثه في الشعر خاصة تقاليد فنية لا نزال نعاني منها في كثير من القصائد التقليدية والخطاب الشعري المحافظ، بل نعاني منها على مستوى القراءة وتقبّل الشعر الجديد وقصيدة النثر خاصة، كونها لا تنتج بآليات تناسب التلقي الشفهي القائم على حد الموسيقى الخارجية.

وربما دفع باسم لذلك الإفتراض ما يحسه هو من ضرورة تشرب الثقافة الأدبية والأسطورية لبلاد ما بين النهرين وهي ثقافات وآداب شفاهية أثرت حقاً الكتابة الشعرية الجديدة وأثّرت فيها.

وإذا كانت الحداثة كما يرى باسم لا تهدم التراث ككتلة روحية، فإن نخبوية الشعر التي ركزت عليها دراسات الحداثة وعمقتها لا تعني عزله أو عزلته، بل تؤيد تفسير رؤيته الكلية من المتلقين التقليديين على أنه غامض وعصي وأنه دوماً بحاجة لشروح ودفاعات ومبررات.

وربما كانت القصيدة الشَرَكَية التي يقترحها باسم ويرى في شعر سركون تجسيداً نصياً لها، ويشخص ما تجمع حولها من ادعاءات الانتساب إليها ما سيثير نقاشات كثيرة، فهي أبعد وأعمق من كونها مصيدة لوعي القارئ وإدراكه للشعر، وهي أمور تُحسب لهذا الحوار الذي يتجاوز النميمة ويتحدث بحب عن الأقران المكتوين مع الشاعرين في أتون القصيدة وأوهام التحديث وأحلامه الجميلة.

 

س1: شهد المشهد الشعري العراقي، ظاهرة قد تبدو غريبة وهي ظهور الأجيال بأفق عشري سنوي، ماتعليقك على وجود الشاعر ضمن أفق الجيل؟ فهل تعده نعمة وصحة، أم إن ظهور الشعراء كأجيال يعد مثلبة، ولماذا؟

الأجيال ظاهرة موجودة في الكثير من الثقافات والأمم، ولكن ليس بالقوة التي عليها في العراق، وهي ظاهرة من المفروض أن تكون جد طبيعية لولا إننا بالغنا فيها، فحين استوردناها، أضفنا لها نكهتنا الخاصة، وبما إن هناك الكثير ممن دافع عن الأجيال، وأنا لا أنكرها ولست ضدها تماماً، ولأني أؤمن بوجود إيجابيات فيها وقد أصبحت معروفة، فعليه أود أن أبين جوانب لم يتطرق إليها أحد من قبل حسب متابعاتي، وهي على كل حال وجهة نظرٍ لا أدعي إني مصيب بها تماماً، وهي الجوانب السلبية من الأجيال، أكرر على أن لا ننسى الجوانب الإيجابية التي أفاض بها غيري.

أرى أن سلبيات الأجيال، نتيجة طبيعية لتَسَيّدِ النسق الثقافي البدويّ على الحياة المدنية، خصوصاً إذا علمنا إن ريفنا العراقي، لم يتخلص من تأثيرات البداوة عليه، كالعشائرية والثأر والفدية (الفَصل) وآلخ، ومع إزدياد هجرة الريفيين للمدن وللعاصمة بالذات، تكوّن تيار متعلم غالبيته تلقىّ تعليمه تلقينياً، وهذا التيار هو الذي فرض مفاهيمه على المجتمع، فأصبحنا عشائريين دون أن ندري، وأن أضفنا للعشيرة كلمات جديدة، مثل إبن مدينتي وإبن منطقتي و(إبن ولايتي)، وأما الصديق الذي ألتقيه في نفس المقهى فهو أصبح إبن جيلي.

التقسيم العقدي، إن كان دليل كسل النقاد، فهو أيضاً دليل بدوية الشعراء أنفسهم.

الشعر إبداع فردي بإمتياز، وعليه فهو خارج التكتلات، فكيف نرغمه على أن يكون تحت مظلة الجماعة والجيل. الشاعر الذي يعيش ويبرز في كنفِ الجيل، عادة ما يفشل في تحقيق ما سبق له أن حققه مع الجيل، حين تضطره الظروف للانفصال المكاني عن جيله، أو بمعنى آخر، إنه عادة ما تجف أدواته، وليس بمستغرب أن يصرح أحد أقطاب "جيل السبعينات" في العراق قبل فترة في حوار معه، "إن بطاريته فقدت شحناتها" لأنه شاعر لا يجيد التغريد خارج السرب، حتى لو كان تغريده الأهم والأوضح بين جماعته، إنها حقيقة غالبية الشعراء الذين إتخذوا من الجيل مظلة لهم.

ولا ننسَ إن هذه الاجيال ساهمت بتزوير الوعي، من خلال روحها البدوية التي شجعت شعراء الإشاعة، على التغلغل، وهنا لا أقللُ من دور الأحزاب في دعم شعراء الإشاعة، فالبدوي الذي إبتكر فلسفته القائمة على أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً، هو نفسه الذي سمح لشعراء الإشاعة وبسبب عصبية الجيل أو العصبية الجيلية، أن يكونوا ضمن ملفات في مجلاتٍ أدبيةٍ مرموقةٍ وفي إنطلوجيات، وكلي ثقة لولا ذلك لما حجزوا مقعدهم كشعراء جيدين، فمن تدعمه الأحزاب والحكومات، ليس كمن تدعمه جماعة شعرية من المفروض إن نياتها أدبية خالصة، وهو ما يوهم الكثير من الأدباء والصحفيين والقراء بأهمية شعراء الإشاعة أولئك، وعلينا ألاّ نغفل عن حقيقة وهي إن وجود القارئ المحترف ..القارئ الخلاّق، أقرب الى الندرة.

شخصياً، لا أرى في العراق عدة أجيال، بل إن كان لابدّ من تجييل فجيل الرواد الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، حتى تأسيس الجمهورية، وجيل آخر، لم تتضح معالمه بشكل جيد إلا بعد إنقلاب الثامن من شباط 1963، وهو الأطول عمراً، فاذا كان الجيل الأول غيّر مسار الكتابة شكلاً، ولم يعد البيت المتناسق التفعيلات بصدره وعجزه، هو الطريقة المثلى للكتابة، فإن جيل ما بعد تأسيس الجمهورية، وبعد أن نضجت أدواته راح يُنَوّعُ ويُعَمّقُ خطابه الشعري، فأصبحت لدينا القصيدة المدورة، وقصيدة التفعيلة بدون قوافٍ، وخَفتَ صخب موسيقى القصيدة "الروادية"، وقصيدة النثر، والنثر المركز، والشعر الحرّ (من الأخطاء الشائعة مع الأسف إن الغالبية العظمى من المهتمين بالشعر كُتّاباً ونقاداً وقراءً يخلطون بين الشعر الحرّ وقصيدة التفعيلة في التسمية مثلما يخلطون بين الشعر الحرّ وهو ما نكتبه نحن الناطقين بالعربية وقصيدة النثر التي نادراً ما يزاولها الشعراء) والنص المفتوح ...والخ.

 

س2: أنت تعني الشاعر زاهر الجيزاني على ما أعتقد، وما قاله الشاعر في حواره لجريدة الصباح العراقية، يمثل برأيي حقيقة مهمة، وهي التواصل الروحي والمكاني بين أقطاب العملية الإبداعية لخلق حالة من الحث والتأثير، تصبّ في الأخير لصالح المشهد الإبداعي عموماً .. فتخيل نفسك في بغداد أو في مدينة أخرى، وتحضر مهرجاناً للشعر صباحاً وفي الظهيرة تذهب بمعية أصدقائك من المسرحيين والنقاد والشعراء والتشكيليين وتنزوون في حانة أو مقهى لمناقشة القصائد وشؤون وشجون المشهد بتنوعه، على أمل العودة مساءً الى حضور مسرحية أو فلم أو معرض تشكيلي...وإلخ، هذا الفضاء أو المحيط كما أسميه أنا ضرورة لا غنى عنها لتوالد الأفكار والأعمال والإبتكارات، وهذا لا يعوضه كل إتصال عبر وسائل الإتصالات، رغم أهميتها وخطورتها الفائقتين.وهذا ما حصل في المشهد الإبداعي العراقي في مرحلة التأسيس أبان الأربعينات والخمسينات فترى الروائي والقاص في غمرة الحوار مع التشكيلي والنحات، مع المسرحي والسينمائي...إلخ، وهكذا نشأت أكبر قفزة نوعية في الحقل الإبداعي العراقي على المستوى الشعري والتشكيلي والمسرحي والسينمائي.

نعم من عنيته هو الشاعر زاهر الجيزاني، وأنا لا أنكر دور هذا النشاط في الإبداع ولكن علينا ألاّ ننكر أيضاً مثلما أن ثمة مبدعين بالإشاعة، هناك أيضاً مبدعو المحفزات أو التحفيز أو سمها ما شئت، أي أنهم بدون هذه المحفزات التي ذكرتها أنتَ لا يبدعون، فهم يبدعون مع الجماعة ومن خلالها وربما يتفوقون على الجميع، وما إن أجبرتهم الظروف لترك حاضنتهم المحفزة لإبداعهم، حتى هجروا الكتابة تقريباً أو ضعفت أدواتهم، وهم برأيي غير أصلاء.

هذه المحفزات جد مهمة للشاعر فعلاً، ولكنها تتحول الى النقيض إن أدمنَ عليها وتكون هي المحفز الأوحد له، فالأصدقاء والنشاطات لهما أهمية كبرى في البداية، والشاعر الحقيقي هو مَن يتجاوز هذه المحفزات، ويخلق عالمه الخاص، هذا العالم الذي يمكّنه أن يبدع في كل الظروف.

 

س3: ما الفرق بين الأجيال والجماعات؟

الأجيال تظهر في حقبة زمنية أقل تقاربية من الجماعات، وفي أماكن متنوعة، فثمة من ولد في كركوك وآخر في البصرة وثالث في الموصل ورابع في بغداد وإلخ، بينما الجماعات تظهر في حقبة متقاربة وفي مكان يكاد يكون واحداً، ومثاله جماعة كركوك، وحسب رأيي فإن من نسميهم بجيل الخمسينات والسبعينات والثمانينات إنما هم جماعات وليسوا أجيالاً، وللتوضيح أقول، إن كل من أرخ وكتب لهذه ""الأجيال"" ذكرها مترافقة مع علاقاتها الإجتماعية ولقاءاتها التي تكاد تكون في نفس المقهى وليس في نفس المدينة فقط، والتركيز دائماً على شعراء المركز، بينما أهملوا تماماً شعراء الأطراف، إلا من كان يتردد على بغداد وتربطه علاقات إجتماعية مع شعرائها ونقادها، إضافة الى عدم أخذهم نتاجات العراقيين المكتوبة بغير العربية بما يكفي من الجدية، وهذه مثلبة علينا أن نتجاوزها، رغم أن الجميع شارك في هذه المثلبة، صحيح إن اللغة العربية هي الأوسع إنتشاراً في العراق، وإن الأدب المكتوب بالعربية ربما من الإجحاف مقارنته بلغات كانت شفاهية الى ماضٍ قريبٍ، خصوصاً حين يترافق هذا مع عدم إتفاقٍ على تقعيد اللغة وتفصيحها، ولكن الواجب الوطني يحتم علينا ان يكون منجز جميع الشعراء منجزاً وطنياً، نحترمه ونعتز به، فهو دليل ثرائنا، ولكن ماذا نقول للقبائلية التي عششت في نفوس دعاة الحداثة من المطبلين للأجيال، وهل يعلم هؤلاء أنهم بتجاهلهم للأطراف وللنتاج العراقي المكتوب بغير العربية، قد ساهموا مع السياسي وإن بدرجة أقلّ في إحداث شرخٍ في روح المواطنة!.

 

س4: هل إن مصطلح الهامش والمركز هو البديل الأفضل لموضوع تصنيف الشعراء، بدلاً من الأجيال، إذا ما علمنا أن الأجيال لعبة العواصم والمراكز؟

لا أجدُ ضرورة في إطلاق أي تسمية على الشعراء، بل وعلى كل إبداع فرديّ، ولا أحبذ هذه المصطلحات، أكرر ما قلته سابقاً إن الشعر إبداع فرديّ ومن الخطأ أن يستظل الشاعر تحت أي مظلة ما، سوى مظلةِ إبداعه ومنجزه وإصراره، شرط عدم الركون الى الكسل واليقين، لأنهما يقتلان جذوة الإبداع عند الشاعر.

الجيل، التيار، المجموعة والظاهرة.. إلخ ما هي إلا تسميات قبائلية الثقافة، وهو ما لمسته لدى أعضائها، فكل جيل يلعن الذي سبقه، وكل جماعة إن كانت في المركز وقد همشت أو كانت في الأطراف، وهؤلاء تقليدياً همشوا، الكل يقصي الكل، ويدافع عن قبيلته، وطبعاً لكي لا ينسى أنه سليل الثقافة القائمة على إلغاء الآخر، فهو يبرز نفسه على الآخرين الذين في مجموعته.

البديل الأفضل لكل هذا هو الإنحياز للإبداع بغض النظر عن كاتبه، أنثىً كانت أو رجلاً، مبدعاً مغموراً أو مبدعاً نجماً، من القرية أو القصبات النائية، أو ممن يعيشون في قلب المركز.

متى ننظر للمنجز قبل النظر للإسم وللجيل وإلخ.

 

س5: ما أهمية البيانات التي رافقت الحركة الإبداعية فردياً وجماعياً، في تطور مسيرة الشعر العراقي؟

البيانات حالة صحية بكل تأكيد، ولكنها لا تصنع شاعراً، وأغلب هذه البيانات كتبت قبل نضوج التجربة، وإلا كيف تكتب بياناً وأنت شاعر في أولى خطواته، بينما البيان كما أراه يجب أن يستند الى تجربة عملية يتم فيه تطبيق مفرداتها، أو بالأحرى أن تكون دعوة البيان وحيثياته متساوقة مع التجربة والمنجز، بينما أغلب البيانات مرحلية (موضة) ربما هناك من أفاد منها، ولكنها ليست بذات أهمية كبيرة في تطور مسيرة الشعر العراقي.

 

س6: هل تعتقد إن وجودك كشاعر في المشهد الشعري العراقي الراهن كان بسبب من وجود حاضنة إنتميت إليها، أو كان نتيجة جهدك الذاتي، وفي كلتا الحالتين..هل أنت سعيد أم نادم؟ ولماذا؟

لم إنتم لحاضنةٍ ما، وأكرر ما قلته سابقاً وهو إنني أغردُ خارج السرب حتى في قراءاتي وسلوكي، وهذا لا يعني عدم وجود أصدقاء لي وكنا نلتقي دائماً ولي ذكريات معهم، بل كنا جميعاً ـ وهذه شهادة للتاريخ ـ نحجّ لبيت عرّابنا الشاعر محمد زمان، وكنت أصغرهم سناً,ولكننا لم نكن جيلاً، بل حتى إني لا أجد شبهاً بيننا وبين جماعة كركوك، ولا أعني من حيث القوة الإبداعية والتأثيرية، بل من حيث التواصل الإجتماعي والمعرفي، والإعلامي، فجماعة كركوك بينهم خلافات، ولكنهم لاينكرون إنهم جماعة، بينما نحن ربما لم يخطر في بالنا إننا نُشكّل جماعة أدبية .

هو جهدٌ ذاتيٌّ ومحاولة دؤوب في الإنكباب على مشروعي الشعريّ، والشعر يستحقّ مِنّا أن نُكَرّسَ له أكثر من حياة، كما كان العزيز سركون بولص يُرَدّد.

هل أنا سعيدٌ أم نادم، عندما تؤمن إن الشعر يستحق فعلاً أن تكرسَ له أكثر من حياةٍ، وإنه إبداع وخلاص فرديّ، وإن الأيديولوجيات تمتص رحيقه، وتحوله من كائن سماويّ روحيّ، الى عبد ذليل لها، وإن الإدعاءات والأكاذيب لن تصمد أمام جوهر الشعر، وحين تكون متعتك الحقيقية هي في الكتابة والمغامرة للإمساك بجوهر الشعر ولُبِّهِ، فبكل تأكيد لن تندم لكونك لم تكن ضمن جيل أو حاضنة، بل سوف تبقى سعيداً بأنك خارج التصنيف.

الطير الذي يُغردُ خارج السرب، هو الأكثر تعرضاً لفضول العيون وتأمّل العقول.

 

وديع شامخ


التعليقات

الاسم: ,وديع شامخ
التاريخ: 23/04/2010 17:41:21
الاعزاء جبار عودة الخطاط ،صباح كاظم محسن، ورحيم الحلي وسلام نوري .
إن ردود أفعالكم الطيبة عن الحوار، هي مجسات سامية لتلمس الطريق الى ثقافة الانصات الى الآخر والاختلاف معه بحميمية ومسؤولية معا .
اشكركم من الاعماق وارجو التواصل معنا في الحلقات القادمة

الاسم: جبار عودة الخطاط
التاريخ: 22/04/2010 20:11:52
العزيز الشاعر القدير وديع شامخ
تحية عراقية
لا اقول سوى شكرا لهذا السحر
والتحية موصولة للشاعر باسم فرات
مودة تعرفها

جبار عودة الخطاط

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 22/04/2010 19:57:37
حوار ممتع ومفيدبين قمتين ابداعيتين بامتياز..سلمتما

الاسم: رحيم الحلي
التاريخ: 22/04/2010 17:42:39
الاستاذ وديع شامخ
كل التقدير والمحبة:
إن الشعر يستحق فعلاً أن تكرسَ له أكثر من حياةٍ، وإنه إبداع وخلاص فرديّ، وإن الأيديولوجيات تمتص رحيقه، وتحوله من كائن سماويّ روحيّ، الى عبد ذليل لها، وإن الإدعاءات والأكاذيب لن تصمد أمام جوهر الشعر، وحين تكون متعتك الحقيقية هي في الكتابة والمغامرة للإمساك بجوهر الشعر ولُبِّهِ،

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 22/04/2010 14:55:15
لكن الروح الديالوجية التي يرمز إليها مشروع الحوار تتجاوز الأمكنة المرتبطة بأزمان مختلفة لها وقعها على أصحابها والقراء معا: لقد كان باختين يختار دستويفسكي لحوارية رواياته أو روحها البوليفونية، ويرفض تولستوي لأنه مونيفوني ـ أحادي الصوت، لا تسمع أصوات خصومه أو أنداد أبطاله.

--------
ما احوجنا الى عولم الابداع
وما اجملها حين تهطل في عرصاتنا
سلاما للابداع
محبتي




5000