هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


القاص الكردي علاء الدين سجادي قصة ((عرس رشه خجلاو)) أنموذجاً

جمال نوري

لا يمكن أن نتجاهل بأي شكل من الاشكال أهمية ودور القاص الراحل علاء الدين سجادي في تأسيس منطلقات نظرية وأبتكار نوافذ حية على الخطاب العالمي الذي عكف على الاهتمام به عبر عشر سنين إذ حرص على ان تكون مجلة (كه لاويز) (1939-1949) منبراً لرفد القارئ الكردي بأخر النتاجات الابداعية التي كانت تصدر في شتى انحاء العالم .. وفي أعدادها المائة والخمسة الصادرة عبر عشر سنوات نشرت عدداً لايستهان به من القصص الاجنبية التي مكنت القاص الكردي من أستلهام وأستشراف التقانات العالية التي تميزت بها تلك القصص وكان لذلك أيضاً دور مهم في تحفيز وتشجيع الكتاب الكرد على التوجه الى هذا الجنس الادبي   الرائع .. وفي هذا المقترب النقدي سنتعرض بشيء من التفصيل الى قصة (عرس رشه خجلاو) أنموذجاً يمثل واحدة من أجمل القصص التي كتبها القاص علاء الدين السجادي ونالت استحساناً من قبل النقاد والقراء ولعله تأثر في كتابتها بتقنيات رصينة أسهمت في سبك هذا العمل وأظهاره بهذه الصورة الفنية المشرقة .. تبدأ القصة باستذكار احداث شهدها الراوي (السارد) قبل سنين بعيدة حيث هيمنة الاقطاع ومعاملتهم القاسية  للفلاحين .. يبدو الزمن عائماً وغير ذي أهمية لان واقع الحال كان على ما عليه دون ان ينتظر أي تغيير مرتقب يغير نمط العلاقات ويؤسس أشارات حاذقة تنبئ بمستقبل زاهر يبعد الناس عن الظلم والجهل والاقطاع والمرض ولذلك يبدو ان القاص قد قلل من شأن الزمن بأشارته الى (ان كل فضل ، هو فضل الله ، وفي ذلك العام لما أقام ((رشه خجلاو)) ونظم عرس أم حمه المرحومة فقد كان ذلك في هذا الفصل أيضاً) وينتقل القاص بعد ذلك ليقترح مكانين متناقضين ومتفاوتين في تشكيلهما عبر تصوير رائع للمشهد القصصي الذي تمثل بجو احتفالي خاص هو (عرس رشه خجلاو) الذي أقترن بالفرح (الاستثنائي) إذ كان حالة غريبة أو طقساً غريباً يمارسه اناس يرضخون للذل والمهانة والاستعباد .. المكان الاول سطح بيت العمة (مينة) حيث فرشت البسط للجلوس وحيث سيصبح بالتالي مكاناً خاصاً يطل ويطلع منه الاقطاعي (الاغا) الى الشباب الذين أنخرطوا في دبكة ساخنة تشابكت فيها أصابعهم وأيديهم تعبيراً عن فرحهم بالعرس الذي دخل مرحلة التأزم بقدوم ثلاثة فرسان حضروا الى المكان ليخبروا أهل القرية بوصول (الاغا) وأثنين من رجاله ... وعند وصول (الاغا) يبدأ رد الفعل المصحوب بالقلق والذعر (لحظتذاك قمنا مذعورين) والمقصود هنا الراوي مع ثلة من اصحابه ، ويتمثل الوعي بصيغة متقدمة في شخصية السارد التي تدرك بمجساتها الخاصة نيات (الاغا) وحركاته ومقاصده الشريرة ولعل هذا الانتقال من السرد الموضوعي الى السرد الذاتي دلالة على وعي القاص ومعرفته للتقانات الفنية الخاصة بالسرد والتناوب بين الموضوعي والذاتي وفق مايقتضيه البناء الفني للقصة .. وعندما يهم السارد باخبار الشباب المنشغلين بالدبكة بوصول (الاغا) يعترض (الاغا) مؤكداً تواصل الحفل وأستمرار البهجة وأنه لايريد أفساد الدبكة (قسماً برأس أبي لن تذهب ، دعهم ، ولا تفسد عليهم دبكتهم ، لانني أريد أن تظل أوقاتهم دائماً أفراحاً وأعراساً) ومع انه يعلم تماماً أنه سبب خراب حياة الناس ومعاناتهم إلا انه يتواصل في سرد أفضاله ومشلركته الناس مفردات حياتهم مع أنه نادراً ما يظهر للناس وإذا ما ظهر فإنه يظهر لغاية في نفسه وامر يزمع تحقيقه او مكاسب يجنيها من خلال الفقراء وجهلهم بأمور الدنيا .... ولم تكن ردود الفعل متوازية بين الناس فلقد اصاب الشباب الذعر بينما لم يحفل الشيوخ الذين ادمنوا ويئسوا من خلاصهم الحقيقي .. من سطوة (الاغا) وأفعاله الشنيعة فها هو يقول لهم (جئت لاشاعة الفرح والمرح .. فليمسكوا بأيدي بعضهم بعضاً وسأذهب بنفسي اليهم ) وحالما أبلغهم ((كرده)) خادم(الاغا) بذلك ازداد فرح  الناس واشتد سرورهم وهذا الفرح الذي غمرهم لم يكن فرحاً حقيقياً ، بل فرح نابع من طيبتهم العجيبة .. يقابل ذلك أستغراب (السارد-الواعي) بطريقة (الاغا) الجديدة لانهم اعتادوا على شتائمه وكلامه البذيء ومع ذلك تبدو نبرة (الاغا) مختلفة ومثيرة فعلاً (أنت تدري مدى تعلقي ببؤسائي المساكين ، وسهري ليل نهار على راحتهم بل ومبلغ حرصي على كرامتهم وعيشهم ، واني عندما ارى اغنامهم ومواشيهم وزرعهم فاني اكاد افقد عقلي واحلق من شدة الفرح !انها طيبة قلبي التي تبعث فيهم الغبطة والمسرة ، أمرنا الله تعالى بانه طالما كان الكبار يحسنون الى الصغار ويراعونهم فاني سأكون عوناً لكليهما).

ويرد على ذلك الراوي الذي يتدخل بلغة تقريرية اتسمت بها القصة القصيرة في الاربعينيات والتي لم تكن لتخلو منها قصة قصيرة ، فكان من الضروري ان ترد اراء القاص ومواقفة عبر نسيج العمل القصصي .. فها هوذا يقول رداً على كلام الاقطاعي والمروي له هنا القارئ نفسه (ان كل ما قاله ينافي الحقيقة والصدق فهؤلاء المساكين يكدون ويتعبون على مدار السنة ، لكنهم في النهاية لايجنون سوى قبض ريح جراء جور (الاغا) واستغلاله لهم ، ولم تكن الدبكة التي اقاموها سوى تنفيس عن الكرب وضرب من اليأس واللاعقلانية  ويتواصل الطقس الاحتفالي باشارات متواترة يصدرها (الاغا) متشبثاً بطابع الفرح وطقوسه المثيرة .. ثم يشفع ذلك بدعوة حارة واستراحة مذهلة لتناول الشاي الذي اعده احد خدمة للشباب الذين شاركوا في هذا الاحتفال .. (احبائي أناشدكم ان تتمتعوا باستراحة قصيرة وعلى السطح هناك خدر الشاي فاذهبوا الى هناك واشربوه هنيئاً مريئاً) وعبر هذه اللغة المعسولة التي لم يعتدها الناس تتحول مشاعرهم على نحو غريب (ان الكلمات المنمقة المعسولة للاغا اسعدت حتى الاطفال فتوجهنا اليهم بدورنا واختلطنا بهم) بعد ذلك يتساءل (الاغا) مستفسراً عن الارض وعن الاغنام وأملاك الناس التي هي جزء من أملاكه الكثيرة فها هو يخاطب (صوفي رمضان) والخال (باسل) قائلاً (صوفي رمضان كيف هم الاولاد ؟ الحمد لله ، لقد كان بيدر (د هشت شين) وافر المحصول هذا العام .. اذ جنينا منه قمحاً جيداً .. ايها الخال باسل .. لست ادري لماذا حل النقص بأغنامك وقد خصصت لها مرج (دشت بان) ؟ ثم يتيح ذلك رد فعل مداهن يختلط مع التملق المقرون بالخوف والرهبة (سيدي .. ليمد الله في عمرك ، ان كل ما نرجوه ونتمناه ، هو ان يحفظك الله لنا ، أما الاغنام والزرع والمواشي فهي قربان لك انت ) ثم يردف (الاغا) كاشفاً عن نياته الذاتية ومصالحه الشخصية (لست طامعاً في أموالكم كما تعلمون وعلى النقيض من ذلك أحب ان تتقدموا علي دوماً وفي كل شيء .. وكل ما يشغل بالي ، هو ان ازور بغداد هذا العام بغية شراء عدد من المكائن ، آنذاك ترفل كل القرى باليُمن والنعيم .. ان ما اقدم عليه هو من اجلكم انتم لكي تسعدوا ولكي لا تشقوا وتتعبوا أكثر )وبلهحة ساخرة ملؤها الاستخفاف بمقدرات الناس يتواصل (الاغا) (قسماً برؤوسكم .. في الاعوام هذه ، والتي كنت خلالها نائباً في ((المجلس) كان هم حل مشاكل هؤلاء الكرد يقع على عاتقي .. ولم أر ولو مرة واحدة على الاقل ، نائباً يتبني قضية او يتصدى لمعضلة ) ثم يمضي مستعرضاً مهاراته وخبراته ودوره الاسطوري في حل مشاكل الناس (أنا وحدي ، أنا فقط وعندما كنت أغادر المجلس كنت ابحث مشكلة هذا وذاك عند ذاك وذاك ، أرجو والتمس وأطلب من هذا وذاك) وأخيراً تظهر نيات (الاغا) وتنكشف مطامعة التي يصبو الى تحقيقها عبر اقناعه للناس البسطاء بأهميتة وحرصه على مصالحهم وقضاياهم .. وتتباين ردود الفعل مرة أخرى على تلك الخطبة الساخرة التي كشف فيها (الاغا) عن مرامية القذرة (شرع الناس جميعاً يبتهلون الى الله ان يبقيه ويمد من عمره ) ويرتفع صوت آخر يثني على (الاغا) وخطبته (ليحفظك الله لنا .. نحن نعلم ان عظيماً كحضرتكم .. شفوقاً مثلكم لن يتهيأ لكل الناس وفي كل الظروف والازمان .. مر ونحن طوع امرك .. انه لشرف عظيم لنا ان يكون لنا عظيم كحضرتكم .. ثاقب الرأي .. مسموع الكلمة في كل مكان ) بعد هذا يدلي الراوي برايه مرة أخرى وبنفس التقريرية التي بداها ولكن أي طراز من الناس كان هؤلاء الفقراء المعدمون والمسحوقون تحت ثقل الاضطهاد والاستغلال ؟ ها هم يرقصون نشاوى بتأثير من كلام معسول وأرتشاف (أستكانة) شاي ؟ ولا سيما بعد الاشارة الى المكائن فارض (هومرةكوير) بحاجة الى مكننة جديدة تنتشلهم من التعب الجسدي المضني في فلاحة الارض ان كل ما قاله عن المجلس وبحث مشاكل الاخرين وتنفيذ مطاليب الجماهير لم يكن سوى خديعة وضحك على الذقون .. ثم ما أدرى هؤلاء البسطاء بالمجلس والكلام في المجلس ؟ )

يقرن القاص عودة (الاغا) بانتهاء النهار وقدوم الليل وان الوعود التي تبناها (الاغا) لم تكن إلا محض احلام ظلت تراود البسطاء من الناس .. وتشاء الصدف ان يكون (الراوي) في المجلس الذي أنعقد في بغداد وان يكون في ذات الوقت قريباً من (الاغا) الذي ظل يردد (آه من هذه الحرارة ، لتحل النكبة بهذه المدينة جراء حرها) ولم يفهم النائب الجالس الى جانبه شيئاً مما قاله ، فسأله عما يتحدث ، فافهمه بدوره قائلاً:

(هذه المدينة عاره .. آه .. انها عارة .. أي أنها حارة ) .

وبهذا يكون (الاغا) بوعوده الخرافية قد انصرف الى حرارة الجو ولم يكن أكثر من قطعة اثاث تمارس حضوراً سلبياً في (المجلس) الذي كرس لخدمة الناس ، إلا ان الاغا لا يفكر إلا بمصالحه الشخصية التي تتحقق بوجوده ضمن تشكيلة المجلس .. لقد أفلح القاص علاء الدين سجادي في بناء قصة متماسكة منطلقاً من وعيه ومفاهيمه النقدية المتقدمة لمرحلة كان الاقطاع فيها يشكل صفحة سوداء في حياة الناس .. واستطاع القاص أيضاً توظيف لغة ساخرة يعري فيها شخصية (الاغا) المتسلطة ويكشف عن دور الجهل في ابقاء الناس تحت سطوة (الاغا) والاعيبة.. ويمكن ان تعد هذه القصة واحدة من القصص الكردية الفنية المهمة التي أستفادت من معطيات القصة الغربية بكل أساليبها وتقاناتها ومعالجاتها ...  

 

 

جمال نوري


التعليقات




5000