..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لهب الوجدان

مهدي شاكر العبيدي

 

ديوان شعر ــ مثنى محمد نوري

 بعد تسع مجوعات شعرية صدرتْ للشاعر العراقي مثنى محمد نوري ، يتلوها اليوم ديوانه الجديد والموسوم ( لهب الوجدان ) ، وهو العاشر في الترتيب العددي ، وهذا لا يهمُّ بقدر ما يهمُّنا أنْ نقف على تحليقه الفني وسموِّه الإبداعي في صياغة ولو بضع قصائد تحتوي عليها دواوينه جميعا ً ، لا سِيَّما التي رأتِ النور مؤخرا ً ، وتداولتها أيدي القرَّاء في السنوات القريبة ، ولا مراء أنْ نزع في نسجها وحبكها لذمِّ الاحتلال الأمريكي لبلاده والتنديد بجرائره ومخزياته بحقِّ أبناء شعبه ، فهو يلفي في أيِّ صنيع يجيءُ به الغريب المُجنـَّب ، وعارفةٍ يأتي بها الغاشم المحتل ، هما بمثابة منـَّة مستهجنة ومرذولة ، ودينٌ ثقيل تـُرتهـَن به ذممنا وأعناقنا ، مهما انتحل القائمونَ به والمبادرونَ إليه من دواع ٍ ومسوِّغات ، أو انماز به هذا الصنيع أو اصطنعه أصحابه أو تظاهروا به من تجرُّدٍ من أيِّ غرض وتنزهٍ من أيِّ مطمع ، بدليل ما نلحظه سائدا ً في مجتمعنا اليوم من تنازع وشقاق بين فئاته ومراتبه ، فضلا ً عن توزٌّع آرائهم وافتراق كلمتهم وتعدُّد وجهاتهم ونوازعهم في الاهتداء لحل ٍ مُرض ٍ لمشاربهم وأهوائهم ، كي ينهوا هذا الاحتلال المقيت ، ويطووا صفحته متجاوزينَ ما خلفه في حياتهم من خراب النفوس وفساد الضمائر ، وفي حياة بلادهم أيضا ً من دمار وتهديم لكلِّ ما أوفتْ عليه طوال الأعوام المتصرِّمة ، وفي ظلِّ الحكومات المتخالفة في سبلها ووسائلها في حكمها بالقهر والعَنتِ والذلِّ وكبتِ الحريات ، أو بالسماح للوعاة والمتنورينَ من فتيتها بقدر نسبي من هذه الحريات ، لكن حسبها أنـَّها شارَفتْ حدا ً بعيدا ً ، وبلغتْ شأوا ً فائقا ً في ميدان الازدهار والرقي والحضارة تحسدها عليه بقية الشعوب ، وكلُّ هذا ألوى به جبروت المحتل وبطشه وتعسُّفه ، وعاد بها جرَّاء ختله ومكره إلى ما يسميه محترفو السياسة نقطة الصفر .

       ونتلمَّس أغراضه الشعرية الأخرى ، فنلفيه مصوِّرا ً هيامه بحبيباته اللائي أربينَ على أكثر من واحدة ، وأخصُّهنَّ بالذكر مَن أسماها بـ ( مينا ) ، متشبِّها في تعبيره وإفصاحه عن لواعجه وحُرَقِه بالشاعر العباسي القديم العباس بن الأحنف ، المضطرم الوجد والعارم الشوق دوما ً لعشيقته ( فوز ) ، وما أدري أكان الشاعر جادا ً وصادقا ً ومفضيا ً بواقع حاله في نظمه للقصائد الغزلية المسرفة والمغرقة في التهيام ومقاساة لوعة الفراق ، في محيطٍ لا يزال محافظا ً ومُبقيا ً على ما ينبغي للأفراد مراعاته في السلوك اليومي من آداب التوقر والحشمة ، أم هو يعتدُّه من قبيل الألهية يقطع بها الوقت على شاكلة ما يُعزى للشاعر المجيد محمد سعيد الحبوبي في تولهه وشغفه بالخمرة ، وهو لم يذقها البتة ، غير أنـَّه برع في وصف مجالسها ، ونفذ إلى سرائر متعاطيها ودخائلهم ، وخلص إلى البوح بأدقِّ ما تعتلج به نفوسهم من المشاعر والهواجس ، أو يتوقونَ له أثناء غيابهم عن هذا الوجود ـ بتأثير من هذه الخمرة ـ من الأمنيات والرغائب ، علما ً أنَّ الشاعر مثنى محمد نوري يترسَّل في شعره سهلا ً بسيطا ً لحد العفوية التي لا تستدعي كدا ً وتكلفه من أمره ما لا يُطاق ، بل تجيء تعابيره غاية في الطواعية والسلاسة ، وحظه من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى لا يدانيه فيهما آخر يرهق ملكاته ويُعنتها بما يشقُّ من التعمُّل والانتحال ، توخيا ً للصياغة المكتملة والمستوفية خصائصها وشرائطها من استواء اللفظ وصحَّة   المعنى ، لكي يتحاشى ويُجَانِب ما يُزري ويُعَاب به الشاعر من الخَرق والإسفاف .

       ثمَّ إنـَّه منجبٌ لرعيل من الأبناء والبنات ، ولمعظمهم يصوغ مقطعات شعرية يمنيهم بها أنْ يتحلوا بالآداب والأخلاق ، وأنْ تزهر منهم هذه الآداب والأخلاق ، وتنتقل طواعية إلى أبنائهم الصغار ـ أي إلى أحفاده ـ ولكلِّ منهم حصَّة من شعره هذا السلس السهل ، والبيِّن المعنى ، والخالي من الإغماض والإغراب .

       لكن ما أسرع ما مرَّتْ به الأيَّام وتوالتْ عليه الحقب والأعوام بنوازلها وأحداثها الكارثية ، سواءً على الصعيد الفردي أو صعيد الوطن المُبتلى بكثرة المدَّعينَ بالعمل لمصلحته طوال هذه الخمسة والخمسين عاما ً الماضية ولحد الآن ، من تقلبات وتذبذبات وتداول للسلطة فيه من وراء الاحتراب والاصطراع ، يخوض ساحتهما عسكريٌ مغامر مُدِلٌ بسطوته وشعوره الوطني معا ً ، أو بالسلم واحترام مشيئة الجمهور وإرادته ، ففي آخر هذا الديوان القشيب تطالعنا صفحات تحتوي على رسوم ومصوَّرات عاكسة لمَا انتابه في السابق من شدائد ومعضلات ، أو اضطلع به من أدوار ووجائب طوعية أو مفروضة ، ففي أسفل إحداها نجتلي سطورا ً تنبي عن تعرُّضه للحبس سنة من قبل محكمة الجزاء في الكاظمية لإدانته بتهمةٍ سياسية ، أو بالمراقبة لمدَّة سنة أخرى مع وقف التنفيذ لعدم بلوغه السن القانونية ، وطولِبَ بدفع طوائلَ وديَّاتٍ يطول شرح أسبابها ودواعيها ، ومنها الانتهاء به إلى معتقل قضاء بدرة ، وأطلق سراحه في 8 / 9 / 1958م ، أي بعد قرابة شهرين مرَّا على انبثاق ثورة 14 / تموز ، والمسافة الزمنية بين التاريخين ِ المعلومين ِ 1958م ،             و 1968م ، ليسَتْ بالطويلة في حسابات الكبار المجرِّبينَ  والممتحنينَ بالصروف والدواهي ، فكيف جازها وشغلها وقطعها وأمضاها ؟ ، ومثل ذلك ما قبلها من فترات وهو مركون في معتقله ببدرة ، ولمَّا يبلغ سنه القانونية ، فتطالعنا صورة نادرة  أخرى ، وقد اكتمل هذه المرَّة وغدا رجلا ً مؤهلا ً لمجالسة شاعر لبنان الكبير بشارة الخوري أثناء سفرته للبلدان العربية الثلاثة سورية ولبنان ومصر في العام 1968م ، ومجالسة الأخطل الصغير يُشترَط فيها من القائم بها أنْ يستوفي العناصر والمقوِّمات الأدبية ، وأنْ يحيط بأشتاتٍ من الحوادث والهزَّات والخطوب التي اكتنفتْ هذه المرابع كي يلهج بها ويستذكرها أثناء تلك المجالسة ، حتى لا يبدو عييا ً وخلوا ً من المعرفة ، وتمتاما ً أخرس لا يرُدُّ ولا يجيب ، فتنفضح بغيته من الزيارة ، أو أنـَّها لمجرَّد الزهو والتفاخر ليس إلا ، وكلُّ هذا يجعلنا نفترض أنـَّه أمضى فترة السجن متصفحا ً ودارسا ً للأسفار والدواوين ، شأن أضرابه من السجناء السياسيينَ في استنفاد أوقات فراغهم في المطالعة والجدال الفكري .

       ثمَّ إنـِّي أفاجأ باحتواء هذا الديوان لأكثر من قصيدة واحدة في مخاطبة زوجه وأم أولاده ، ممتدحا ً عفافها وشرف نفسها وحرصها على بيتها من التصدُّع  والانهدام ، فهي معنية بتربية بنيها وتنشئتهم ، منصرفة إلى تهيئة ما يبهج قلوبهم ويشرح صدورهم .

       لكن ابنة مَن هذه الزوجة البَرَّة الوفية ؟ , هي ابنة المرحوم الحافظ مهدي ، كبير قرَّاء القرآن الكريم في العراق ، والمعروف بحلاوة الصوت :

 

زَوجي الكريمة ليتنِي       كفؤٌ لِوَالدِكِ الحَـنون

وَبـِعـِطـره وبـِصَـوتِهِ       وَسَخـَائِهِ يَستبشِرُون

أو مِـن غـَزَارَةِ فِكـرهِ       وَعُـلـُومِهِ يَستلهمُون

هـُو أوحَـدُ القـُرَّاء غـَطـَّى شـَـدْوهُ كـُلَّ اللـحـُون

................

       ويمينا ً إنـِّي كلـَّما استمَعْتُ للحافظ مهدي مرتلا ً آيا ً من القران المجيد ، تعتريني مسحة من ذلك الخشوع والحزن والوجوم ، شأني مع عميد الطريقة المصرية في التلاوة المباركة والعطرة الشيخ محمد رفعَت ، كان ذلك قبل عقود وأنا أجوس شوارع الاعظمية وجاداتها ودروبها ، منصتا ً للمذياع والكلُّ واجم وخاشع أمام صوت الشيخ وتفننه في التلاوة .

 

  

 

 

مهدي شاكر العبيدي


التعليقات

الاسم: نسيبه الجيلانى أحمد
التاريخ: 30/09/2011 16:38:05
... سياحة رائعة, فوق كل أحرف الجمال
‎لايطالها المقال!‏
‏ بالأمس فقط وبصدفة رائعه تعرفت على شاعرنا الجميل
‏ حىي المكان وأهله.‏‎ ‎

الاسم: عمارية كريم
التاريخ: 27/04/2011 09:13:14
تحية تقدير للشاعر الموهوب مثنى محمد نوري
سرني التعرف على قامته الشعرية التي انفتحنا عليها بفضل الشبكة العنكبوتية
أبعث له بتحية خالصة، وأعده بدراسه لخصائص الصورة الفنية عنده، ولتيماته,;وأرجو أن يعذرني
أشكر كل من ساهم في إضاءة وتنوير هذه التحفة العراقية الأصيلة
وسلامي معطر بهوى عراق الشعر والمجد .

الاسم: مثنى محمد نوري
التاريخ: 11/04/2010 20:36:53
أخي الأعز الأستاذ مهدي شاكر العبيدي

حفظكم الله ورعاكم

أطلعت على كلمتكم القيمة على موقع ( مركز النور) ، وإني إذ أقدم لكم خالص شكري وتقديري ، أتضرع إلى الله العلي القدير أنْ يمنَّ عليكم بالصحة والعافية وطول العمر ، ليمتع الأجيال بحكمتكم ومفاهيمكم النيرة .

أخي العزيز

أود أن أوضح بعض الأمور وهي :

1- حكمتني محكمة جزاء الكاظمية بالسجن سنة ، وبالمراقبة سنة أخرى مع وقف التنفيذ ، لكوني دون السنِّ القانونية ، وبعد أنْ دفعنا الغرامة عن مدة السجن ، وبدل أنْ يطلق سراحي سقت إلى معتقل بدرة ، وهناك قضيت سنة و56 يوما ً ، من تاريخ 31 / 7 / 1955م ، لغاية : 25 / 9 / 1956م ، ومن المضحكات المبكيات أنْ أحال إلى محكمة الأحداث بعد إطلاق سراحي بنفس التهمة وأغرم مبلغا قدره 20 دينارا ً .

2ـ في نيسان من عام 1968م ، كنتُ قاصدا ً القاهرة لحضور مهرجان الشعراء الثاني الذي انعقد هناك ، مرورا ً بدمشق وبيروت ، وفي بيروت زرْتُ المرحوم بديع شبلي ، صاحب مجلة ( الورود ) ، فأخبرني بمرض الأخطل ـ رحمه الله - فرجوته أنْ يُسهِّل زيارتي له ، ومن فورنا انطلقنا صوب منزل الأخطل رحمه الله واليكم ما صار بالضبط :

كان رحمه الله يرقد في سريره فسلمْنا عليه ، وقدَّمنِي له بديع شبلي بقوله : ( أقدم لكم الشاعر العراقي مثنى محمد نوري ) ، فأجاب : ( وكان جوابه يشوبه عدم الاكتراث ) ، قال : أهلا ً وسهلا ً ، العراق كله شعراء . واسترسل بالحديث مع شبلي .

لقد انزعجْتُ كثيرا ً ، وتألمْتُ أكثر فعندما قدَّم لنا ولده جورج القهوة ، تركتُ الفنجان ولم ألمسه .. انتبه الأخطل لذلك ، وقال : ألا يسمعنا الشاعر العراقي من شعره ؟ .

فأنشدته آخر قصيد ة لي وقتها ، وهي على ما أذكر :

دَلٌ يُلاحِقُ قـَدَّك المَـمْـشـُوقا وَهَوَىً يُنازعُنِي إليكِ وَثِيقا
............

فنهض من سريره وجلس إلى جانبي بعد أنْ قبلني ، وقال : في العراق ثلاثة أنهر : دجلة والفرات والشعر .. وسألنِي عن المرحوم حافظ جميل ، والسؤال من حسن حظي ، لأني أعرف كلَّ شيءٍ عنه تقريبا ً ، وعن الوضع في العراق إلى آخره . وغادرناه وكان هذا آخر لقاء .

3- لكونكم محقق ومؤرِّخ وباحث وشيخ الأدباء ، لا بدَّ أنْ أكلمكم بصراحة قد تكون غريبة عن عالمكم ، ولمْ يسبقني أحد في ذلك .

لقد مرَّتْ في حياتي عدَّة نساء أخلدهنَّ ( ميعاد ، طيف ، شوق ومينا ) ، وهذه الأسماء مستعارة ، لقد رضعْتُ الشهد من ثغورهِنَّ ، وعشْتُ النعيم بين أحضانِهنَّ ، وللعلم بأني على اتصال دائم بهنَّ الأربعة إلى الآن .

قد أغالي في الوصف ، واسترسل بما يستوجب جمال الصورة ، ولكن صدقني بأنَّ الصدق في معظم قصائدي يشكل أكثر من 75 % ، لقد نظمتُ لطيف وحدها ديوانين ِ ( أطياف ، وأعشاش الحب ) ، ولشوق ديوان واحد بعنوان ( أشواق ) .
لمْ أكن مغاليا ً قط ، وعندي قصائد لمْ أنشرها تروي ليالي قضيتها مع أحداهنَّ بالتفصيل الممل ..

لمْ أكن مغاليا ً ، ولا أشبه المرحوم الحبوبي الذي لمْ يذق ِ الخمرة ، وما أدرانا إنْ كان ذاقها أم لا ..!! .

أجل لمْ أكنْ مغاليا ً ، ولا المحيط محافظا ً ، فخلف الستر تجد العجائب .

ختاما ً .. أكرر شكري واعتزازي بكلِّ حرفٍ كتبته عني .

والى لقاءٍ قريب بأذن الله .




أخوكم
مثنى محمد نوري





الاسم: دكتور هاشم الفريجي
التاريخ: 11/04/2010 20:03:01
للاسف جاءت الحلقات بتسلسل غير صحيح
ارجو من الادارة ترتيبها كما يلي:
هذه الحلقة الاخيرة والتي قبلها هي الاولى والتي قبلهما هي الثانيه اما الاولى بعد مقالة الاستاذ مهدي العبيدي فهي الرابعة.
***********************

مثنى شاعر الايمان
وتطولُ رحلتُنا مع أبي احمد ونحنُ محكومونِ بما قلَّ ودلَّ في استقصاء أدبه الغزير لذلكَ تراني أودُّ الوقوفَ في محطةٍ أخيرةٍ بعيدةٍ عن الحبِّ والغرامِ قريبةٍ من الأيمانِ الذي يعمرُ قلبَ شاعرِنا الكبيرِ باللهِ تعالى حيثُ يقول:
توجهْ إلى اللهِ في كلِّ حينِ
فما خابَ من رامَ يوماً رضاهُ
هو الواحدُ الفردُ مثوى الضعيفِ
ولذْ يا محبُّ إلى سدرتِه
ومن يبتغي منتهى رحمتِه
ومأوى الحيارى إلى قدرتِه

ومهما طالت لياليَ الأفراحِ ووصالِ الغواني الملاحِ فلابدَّ من ليلٍ يخيمُ على صفحاتِ الشعرِ ويبقي شاعرنا هائماً في تأملهِ الذي لا ينقطعُ أبداً ... بأحلامٍ تطوفُ دنيا الحبِّ وآهاتٍ تقطعُ صمتَ الليالي الطويل:
الليلُ خيمَ لا نايٌ ولا وترُ
ولا نديمٌ يساقيني الهوى ترفاً
ضمآنُ للحبِّ أيُّ الشعرِ ارشفُهُ
وفي العروقِ لظىً يسري فيلهبُني
يا ليلُ يا شوقُ يا أزهارُ يا شجرُ
سيشربُ الحبُ من نفسي وما حملتْ
ولا أغانٍ ولا دنيا ولا صورُ
نشوانُ في سرحةِ الأهواءِ ينتظرُ
ففي الدماءِ حنينٌ هاجني اشرُ
وبينَ جنبَّي لحنُ الحبِّ يستعرُ
يا نايُ يا عودُ يا الهامُ يا وترُ
أليكِ أنتِ الحبيبُ اليانعُ النظرُ

أما آخرُ دواوينهِ (لهب الوجدان) فانَّ مقالةَ الأستاذِ الشاعرِ الأديبِ عبد الهادي الفكيكي التي تصدرت الديوانَ كانت كافيةً لسبرِ أغوارِ الشاعرِ مثنى محمد ولذلك أرى أن انقل لك شيئا منها:
(ولعلَّ ألطفَ ما ضمهُ لهبُ الوجدان هذهِ الخطراتِ الحلوةَ من شعرِ الأسرةِ العذبِ الشفيفِ وهذا الحسَّ المرهفَ الذي فاضَ به وجدانُ الشاعرِ وشفَّت عن مشاعرهِ الإنسانيةِ النبيلةِ في شعرٍ مترعٍ بحبِ الأسرةِ التي فازت بأصدقِ وأعمقِ عواطفه) ناهيكَ عن قصائدهِ التي تتحدثُ عن معاناةِ شعبهِ وهو المجاهدُ الذي خاضَ سوحَ الجهادِ وعانى من عذاباتِ السجونِ والاعتقالِ بسببِ مواقفهِ العربيةِ الأصيلةِ وما نظمهُ من قصائدَ تخلدُ نضالَ الشعبِ العربي لنيلِ استقلالهِ وتحقيقِ وحدتهِ وبناءِ دولتهِ المنشودة.

مثنى شاعر الغزارة والابداع:

لا أبالغُ إن قلتُ ذلكَ، فبغزاةِ إنتاجهِ وتعددِ مواهبهِ واتساعِ أفقِ فكرهِ واستمرارِ إبداعهِ يجعلُنا نقفُ وقفةَ إكبارٍ وإجلالٍ أمامَ هذا الصرحِ الأدبي العربي الذي تميزَ بإسلوبهِ وفكرهِ بما خطَّهُ مدادُه من روائعَ ستذكرُها كتبُ الأدبِ بفخرٍ واعتزاز.
**********
بقي ان انوه الى ما اورده الاستاذ الفاضل مهدي العبيدي حول لقاء الشاعر مثنى محمد نوري مع الشاعر الكبير الاخطل كما رواه لي الاخ الفاضل الشاعر مثنى:

في طريقي الى القاهرة لحضور المهرجان الشعري الثاني لأتحاد الشعراء والأدباء الثاني عبر دمشق وبيروت زرت المرحوم بديع شبلي في مقر مجلته الورود فأخبرني بأن الأخطل مريض جداً فرجوته ان يسهل زيارتي له ولكونه على علاقة وطيدة بالاخطل خرجنا فوراً باتجاه بيت الاخطل .. دخلنا وكان راقدا في سريره وسلمنا عليه وقمني له بديع شبلي بقوله (أقدم لكم الشاعر العراقي مثنى .....فرد بقوله العراق كله شعراء وكان في رده هذا اشبه بعدم المبالات أو الأحترام لي ، في هذه الاثناء قدم لنا ولده جورج القهوة فركنت الفنجان جانباً ولم امسسه تنبه الاخطل لذلك وكان في حديث مع الاستاذ بديع فالتفت اليَّ وقال هل يسمعنا الشاعر العراقي بعض شعره فانشدته آخر قصيدة لي وهي

دلٌ يلاحق قدك الممشوقا وهوً ينازعني إليك وثيقا

فقام من سريره وقبل ان يجلس جنبي قبلي وراح يسألني عن العراق وأهله وعن الشاعر حافظ جميل بالذات وكنت اجيبه بطلاقة واسهاب وذكرت له بان حافظ جميل قد كتب لي رسالة نشرت في الصحف المحلية ببغداد يشيد بديواني مصرع النسر وبشعري

غادرت دار الاخطل وانا ازهو بما لقيته من تكريم منه ولو كان الله قد امد بعمره قليلا لكان له رأي واضح بي وبشعري الا انه مع الاسف لم يستطع قراءة ديوان مصرع النسر الذي اهديته له .

تحياتي لاستاذنا الفاضل مهدي العبيدي
وشاعرنا المبدع مثنى محمد نوري

دكتور هاشم الفريجي

الاسم: دكتور هاشم الفريجي
التاريخ: 10/04/2010 08:21:56
انوه في البداية الى ان هذه الحلقة الثالثة
والتي قبلها هي الاولى والتي قبلهما هي الثانية
لمرن اراد المتابعة من البداية

وأبو أحمد يفهمُ النساءَ تماماً ويشرحهنَّ بمبضعِ طبيبٍ حاذقٍ فيرى فيهنَّ ما لا يراهُ الطبيبُ .. لكونهِ يسبرُ أغوارهنَّ عبرَ حسهِ المرهفِ الذي حذقَ دربةَ الحبِّ عبرَ السنين:
أنا لا أصوغُ لكِ الرموزَ لتفهمي...
أنَّ الحبيبَ إذا سلا... ينسى بدونِ تألمِ....
هلْ تنكرينَ فمي الذي... قد كانَ أشهى مغنمِ..؟؟
تتصنعينَ الكبرياءَ ... وكنتِ طوعَ المعصمِ..!
لا تخجلي.. ودعي الترددَ..
وابسمي ... واستسلمي..!
هذه الصبابةُ في دمانا.. إن تلاشت ... تندمي..!
هذا التحليلُ لأعصابِ وهرموناتِ النساءِ التي تتحكمُ بمشاعرِهنَّ يجيدهُ أبو أحمد بطريقتهِ الخاصةِ على أجهزةِ مختبرهِ الدقيقةِ وهوَ يرحلُ في غياهبِ الأشواقِ ..
كما يعرفُ كيفَ يثيرُ القارئَ بعباراتٍ سهلةِ التلقي بعيدةِ الغور... ففي ديوانهِ (أشواق) الذي خصصهُ لفاتنتهِ (أشواق)
التي سلبت لبهُ وأشعلت عواطفَهُ يقول:
لستُ أنسى ماذا اعترانيَ لما
فالخريفُ الذي أقاسيهِ عمرٌ
وسألتُ الفؤادَ هل يتلاقى
هزَّني صوتُكِ الرخيمُ الطروبُ
ليسَ يلقى بهِ الشبابَ المشيبُ
مشرقُ الشمسِ عندهَ والغروبُ

عواطفهُ الجامحةُ نحوَ أشواقٍ لم تسلبْ من يديهِ عنانَ فرسهِ...
هو شاعرُ العواطفِ المؤطرةِ بالعقلِ والرزانةِ .. الذي يعرفُ موقعَ قدميهِ قبلَ أن تطأ ارضَ معاركِ الغرامِ بكلِّ مفاجآتها وألغامِها الدفينةِ وشباكِها المعدَّةِ للعاشقينَ بعيونِ الفاتنات ..
فالشاعرُ هنا ينقلُ لنا صورتينِ مختلفتينِ بعينيهِ وعيني الحبيبةِ عبرَ السؤالِ الموجَّهِ إلى قلبهِ : وسألتُ الفؤادَ .. وهوَ سؤالٌ موجَّهٌ إلى الجميعِ والى الحبيبةِ أولا.. يضربُ فيه بسهمهِ في عصبِ الحياةِ وسرٍ من أسرارها..
ذلكَ هوَ الشابُ الذي لابدَّ أن يفنى ويزولَ .. والشيبُ الذي يرمي بمراسيهِ العميقةِ الثابتةِ في خلجانِ الحياة.. فيمثلُ الشبابَ بمشرقِ الشمسِ البديع .. والمشيبَ بمغربها الكئيبِ .. ذلكَ الشيخُ الذي أرهقتهُ السنونُ وتقوَّسَ ظهرهُ بما حملَ من هموم .. ثم يجيبُ عن سؤالِه:
قالَ ما العمرُ بالسنينِ ولكنْ
بانسجامٍ تدعو إليهِ القلوبُ

فحقيقةُ العمرِ عندَ شاعرنا لا تعدُّ بالسنين .. فهوَ ينظرُ بعينِ اليقينِ عبَر زجاجٍ شفافِ يمسحُ عنهَ غبارَ الزمنِ ليعودَ غضاً نظراً بروحهِ وعنفوانهِ .. وانفعالاتهِ ...التي لا تعترفُ بعددِ السنين.. انهُ النضوجً الذي لا يكتملُ إلا بعدَ الخبرةِ والتجربةِ والصبر.. انهُ الهلالُ الذي يصبحُ بدراً .. والثمرُ الذي لا ينضجُ إلا بعدَ حين .. ويفلسفُهُ لنا بأبياتٍ قليلة ِالكلماتِ كبيرةِ المعاني:
الحبُ دينُ إذا صانتهُ أنفسُنا
فهوً الجمالُ الذي يزدادُ رونقهُ
لقد كَبُرنا كما تنمو الثمارُ معا
ولم تزعزعْهُ أوهامٌ ولا هَجَرُ
يوما فيوما كما يستكمل القَمَرُ
وليسَ ينضجُ حتى يكبرَ الثمرُ

وعندما يحدثُ الحبيبَ بعباراتهِ الرقيقةِ فانهُ يعرفُ مكامنَ الضعفِ في قلوبِ النساءِ اللواتي يردنَ منهُ أن يستجديَ الحبَّ والعطفَ أمامَ زهوِ المرأةِ ودلها وعنفوانِ شبابها الذي لا يلبثُ أن يتلاشى بين كلماتِ حبٍ صادقٍ وايماءاتِ جمالٍ وسحرِ عيونٍ كما يفعلُ ابو احمد:
لسحرِ عينيكِ ما ألقى منَ الألمِ
واسكريني بعطرٍ ضاعَ من شفةٍ
للهِ أيُّ جمالٍ هلَّ يمنحني
يا حلوةَ الوعدِ ديمي بهجةَ الحلمِ
شهّاءَ عاطرةٍ تنثالُ بالنغمِ
دفءَ الحنينِ ويجلو لوعةَ السأمِ

وهوَ لا يستسلمُ أمامَ عنادِ النساءِ وصدودهنَّ ما دامَ يعرفُ أنَّ الطريقَ لا بدَّ أن يفتحَ يوماً تحتَ طرقاتِ مشاعرِ الحبيبِ وتوسلاته:
سدي المناهلَ والسواقي
يا طيفُ حسبي من عذا
كالنارِ منسكبٌ على شفتي
أواهُ لو منَّ الزما
لسرحتُ في أفاقِ فجر
لا تسأليني ما ألاقي
بَاتِ الهوى دَمعُ المآقي
يَّ من فَرطِ اشتياقي
نُ بجمعِ شملٍ واتفاقِ
مُقمرٍ لا في محاق


فعذاباتهُ ودموعهُ هيَ نفسها التي عانى منها الشعراءُ والعشاقُ قبلهُ والتي سيعاني منها العشاقُ بعدهُ أيضاً .. ولكنهُ يرسمُ لنا صورةً مختلفةً عندما يقولُ : لسرحتُ في آفاقِ فجرٍ مقمرٍ لا في محاقِ ..فوصالُ الحبيبِ لا ينيرُ ليلهُ المظلمَ فحسب بل يعيدُ إليهِ شبابهُ وقوتهُ كأنما يخلقهُ من جديد ..تماماً مثلما يشرقُ الفجرُ الذي تتلاشى عنهُ أسرابُ الظلام.
وفي ديوانهِ حكايةُ عمرٍ يحكي لنا الشاعرُ عن أهمِّ محطاتِ عمرهِ التي كانَ لها اثرٌ بالغٌ في رسمِ معالمِ طريقهِ الطويل .. ديوانٌ يبدأهُ بأولِ مشاويرِ حياتهِ ..
وهوَ لقاؤهُ بأمِّ احمد:
حبِّي يظلُ لامِّ احمد
هلْ في النساءِ مليكةٌ
يا ربِّ أيَّ كريمةٍ
أبداً سيبقى حبُّنا
لم يصغْ لنساءِ
لبستْ أهابَ سماءِ
أطلقتَ من حواء
يسمو على الأهواء

ورغمَ هذا الإخلاصِ والتفاني فانَّ لواعجَ الحبِّ والتطلعِ إلى وجوهِ الفاتناتِ لم ينقطعْ عنهُ ولمْ يغبْ لحظةً عن عينيهِ حتى ليخيلُ أليكَ انهُ لا يزالُ طفلاً عابثاً في رياضِ العشقِ والغرام:
أشفقْ على الغارقِ في سهرهِ
يا شوقُ مضناكِ يعاني الجوى
أغفو على نحركِ في نشوةٍ
يا طرفها المسرفَ في صدهِ
قدْ اوهنَ الهجرانُ من رشدهِ
كغفوةِ الطفلِ على مهده

وفي أعشاشِ الحبِّ لا تفارقهُ صورةُ الطفلِ الغريرِ في دروبِ الهيام:
يهيمُ في الحبِّ صباً
فعادَ طفلاً غريراً
معانقاً أسراره
لا يستكينُ عثاره

ثمَّ يصرخُ بغضبٍ ويثورُ كطفلٍ ابعدَ عن مهدهِ وحضنِ أمهِ حينَ تبتعدُ عنهُ الفاتناتُ فينتفضُ قائلا:
قلبي تُقطعهُ الأسنّة
أينَ اللواتي تَستريحُ
فأروحُ في دنيا الهوى
مِزقاً ويصرخُ أينَ هنَّ
صبابتي في وصلِهنَّ
أشكو تهاويمي لهنَّ

له تكملة ان شاء الله

الاسم: دكتور هاشم الفريجي
التاريخ: 09/04/2010 11:05:28

ولا يغيبُ عن ذهنِ الشاعرِ أن ينقلَ لنا تجربتَهُ في فلسفةِ الحياةِ وقسوتِها وهوَ في شدةِ حزنهِ وذهولهِ بعظيمِ مأساته .. فهوَ مسلحٌ بالأيمانِ وقبولِ القدرِ الذي كتبهُ اللهُ علينا .. كعبادٍ مؤمنين ..
ولكنْ ... لابدَّ من عتابٍ مرٍ معَ ذلكَ الزمنِ الذي ننسبُ لهُ ونلومهُ على كلِ ما يحلُّ بنا من مصائبَ ونكباتٍ .. فتراهُ يعاتبُ الدهرَ قائلا:

كلَّ يومِ لنا شهيدٌ جديدُ
يستثيرُ الشجى بنا ويعيدُ

إيهِ يا دهرُ كم تطيلُ أسانا
فلكَ الغدرُ ديدنٌ لا يحيدُ

أنتَ خلفتنا نداري شجوناً
ليسَ يقوى لحملِها أي قلبِ

أيُّ شيءٍ تُرى جنينا لنلقى
مثلَ هذي الآلامِ في كلِّ دربِ

وللدلالةِ على طولِ نفسهِ في نظمِ دواوينَ كاملةٍ لقضيةٍ واحدةٍ اذكرُ لكَ بالأرقامِ قصائدهُ التي نضمها في دواوينهِ ذاتِ (الموضوع الواحد)
ففي مصرعِ النسرِ نظمَ ثلاثاً وعشرينَ قصيدةً لرثاءِ شقيقهِ الشهيد. وفي ديوانهِ عينانِ من الغيبِ ستٌ وستونَ قصيدةً خصصها لرفيقةِ عمرهِ أم أحمد. وفي ديوان (ثمالة العمر) ستُ وسبعونَ قصيدةً تتحدثُ عن مواقفَ خاصةٍ في حياته. وفي أعشاشِ الحبِّ اربعٌ واربعونَ قصيدةً خصصها ل (طيف). وكذلكَ فعلَ في ديوانهِ (حكاية عمر) الذي اهدى قصائدَه لزوجتهِ أم أحمد. ....
وووو
شاعر الحر الملتزم:

ورغمَ أنَّ شاعرنا ينتمي إلى جيلِ الخمسيناتِ منَ القرنِ الماضي اذ نشرَ أولى قصائدهِ عامَ 1956 في مجلةِ الدنيا السوريةِ حيثُ عاصرَ روادَ الشعرِ الحديثِ ونظمَ على منوالهِ إلا انهُ بقيَ مخلصاً لعمودِ الشعرِ العربيِ سائراً على خطى شعراءهِ الكبارِ لإيمانهِ بانَّ القصيدةَ العموديةَ هيَ أساسٌ لا بدَّ أن يُحكمهُ الشاعرُ قبلَ انطلاقهِ إلى فنونِ الشعرِ الأخرى.
وربما اعتبرَ بعضَ قصائدِ الشعرِ الحرِ مؤامرةً لإسقاطِ هيبةِ القصيدةِ العموديةِ الرائعةِ وعجزاً عن الوصولِ إلى قممِ الشعرِ التي تتمثلُ بعمودِ الشعرِ الرفيع.
لذلكَ نظمَ قصائدَ الشعرِ الحرِّ بطعمِ الشعرِ العمودي وبعروضِ الخليلِ ولم يهرب منهما كما فعلَ معظمُ اقرانهُ الذينَ اسرفوا في الهبوطِ بمستوى القصائدِ الى الحضيضِ بعباراتٍ سوقيةِ ومفرداتٍ فضفاضةٍ تقبلُ كلَّ تفسيرٍ وتاويل ..
ففي ديوانهِ (هينماتُ الرؤى) الذي خصصهُ لشعرهِ الحرَّ والذي ضمَّ اكثرَ من اثنتي عشرةَ قصيدةً عن مواضيعَ مختلفةٍ تلتزمُ كلُّها (بحرا) معيناً مثلَ قصائدهِ العموديةِ ولكن بقوافٍ متعددةٍ .. انها مثالٌ آخرُ على تفردهِ بالاسلوب .. وكأنهُ يقولُ لماذا ننظم (حرا) .. تعالوا نقتدي بشعراءِ الاندلسِ الكبارِ الذينَ نظموا احلى القصائدَ موشحاتٍ تلهبُ المشاعرَ وتأسرُ القلوبَ وتشنفُ الآذان..
ففي قصيدة (أنا عربي) يؤكدُ ما قلتُهُ لكَ في السطورِ السابقةِ ويصرُّ على تمسكهِ بعروبتهِ وعروبةِ شعرهِ فها هو يقول:
أنا عربي.. ولي مجدٌ .. يطاولُ ذروةَ الشهبِ..
من الصيدِ الأُلى ركعتْ.. جباهُ الفتيةِ النجبِ ..
لهم .. لحلومِهم خشعَت..
جباهُ الناسِ في الغضبِ..
انا عربي..
سليلُ المجدِ والفخرِ الذي يرقى الى الحقبِ..
لنا اشراقةُ الالهامِ في تاريخِ دنيانا..
وكم في النصرِ راياتٌ لنا خفاقةُ البندِ ...تضمُّ الفخرَ الوانا..
انا عربي..ورثتُ العزةَ القعساءَ .. من (بدرٍ) ومن (احدٍ)
ولي شرفٌ كريمُ الاصلِ والحسبِ..

فرغمَ تعددِ قوافيهِ الا انهُ يرجعكَ دوماً الى صدرِ ابياتهِ وقافيتها الاولى تماماً مثلما يفعلُ شعراءُ الموشحات..
فيجعلُكَ مستمراً متواصلاً مع القصيدةِ كبناءٍ واحدٍ تسري أبياتُه وفقَ لحنٍ متعددٍ وقوافٍ مختلفةٍ .. ولكن ضمنَ وحدةِ الوزنِ والقافية..


مثنى شاعر المرأة:

وإذا كانَ نزارُ قباني يعتبرُ شاعرَ المرأةِ في عالمنا العربي بلا منازع فانَّ الشاعرَ مثنى محمد نوري هوَ شاعرُ المرأةِ بامتيازٍ عراقيٍ وعربيٍ .
فالذي يطالعُ ما نظمهُ في المرأةِ من أشعارَ خصصَ لها دواوينَ كاملةً كعادته تتحدثُ عن الحبِّ بشكلٍ يشرحُ فيه مشاعرَ النساء وأحاسيسهنَّ وطرقِ الوصولِ إلى قلوبهنَّ وما يثيرهنَّ عندَ الرجالِ وكيفَ يرينَ الحياةَ .. ليسَ من جانبِ العاطفةِ والأغراء, لا بل من الجوانبِ الإنسانيةِ المتمثلةِ ببناءِ الحياةِ والعائلةِ وما تمثلهُ المرأةُ .. ذلكَ الكيانُ الرقيقُ المرهفُ من أساسٍ لبناءِ المجتمعِ بعوائلهِ المتماسكةِ التي يرتبطُ أعضاؤها بالحبِّ وتسودُ بينهم معاني التضحيةِ والإيثار.. فيقولُ في إحدى قصائده:
يا ربُ أيَّ كريمةٍ أطلقتَ من حواء
نزهتها بالدينِ من كذبٍ وقولِ رياء
وجعلتها في الأرضِ روحاً من سناً ونقاء
فكأنها لم تبتدعْ من طينةٍ أو ماء
صدقٌ وإخلاصٌ سجيتها ودفقُ سخاء
وحنانها في الأقربينَ يفوحُ كالأشذاء
ترعاهمُ أبداً بفيضِ محبةٍ ووفاء
وتخصهمْ بأعزِّ ما ملكتْ منَ الأشياء
فتدفقتْ حسناتها حتى على الغرباء

هذه هيَ المرأةُ الحقيقيةُ التي يراها مثنى المخلصةُ النقيةُ الجادةُ المضحيةُ ...

شاعرُنا الذي يذوبُ كجبلِ جليدٍ في لهيبِ أشواقِ الفاتناتِ .. لا ينسى المعانيَ الإنسانيةَ .. وهذا هوَ الحبُ الحقيقيُ الخالدُ فالمرأةُ عندهُ هيَ تلكَ التي تلهمهُ القصائدَ وترفعهُ فوقَ سماءِ المجدِ وتدفعهُ لسموِ المعاني الخالدات..ولكن عبرَ قبلاتٍ حارةٍ .. وتنهداتٍ عميقةٍ فيقول:

أشفاهُ الوردِ لاحت أم رؤى
عبقرياتٌ كالحانِ الخلود

حُلوتي أنتِ لعينيكِ الهوى
يَتسامى أنتِ عنوانُ النشيد

قرِّبي مني فَماً منطلقا
مِن فنونِ الحبِّ يشتاقُ المزيد

أنا أهواكِ غماماً عابراً
يَنقلُ الروحَ إلى أفقٍ بعيد

ونشيداً سامراً ألقى به
روعةَ اللإهامِ من بعدِ الهمود

وأبو أحمد يفهمُ النساءَ تماماً ويشرحهنَّ بمبضعِ طبيبٍ حاذقٍ فيرى فيهنَّ ما لا يراهُ الطبيبُ .. لكونهِ يسبرُ أغوارهنَّ عبرَ حسهِ المرهفِ الذي حذقَ دربةَ الحبِّ عبرَ السنين:
له تكملة

الاسم: دكتور هاشم الفريجي
التاريخ: 09/04/2010 10:58:48
بسم الله الرحمن الرحيم

تحدث استاذنا الفاضل مهدي العبيدي عن ديوان لهب الوجدان ودواوين أخرى للشاعر مثنى محمد نوري.

وقال في بدايته:

(يهمُّنا أنْ نقف على تحليقه الفني وسموِّه الإبداعي في صياغة ولو بضع قصائد تحتوي عليها دواوينه جميعا ً ، لا سِيَّما التي رأتِ النور مؤخرا)

وكان بودي ان أقرأ مقتطفات منها... خصوصا تلك التي اعجب بها استاذنا الفاضل لنقف فيها على صور الابداع المقصودة..

هذا ليس من باب التشكيك بابداع الشاعر مثنى لا بل من باب الاطلاع على ما اعجب به الاستاذ الفاضل العبيدي.

كما ان عبارة (بعض قصائد) قد توحي بان الشاعر لا يملك في كل دواوينه التسعة السابقة وديوانه الاخير الا ثلاث قصائد او اقل منا ابدع فيها فقط...

او ان الاستاذ العبيدي قصد ان لا يناقش او يتطرق الا الى تلك القصائد من ضمن قصائد كثيرة تمثل ابداع الشاعر مثنى

الا ان اشادة الاستاذ العبيدي تجعلني ارشح ا لاعتقاد الثاني لثنائه واعجابه بالشاعر...

واذا سمح لي استاذي الفاضل العبيدي ان اطرح رأيي بين يديه وبين أيادي القراء الكرام باعتباري قارئا ومعجبا بالشاعر مثنى خصوصا انه كان لي شرف نشر قصيدتي في بداية ديوانه (كمقدمة) تتناول شعره وابداعه وكانت بعنوان (بديوانك) والتي لابد ان اطلع عليها الاستاذ العبيدي الفاضل... فساقول:
ان الشاعر مثنى لديه الكثير من الابداع في دواوينه كلها وكأي شاعر يتفاوت ابداعه في قصائده بحيث يترك مجال الابداع خاضعا لرؤية القارئ والناقد على حد سواء..

وقد لا نتفق على شيء معين ونتفق جميعا على كثرة قصائده التي ابدع فيها اعتمادا على رؤآنا الخاصة..


في قراءتيِ السريعةِ لدواوينِ الشاعرِ مثنى محمد نوري وقبلَ تسليطِ الضوءِ على مختاراتٍ منها لابدَّ من المرورِ على ما لا نقرأهُ في قصائده.ِ
فالشاعرُ ينظمُ بقلمٍ مدادهُ مشاعرهُ وأحاسيسهُ وأخلاقهُ وباختصارٍ فلسفتهُ للحياةِ كما يراها وينقلُها إلى قراءهِ ومهما أبحرنَا في تلكَ القصائدِ فأنها لا تكشفُ بوضوحٍ عن شخصيةِ الشاعرِ كما تفعلُ المعايشةُ اليوميةُ معهُ.
فعبرِ صداقتي الطويلةِ لآبي احمدَ وجدتُ فيهِ ذلكَ الإنسانَ الجادَ الذي يخططُ لغدهِ ويبتسمٍ ليومهِ ويذكرُ أمسهِ بفخرٍ واعتزاز فهوَ يرى أنَّ الإنسانَ بناءٌ شامخٌ من ماضيهِ وحاضرهِ ومستقبله..
مثنى ذلكَ الإنسانُ المرهفُ الحسِّ والذي لا زالَ يزدادُ رقةً في عواطفهِ وشعرهِ وقوةً في خطواتهِ الواثقةِ عبرَ حبهِ لأصدقائهِ وعائلتهِ ووطنهِ الذينَ نظمَ لهم أحلى قصائده ...
لقد كانَ ولا يزالُ واضحاً لأصدقائهِ دونَ تزويقٍ .. تماماً مثلَ قصائدهِ مُباشراً حيناً وصورةً في خيالِ شاعرٍ مرةً أخرى .. فكانَ حبهُ الأولُ لتلكَ العائلةِ التي منَّ اللهُ بها عليهِ حتى أنهُ خلَّدها شعراً فلمْ يترك مُناسبةً تمرُ إلا وأعطاها ما تَستحقُ من بَوحهِ ومشاعرهِ الصادقة..ِ فَكتبَ عَشراتِ القَصائدِ لكلِّ شخصٍ فيها ... زَوجتهُ حبهُ الأولُ وأبنائهُ .. ثمَّ أحفادهُ .. واحداً تلو الآخر ...
شيءٌ ربما لن تجدهُ عندَ شاعرٍ عربيٍ قبلهُ .. شيءٌ يعني التضحيةَ والإيثارَ .. لأنهُ ورغمَ ضخامةِ نظمهِ وكثرةِ دواوينهِ .. لم يكتبْ قصيدةً واحدةً لنفسه..!!

ورغمَ هُيامهِ الطويلِ وتنقلهِ كعصفورِ حبٍ بينَ خمائلِ الوجدِ والغرامِ وهوَ يعددُ حبيباتهِ مثلَ ورودٍ تتناثرُ في حدائقِ حبهِ وزنابقِ أنهاره.. إلا انهُ بقيَ مخلصاً لحبهِ الأولِ أمِ احمدَ شريكةِ حياتهِ التي ربما يُغيضُها أحياناً بما يَنظمهُ من قصائدَ حبٍ ووصفٍ للفاتناتِ ،كما تفعلُ أيُ امرأةٍ ..، لكنها بعد فورةِ غضبها تعودُ لأبي احمدَ كما عَرفتهُ وفياً صادقاً يقولُ ما لا يفعلُ كغيرهِ منَ الشعراء..

مثنى محمد نوري تثيرهُ المفرداتُ فما أن يَسمعَ بكلمةٍ شاعريةٍ أو يرى موقفاً عاطفياً حتى يلجأ إلى أوراقهِ ومدادهِ لينظمَ قصيدةً معبرة عما يجيشُ في مكامنهِ الدفينةِ حولها ...
شاعرٌ لم يتوقفْ عطاؤهُ يوماً عبرَ عمرهِ المديدِ منذُ أن نظمَ أولى قصائدهِ وهو في عمرِ الورودِ ..16 عشرَ عاما..

مثنى شاعر القضية الكاملة
وما يميزُ شاعرنا عن غيرهِ من شعراءِ العربيةِ السابقينَ واللاحقينَ انهُ يخصصُ ديواناً كاملاً بعشراتِ القصائدِ لقضيةٍ واحدةٍ ... يقلبُ فيها طرفهُ ويصفها من جميعِ زواياها التي لا يراها غيرهُ .. فلا يتركُ شاردةً ولا واردةِّ دونَ أن يسلطَ عليها أضواءَه...

إنها جزءٌ من فهمهِ للحياة، فلسفةُ الإخلاصِ للقضيةِ، والذوبانِ فيها حتى النهايةِ ... يوحدها ولا يشركُ بها شيئاً .. لذلكَ ترى قصائدهُ تزخرُ بصورِ التوحيدِ الصادقِ بأشكالٍ مختلفةٍ تجعلكَ تتابعُ قصائدَ ديوانٍ يتحدثُ عن موضوعٍ واحدٍ وكأنه نظمُ من قبلِ عددٍ منَ الشعراء..فلكلِ قصيدةٍ طعمُها ولونُها المختلف..

باعٌ طويلٌ ونفسٌ لا ينقطعُ رغمَ طولِ الطريقِ ولهاثِ التعبِ المضني .. لصيدِ المعاني البكرِ وصياغةِ عقودِ جواهرٍ مؤطرةٍ بفلسفةِ الحياةِ كما يراها الشاعر.

ففي أولِ ديوانٍ أصدرهُ عامَ 1967 بعنوانِ مصرعِ النسرِ خَصَّصَهُ كاملاً لرثاءِ شقيقهِ الشهيدِ الذي صَدمهُ فُقدانهُ وهوَ في رَيعانِ الشباب... فتراهُ يقول:

أناجي رَسمكَ الثاوي حيالي
وَألثمُ طيفَ عِطركَ في الرحالِ
وقبركَ أيُّ معنىً قدْ حواهُ
وأيُ رجولةٍ بينَ الرجالِ
لقدْ بُحَّ النداءُ فلا مجيبٌ
واتعبُ مُهجتي طولُ السؤالِ
أجبني إنني مُضنىً أراني
بأشلائي أدبُ إلى الزوالِ
وهذي أدمعي تجري غزاراً
أخيَّ على خدوديَ باشتعالِ


أبياتٌ لو سمعتها الخنساءُ لما توقفَ نوحُها ولتمنتها لأخيها صخر.. أبياتٌ تُبكي الرجالَ قبلَ النساء .. الرجالَ الذينَ فقدوا أشقاءَهم وهم في عمرِ الورود...
ولا يغيبُ عن ذهنِ الشاعرِ أن ينقلَ لنا تجربتَهُ في فلسفةِ الحياةِ وقسوتِها وهوَ في شدةِ حزنهِ وذهولهِ بعظيمِ مأساته .. فهوَ مسلحٌ بالأيمانِ وقبولِ القدرِ الذي كتبهُ اللهُ علينا .. كعبادٍ مؤمنين ..

له تكملة...




5000