.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ملف..تداعيات التنوع الإبداعي العراقي في مواطن الغربة / الجزء الثالث - الشاعر يحيى السماوي

جعفر كمال

ملف..

تداعيات التنوع الإبداعي العراقي في مواطن الغربة 

 الجزء الثالث 

 الشاعر يحيى السماوي

 

 

 

نتناول الشاعر يحيى السماوي

 

في الجزءيين السابقين من هذه الدراسة تناولت الشاعرين المغتربين: الشاعر سعدي يوسف، والشاعر عبد الكريم كاصد. ولي في هذا الجزء أمل أن أتناول الشاعر يحيى السماوي، فهو شاعر رفد الأدب العربي بميزة شعرية مختلفة في قيمتها وخاصيتها الفنية، تكمن في طريقة تناولها الموضوع، وتوظيفه، وتنميته، ورفد النص بالمهارات البيانية واللغوية، المختصرة في حدودية صياغة معانيها وحضورها، المستمد من تربة خصبة، أمتاز بها الأدب العراقي بقدمه الشمولي، سواء أكان في داخل الوطن، أو مع أولئك الأدباء الذين عاشوا في المنفى، وطرقوا أبواب التجديد، والمغايرة، متجاوزين الأسلوب التقليدي العقلاني، باتجاه تحسين أدوات صاخبة، وصيغ مثيرة تستفز القارئ، وتحثه على ما يغضبه ويرضيه، عبر تحديد الملتبس في الحكمة الشعرية المملة، وتوضيح الغامض في المبنى اللغوي القاموسي المعقد، وبسط لغة سلسة القرار، سهلة الجواب، مفتوحة التجليات بمحاسنها ال إيقاعية والتصويرية، وعلى أرض هذه الساحة الخصبة الرائدة في بناء الشعر الحديث برز المئات من الشعراء وخاصة في وسط العراق وجنوبه، وممن لم أتطرق إلى أسمائهم في دراساتي السابقة هم الشعراء: مخلص خليل، شاكر لعيبي، مشرق الغانم، هاتف الجنابي، جليل حيدر، آدم حاتم،  أمير الدراجي، عبد الباقي فرج، غيلان، وآخرون.

وهؤلاء الشعراء امتلكوا طاقة مستفيضة، أكثر عصبية أو فضولاً، امتلكوا فيها شيئاً فريداً هو الشعر، غطت قصائدهم كبرى الصحف العربية، فقد كانت تلك الصحافة هي المتنفس الأول والأخير لتسليط النور على تلك الأعمال العظيمة، ومن خلالها فقد أثاروا النشاط والحيوية في الفعاليات الأديبة في كل مرافق الساحة العربية الأدبية. 

 

في هذا الجزء الثالث من دراستي وجدتني أسلط الضوء على قامة شعرية هيفاء، وقفت بأدبها ضد بشاعة النظام الدكتاتوري المندثر تحت مزبلة التاريخ، فقد عالج الكثير من الأوجاع التي ألمت بشعبه بتأثير ذلك النظام، فكانت قصيدته السياسية المتمردة، دليلا ناضجاً شكلت شعارا إنسانياً، لمع صداه في الذات الوطنية العراقية، مما ميز هذا اللون شاعره بإجادته للقصيدة الثورية الهادئة، وعَلتْ من مصاف الأدب العربي أمام بقية الآداب الإنسانية، المقرونة بالإخلاص للهدف والثقة بمقدرته الفردية، وقابليته في التأثير عبر بوتقة أساسيات فنه وصنعته، ومن أجل هذه المعايير وجدناه محافظاً كخلفٍ على المنتج الشعري للسلف، شعراء الجاهلية بالذات. هذا لأنه لم يتحرر كليا من القصيدة العمودية، إنما بقيّ متماشيا مع بنائها اللغوي والفني بمحورية الوزن المتوازي أي اتفاق الإعجاز بفواصله البلاغية ، مطعماً إياه بمحسنات لفظية أدت إلى قبولها، مث له مثل الشعراء أصحاب القصيدة الحارة بخطابها اللغوي، وحماسة معانيها الهادرة، ذات الإحساس المرهف الرقيق والمفردة المفعمة بالشاعرية الهادئة.

سأحاول جاهداً أن أنظم بحثي هذا، وهو أن أتوصل إلى جدولة نصوص الشاعر يحيى السماوي معتمدا على منشوراته في الصحافة الالكترونية، لأنه لا يوجد في مكتبتي من دواوينه، التي بينها لنا وأشار إليها موقع "المثقف" الالكتروني مشكوراً.

من خلال قراءتي المتواصلة لكل منشورات الشاعر السماوي، التي كانت تقودني إلى حسن معيارها، لما تكتنز من روعةِ أسلوبها، ورشاقة بنائها، ومكابداتها الصوفية المشبعة بموسيقاها، يمدها إيقاع مركز واضحٌ بحضوره وملامحه، بالمصاهرة بين ما هو مشهدي تراجيدي بمكانه وزمانه وناسه، كقصائده الكلاسيكية: " قلبي كصحراء السماوة صبره / وأضيئيني / وبدٌ على بدد / وشجن عراقي / ومهاتفة من امرأة مجهولة" وغيرها. وبين ما هو حسي ذو نفحة عذبة تطوف بتناغم سلس لا يفلت منه نظام الحبكة الفنية كالأجناس الشعرية الحداثية. مثل: حبلٌ من الآهات / أعيديني إلى جنتك / قصيدتان: أ: أذلني حبي. ب: الاختيار. هذه القصائد صاغها شاعر، مازال نصفه شاعر جاهلي، ونصفه الآخر حضاري مجدد لبنى ونظم الشعر العربي عامة، ولكي نستوضح هذه النقطة نقول أن الشاعر السماوي مازال مخلصاً للقصيدة العمودية الجاهلية، الخالية نوعا من المُسَيّسْ ال إسلامي الشعري، الذي برز عند مجيء الدعوة الإسلامية، فبدأ المديح يأخذ أشكالا منبوذة، لا تمت للممدوح بصلة، كلها كذب ورياء وغايتها الحفاظ على حياة الشاعر، وفي الوقت ذاته حصول الشاعر آنذاك على بعض المال، لذلك قلت أن شعر يحيى السماوي العمودي يمتد إلى زمن الجاهلية، وهو زمن الكرم وعزة النفس والشجاعة والتضحية والإيثار، ولكن بعد مجيء الإسلام أصبحت السلطة كلها بيد "الخليفة" لا بيد رئيس العشيرة التي إذا ما ظهر فيها شاعر تفتخر وتمتاز به فتحميه دون أن تطلب منه مديحاً لشيخها، لأن المديح للجميع، أي للعشيرة وما تمتاز به من بطولات ومعارف وكرم، وهذا جانب مهم جدا أن يشرك الشاعر الناس في منظومته الشعرية.

ثلاثة أيام عزلتُ شخصي عن الناس تماماً، قرأت فيها كل ما لاح لي من مطرزات شعرية، ومبتكرات فنية فيها كثير من المغامرة والإغواء، وتعدد معاشراته الأدبية، شعر خصب الخيال لا يخلو البتة من الحساسية المفرطة، ألوان متعددة مرهفة مولعة بالشكوى في كل أحايينها، مع أني وجدت في بعض النصوص عسراً دفعني لأن أعيد قراءة النص مرتين وأكثر، ولكن في العسر يسر كما يقولون. وهذا ما أحرص عليه دائما أن أعيدَ القراءة أكثر من مرة. وخاصة في تلك القصائد التي تحكمها القافية بمبرر صعب. مثل قصيدة "سيدة النساء" حيث يلزمنا الشاعر بقراءة يصعب علينا أن نتركها على النصف، ولكن يجب أن لا نعذر الشاعر، لأنه من الشعراء  المجيدين للغة حققت لنصوصها مباني أدت إلى نفع أمتاز بجديته، وخاصة في الوزن المتوازي، ولكن ما جاء في هذه المغامرة الشعرية فهو دليل صعب ومحيّر، نقرأ:< /SPAN>

 

سيدة النساء

  

سيدةُ النساءِ .. مثل الزمان

صبابتي تكبر في كل آن

  

الحب نهر البدء والمنتهى

أمثله ينقذنا من هوان

  

ما دمت في قلبي وفي مقلتي

ما حاجتي للتاج والصولجان

  

كل صباح ولنا مولد

وكل ليل ولنا مهرجان

 

هذه المعالجات الذكية أسبغت على عامة النصوص صيغاً مبالغاً فيها عاطفياً، لا فنياً، خاصة في إيقاع ألفاظه المسكونة بهاجس الوفاء للغة السلف، والابتعاد عن طرق مجايلات التجديد والمغايرة، مما جعل لغته القاموسية تسترخي بحالاتها الشعورية بلغة إدهاشيّة، فأوحى إلى القارئ أن مجازاته اللغوية تنعش إرهاصات المضمون بلغة ذات معالم مميزة، وبتقديري: القارئ لا يتحمل مرامي أسرار البلاغة المبالغ فيها.

وتظل القوافي تتزاحم مثل: اللسان، العنفوان، لا طعان ، والمقلتان ، الأقحوان ، الأذان ، كالجمان. وهكذا تستمر هذه العصيْ تجلد السمع، وتقيد المعاني، وتخنق إرهاصاتها التي من المفترض أن تنشر تجليات هذا النص المبني بناءً حسناً على سمع القارئ، خاصة وأن الشاعر طرق أبواب كل الأجناس الشعرية الفصيحة، ابتداء من العمودي وانتهاء بالمقاربة النثرية. ولكن الانغماس في حالات الوجد تجعل الشاعر يمضي بأسلوبه دون الالتفات إلى البحث التقني عن الألفاظ المناسبة والمفيدة بآن، للأخذ بالشعر إلى دلالاته المعبرة عن الإفاضة والمعالجة، وسهولة التوصيل للآخر.

في كثير من الأحايين يمضي الشاعر باقتناص المشهد على علله، دون النظر والبحث في المكون المكشوف عن أدوات لها القدرة على إظهار صوت الكلمة كمجسم تصويري، وحال الشاعر يتحسس ذاته في صناعة المهارة الشعرية بمظاهرها، راكناً التشذيب والتقنية خلف النص، دون الوقوف طويلا أمام البناء بشكل عام، ربما الإشكالية هنا تكمن في مشروعية المزيج الفني الذي يفترضه الشاعر.  

 ولهذا كان بإمكان الشاعر أن يتخلص من سوط القافية المهلكة. وينجو بنص مثالي خفيف الظل، خاصة وأن لغة يحيى السماوي فيها ما يسر النفس من فصاحة، وتهذيب بلاغي مصفى بأناقته وحكمته، كون الشعر المعاصر الذي أعتاد عليه القارئ اليوم، هو مركب دلالي صوتي، لا مركب قوافي قد تصيب المعنى جودة، وقد تفسده. أي أن الكلمات لم تعد فقط مؤديات للمعنى وحسب، إنما أصبحت الكلمة الشعرية معزوفة تعزف على أوتار روحية خاصة.

اعتمدت قصائد السماوي نوعاً من العفوية بكلا الاتجاهين الكلاسيكي، والشعر الحديث، كقصائد: التفعيلة، والحرة، ومتقابلات قصيدة النثر، وكأن حال هذه العفوية، تحاول أن تسترد بعض براءة مفقودة، على الأرجح هي عاطفية، أو حتى سياسية. أما الذكاء الحاصل في نصوصه فهو السعي إلى إخفاء الجانب النفسي، وإبعاد المؤثرات الاجتماعية الشخصية منها على علانيته الهادئة، وهذا بحد ذاته يشكل عنصراً مشجعاً في السعي إلى إحكام مفاتيح تقنيات الذات أن تشرك المجهول بحوارها، من فضاءها الخاص. وهنا نقرأ:

  

عندي صفحاتٌ كثيرة من الأحلام

بين حنجرتي وقيثارتك: أسوار من الصمت

إذا كنت مقيداً بسلسلةٍ من جبال الخريف؟

 

هذه المعالجات النفسية العاطفية تبرز إلى العلن لتفضي إلى ما آل إليه الزمن، فأوحى إلى الذاكرة التي هي بالأساس خصبة ومتحفزة للالتقاط والتفاعل، فبقيّ مخزونا في الذهني الباطني الذي يكاد أن يفجر المشاعر، إذ تجده يتناغم مع هاجسه العاطفي بإثارة عفويه، تؤلبه الشاعرية الحزينة كمجسات كهرومغناطيسية تسري بين ثنايا المعاني المستترة، والحاصل إن الشاعر بحال انسجام دائم الدهشة العائمة، ولذا تجده تارة يدافع عن الذات المتألمة متمنياً إصلاح الحال كقوله:

  

عسى بستاني المذبوح يغدو ضاحك الشجر

رأتْكِ بصيرتي حُلُماً يُكَحِّلُ بالندى بصري.

 

وفي حين آخر يعاتبها لأنها لم تحقق مبتغياها في قوله:

  

وصباحاتي الموحشة الطرقات

تستجدي خطاك لينهض الياسمين من سُباته

أنا المتدلي من سقف الشوق.

 

ولكن ومن طرف آخر أكثر نباهة حقق السماوي لشعرة واعز التخيّل، أي تصوير حقيقة الشيء بالملموس الذي يجسد الحالة بالوازع الموضوعي المعادل لبيانه الشعري، وهي أن الموهبة ما هيّ إلا بلاغة الشاعر، ومصدر تأملاته، تبني مقابلاتها الحصيفة بين المنتقى من شهد اللغة، والفنية المشذبة بقرارات ثقافته، وهي تلك الميزة التي أراد لها أن تصنفه برياض أشبه بمملكة مغلقة الأبواب.

ومن أجل أن نتعرف على الشاعر السماوي نقترب أكثر، لنلامس منجزاته كي نكشف عن هذه الشخصية الموهوبة، المنعزلة تقريباً عن شعراء جيله، وكأن المجايلة لا تعنيه إلا بالقليل، وفي الحال ذاته نجده أميناً ومتفاعلاً بجدية مع ما تبقى من شعراء الحساسية الكلاسيكية المحصنة بردائها الخاص جداً، وهذا ما أوده من بيان تسليط الضوء على رقي المشاعر والأحاسيس المرهفة حد الطفولة، في هذه القصيدة المثيرة في مجانستها للبديع، التي تذكرني بشاعر العرب الأول الأستاذ محمد مهدي الجواهري، بقصيدته الجميلة: "الراعي" الذي يقول فيها شادياً ألقه المثير:

  

لفَّ العباءةََ واستقلاَّ

بقطيعه َحَجلاً ومَهْلاَّ

وانصاعَ يَسْحبُ خلفهُ

ركباً يُعرس حيث حلاَّ

أوفى بها.. صلا يزاحم

في الرمال السمر صلاَّ

يرمي بها جبلا فتتبع

خطوهُ.. ويُحطُ سهلاَّ

الخ...

               

مهاتفة من امرأة مجهولة

  

من أنت يامجهولة المطر

زخت فأورق ماؤها شجري

أيقظتِ قنديلاً وقافية

وأضأت كهفي مطلع السحرِ

أيكون طيفاً؟ أيُّ زائرةٍ

من قبل هذا الليل لم تزر

أم تلك يقظة عاشق تعبت

أحداقه من مرود الضجر؟

 

أكثر السماوي من هذا الجنس الشعري عموماً، فجعل من الجمل الشعرية أصواتاً متصلة كاتصال النار بالدخان، يتولد بها الحس الانفعالي بالاعتماد اللفظي ذي القرارات، التي تؤدي تفصيلا شافيا لإيقاعاته الكلامية الصوتية، بقوله: "من أنت يا مجهولة المطر" الخطاب للمجهول المتصل، مع اعتماد الشاعرية بثيمة "المطر" أي نبأ الخير، والإخصاب، والنمو الإيجابي، كلها موعزات جلالة مقدسة للخير، "زخت" أي المتصلة المجهولة، وهذا تأكيد لحالة المطر المختلف، فمجيئها لم يكن مطراً خفيفاً أو عادياً، إنما هي زخة، إشارة للمطر العاصف، والزخ عند المرأة يعني إثارة أقصى عاطفة تؤم بجنسها، بمعنى أعطت كل ما تكاثر من مجسات مشاعر تهتف مناداتها له، ولهذا جاءت الثيمة "زخت" معبرة عن ملائمة صحيحة مع ما أينعت مشاعر المرأة، فأوحت بما تستجير به الروح من شوق وشجن.

أما المعادل البلاغي هنا فقد تحقق في: "أيقظت قنديلاً وقافية" يستمر الخير الناتج من الزخ العاطفي الإنساني، لماذا إنساني؟ لأنه حقق للعطف دلالاته للحنان والانسجام، فما دام المطر هو المنتج المادي للخير، فكل ما يتأتي منه يكون خيراً وعافية، ولكن المحقق البلاغي الأجمل في هذا البيت: إنه ساوى ما بين القنديل، أي المشار للضوء، والشروق، والحياة المنعمة بالسعادة والرخاء الروحي، ب"القافية"، التي تساوى مؤداها الكيفي بمضمون مؤدى الضياء، أي "القنديل". والقافية كالريح تارة تجدها شمالية ذات نسيم عذب كما هو الحال في هذه القصيدة، وتارة أخرى تجدها ريح شرقية ثقيلة على النفس والعين والسمع كما هو الحال في قصيدة "سيدة النساء"، وهذا ما نعنيه بالشعر، أو السجع، أو الكلام الموزون، أو المباحث الكلامية وتقديرها "الإنشاء".

يستمر الشاعر برفد أجوائه العاطفية الصاعدة مع الخيال الذي رسمه فعل الهاتف، صورة عطفت على ما قبلها بكامل الانسجام والملائمة، المكونة للمفاهيم الجادة وتوظيف الصورة مرتين، إذ تتكرر الإضاءة بحالتين متلاحقتين، مرة بالمشابهة لفعل الرمز "القنديل". ومرة أخرى يعيد العزف بتسمية الشيء باسمه، "الضياء" وهي مقرونة بالمعنيين، دون استخدام المرموز الاصطلاحي. فالتقطيع هنا لم يكن في المعنى الدلالي، إنما في المباشرة غير المحصنة فنياً، حين سمى الشيء باسمه، بينما النص مبنيّ على الإشارات والإيماءات وما صاحبها من المستخدم الرمزي، أما المعنى فجاء مكرراً في قوله: "وأضأت كهفي مطلع السَّحَرِ" مع الصورة التي سبقتها وهي: "فأورق ماؤها شجري" لا تبديل فيما يعنيه هناك، ويعنيه هنا، إنما الإشارة واحدة، وهي الإخصاب الدلالي للمأثور العاطفي المعنوي.

  

أيكونُ طيفاً؟ أيُّ زائرةٍ

من قبل هذا الليلِ لم تزُرِ؟

 

والسؤال الذي أراد الشاعر أن يعبر عن الدهشة: "أي زائرةٍ" والفرح الناتج بفعلها، خاصة إذا كان هذا الطيف ليس لزائرةٍ عابرةٍ، إنما هي أيقظت قنديلاً، وأضاءت كهفاً، إذن فالزائرة من نوع خاص مثير لمقتضيات لوعة النفس العاطفية، لم تأت مثلها زائرة من قبل لتثير كل هذه البهجة.

ونحن ما زلنا في مطلع القصيدة، والتمني الذي أصاب النفس بالحسرة دل على: لماذا كل هذا التأخير لزيارتك، أليس من الأجدى أن يأتي مبكراً في قوله: "من قبل هذا الليل لم تزرِ". الأوتار التي عزفت على التحقيق الإيقاعي في هذا البيت هو تقطيعي لشيء ما  يكاد أن يلحق مشاعرها بحساسية الآخر مهما كان، وحيداً، أو ملتزما بعلاقة مع حبيبة ما. وما حققته أدوات الشاعر إنما هي مجازات صاخبة طفت عليها مجسات أسرعت من النبض الهاتف، إلى إثارة كم تمناها الشاعر لتفعيل حالة الوجد، وكأن الوجد يجلس على رأس فتيل، ينتظر الإيقاد. والتعليل من هذا الفعل يبوح سره المتمثل في:

  

أم تلك يقظةُ عاشقٍ تعبت

أحداقه من مرود الضجر

 

ولو قال: يقظة شاعر بدل من "يقظةُ عاشق لكانت أكثر نضجاً ودلالة وتأثيراً. لأن العاشق مفهوم عائم قد يرتبط بفعل النزوة، أو الإعجاب، أو التخيل، فلا يمنح المعنى خلوده وحصافته، أمّا الإيقاظ الشعري فباعث إبداعي يبوح بسره المكنون لحالة العشيق أي الهيام، والشعر علاج للنفس وموقظ للعزيمة، ضد الإحباط، ذو تأويلات مختلفة عبر عن مسحة الألم الإيجابي، ومؤثرات الباعث الحقيقي لقراراته الغرامية. والمعبر النموذجي الدلالي عن مفهوم اليقظة في الروح، كونه مفهوماً مقدساً، والقرآن يقول: " قم يا أيها المدثر.." وهو إيقاظ،  فلو تخيلنا بناء البيت الشعري بهذه المصاحبة البلاغية: يقظة شاعر تعبت أحداقه.  انظر كيف حصلت الملائمة بين: أيقظت قنديلا، وأضاءت كهفاً، وأيقظت شاعراً من مرود الضجر!!. كونه أي الش اعر تخلص من الضجر الذي صاحبه في الماضي المتمثل بالزمن الذي سبق الاتصال. ثم أن الهاتف قد أيقظ نفسا، إنما لم يؤكد حالة العشق. أم أن عشق اليوم أحكمته مناداة صوت أنثى من خلف هاتف فقط؟

  

وأنا وأوراقي يُحاصِرنا

ليلٌ يتيمُ النجمِ والقَمرِ

  

إذن عند الزمن الذي سبق حصول الاتصال كان الشاعر يتيماً، ومؤداه وحدته القاسية، وهي الدلالة المتمثلة بالرمز "الحصار"، إلا من الذات الموعزة بأنا والأوراق، ولذلك جاء الشجن ثائراً ومدوياً عند سماع صوت أنثى يداعب الخيال عبر الهاتف، لينتج شعراً حالماً هو الآخر، وكأن الحلم معد مسبقاً لهذا الشدو الراقص في بصيرة الشاعر، وما أجمل الشعر حين يصاحبه الاعتراف. فالحالة الأولى إنه كان يتيما وحيدا في ظلمة لا يشاركه بها سوى الكواكب، أما الحالة الثانية فهو الفرح بهذا الصوت الضيف الذي وصفه الشاعر بقوله:

  

ونديمُ صوتٍ ساحرٍ عَطِرِ .

 

فالشعر هجين صبابة منتج من المشاعر الشفافة وملاقحتها بالكلمات الرشيقة، حيث تتحد وحداتها الدقيقة كزلال الماء، فتؤدي لحنا شيقا وجذابا للسامع. أخذ الشاعر كلمة نديم ولقحها بخصوبة معانيها الكثيرة المؤدية للفرح والسلوى والطرب مع سحر الصوت وعطره، والعطر هنا جاء مجازاً مفعماً بالمديح، ومنسجماً مع الغزل الشفاف المسكوب لحنه بقارورة يحتدم مزيجها بالعذوبة والذوق. ولو أن فعل الحصار لم يكن مؤثراً في الحالة التي أعتاد عليها الشاعر، وخاصة تلك الحياة المنعزلة عن الآخرين في البلدان الأوروبية، التي أصابت الكثير بالكآبة " Depressing"، العرب منهم، وأكثر خصوصية حياة الشاعر، لكان الاتصال الهاتفي من تلك الأنثى للشاعر أخف وطأة عاطفية، ولم تؤد المهاتفة إلى جلالة شعرية كهذه. في قوله:

  

طحَنتْ رُحى الأيامِ أشرعتي

هنا مددت يداً لمحتضر.

 

الكتابة الشعرية مثل التنفس، تتهاتف كطاقة معينة بكمها وجوهرها تدع الشاعر خلايا شعورية تأتي من الماورائي الحسي، الغير مرئي، بل المحسوس به، بأن هذا الشاعر تصاحبه ألحان كلامية، يريد أن يقولها.  

يقول رامبو: عليّ إيجاد لغة، وهذه اللغة ستكون من الروح إلى الروح، وستختصر كل شيء: الروائح، الأصوات، الألوان، الفكرة المربوطة بفكرة."  

 

أنظر للفرح الحاصل في وهج الكلمات وهي ترقص بمشاعرها ألقاً وإنتعاشاً، وجواباً منه للأنثى أن تبقى على الخط، فالخطأ الذي أدعته المتصلة ما هو إلا الحشمة واللطافة اللتين تزينان براءة الأنثى في تلك المواقف، فهي تدعي أن الاتصال غير مقصود وقد حصل خطأ ما في قولها له:

  

أخطأتُ - قالت - رقمَ منزلِنا

فاقبَلْ - رجوتكَ - عذرََ معتذِر. 

 

فالشاعرية جاءت كحاصلة إيصاليه بين الشاعر وخياله من جهة، وبين اللغة والمهاتفة الفنية لها من جهة أخرى، وكلاهما يتلاقيان في المحصلة النهائية بما وعظه الخيال للشاعر من قدرة حاذقة على توليف المعنى بمصبه الذي يؤدي إلى الالتقاء تحت سقف يضم بفضائه خلاصة عصارة المنتج الفني بوحدة معانيه. وهذا يأخذنا إلى رأي الشاعر الفرنسي رينيه شار: " الشاعر لا ينبغي أن يشرك بالشعر شيئاً".

وإجابته لها كانت أكثر براعة من قدرة المرأة على المناورة، تحت مشروعية الحياء الشرقية، فلا شكٌ ولا ريب، أن النفس في جوانيتها تشتهي الحال الذي يثوّر مشاعرها فتتبعه من دون أي مانع يوقفها، لأن الجنس وصلٌ يناجي الغدة العاطفية فيطوف بها إلى أرق شجواها، حتى تحقق رغبتها وعلى هذا الأساس حدث هذا الاتصال، ومن أجل هذا كان الشاعر ملماً وواعياً لهذا الاعتذار المبطن بالحياء فكان جوابه قمة في الشاعرية واللطافة حتى يمنحها الأمان للتواصل، في قوله:

  

فأجَبتُها: لا لستِ مُخطِئةً

لا توصدي الأبواب فانتظري. 

فيمَ اعتذارك؟ واصلي نغماً

ليطيب عند ضفافه سهري.

  

وما أشبه ذلك بدعوى لا تخلو من المجاملة المطمئنة، وحال مشاعره تقول في علانيتها المرتبكة ما معناه: أن أسمي دخل قلبك سابقاً لفظه على لسانك، مع أن الشاعر بهذه المصداقية حقق للفتاة الهدوء، بهذه الدلالات:

  

قالت: أراك إذا رغبت غداً

في الطيف أو ترنيمة الوتر! 

 

أن يجهد الشاعر نفسه في ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بمبنى النص فهذه محصلة إبداعية وجدتها عند الشاعر يحيى السماوي، فخير الشعر جزالته، وحبكة إيماءاته، وكونه مشتملاً على معناه.

 

 

جعفر كمال


التعليقات

الاسم: جعفر كمال
التاريخ: 2010-01-22 11:24:47
الشاعر الودود أستاذ يحيى السماوي
شكراً لأنك وعدت فأوفيت، فشيمتك ما فاح من العنبر عطراً، وصلت أزاهيرك وتمتعت بفوحها الرشيق، شكراًً ياسيدي الشاعر فكل ما شاكل شعرك زاد من الحريريات بهجة وغناء، بل زاد من الأخضر لمعانا، ومن الأبيض صباحاً لنا، المحب جعفر كمال

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 2010-01-22 10:18:34
ثق ياصاحبي المبدع أنني سأهتدي بقنديل بصيرتك في غدوّي ورواحي في مفازات القصيد وواحاته كي أبقى بمستوى حسن ظنك ... فلك مني عظيم الشكر والإمتنان وأنت تضيء لي دروب غدي ...

ثمة رجاء : هل حط ّ على ساحل صندوقك البريدي الأرضي سرب نوارس ورقية أطلقتها نحوك قبل نحو أسبوعين ؟ أمننْ عليّ بخبر وصوله ياصديقي المبدع .




5000