..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / بين الحلم والواقع شعرة

بديع الآلوسي

ادهشني ابي وهو يسر لي حلمه الملفوف بطيات السنين التي بلون التراب ،والذي صار ينتمي للذكريات النائية ،، حذرا ًفي سرد وأيقاظ تلك الجرعات من الخيال المعتق

بالتجربة... هذة الرؤية بالذات يصر ابي على تسميتها (بالأشراقات الطيبة ) ، لأنه يقرأ من خلالها لحظات هواجسه التي اصطدمت بالزمن اللامرئي بحروبه وحصاره الذي بقى كالشوكة على القلب ...كنت حريصا ياولدي ان لا يشاع حلمي ، خوفا ً من ان تتناقلة ألأفواه وتعاقبني السلطة الجائره على حلم بريء .

الصمت نجاة ...فالأسرار الزئبقية ألأهم هي ما بعد الحلم .

تركنا هواء الغرفة الثقيل لنتجه نحو مكان اكثر عزلة ً ،وكانت الحديقة لنا خير ملاذ ، الكل يحلم ،،الكل لا يفهم لم نحب الحلم ونخافه ،،قلة من الناس يعرفون قراءة الصرخات المدوية التي تبثها مخاضات النوم .

سحر اشجار البرتقال الذي تفوح منه رائحة المطر أيقظ في ارواحنا نشوة ألأنفعال المتسامي .

بعد ان أستقر ابي بجسمه الناحل على الكرسي،،و في الدقائق الاولى كان يحاول التملص من اسألتي اللجوجة . سحب يدي بقوه وهو يهمس لي :لماذا انت مصر على معرفة تفاصيل حلم عتيق .

ـ اليس الحلم يا ابي نافذة على الواقع؟ .

ـ ولكنه ايضا ً سراب دافىء جميل .

ـ هل ستفرح يا ابي ان نشرت حلمك بين الناس؟ .

ـ سيقولون عنك: مجنون يركض وراء ألأحلام الميتة .

ـ وربما سيندهشون لتداخل تلك التأملات التي تشبة الموت والحياة .

بحركة عفويه قطف ورقة برتقال وراح يفركها ويستنشق عبقها،ويمضغها،كانت كل دقيقة لها وقعهاالمركز، وتوقظ في ضمائرنا خشوع مبارك .

ـ ما الهدف من النظر الى عين هذا الحلم ؟

ـ ربما سيسعد الناس ،،ويكون حلمك ملحا ً لخبزهم .

كلماتي ألأخيرة جعلته أكثر مرحا ً،،،مط شفته السفلى بعد ان دعكها بورقة البرتقال، لتنهال كلماته بعفوية كأنها السلاسل الذهبية .

ـ انا احب لذة الحلم ،،هناك احلام لا تذبل ،،،تلك هي هدايا الألهة التي لا تتكرر .

شعرت ان ابي صار اكثر صفاءا ً..اغمض عينيه وكأنه يريد ان يتحرر او يوقف ثقل الزمن المنساب ، أندغم في يقين الحلم محاولا ً اعادة تشكيل كيمياء الرؤية .فتح قلبة لي ،،خرج صوته كالنزيف المشبع بالبخور .

عاركت الزمن باكرا ً ياولدي ،،بعد رحيلك عانينا مرارة القلق كثيرا ً،،وجاء اعتقال اخوتك ليدخلنا في محنه جلل ،،جل ما كنت أخشاه ان ينتصر الدكتاتور على صبري ،،ويثلم روحي ،،،،،كنت أكافح عبر احلامي البريئة .........(كنت في سرداب موحش تزدحم في صدري الهموم والأسئلة،،ما أدهشني ان المكان المعتم كان ببابين ،ألأول نحو الشروق والثاني نحو الغروب ).

دار في خلدي ان : مشكلة ألأحلام تحقن بالأشارات والدلالات التي لا نعرف لماذا تصدر عن عقلنا الكسول . هل بعد كل يقظة هنالك مفاجآت سحرية ؟ ، نجهد انفسنا بعناد للعثور على خيوطها غير المتناهية . فاجأني ابي بقوله وكانه قرأ تداعياتي :في اغلب ألأحيان نبقى هائمين في قشور الحلم ،غافلين عن جوهر الحقيقة المذهله .

.....(رايت فجأة ًثلاث نساء ،،دخلن تباعا ً،،ونظرن الى حالي المتعب ..قالت المليحة وبدون مقدمات : اني سأخرج ،،رددت الطويلة بهدوء نفس الكلام ،،لكن الثالثة اتت لي بطنجره وضعت ما بيدها في الزاوية لتقول:انتبه اني سأخرج ايضا ً).


ناولته منفضة السكائر لكنه اصر ان يرمي ألأعقاب بعيدا ً،، سأل بحنان : هل انت مرتاح في غربتك ؟ . تأملت ابي طويلا ً،،قلت في خلدي : ان هذا الرجل يتمتع بصفاء ألأتقياء الذين يخافون ضميرهم ،،له سطوة على هستيريا الحياة ،،يعرف كيف يحب او يكره ،،حتى هذياناته لا تدخل بسهوله في باب الرذيلة والخطيئة ،،عاش حياته ناصعا ًكالثلج ،،اني اشبهه بكهان الحكمة ..........( خرجت بلا هدف او هداية من سردابي ،،لم ابغ مكانا ً محددا ً،، اصطدمت عيناي بمسبح لم ار في حياتي مثيل له ،،،تعجبت من رؤيتي لرجال ونساء يتمتعون بالسباحة ويضحكون سويا ً،، شعرت انهم مليئون بالطمأنية وتضيء نفوسهم السعادة ،،الجميع مستوري العورات ،ابتلعتني الغربة ولفني الذهول ،،اخترت لنفسي زاوية بعيدة تناسب مقامي وحزني ).


بينما ابي منشغل بترتيب افكارة المتقافزه ،،كان صوت في داخلي يقول : كم عنيد هو الحلم ،،يقتحم مجرات عقولنا عنوة ًليبث في أرواحنا الدهشة والتساؤل الغامض ،،سألت والدي : ما الفاصل بين الحلم والواقع ؟.

ضحك وتنفس بعمق ليطرد نوبة الربو قائلا ً بثقة : بين الحلم والواقع شعرة .

بدأنا نتحدث وبحماس عن بلورات الحياة الناعمة،،عن ذلك التجلي الباطني، لاأدري لماذا ابي يراهن على الحلم،،بعفويه وشهية نادرة كان يواصل سرد الوقائع الغريبة لحلمه المتحقق ،،سابحا ًفي فضاءات عوالمه القريبة من الخيال الشارد . شعرت إن الدروب غير المألوفة للأحلام الراقصة تنذرني بالقول : تذكر يارجل إن ألأفراط في سرد الحلم يفسده ،،لا تُغرق البحث في تناسخ فوضى اللامنطق والتي لا يكمن بين سطورها غيرهمس الجنون .............( لأجلس في زاوية التجليات ،،من هناك كنت أرقب البشر الذين دخلوا لذة الهرج والمرج ..فجأة ًظهر من بعيد شخص غريب ،،اقترب بهدوء حتى وصلني ليسألني : لماذا أنت وحيد هنا ؟،،،هذا المكان لا يناسب مقامك ،،اعطاني يده ليساعدني على النهض ،،،لم أسأله عن سمة كنيته لكن يقيني الداخلي اوضح لي انه جبرائيل).

تملكني الشعور بالحزن على وحدة ابي ،،اتت لنا امي بالقهوه وشغلت نفسها بالأعتناء بالورد وسقيه ،لا بد انها استشفت فحوى كلامنا ،،ارتشفنا قهوتنا التي اثارت حمى المسرات المكتومه واجهتنا الخيوط البلوريه الدقيقة لأحساساتتنا المتناثره.

قلت لأبي :التأريخ تصنعه ألأحلام ,

ـ ماذا تريد ان تقول؟ .

ـ حين ندافع عن أحلامنا ندافع ان أنفسنا وعن تأريخنا .

صمت ابي ليتأمل ذكرياته من جديد ،،مقتنعا ًان ما يقوم به عملا ًجميلا ًونبيلا ً.

............( طلب مني جبرائيل ان نترك المكان ونحلق في فضاء آخر ،،قال لي :افتح ذراعيك ،، إستجيب لامره , ففتح ذراعيه ورحنا نطير،، كنا متقاربين حد التماس ،،احسست بألفة غريبه معه ،كأني اعرفه منذ ان ولدت ...بكلام هادىء همس في أذني :لا تخف من اعمدة الكهرباء العالية فأننا حين نمر بها ستنحني لنا اجلالا ً) .

بدت علامات ألانشراح على صوت والدي ، المسرور بعودة ولده المغترب والذي يشاطره عبق الذكريات التي انتشاتهم من رتابه الزمن الموحش .

لا اعرف كيف ترك ابي حلمه ليحدثني عن هموم ظلت عالقة في القلب : مررنا خلال غيابك بلحظات ضياع ومحنه ،،كان الدكتاتور قاسيا ً ونذلا ً،،احال حياتنا الى جحيم ،، وكما ترى خاتمة ألأحداث احتلال البلاد وقتل العباد .

قالت امي جملة واحدة وانصرفت: ( ربي اهلك الظالمين )..............( وصلنا الى قصر ليس كقصورألأرض، تحفة من الجمال الفاتن ،،فيه شرفات تشبه الشناشيل المتعدده والمتلاصقة ،،لنحط انا وجبرائيل في الشرفة الجنوبية ...بعد دقائق لمحت شخصا ًطائرا ًاتى من مغرب الشمس ، توافد كل رجال القصر للترحيب بالرجل الذي في صوته خشوع وهيبه ،،جبرائيل هو ألآخر مد يده لمصافحته حانيا ً راسه ،،لكني لم اتحرك من مكاني ، ولكني وتساءلت : من هذا الرجل النوراني الجليل؟ ).

ابتسم وأطال ابي النظر في وجهي وقال :ذلك الصباح شعرت انه يختلف عن بقية الصباحات ،،حيث إن الحلم حقق انتصاره على جور السلطان الجائر . اراد ان يقول فكرة اخرى لكن خانته الذاكرة .

سألني : ألم تر ان الزمان ترك ظلاله على روحي ؟

ـ اتمنى ان يكون زمن المواجع قد ولى .

ـ اني ارى انه قد بدأ ،وكما في كل مرة يقع فيها الظيم علىالمساكين ............( تساءلت:من هذا الرجل الجليل الذي يشع بالنور ، وقبل ان احل عقدة تساؤلي ،سألني الرجل القادم من عوالم بعيدة : لماذا لم تأت لمصافحتي ؟ ،قلت له :اعتقد انك لا تعرفني .. والذي لا يعرفك لا يثمنك . ليفاجئني بالرد :اني اعرفك جيدا ً.. ومد يده قبل ان انهض لمصافحته ) ...... اذا كتبت يوما ً شيئا ذا جدوى ، لا تنس, تذكرﹼ ان المطر مر على قلبي بعد سنين عجاف من الغبار والقنابل والمذله ،، كادت بقعة دوامات الدم تميتنا جميعا ، لكني وكما ترى ، بقيت متشبثا ً بالوعد الجميل لذلك الشيخ الجليل ،كنا في امسﹼ الشوق لرؤيتك لا لتقاسمنا الرعب والفوضى بل لتكون شاهدا ًعلى تغير الاحوال ،، كنا امام بطش السلطه ..نغرق في الزهد ،، ليندحر البعبع الذي كتم انفاسنا ..... اشعل ابي سيكاره وأعطاني اخرى ،،وانصرفنا ننفث دخان تبغنا الرديء .

.............( بعد ان صافحني الرجل العظيم , قال كلاما ًغامضا ً لم يفهمه ألأخرون ،،لكن أنا وجبرائيل استوعبنا ذلك الوعيد الذي كرره مؤكدا ً: حقا ًأنك أهنت ، لكني سأذله ذلة ما بعدها ذله ...همس في اذني صديقي جبرائيل قائلا ً بمرح :هل شفى غليلك هذا الجواب .. اجبته بتردد :هذاوعد والوعد قابل للتحقيق وغير قابل ).


كانت عينا ابي تحدقان بعصفورة دكناء حطت على الغصن، أمتزج في روحه جلال الألغاز بطقوس الغموض ألأرجواني ،،كان صوته منتشيا ً ،،احسست ان وميضاً من الضوء يتوهج من قلبه ،، جموح مخيلته ومحاولته فك الرموزدفعته الى الحديث عن زمن عاصف بالشجن والأضطراب ،، شعرت انه بدأ يزيح عن صدره كتله الرصاص التي كادت تخنقه ،،وحين هدأت سريرته وتراجع ألألم قال :رائحة الموت تترك ظلالها علينا ،، يؤسفني ان تكون حواراتي معك عن زمن العذابات المزعجة ،، رغم كل ذلك لا تتصور كم نحن سعداء ان تكون بيننا .

قلت : أتمنى ان لا اكون قد اثرت شجنك اكثر من اللازم .

ليرد مبتسما ً: المحتل الأن يثير مواجعي .

ـ عصف بدجلة والفرات غزاة وجبابرة ،،لكنهم جميعا ً قد رحلوا .

ـ اجل ولكن المحتل ذل ،إن بقى يوماً او شهراً او سنة ً.

........( أحسست ان جبرائيل لم يأت بي َ،،هنا عبثا ً بل كانت لرحلتنا غاية ،،توجت بالألتقاء بذلك الرجل المهيب الذي وعدني بذل مَن ذلني ).

خرجت عن ابي زفرة طويلة لأكتشف كم كانت روحه مكابرة وصابره.. اراد ان يتحاشى الكلام عن عصر الخراب لكن فرح اللحظة قادته ان يغوص في لجة الذكريات :حين ألقى رجال ألأمن السري القبض على اخويك وغيبو في سجون السلطة ،،،لم نعلم عنهم اي خبر خلال الأشهر الستة ألأولى ،،أظلمت الدنيا في عيوننا وأصبح الزمن مرا ًكالحنظل ،،وازدادت تقرحات جروحي ،، وجاء الحلم ليفتح لي كوة في زنزانه حياتي.

قررت ان اضع النقاط على الحروف قلت : بماذا شفى غليلك هذا الحلم ؟

ـ الحلم اشارات ورموز ،،النساء الثلاث كن ﱠ دلالةعلى بقاء اولادي في السجن ،، وصدق الحلم حيث انهم مكثوا ثلاث سنين بالتمام والكمال .،،وحين خرجوا من السجن رزقت بهدية اعانتني على اقامة فرح يوازي نشوة انتصار خروجهم سالمين،،وهذا ما تركته المرأة الثالثة .

......( ودعنا أنا وجبرائيل جميع الضيوف وملوحين لهم بأيادينا،،مواصلين رحلة الرجوع ،،تركني جبرائيل مشيرا ًالى الطريق الأكثر اختصارا ًقائلا ً : لا تنس ان اعمدة الكهرباء ستنحني اجلالا ًلك ،رأيت في طريق عودتي مناظراً خلابه ،، وأرضﹶ خصبﹴ يحفها الربيع العذب ، كان خاطري يرقب كل ذلك ويتنفس الهواء العليل الممزوج بالطمأنية ،عدت الى نقطة انطلاقي لأدخل السرداب من جهة الشرق).

أستيقظت وبقى يشغلني وعد الرجل المهيب ،،كنت أسأل : كيف سيذل الدكتاتور الذي أذلني وفطر قلبي وفجعني بفراغ الضيم ،،،ودارت الدوائر ،،وهاجس الحلم المحفوف بالأمنيات يطاردني ،،لتمر عشر سنين ،،كانت صرخات الجياع تتعالى ،،لكن سلطة الجور تستمر في غيها .

سألت والدي : هل كان الدكتاتور مجنونا ً.

ـ كان جبانا ًأكثر مما كنا نتوقع ،،ما إن احس بالخطرحتى هرب متخاذلا ً. اشعر اليوم بالرضى وأكثر ما يدهشني إن حلمي المتواضع قد أنتصر .

قاطعتﹸ انثيالات ابي بالتساؤل :وأين تكمن حقيقة أذلاله ؟.

ـ اكل الموت أبناءه وهو حي وشرد عائلته وهو يتنفس طعم الأندحار ،، ولم تترك له الحياة غير حفرة بائسة يختفي بها ،، ألقوا القبض علية ،،أخرجوه كجرذ متمرغ في غبار الجبن الهائل .

ـ العجيب انه كان يدافع عن نفسة بقرون من طين .

ـ كانت محاكمته ليست بمستوى وجلل حقيقة امره ،، رغم ذاك ارى انها زادت في إذلاله ،،ليواجة عذاب الموت وهو حي يرزق.. .أن ذروة الذل التي واجهها تتمثل بتركه الحياة بلا اي ذكرى طيبة ،،حين رأيت وسمعت بنهايته تذكرت كلمات الشيخ الجليل لأقول : حقا ً وعد الحر دين .. يمكنني ان انام هانىء البال ألأن .

شعرت بالأسى اني اثرت والدي بهموم الماضي لكن غموضا ًبقى عالقا ً في خزانه رأسي ،كنت متحفزا ًلأسأله عن الرجل المهيب ،لكنه باغتني بسؤال جانبي : ياولدي ،، بالله عليك ،لماذا انت حزين ؟

ـ بالعكس ،،انني اشعر بالغبطة والفرح للقائي بك .

الدنيا تصدم وعينا كل يوم ،،اسكرني ابي وأدهشني بحلمه المتحقق ، ليدخلني في حيرة المشهد الذي تتقاطع فيه اغفاءة الحلم مع صلادة الحقيقة ،،أنتبهت ان ألأصوات تتداخل كتراتيل الحياة التي تكركر بغناء المحبة والتي تمتزج لتخلق هواجس مشتعله بالنشوة المنتظرة بصبر جدوى التغيرات العصية عن الفهم ...هل الحلم تمرد ؟.. قلت : ربما .

قطف ابي ورقتي برتقال ومد لي احداها مبتسما ً: هل عرفت من يكون ذلك الشيخ الجليل؟ ﺇنه ...........- من منا يكره الصيد .

تناغمت روحه باغنية الغجر التي تقول : آخر خيوط النهار تبث في الروح رغوة الطمأنينة.. الشفق الدامي بعنفوانه يثير الدهشة... غبار الرغبات يهيج الرؤية لأكتشاف نجمة الأحلام .

بهذه الهواجس الطيبة عاد نواف العريان محملا ً بأسرار عجيبة من براري الصيد المحفوفة برائحة الصراع والأثاره والترقب . تقاطعت نفسه مع هاجس الربح والخسارة متذكرا ً كلمات جده .

-  الصيد لذة وذكريات وقسمة .

تسلل الى كوخه الطيني المليء بالجلود والريش والفخاخ ،أحس بارهاق البرد الذي عبث بعظامه ، قبل ان يفكر بأشعال النار.. اراد ان يعلق الخنجر في مكانه المعتاد في زاوية اسرار الموتى . ألم َ به الأستغراب حين أكتشف ان ا لخنجر في غير محله . أنصرف بهدوء ظاهري ينبش حاجات الصيد ، بعد ساعه من البحث المضني تيقن انه قد أضاعه في مكان ما ... اصيب بالصدمه ، لتلفه خيوط ألأسف والحيرة .

- لا أحد يعرف كم هو عزيز على قلبي .

كل ذلك سَربَ الى قلبه قشعريرة خرساء.

- لكن اين اضعته ياالاهي ؟

قالت زوجته المتشحة بالسواد : حان وقت العشاء .

ألحزن الثقيل ادخله في فراغ الصمت ... لفه ضجيج الاسى ... حاول ان يهرب من نفسه .. أوقد النار وأضاء الفانوس ... شروده المطعم بالاسى صار يحاصره .. لتتدحرج الكلمات بهمس يشبه البكاء. 

 - كيف ساجده بذاكرتي المنخورة.

حاول أن يتحلى بالصبر.. صورة الخنجر صارت تحفر في مخيلته المتوهجة ظمأ ً مقلقا ًً وحارقا .ً اليأس بمفرداته الغامضة اعادت ذكرياته الى جملة الاولى التي سمعها من الخنجر : اسطورة سيدي , اسطورتي .

بعد ان الم الجوع بالزوجة بادرت الى القول : عليك ان تهدأ ..وتفكر بعد ذلك .

سمع صدى يشبه الموج قال الخنجر : تكمن في قلبي الاضداد .

هاجت روحه .. قرر ان يعود الى استراحة دروب الله ، لكن وحشة الظلام ثبطت من عزيمته .  

- هل آتي لك بالعشاء ؟ .

- لن أأكل حتى اعثر عليه .

بدأت الكابة والخواء يعصفان بمزاجه .. لم يعد يفهم تواصل حياته بدونه .

تدثر بعبائة الصوف .. انكب على مراجعة تفاصيل رحلته بروية ، محاولا ان يتذكر اخر مرة استخدم فيها الخنجر .. بصيص الفانوس اضاء في ذاكرته صوراً متعاقبة .  

- نعم .. نعم .. استخدمته في قطع عرانيس الذرة .

هذه الاشراقه الصغيره بثت في رماد روحه نشوة الفرح .

أراد ان يقول لزوجته ما تغلغل في رأسه من افكار خاطفة عابرة، اعاد قراءة جروحه التى تصرخ : فقدان الخنجر او موت انسان عزيز له نفس الوقع على قلبي .

نباح الكلاب الحذرة ازداد شراسة ، رؤيتها للاشباح القادمة اهاج غرائزها ... لم يعر نواف اهتماما .. داهمه احساس إن الشياطين قد بدأت تلعق بدمائه .

قالت الزوجة : حين نفقد اشياءنا نشعر بمعزتها .

... كل ذلك حث َ قواه للخروج ومواجهة الغرباء العابرين ، تساءل في خلده : من سياتي في هذه الليله المحملة بالمرارة .

تناهى الى سمعه همهمات تحاور الكلاب لتهدىء من روعها . دفعه الفضول الى مد عنقه من الكوة .

  - الاخرون يخرجوننا من العزلة .

فجأة ًدخل عزام الاعرج بضحكته النحاسية مصطحبا ً معه أبنه ذا السنين العشر, صارخا : هذه ليست كلاب انها ضباع .

نواف العريان يعرف ان البشر الطيبين كالصيد الوافر , ومنهم الثقيل كاللعنة الماحقة , لكن تقييمه للضيف القادم تمثل بنعته بالرجل الرمادي الذي بلا هوس.

جلسوا في خمول , كان الزمن ينساب بلا مبالاة , حلق حوله ضجيج الفاجعة , غمغم : آه لو لو نستطيع ان نرجع الزمن الى الوراء .

شعر ان وجود عزام سوف لا يساعده على ازاحة ثقل المصاب المطعم بالوحشة والخسارة والخوف , رغم ذلك حاول ان ينهض في روحه دوامات الانفراج .

حينها ردد في خلده :الحماقة ان نزيد من خساراتنا .

بعد ان تجاذب اطراف الحديث , اعترف لعزام بما الم َ به من ضياع .

- لا تتصور كم اشعر بالخذلان ......

- لكن هل هي المرة الأولى التي .......؟

- أضعت اشياء قليلة في حياتي ... حينها يصيبني البرد والحزن وتتلاشى غبطة روحي .

 - لا تعكر مزاجك .... الصباح رباح .

 - كيف لي ان انسى خنجري الذي رافقني في كل رحلاتي ، لا اعرف هل سيغفر لي ؟ .

همس الخنجر : انا واضح ، لا احب الملل أو الأهمال .

ظل عزام يثرثر بأمور جانبية ، لم يكتشف بعد وطأت الحدث في قلب نواف الحزين.

أتت الزوجة بالشاي للضيوف ....جلست بعيدا ً كعادتها قريبا ً من الموقد ، محاولة الأصغاء ، عسى ان تقبض على ما سيقرره الرجلان .

اراد الضيف ان يلطف الأجواء بمزاحه المسكون بنوع من الدعابة الخبيثة .

- أنتبهي ، الرجل الذي يضيع سلاحه اليوم ، يحتمل ان يفقد زوجته غدا ً .

حدست الزوجه أن في مزاحه نوع من المرارة .

لتقول بأسى : اردنا ان تكون لنا عونا ً ....................

تذكر عريان ما همس به الخنجر : صراع الموت والحياة يلف معدني .

بدأ يستشف بلادة ورتابة ألأسئله التي صار يطلقها ضيفه : اين المشكله ؟ .

هاجس خفي وغريب اعتصر قلبه لكنه رد :المشكله ان خنجري القديم جزء مني .

- إنسه ..... تحصل على راحة البال .

 -هل لك ان تنسلخ عن ذكرياتك ؟ .

- حياتنا مجموعة من الخسارات .....أليس كذلك ؟ .

أثقلته تلك الأجوبه التي تلوثت بالامبالات ، التي كادت ان تدفعه الى تفجير البكاء المكتوم . تجلد بالتماسك ، والأمل رغم فجيعة الأنهزام .

لم يستوعب عزام جدوى الصراع ، بقى مستغربا ً إن صاحب الخجر يناحر الموت ، ويغرق نفسه في وحول الجنون بسبب سلاح تافه .

أستباحت رأسه فكرة أعتقد إنها جزء من الحل

.- سأهديك خنجرا ً جديدا ً .

- لكن خنجرك الملون ، هل فيه عبق الموتى .

وجال في خلده : لا شيء أعظم من العثور على ما فقدنا .

بدأ عزام يفهم الموقف بوضوح تدريجي . أنتابه نوع من الحرج ، قطع الصمت الذي يسحق العظام مستفسرا ً: من أي سوق أشتريت الخنجر؟ .

- أنه هدية جدي قبل وفاته .

التفت الى الصبي وبصوت مشحون بالحسره قال له :هل عرفت لماذا انا محاصر بالهم ؟ .

هز رأسه وتعثرت الكلمات لكنه رد باصرار واضح : انه لم يضع يا عم .

نشرت هذه العبارة الطيبة الأنتصار في روحه ، لتهدأ سريرته ... صار الحديث اكثر عذوبة ، تبادلا الذكريات المتشابكة ، مشاعرهم التي لفتها الطمأنينه تراقصت مع الملائكه التي تحف بالمكان ، حاولا الأجابة عن ألأسئلة المقلقة ، وحين لامسا الجوهري من الحلم شعرا بدفء المسرات ، عرجا على اهم الحكايات التي تخص الخنجر وكيف ان اهالي البادية الشرقية قد نسوا الجد الأعلى لنواف العريان لكن ذاكرتهم احتفظت بحكاية الأمير الذي قطع رأسه بذلك الخنجر .

في تلك الأمسيه تعلم الصبي ماذا يعني وجع الخساره ، وماذا يعني الأمل .

رغم احساس عزام ان كلماته ليس لها من صدى ، لكنه ردد : ما فائدة الذكريات الميته .

هذه العبارة الجارحه ايقظت في روح نواف مواجع جديدة ، استفاق كالموتى مراجعا ً سطوة الزمن ، أخذته لذه الأنتقام ...وقبل ان يذر الرماد في عيون عزام الماكرتين ، تدخلت الزوجة لقطع دابر مشادة عمياء

.- يا لوقاحة عينيك ...كفى ...كفى .

وجه الصبي احتقن بالخجل،اراد الزوج ان يدافع عن سلاحة وأرثه ...تسربت الفوضى الى روحه التي تبحث عن فرج ، اثقلته الخيبه وشعر ان صانع المطر نأى عنه بعيدا ً .

ترآى له ان الخنجر يريد ان يهمس له بشيء محدد ، حين أطال ألأصغاء سمع كلمات ممتلئه بالدم الساخن .

- مزاجي احمر .. لكني لا أتألق سوى بالمحبة .

عادت دوامات الشتاء وتأملاتها تغرق الأحياء بلذه أنستهم ثقل الحياة والموت ، وطردت عن وجوههم بشاعة ايامهم الخالية من معنى .

قال الضيف : أنا لا اريد ان ازعجك .

ذلك الصوت المسالم أعاد الحديث الى فضاءات الراحة التي تنبع من غبش الطمأنينة ،

ضحك نواف ضحكته الطفولية الحالمة .

- تذكر يا عزام إن لخنجري روح حيه .

- لم اسمع بحياتي كلاما ً بهذا الغموض .

- قد لا تصدق إذن إن خنجري يسمع ويتكلم .

- بدأت تشطح بأحلام غريبه يا نواف ، عليك ان لا تصرح بذلك امام الغرباء .

راودت نواف العريان مشاعر متناقضة لكبح قدسية احلامه التي امتزجت بالنذور والنبل والكرامات . حينها داهمته الوحده بأشاراتها المريرة والتي امتزجت بهواجس العزلة المقرونة بالوهم ، لم يعد قادرا ًعلى فهم الأنفعالات المثيرة للبشر الذين يحيطون به ،فراسته الفطرية تجعله اكثر حذرا ً ،صار مع الوقت ينزف ألما ًمقرفا ً وهو يرى البشر قد تلاشى إعتزازهم بجمرات الذكرى ، لتنفرط بهجتهم الداخلية تباعا ً .

ردد في خلده : شيء مؤلم ان يتحول العالم الى زيف .

بخمول متثائب عاد عزام يفيض بنصائحه.

- عليك ان تنساه لتوقف ألمك .

التفت نواف الى الصبي وباح له : الخنجر يغدر بصاحبه ، أخاف ان يشي بأسراري .

في هذه اللحظات الحرجة ، كان عزام غير مكترث لهذا الحديث المتداعي ،متعجبا ً من هوس الجنون الغريب الذي ألقى ظلاله على وجه وعقل جليسه ، أطال النظر الى الزوجة التي لفها النعاس الدافىء .

- عليك ان ترتاح ... وتنام ..هذا ما أنت بحاجة اليه .

- سوف أرتاح حين ......

دخل نواف في أغفاءة لذيذه ، هكذا حين هرب من نفسه إنهالت عليه الأحاسيس أللامتناهية بحضورها المتدفق ، هذا التراخي الهانىء جعل ذهنه اكثر صفاء ً وحضورا ً .

جاء صوت الخنجر واضحا ً، متألما ً : جذوري تحيا بالذاكرة .

- نعم ...نعم ، تركته قرب صخرة الدراويش .

بينما عزام يهم بالحديث عن إحتمالات طلاقه من زوجته الثانية ..إنتابته نوبة سعال .

غمرت العريان فرحة لا توصف توجها بالقول : انتهت جلستنا يا وجوه الخير .

- ماذا تقصد ؟

أنفرجت اساريره ... لم يعد يبالي بالظلام والغبار والبرد ، خرج عن طوره حين أتاه صوت الخنجر : عزائي حين تتبادلني الأيادي وليس الألسن .

- الليل غدار يا نواف .

قالت الزوجه : تعوذ الشيطان يا .........

وقف في وسط الكوخ متأملا ً الفراغ الموحش لخنجره الذي قال له : أشارك في العرس واليتم .

نفض اوجاع التردد عن قلبه ..أشرقت روحه بأبتسامة ملونة ، تلثم بكوفيته العتيقه ، حمل بندقيته ، تاركا ً خلفه آثار غياب يشبه الأنتحار المفاجىء .

صارخا ً، مرددا ً آخر همسات خنجره : جذوري تحيا بالأنتصار على الخوف الأجوف .

حث الخطى مندهشا ً من إنحسار الغبار ، متغمدا ًليل المفاجآت المقمرة .

فاضت روح الصبي بالحلم الذي يشبه صلوات العيد ، ركض وراءه كالمسحور ، صارخا ًفي وحشة السكون .

- أنتظرني يا عم سأتي معك .


بديع الآلوسي


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 20/11/2009 18:29:33
المبدع بديع الالوسي عن جد وبدون ان اي احراج بل بكل اعتزاز سلاما لروعة الحروف علقها الاستاذ سلام نوري قالها لاكن بكل ادب من بعد الاستأذان استاذ سلام اني اكرر الكلمات سالمين ياعراقيين

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 31/10/2009 17:00:39
صديقي الجميل بديع الالوسي
سلاما لروعة الحروف هنا
محبتي




5000