..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السقوط من القلب !

د. فاتحة الطايب

يوم شديد الحرارة، وقودها أكاذيب حمراء وخضراء وصفراء... 

في قاعة وصلت الحرفية فيها حد استعارة ألوان قوس قزح، موهت على عمق الشماتة في القلوب، طأطآت الرؤوس الآسفة، ونظرات الاستنكار المستغربة، وقصائد شعرية تقاطع بها الألسنة المدربة الرئيس المخلوع مواسية مادحة.

خيل إليها وهي تتفحص أقنعة جل الحاضرين، بمن فيهم الرئيس الجديد، أن لا أحد صدق بعد بأن عهدا جديدا قد بدأ، فما دام الرئيس السابق يقف أمامهم بكامل أناقته ليلقي خطابا، ولو كان خطاب وداع بائس، تظل "التقية" واجبة.

 كانت نبرات صوت الرئيس المخلوع وملامح وجهه ونظرات عينيه الزائغة، تدل على أنه لم يستفق بعد من صدمة اكتشافه بأنه أغبى ماكر مخرب عرفته البلاد.

 ظن نفسه أسطورة خالدة. صال وجال في المؤسسة، ولبس من الأقنعة ما توفر في السوق وما ابتكره دهاؤه وسعة خياله. انتقم من الزمان في العباد، أذل وأهان، وفي حضرته نبح من نبح وزحف من زحف وتقرفص في  مكانه لا يجرؤ على الحركة جمع غفير !

صدرت منها التفاتة إلى "الفرسان" الأربعة، كانوا جزءا من الديكور العام.

عجيب ! لم تعد تشعر بشيء نحوهم....

وئدت المودة ...

وتبخرالنفور المتصارع مع ذاته الذي ولدته وقائع مقابلة الرئيس قبل سنتين...

 لا شيء... لا شيء... !

ساعة السقوط من القلب ينتهي كل شيء، وسقوطهم من قلبها كان  مؤلما، عرفت على إثره أن لا شيء أكثر فظاعة وقسوة وتدميرا من السقوط من القلب، بعده لا أمل في رتق الأشلاء !

انتبهت على ابتسامة "الفارس" الرابع الخجولة. لم يرافقهم في رحلة الدراسة، كان يدرس بالخارج. جمعتهما المؤسسة، وقع الاستلطاف فالخطوبة، وحل يوم السقوط بدون استئذان.

***

نصب الزمان نفسه حارسا عليهما ذات صباح. استيقظت مكرهة على رنين الهاتف الملح. جاءها صوت الفارس الرابع ضاحكا في استنكار:

- نائمة؟

نظرت إلى الساعة. العاشرة صباحا. ردت في شبه رجاء:

- إنها نهاية الأسبوع !

 لم ينفع الرجاء. أمر طارئ. اجتماع الفرسان. ضرورة الحضور.

وجدتهم ينتظرونها في المقهى الشاطئي، امتلأ القلب فرحا عند رؤيتهم. كانت تعزهم، وتصادق على تلقيب أنفسهم بالفرسان.

فارس، كل من يجرؤ على مد آفاق تفكيره إلى الخارج وهو ابن قوم حملوا الزمن على ظهورهم لحظة فلحظة، وعانوا الصبر نقطة نقطة ... وعاشوا حياتهم مطاردين بالفقر والجهل وأشباح داخلية وخارجية، نهارية وليلية مدججة.

- لم يشملنا قرار الترسيم ! أخبرها الفارس الأول.

- ماذا؟

-  تأكدنا من الأمر. أضاف الفارس الثاني.

- يبدو أننا بحاجة إلى ظهر يسندنا. لم تكن الكفاءة أم المعايير! قال الفارس الرابع.

- سنطلب مقابلة الرئيس يوم الاثنين. أجمعوا

طلبت مهلة لكي يسألوا عن التفاصيل، اعترضوا. تشبثت بضرورة التريث. ساندها الفارس الرابع في النهاية.

لم ينقطع رنين هاتف منزلها طوال الأيام المجاورة، يستعجلونها ...، ينقلون إليها ما وصلهم من أخبار ... يضعون سيناريوهات لاسترداد الحق.

الخميس صباحا كان موعد المقابلة. وجدتهم في قاعة الانتظار متأنقين متحمسين. طلبوا منها عدم التدخل في النقاش:

- الفاسق لا يعرف كيف يعامل النساء خارج دائرته الخاصة.

- متى سيتعلم العجوز اذن ؟

 تساءلت ساخرة وهي تحاول التخلص بلطف من الوصاية.

 طال انتظارهم في قاعة الانتظار. ساد الصمت، ساعة... ساعتان... ثلاث ساعات:

- الرئيس في اجتماع، كررت الكاتبة.

- أعطانا موعدا في الساعة التاسعة، هلا ذكرته بذلك.

- لا أستطيع، طلب مني عدم الإزعاج.

ساد التوتر.. الساعة الواحدة بعد الزوال:

- لم ينته الاجتماع بعد !

نفذ صبرها. نظرت إلى الفرسان الأربعة. كانوا يجلسون واجمين:

- نعلم أن الاجتماع  وهمي؛ ماذا سنفعل الآن؟

-ننتظر، ليس لدينا خيار آخر !

لم تكن مقتنعة لكنها جارتهم. خيل إليها أن عزيمة الفرسان اضمحلت، طردت الظن بسرعة. في الساعة الثالثة، سمح لهم بالمثول بين يديه الكريمتين.

استقبلهم بابتسامة الواثق في كرم الأيام. لم يقدم اعتذارا. مذ عين في المنصب الكبير وهو يتلذذ بإذلال الناس وتسخير الوقت... وقت مطاطي لين يقول له كن فيكون. تأملته: رجل محترم ما في ذلك شك ! كل شيء فيه يدل على أنه محترم من سلالة محترمة: بذلته الغالية، قميصه، ربطة عنقه وأشياء صغيرة أخرى دالة... أما بعض الأشياء الكبيرة فيحبل بها دفتر مواعيده !

سلمت عليه ببرود.هالتها الحفاوة في سلام أصدقائها.

أعطاهم الكلمة. ساد الصمت. شعرت بثقله، فنظرت نحوهم تحثهم على الكلام. لم تجد أحدا منهم. أغمضت عينيها وفتحتهما من جديد.

لا أثر للفرسان الأربعة!

تأثير الجوع والتعب والغضب ، لا شك في ذلك   ! 

 أجالت نظرها في القاعة، كان الرئيس يجلس مزهوا على كرسيه وصور نجاحات ساحقة تتراقص أمام عينيه. دققت النظر في المقاعد وأركانها، وشاهدت أخيرا أربعة أرانب ينتحي كل أرنب منها ركنا في ذعر تام.

ضاعت الجهات الست. حل التيهان. وهي تحاول طي مسافته، سألها عن الشعراء الذين تحبهم.

الشعراء؟! يبدو أن هذا اليوم لا يشبه أياما مرت، ولا أياما ستمر.

 سمعت عنه حبه لنوع خاص من الشعر، أجابت في لؤم:

- أحب الشعراء الصعاليك! عروة بن الورد تحديدا !

استنكر اختيارها. مثلها تحل منزلا من حمى الفؤاد مكينا، ولا تحسو قراح الماء والماء بارد...

 استرسل ...

 تمادى... تمادى...

تمادى....

نظرت في اتجاه الفارس الرابع، قابلتها صورة أرنب ينفس عن غضبه بغرز أظافره في جلد المقعد.

 أضعف الإيمان!

الحب والجبن!

يا للبؤس!

داخلها صرخ خراب المؤسسة، وساعات الانتظار الطويلة بدون اعتذار والغزل الفج والفرسان الممسوخة، فنسيت كل دروس الواقع المستسلم غير المتهور وصرخت في وجه الرئيس.

احتد صوته يذكرها بأنها تحدث الرئيس، واحتد صوتها لا تردعه العواقب يذكره بحدود وواجبات الرئيس. ساد الصمت فجأة، حين تدخل الأرنب الرابع يلتمس لها بعض العذر في خنوع الأرانب المدجنة!

تكره الأرانب المدجنة. الأرانب التي تحبها - عندما يتعلق الأمر بأرانب طبيعية - تفضلها برية تسابق الريح!

أحست بإرهاق اللحظة، سافرت عبر الزمن...

- أترفض "توثة" شبان القبيلة الوسيمين، وتغرم بحدو أوقشور[1] ؟ بنصف رجل يا نانا[2] ! أذن واحدة، عين واحدة، يد واحدة، رجل واحدة...

- نصف أنف، نصف فم... أضافت الجدة إيتا، وكل الشجاعة التي افتقر إليها شبانك الوسيمون لمواجهة الغول !

قبلتها. أخذت وجهها بين راحتيها. ركزت نظرها في عينيها:

- لا تنسي هذا أبدا يا  إيلي[3] ! كل جمال الدنيا في قوة حقيقية حامية!

- قوة حقيقية حامية؟

- أجل. تلك التي تنبع من الداخل، تحمي الآخر بحماية النفس من ضعف النفس.. بحنان تحضنك، تحترم إنسانيتك ولا تخذلك.

هذا النوع من القوة نادر في زماننا. الادعاء والغرور يغلفان الضعف، والعنف والفظاظة يظنان أنهما قوة.

قطعت مسافة من العمر، فهمت  وأبدا لم تنس!

سأل الرئيس وقد غير نبرته وارتدى قناع السماحة، تفضحه ابتسامة كريهة تشي بتاريخ طويل من الحربائية:

- ما الذي بوسعي فعله  من أجلكم!

كان عليها ضبط النفس وهي تعيد ما خطوه جميعا في طلب المقابلة في جو تملؤه روائح الأرانب الخرساء، والحرباء التي رفضت مناقشة الموضوع. فقدت السيطرة على نفسها عندما بدأ صوته يعلوويعلو وهويهدد بسوء عاقبة الموظف الذي يتجاوز الخط المرسوم له، ويتدخل في صميم عمل الرئيس.

- السيبة هذه ! قالت.

أضافت وعيناها على جواز السفر منقذا رحيما :

- أنا في انتظار أمر تسريحي من العمل، لأتأكد بأنني أجيرة في ضيعة خاصة !

خرجت دون أن تنتظر الأرانب التي ازدادت انكماشا وهلعا، في حين علت الصفرة وجه الرئيس.

§§§

 

ليلتها لم تنم.

فكرت في الهجرة ...

في أصدقائها...

علقت الهاتف، ولم تستطع تعليق الصراع المحتدم في نفسها.

 تعرفهم...؟

لا تعرفهم... !

كلما شفع لهم التاريخ المشترك، قفزت صورة الأرانب المنكمشة على نفسها فقوضت الشفاعة !

بحثت طويلا في أدراج ذاكرتها. عثرت على شعارات براقة...

نصوص بلغة بديعة عن مفهومي الحق والكرامة...

 نقاشات طويلة ومضنية عن الجدوى من شهادات عالية لا تؤثر في نفوس وعقليات وسلوكات حامليها !

عثرت أيضا على قصائد شعرية تبشر بولادة فجر جديد !

كل شيء في ذكرياتها يتحدث عن نسل متميز، يعي معنى أن يكون الإنسان إنسانا.

 من أين خرجت تلك الأرانب اذن؟

عز عليها أن تتجاهل كل المشاعر الجميلة وقد انكشف الوجه الآخر، فشرعت تنقب عن المبررات !

شعرت ببعض العزاء المر وهي تستعرض في ذهنها تاريخ "الحكرة" الطويل في البلد !

لعنت الظرفية التاريخية، والليلة الشتوية التي استعين فيها بمصابيح من غاز في انتظار ديمقراطية، قيل إنها ستصل أخيرا ممتطية فرسا أبيا قويا فوصلت زاحفة ترتدي ثوبا سميكا مرقعا يخفي الأعضاء المزروعة بدل المبتورة !

تتذكر اللغط... و"اللاءات" التي شيدت بها المعارضة أهراما.. فصورة الانكسار في العيون المنتظرة وقد علقت شارة النصر!

تتذكر بعد ذلك كيف حضنت لغة اليسار لغة اليمين بدون خجل على صفحات الجرائد وفي المقابلات والتصريحات التلفزيونية... وكيف استقر الإحباط واليأس في النفوس ونبوءات آخر الساعة تتحقق، فيأكل الجراد فضلة الزحاف وفضلة الجراد يأكلها الجندب وفضلة الجندب يأكلها الدبي !

غمرها حنان مفاجئ وهي تستعرض صورة كفاح أصدقائها، ومساحة أحلامهم التي ظنت أن الانتظار الطويل في الهامش لم يقلصها، ولا نال منها ضغط المسؤولية التي تنتظرهم لإنقاذ العائلة.

 كادت تستسلم  لغفوة مريحة، حينما خرج  من عمق القرن التاسع عشر جدها الأكبر من جهة الأب يحمل معوله متحديا جدها الأكبر من جهة الأم:

- لا وقت لدي لسجنك أيها القائد ! تنتظرني أفواه جائعة لأطعمها!

الذين  يجلسون مثلها على كرسيين طبقيين جد متفاوتين من صنع مدينتها، يدركون وهم أجنة حجم السلطة التي واجهها ذلك الفلاح البسيط. بيد أن القائد التاريخي الذي وحد القبائل الأطلسية تحت إمرته طوعا وكرها وهو يبني المدينة، ومثل شوكة حادة في حلق المخزن لم تخفف من حدتها أول مصاهرة، كان يحترم الرجال الأحرار.

 استدعاه إلى خيمته، جمعت بينهما صداقة أثمرت إعادة النظر في قيمة تأجير الأرض بما يتناسب وعائداتها، والصمود المتكتل في وجه الاستعمار الفرنسي.

سنوات طويلة... طويلة بعد ذلك ، باركا من العالم الآخر زواج حفيديهما، وقرابة المصاهرة تملؤهما سعادة.

تطلب الأمر زمنا لتتحول القيمة الإنسانية الصرفة إلى قيمة اجتماعية يسندها عنصر مادي. يحلل والدها، وهو يعبر بها المسافة التي استغرقها انتشار التعليم في الرفع من قيمة حفدة وأبناء الفقراء اجتماعيا.

 إنسان حقيقي! تمتمت بإعجاب كبير. لا ظهر كان يحميه من سلطة مطلقة. لا مال ! لا شهادة عالية ! لا نقابة! ولا إعلام! ولا جمعيات تهتم بحقوق الإنسان!...

شيء واحد حماه، إيمانه بأنه إنسان حر!

أطارت النوم من عينيها ذكرى هذا الجد، الذي اكتشفت أنها إليه انتمت دائما، وحل الصراع من جديد: ظلت الليل بطوله تعيش حياة الاحترام المطعون، تحاول تضميد جراحه إلى أجل، فتأسره بالذكريات الطيبة التي تشكل نواة الحنين، ولكنه ما يلبث أن ينزف في ألم كبير.

***

وجدت الأربعة في الصباح يتوسطون مجموعة من الزميلات والزملاء في مقصف  المؤسسة. ألقت التحية. طلبت شايا وجلست في ركن قصي. عملية السقوط النهائي من القلب تمت، حينما تناهى إلى سمعها صوت الأول  يحكي عن بطولات الأمس.

وزع الأدوار بحسب الصورة المترسخة عن المجموعة لدى الآخرين، اختص هو والثاني والثالث بإفحام الرئيس بالحجة والبرهان، واختص الرابع بحمايتها بسيوف النبل.

 يا للحظ المقدام الأبي! فكرت في سخرية حزينة.

 استولى عليها ذهول شديد، فأغرقت  نظرها في كأس الشاي وهي تدمن الصمت.  انتشلها صوت الثالث يطلب تأييدها:

- ها فاطمة تأكد ليكم!

سألت في شرود: نعم؟

- كنت أحكي لهم عن اصفرار وجه الرئيس، عندما هددناه بتصعيد الموقف!

أسعفها كأس الشاي من جديد، رشفت رشفة منه وهي تفكر في نون الجماعة.

 تلك التي لا تجتمع على ضلال!

أحست بالصحراء تكبر فيها...

لم تشعر بمثل تصحر النفس ذاك، حتى عندما استل الزمان سيف الجلاد وصحت وهي لم تكمل بعد سن العشرين على أشلاء حلمها وقد تطايرت في سماء باريس، شهرا واحدا قبل موعد التحقق.

 الموت قضاء وقدرا انتهت إلى تقبله. حينما حولت حادثة السير الحياة المتفجرة داخلها شللا متحركا، قاومه الإيمان وحياة الذكريات الموشومة برقة الإنسان الأبي القوي. ما ينشر فيها الضياع والذهول، هي هذه الحياة الموت التي استشرى وباؤها الشرس في البلد، بفعل القمع والخوف والتخاذل والتواكل واللامبالاة ...و...

لا تدري كم مضى من الوقت وهي جامدة في مكانها لا تتحرك، قبل أن يتجه نحوها الرابع:

- لا تجيبين على الهاتف!

رشفة أخرى مسعفة ومانعة لرد جارح، احتراما لزمان ولى.

- سأنتظرك في المقهى الشاطئي.

 نظرت إليه.

 لا أحد يعرف أحدا !

ملأ الخجل عينيه. الوحيد بين الأربعة الذي أحس بالخجل. خفت حدة نظرتها، جميل أن يحس الإنسان بالخجل من نفسه، بيد أن هناك أناسا يقضون العمر برمته وهم يخجلون من أنفسهم.

قالت وهي تهم بالانصراف:

- لن أحضر. لا داعي للانتظار.

ما حدث بعد ذلك لا تعرف كيف تؤوله:

 ربما...

 وربما...

في لحظات كثيرة تختلط الأمور...

 استدعاها الرئيس لمقابلته بعد بضعة أيام ، بشرها في ود مصطنع.

- والآخرون؟ سألت

- وهم أيضا.

قبل انصرافها، قدم لها نصيحة تطرزها الشماتة:

- احرصي مستقبلا على حسن اختيار الأصدقاء والزوج!

جواسيس أمناء ! استغربت.

غضت الطرف عن الشماتة، لكنها لم تتحمل احتقار مثله لأصدقائها القدامى. قالت وهي تصافحه مودعة :

- لا أحد يسلم من تاريخ طويل من الأساطير والإرهاب والقهر المزدوج.

شعرت بالاختناق. حرارة الجو في القاعة تشتد، تكتم على أنفاسها...

 على أنفاس بعض النساء والرجال...

 بدوره اختنق الرئيس المخلوع وهو أعزل : نزع سترته، ربطة عنقه، فك أزرار قميصه، فتبدت "حرباء فداء" العهد القديم مذبوحة من الوريد إلى الوريد... لسانها لا يزال يخطب، وعيناها شاخصتان في الرئيس الجديد/النائب السكين، و في الأرانب المتناسلة والحرابي التي لم  تسعفها مهاراتها بعد في تقلد المناصب الكبيرة!

فضلت ترك القاعة مع القلة التي حافظت على صفتها الآدمية، وفي الخارج استقبلت الجميع رياح عاتية!

 


 


 

[1]   بطل أسطورة  أمازيغية.

[2]  نانا (بتشديد النون الثانية) : جدتي

[3]  إيلي (بتشديد اللام) : ابنتي

 

 

 

د. فاتحة الطايب


التعليقات

الاسم: نزار حاتم
التاريخ: 26/12/2009 01:48:54
نص مشحون بجو تراجيدي يمزج الوقعي بالخيالي ، هو الواقعية الخيالية التي تحمل بين ثنايها حساسية هي الأقرب الى الحساسية الشعرية ، تجربة او سيرة حياة ، أو واقعة يمكن أن تماثلها كثيرات في عالم يتناسل فيه التخلف الذي ثارت عليه الكاتبة سلوكا بقلم يفضح الزيف ويلتحم مع الأنسانية الى حد بعيد .
ليس هذا النص وحده يعكس ثقافة الناقدة والقاصة الدكتورة فاتحة الطايب فحسب ، بل كل نصوصها تعنينا، لأنها دوما تقوم بعمل تنقيبي عن الكامن المؤثر بقوة في طبيعة الأشياء الخارجية ، وأحسب أن تلك هي مهمة المثقف مادامت نتاجاته تلامس اللاوعي فتستنهض وعي المجتمع على واقعه ليقول لا للزيق ، ونعم للأنسانية .

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 18/09/2009 10:46:17
لا اعرف صديقتي الدكتورة فاتحة
انني اجد ثمة تناص بينك وبين اوسترياس في السيد الرئيس
وهذا من روائع الابداع وقوة النص حيث اشتغلت سيدتي على منظومة معرفية اخذتنا مع جمال سردك الى عوالم لم نألفها كونها تمثل خط من خطوط التابو في عالمنا العربي
سلاما لروعة حروفك
ود لاينتهي لعينيك

الاسم: وفاء عبد الرزاق
التاريخ: 18/09/2009 10:40:41
حياتي د فاتحة
لا خاب من اعطاك هذه الاسم فانت فاتحة النصوص بثرائك العذب وباسلوبك الذي يلتقط الواقع ويحيله الى جمال ادبي

انت فاتحة بارعة.

اسعدني نصك كثيرا وكانني ارى نفسي فيه .




5000