..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / المدينة

د. علي القاسمي

قصة قصيرة  

المدينة

دخلتُ المدينةَ أوَّلَ مرَّةٍ عندما كنتُ فتىً يافعاً غريراً، وعالَمي يقتصر على فضاء قريتنا الإنسانيّ البسيط: بيوت طينيّة قليلة متواضعة، تحيط بها حقول شاسعة خضراء، وتُظلّها سماء صافية الزرقة معظم أيام السنة، وتتغلغل أشعة الشمس الذهبيّة في كلِّ مكان: في المزارع والأزقَّة والمنازل والقلوب، تحمل معها الدفء والحنان، وتُشعِل الألوان زاهية في المراعي والحقول وا لبساتين، وتبعث البريق في العيون. وفي الليل غالباً ما ننام على سطوح المنازل أو في باحاتها المشرعة على السماء، فتبدو النجوم لنا كبيرة قريبة في متناول اليد. وعدد أهالي القرية لا يتعدّى العشرات ويعرف بعضهم بعضاً، وتربط بينهم أواصر القرابة والصداقة والعمل، ويوحِّد مصيرَهم الحرثُ والسقي والحصاد وأحوالُ الزرع والمحصول. البسمة على الشفاه والطيبة في الأفئدة.

غادرتُ قريتي متوجِّهاً إلى المدينة باحثاً عن عمل. فقد بهرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنَّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنَّ مساكنها فاخرة ذات مرافق مريحة تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنَّ غُرفها مجهَّزة بمكيِّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بِحَرٍّ ولا برد، بل بهواءٍ ربيعيٍّ دائم. قالوا إنَّ أحياءَها تتوفَّر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات. وقالوا إنَّ العمل ميسور بأجورٍ سخيّة لمَن يرغب، وإنَّ المرء يعود إلى قريته غنياً بعد فترة وجيزة.

أقبلتُ على المدينة فبدتْ لي من بعيد كتلةً متراصّةً من أبنيةٍ شاهقةٍ بُنِّيَّة اللون. وكلَّما اقتربتُ منها تلاشت المزارع والخضرة من حولي، وخفتتْ أصوات الطيور، وطغى ضجيجُ المعامل المنتشرة في أطراف المدينة، واتشحت زرقة السماء بدخانٍ أسودَ يتصاعد من مداخن المصانع.

كاد أوَّل شارع ولجته في أطراف المدينة يخلو من المارة. أردتُ أن أسأل أحدهم عن نُزُلٍ أسكن فيه. ولكنِّي لم أجد أيَّ فرد في ذلك الشارع سوى بعض السيّارات التي كانت تمرق مسرعةً بجانبي وتوشك أن تُلقي بي أرضاً. سرتُ طويلاً قبل أن أصلَ تقاطع الطرق. وهناك رأيت شرطيّاً ببزَّته الخاكيَّة، يقف على منصّة في وسط الساحة، وهو يرفع يدَيه يميناً وشمالاً لتنظيم حركة مرور السيّارات. وأقعى إلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثةِ حسبتُه واحداً من تلك الكلاب البوليسيّة التي سمعت عن عجائبها. لم أجرؤ على الاقتراب من الشرطيّ أو طلب مساعدته، لأنَّه لم يأبه بي، ربَّما بسبب انهماكه في عمله.

الشارع خالٍ تقريباً من المارة، والسيّاراتُ فيه نادرة. واصلتُ سيري وأنا أحرص على المشي على الرصيف خوفاً من السيّارات التي قد تنطلق في وسط الشارع. وعندما سمعتُ ضوضاء قادمة من الخلف تُنْبئ بقدوم إحدى هذه السيّارات، أدرتُ وجهي إليها فلمحت رجلاً يقود سيّارته، وعلى المقعد المجاور له كلبُ يُقعي على رجليه ويطلُّ برأسه من النافذة الجانبيّة نصف المفتوحة. 

شاهدتُ على الرصيف امرأةً تسير في اتّجاهي وهي تدفع عربةً أمامها، لا شكَّ أنَّها تحمل رضيعها في تلك العربة. وعزمتُ على أن أرجو منها أن تدلَّني على نُزُلٍ قريب. وعندما اقتربتْ مني رأيتُ في العربة كلباً صغيراً ذا شعر طويل أشبه ما يكون بالقطة وقد أراح رأسه على الوسادة داخل العربة وغطّ في إغفاءة هنيئة. غلبتني الدهشة وهلةً، وعندما أردتُ أن أتوجّه بسؤالي إلى السيدة، كانت قد ابتعدت بعربتها ولم يعُد من اللائق أن أتبعها لألقي عليها بسؤالي.

أقْبلَ رجلٌ وهو يقود كلباً متوسطَ الحجم بسلسلةٍ تنتهي بطوقٍ جلديٍّ على عُنق الكلب. ألقيتُ السلام على الرجل وتوقفتُ لأرجوه أن يدلَّني على نُزُلٍ قريب أستطيع أن أقيم فيه. ولكنَّ الرجل لم يردّ التحية، ونظر إليّ باستغراب، ومضى في سبيله دون أن يتيح لي فرصة السؤال. 

واصلتُ سيري وأنا أتطلَّع إلى المنازل المُمتدّة على جانبَي الشارع، وهي موصدة الأبواب، ولكن بعض نوافذها مفتوحة ومحميَّة بمشبّك حديديّ. ودفعني حبُّ الاستطلاع إلى إلقاء نظرة على بعض تلك النوافذ المشرَعة. فرأيت من خلال إحداها صالةً مؤثَّثةً بمجموعةٍ من الأرائك الفاخرة، وقد استلقى على إحداها كلب ضخم أسود أفطس الأنف، وما إن التقت نظراتنا حتّى اكفهر وجهه، وكشّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم عليّ. ابتعدتُ مُسرِعاً عن النافذة بقلبٍ خافق.

لم أستطِع مقاومةَ حبِّ الاستطلاع في داخلي وأخذتُ أنظر إلى النوافذ المطلَّة على الشارع. فألفيتُ معظم الغرف فارغة لا أحد فيها. ولكنَّني رأيت في داخل إحدى هذه النوافذ المفتوحة كلباً يستحمُّ في المغطس وقد انهمكت امرأة في غسله بالصابون والماء، ورائحة العطور تفوح عبر النافذة.

وتوقَّفتُ أمام واجهة زجاجية كبيرة لإحدى المحلات التجاريّة وقد عُرض فيها عددٌ من الجِراء ( صغار الكلاب )، وهي تلعب مع بعضها أو تأكل طعامها أو تَلِغ في آنية الماء الموضوعة بعنايةٍ في زاويةِ مكانِ العرض. كانت كلُّها نظيفة لامعة الشعر.

واصلتُ سيري في الشارع، وكلَّما اقتربتُ من وسط المدينة ازداد عدد المارَّة وكثرت المحلات التجاريّة. بَيْدَ أنَّني لم أفلح في التحدُّث إلى أيِّ واحد من الناس، رجلاً كان أو امرأة. فكلُّ واحد من أولئك المارَّة كان يصطحب كلباً يُشغله عن أي شيءٍ آخر. بعضهم يجرُّه وراءَه بسلسلة، وبعضهم الآخر استغنى عن السلسلة وراح كلبه يتبعه أو يسير إلى جانبه أو أمامه. أبادرهم بالسَّلام فلا يردّون عليَّ بل ينظرون إليَّ بشيءٍ من الاستغراب ثمَّ يمضون مبتعدين عني.

وأخيراً تأكَّد لي أنَّ أحداً لن يتحدَّث معي. ولا بُدَّ لي من الاعتماد على نفسي ومحاولة قراءة اللوحات المعلَّقة على البنايات لَعلّي أعثر على نُزُل. لم أقرأ منذ مُدّة طويلة، وأخذتُ أنسى ما تعلمتُه من القراءة في المدرسة الأوَّليّة في قريتي، وصار التمييز بين الحروف المتشابهة أمراً عسيراً عليّ. فرحتُ أتوقَّف بين الفينة والفينة لأفكَّ رموزَ لوحةٍ من اللوحات.

وبينما كنتُ أقرأ إحدى هذه اللوحات في الجانب الآخر من الشارع، جذب انتباهي كلبٌ أوقف صاحبَه على الرصيف المقابل وأخذ ينظر إلى الرصيف الذي كنتُ أسير عليه. ظننته أوَّل الأمر ينظر إليّ. ولكنَّني وجدت رجلاً يسير خلفي مباشرة ومعه كلبه. وقد أوقف هذا الكلبُ صاحبَه كذلك، وراح ينظر إلى الكلب الآخر على الرصيف المقابل. ثمَّ أخذ الكلبان بجرِ صاحبَيهما متجهَين أحدهما نحو الآخر حتّى التقيا وسط الشارع. وهناك، شرع الكلبان في تبادل النظرات، وصدرت منهما همهمة خافتة، ثمَّ أخذا بشمِّ أحدهما الآخر، وانغمرا في عناق طويل، في حين وقف صاحباهما كلٌّ في مكانه من دون أن يتبادلا كلمة. وتوقَّفتْ حركة المرور في الشارع، وانتظرتِ السيارات من الجهتين حتّى انتهى لقاء الكلبين.

وبعد جهدٍ، قرأتُ كلمة النُزُل في لوحةٍ من اللوحات وهي تشير إلى شارع جانبيّ. توجهتُ إلى ذلك الشارع الفرعيّ. كان الطريق مُوحِشاً والأبواب موصدة. وسرتُ حتّى رأيت بناءً كبيراً له بابٌ واسع مفتوح على مصراعَيه فدخلتُ منه. امتدَّ أمامي ممرّ طويل وعلى جانبيه أقفاص حديديّة متراصَّة لها أبواب تُفضي إلى الممرّ. وفي كلِّ قفصٍ منها كلبٌ وأمامه إناءُ ماءٍ وصحنُ طعام. كانت الكلاب من أنواع متعدِّدة، وذات ألوان مختلفة، ولها أحجام متباينة.

لمحتُ في آخر الممرِّ مكتباً، يتوسَّطه رجلٌ بَدينٌ يجلس على كرسيّ وثير وأمامه منضدةٌ كبيرةٌ عليها سجلات وأقلام، وهو يدوّن شيئاً في تلك السجلات. نظر إليّ الرجل وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية:
 

ـ هل تريد أن تحجز مكاناً لكلبك في النُزُل؟

ـ ما عندي كلب.

ـ إذن ، ترغب في شراء كلب؟

ـ لا، ولكن..

فقاطعني قائلاً بنبرة صارمة لا تقبل الردّ: إذن، لا أستطيع أن أفعل شيئاً لك.

وصرف نظره إلى سجلِّه يدّون شيئاً فيه.

خرجتُ من المكان، ورحتُ أحدّق في اللوحة المعلَّقة على بابه، وأكملتُ قراءتها ففهمتُ أنه نُزُل للكلاب. وعدتُ إلى شوارع المدينة أبحث عن نُزُل للبشر. وبعد لأي عثرتُ عليه.

دخلتُ البناية فوجدت ساحةً فسيحةً وفي أرجائها الأربعة انتظمت الغرف. وكان بعض أبوابها مفتوحاً بحيث كنتُ أستطيع أن أرى مَن فيها وما فيها. رأيت،ُ مثلاً، رجلاً وكلباً مستلقيين على سريرين منفصلين في إحدى هذه الغرف. وفي غرفة أخرى، رأيتُ امرأةً تداعب كلباً صغيراً وترمي بدُميةٍ إليه. وتوجَّهتُ إلى مكتب الاستقبال في النُزُل حيث يجلس رجلٌ كهلٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ وإلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثّة.

نظر إليَّ بشيء ظاهر من الاستغراب. سلَّمتُ عليه فلم يردّ السلام. قلتُ:

ـ أريد غرفةً صغيرة .

ـ لماذا؟

ـ لأنَّني أنوي البحث عن عمل لي في هذه المدينة.

ـ ولكن أين كلبك؟

ـ لا كلب لديّ.

في تلك اللحظة ارتسمتْ على مُحيّا الرجل أماراتُ الدهشة الممزوجة بشيء من الخوف والاشمئزاز، وقال:

ـ إذن، لا يمكنك البقاء في النُزُل.

كنتُ على وشك أن أسأل عن السبب، عندما أضاف بعدوانيّة جليّة قائلاً:

ـ بل لا يمكنك البقاء في هذه المدينة ولا العمل فيها.

 

اعترتني الدهشة وداخلتني الحيرة، ووقفتُ مرتبكاً أنظر إلى الرجل باحثاً عن تفسير لقوله. حدّق الرجل في وجهي بحدّة، وأخذت عيناه تحمران شيئاً فشيئاً، وأرنبتا أنفه تخفقان ، وشفتاه ترتعشان بشدّة. وصدر منه صوت خافت سرعان ما علا حتى أصبح أقرب إلى العواء منه إلى الصوت البشري، وراح الزَّبد يخرج من شدقيه، وكشَّر عن أنيابٍ حادة، واستطال فكاه إلى الأمام حتّى أصبحتا مثل فكي الكلب، وانتصبت أذناه، وازداد عواؤه حتّى تحوَّل إلى نباح، وقفز من وراء المنضدة وكاد يقع عليَّ لولا أنَّني تراجعت القهقرى، واستوى على أطرافه الأربعة على الأرض أمامي، وقد تجرّد من ملابسه ونبتَ لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربعة مخالبٌ بارزة، ومُسِخَ كلباً نبّاحاً ضخم الصوت كبير الخطر، فما كان منّي إلا أن أولّي هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعليّ خلفي، لأجرى بأقصى ما استطعتُ في اتّجاه القرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ


 

 

 

صورة المدينة

في الأدب العربيّ والآداب الغربيّة

 د. علي القاسمي

 

دراسة مقارنة بين قصة (المدينة) للكاتب الأمريكي جون أبدايك، المنشورة في قسم (أدب مترجم) في مركز النور، وبين قصة (المدينة) لعلي القاسمي، المنشورة أعلاه.


لقراءة قصة المدينة للكاتب الامريكي جون أبدايك   اضغط هنا   


القرية والمدينة في التقاليد الأدبية


نشأت المدينة نتيجةَ نضال البشريّة من أجل السيطرة على الطبيعة والتحكُّم فيها، بوصفها ملاذاً للإنسان يجد فيه الطمأنينة والأمان. وتحمل المدينةُ، في مكوِّناتها وعمارتها، نظرةّ جديدة للكون والحياة والمجتمع والإنسان، وتنظيماً مُستحدَثاً للعلاقات بين هذه العناصر الأربعة، خاصة العلاقة بين الإنسان ومجتمعه.


وعندما نشأت المدينة، ظهرت إلى الوجود ثنائية القرية والمدينة، وبدأت علاقة جدليّة بين الإنسان المفكِّر والمدينة، يطبعها شعور هو مزيج من الرغبة والنفور، والحبّ والكره، والوصال والهجر. وحينما يغلب الشعور بكره المدينة على الإنسان المفكِّر، يحلم هذا الإنسان المبدع بمدينة أخرى تستجيب إلى تصوراته وطموحاته: مدينة أسطوريًة، أو مدينة طوباويًة، أو مدينة مسحورة. ولكنّ المدينة تبقى هي المدينة.


الشائعُ أنّ التقاليد الأدبيّة والفنيّة، عربيّة كانت أو غربيّة، تمجِّد القريةَ وتتغنى بطبيعتها الأخّاذة، على حين تنال من المدينة وتذمّ أحياءها الصناعية القذرة. فالريف في معظم الأعمال الشعريّة والنثريّة يمثّل منشأ الحياة البشريّة القريبة من الطبيعة حيث الهواء النقي، والمياه العذبة، والخضرة الشاسعة، والمناظر الخلابة، والعلاقات الإنسانيّة الحميمة؛ فالريف هو أصل الحكمة، وموطن البراءة، وواهب الصحة والجمال والسعادة.


وفي المقابل، يسلِّط جلُّ القصص والقصائد وبقية الأعمال الفنيّة الضوءَ على مساوئ المدينة المتمثِّلة أساساً في هوائها الملوُّث، وضوضائها المضرّة، وازدحامها بوسائط النقل، وإفرازها تشوّهات حضاريّة نتيجةَ الثورة الصناعيّة التي أرادت ربط الإنسان بالآلة في المصنع، وحاولت نزع أحاسيسه ومشاعره ليكون شبيهاً بالآلة في أدائها ودقّتها وسرعتها. ومن هنا طغت الماديّة على المدينة واضمحلّت فيها القيم الإنسانيّة (1).


وقد انعكست محبّة الكُتّاب للقرية وبُغضهم للمدينة على اللغة المُستعمَلة. ولا أدلّ على ذلك من الفرق الدلاليّ بين إيجابية النعت " طبيعيّ " وسلبيّة مقابله " اصطناعيّ".


ولكنْ، هنالك من المفكِّرين والأدباء مَن اشتهروا بحبّهم للمدينة وتفضيلها على القرية. فإذا كان الشاعر الرومانسيّ الإنجليزيّ وليم وردزورث لم يحتمل العيش في لندن وفضّل العودة إلى منتجعه في منطقة البحيرات الجميلة التي كانت تلهمه روائع أشعاره، فإنّ معاصره الأديب الإنجليزيّ الدكتور صموئيل جونسون، مصنّف أول معجم إنجليزيّ متكامل، اشتهر بعشقه الذي لا حدّ له لمدينة لندن، ونُقلت عنه مقولته " إذا ملّ الإنسان مدينة لندن، فقد ملّ الحياة"، لأن المدينة تستطيع أن تعطيك كلَّ ما يمكن للحياة إعطاؤه(2). ويشاركه في هذا الرأي في المدينة الفيلسوفُ الفرنسيّ فولتير . وفي الأدب العربيّ الحديث نجد الروائي نجيب محفوظ يعبِّر عن عشقه للقاهرة في روايته الثلاثية الشهيرة، وكذلك الروائي عبد الرحمن منيف الذي تجلّى حبّه للمدن في أعماله مثل روايته الثلاثية " أرض السواد"، التي أعلن فيها حبَّه لمدينة بغداد، وفي كتابه " سيرة مدينة " الذي خصّصه لمدينة عَمّان حيث ترعرع.


وتكمن محاسن المدينة في اتساعها وضخامتها, وقوّتها، وتنوّع أماكنها، وتخصّصها، وكثرة مواردها البشريّة والماديّة. وتؤدّي هذه المحاسن إلى شعور الإنسان بالحريّة المتمثِّلة في تعدد اختياراته، والتحرر والتخلُّص من القيود الاجتماعيّة التي تفرضها عليه القرية بسبب ضيقها، وعلاقاتها البشريّة الملتحمة، وتمسّكها بالأعراف والتقاليد.


بَيد أنّ هذه الحرّيّة التي تُعدّ حسنة المدينة هي، في الوقت ذاته، مصدر سيّئتها الأساسيّة التي يجسّدها الشعور بالعزلة والوحدة والغربة والضياع. فخصائص المدينة، من اتساع وضخامة وقسوة وجفاف ووتيرة عمل سريعة، تُضعِف العلاقات الإنسانيّة وتجعل كلَّ فرد منشغلاً بذاته عن الآخرين.


المدينة في نظر الكتّاب العرب والغربيين:


في هذه الورقة سنتناول نظرةَ بعض الكُتّاب العرب والغربيّين إلى المدينة، من خلال قصتين تحملان كلتاهما عنوان " المدينة"، أحداهما للكاتب الأمريكي الأشهر جون أبدايك (3) والأخرى للكاتب العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي (4).


قصة " المدينة " لجون أبدايك


تدور قصة " المدينة " لجون أبدايك (5) حول وكيلِ مبيعاتٍ لمصنعٍ متخصّص في الحواسيب الصغيرة وأنظمة معالجة المعلومات، اسمه كارسون، وهو في منتصف العمر ومطلّق من زوجته وله ابن يعيش في المكسيك وابنة أعلنت رسميّاً تخلّيها عن أبوته وسجّلت ذلك في المحكمة. يسافر كارسون بالطائرة إلى إحدى المدن لتسويق مبيعاته. وكان يجلس إلى جانبيه، في الطائرة، شابان من رجال الأعمال لكلّ منهما " شارب محدّد فوق فمه الشاحب المُطبَق". "وعندما تريد أن تتبادل بضع كلمات معهما فإنك ستسمع أصواتاً لا تفهم منها شيئاً وتبدو كأنّها صادرة من صندوق صفيح أشبه ما يكون بأرخص أجهزة التلفزيون". وحينما كان كارسون في موقف سيارات الأجرة في مطار الوصول لم يرَ الشابين، " فقد ذابا في الزحام مع الكثيرين من أمثالهم من الشبان."


وقبل هبوط الطائرة، يشعر كارسون بمغصٍ معويّ، يحتمله بتجلُّد. وفي الفندق يزداد ألمه. ولعدم وجود مَن يساعده في جلب الدواء، ينزل كارسون إلى الصيدليّة لجلب الدواء. ولكن الألم يزداد تلك الليلة، فينصحه موظف الاستقبال في الفندق بالذهاب إلى عيادة الطوارئ في مستشفى المدينة. وهناك يتوجَّب عليه أن يمرّ بإجراءات طويلة ويملأ استمارات عديدة يثبت فيها قدرته الماليّة على تسديد مصاريف المستشفى. " وخطر له أنّ الإنسان قد يموت في المستشفى أثناء تلك الإجراءات البطيئة." وأخيراً فحصه طبيب شاب ولكنّه لم يكن متأكِّداً من تشخيص المرض. ولهذا أُخذت عَيِّنات من دمه لإجراء فحوص مختبريّة إضافيّة عليها. وكان على كارسون أن ينتظر في سريرٍ في غرفة يشغلها مريضان آخران، كانا "يئنان ويغنيان أغنيات لا لحن لها، وعندما يزورهما الأطباء ، كانا يتوسلان إليهم للسماح لهما بالخروج من المستشفى ويعِدان بأن يكونا مستقيمين من الآن فصاعداً" .


وبعد إجراء فحوصات متعدَّدة لكارسون من قِبَل أطباء مختلفين، استُدعي طبيب متخصص أُخرِج من حفلة خاصة. وقرّر هذا الطبيب إجراء عملية جراحيّة لإزالة الزائدة الدوديّة التي تحرّكت من موضعها. وأثناء العملية الجراحيّة، يحلم كارسون، وهو تحت التخدير، بأنّه حُشر في نفق مظلم. ثم وجد نفسه في غرفة عاديّة في المستشفى. "وكان إلى جانبه رجل قصير ذو وجه ضيق مُتكدِّر يستلقي في الفراش الذي بجانبه وهو يدخّن ويحدّق في جهاز التلفزيون."


وفي فترة النقاهة، نُقل كارسون إلى غرفة أخرى خاصة به وحده. " وكان يشعر بالسعادة الخالصة في هذا الجناح من المستشفى الذي يخلو من الناس إذ لا يراه ولا يعرفه أحد هناك."


وعندما انتهت فترة النقاهة وخرج كارسون من المستشفى " استقلّ سيّارة أجرة إلى المطار مباشرة، ولم يرَ من المدينة إلا معالمها التي لاحت له عن بُعد حين مرّ بالطريق السيّار وبتقاطع الطرق الزاخرة بالسيّارات. وبعد إقلاع الطائرة انتشرت تحته المدينةُ مثل خريطة ثم اختفت. ومع ذلك، فإنّه عندما فكّر في أصوات المزارعين، وناطحات السحاب البعيدة، وزيارات الممرضات الليليّة، والأطباء، والمنازل الملطّخة التي لا تثير أيّ انتباه، وعشرات الوجوه التي ارتفعت مع الألم إلى سطح مُخيّلته، بدا له أنّه توصَّل إلى معرفة المدينة عن كثب. كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة، خلال إحدى رحلاته الأخرى، ودفع لها فأسلمت جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ."


قراءة قصة جون أبدايك:


في هذه القصة القصيرة التي تُعدّ من أروع قصص جون أبدايك، نجد أنّ السارد يحكي الأحداث بضمير الغائب فهو يتحدّث عن كارسون وما وقع له في المدينة. وهذا يمنح السارد أو الكاتب الذي يروي الأحداث أن يعلّق عليها من مخزون معارفه، فيعرّفنا بأهم معالِم المدينة الأمريكيّة التي تميزها عن القرية، فيقول:


" صار الآن (أي كارسون)، وهو في الخمسين من عمره، ذوّاقة للمدن، وأحيائها المركزيّة النامية، وأحزمتها الصناعية المتضخّمة، وسككها الحديديّة الصدئة، وأبنيتها الزجاجيّة الجديدة، وفنادقها المكسوة أرضيتها بالزرابي ذات اللون البرتقاليّ، وحاناتها التي تقلّد الأكواخ الإنجليزيّة في زخرفتها الداخليّة؛ ولكلّ مدينة لهجة خاصة بها، وزي نسائيّ محليّ، وحيّ قديم تاريخيّ متميز، وناطحة سحاب ذات شكل غريب، ومتحف يضمّ لوحة لسيزان، أو قُل لونسلو هومر، لا تجد مثيلاً لها في أيّ مكان آخر."

 

في هذه الفقرة التي تصف المدينة تتتابع الجمل والعبارات تتابعاً سريعاً ويتعالق بعضها ببعض تعالقاً وثيقاً، وكأن الكاتب أراد أن يعطي القارئ انطباعاً إضافيّاً علاوة على المعلومات التي تضمَّنتها تلك الجمل والعبارات. ويتعلَّق هذا الانطباع بخصيصتَين من خصائص المدينة هما: ازدحام المدينة بالبنايات ووسائط النقل والناس، والوتيرة السريعة التي تجري بها الأحداث والأعمال. فالازدحام يبرز على مستويَين: مكانيّ وزمانيّ. وهذا الازدحام يُحيل على الزحام الذي ذاب فيه الشابّان بعد وصولهما إلى المدينة. وكأنّ شخصيّة الفرد تذوب وتنعدم في المدينة بسبب ضخامتها وازدحامها.


ونلاحظ أنّ ذلك الوصف الشامل ينصبّ أساساً على معالمها الخارجيّة، ويغيّب، بصورة مُتعمَّدة، الخصائص الداخليّة في العلاقات الاجتماعيّة بين الأشخاص في المنازل والمصانع والحانات والفنادق ومحطات السكك الحديديّة، إشارة إلى عدم وجود تلك الوشائج الإنسانيّة بين سكان المدينة أو ضعفها. إنّ الشعور بالعزلة والوَحدة والضياع هو الذي يغلب على كلّ فرد هناك.


وإذا كانت اللغة هي أداة التواصل والتفاهم بين الناطقين بها، وهي التي تنسج العلاقات الاجتماعيّة بين الناس وتوثّق أواصر التعاطف بينهم، فإنّ اللغة مغيَّبة في هذه القصة على مستويين مترابطين:


الأول، مستوى الشكل، كما تصوغه التقنيّات السرديّة. فالقاصُّ لا يستخدم الحوار في هذه القصة، على الرغم من تمكُّنه منه واستخدامه له في معظم قصصه القصيرة الأخرى ورواياته العديدة. إنّه يعمد إلى السرد والوصف هنا. وإذا نطق أحد شخوص القصة، كما في حالة إخبار الطبيب المريضَ بنتيجة الفحوص، فإنّ كلامه مبتسر لا يتعدى مفردتين أو ثلاث، في شكل خبر أو أمر لا يقبل الأخذ والرد، ويبقى كارسون " صامتاً مثل كلب لا يمكنه إلا أنْ يعوي أو ينشج." على حدّ قول السارد.


الثاني، مستوى المضمون، فالشخوص صامتون لا يجيدون الكلام، فجارا كارسون في الطائرة " لهما فمٌ مطبق" ، وإذا أراد أن يتبادل معهما بضع كلمات، جاء جوابهما بلغة غير مفهومة وبصورة آليّة مثل جهاز تلفزيون اختلّ فيه الصوت. وجاره في ردهة المستشفى يشاهد التلفزيون ولا يتبادل الكلام معه. والطبيبة التي فحصته تتكلم برطانة أجنبيّة لا يستطيع فهمها، وهكذا. فالعلاقات الإنسانية مقطوعة، ويرمز النصّ لهذا الانقطاع، كذلك، بطلاق كارسون من زوجته، وتخلّي ابنتُه عن أبوّته، وبُعد ابنه مكانيّاً.


إذن، فالشعور بالعزلة والوحدة هو الغالب على سكان المدينة. الإنسان يعيش في مدينة ولكنه في حقيقة الأمر محاط بصحراء قاحلة من العواطف الإنسانيّة. ويرمز الكاتب لهذه العزلة بالغرفة التي أمضى فيها كارسون فترة النقاهة وحده لا يشاركه فيها مريض آخر. ومع ذلك، فقد شعر "بالسعادة الخالصة"، لأنّه اعتاد حياة العزلة وأصبح يتضايق من وجود الناس حوله. وهذا يذكّرنا بذلك الشاعر الصعلوك الذي اعتاد الوحدة في الصحراء وقال:


عوى الذئبُ فاستأنستُ إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ


ويَصِم السارد المدينةَ بسيّئة أخرى هي طغيان المادة على القِيَم، واضمحلال الخصال الروحيّة واختفاؤها. وقد أبرز السارد ذلك بطريقتين:


الأولى، الإكثار من ذكر المعطيات الماديّة في المدينة وإغفال أيّ ذكر لقِيَم أو مُثُل أو عقائد، أو ما يمثّلها من أماكن ومؤسسات. فالقصة تزخر بالطائرات في المطارات، والسيارات المزدحمة في الشوارع وتقاطعاتها، والدرّاجات، وناطحات السحاب، والأجهزة والمعدّات والآلات، وغيرها من المنتجات الصناعيّة. ولكنها تخلو من ذكر المدارس أو أماكن العبادة، كما أنّنا لم نسمع أيّة صلوات أو أدعية يتلوها مريض ما في المستشفى. على العكس من ذلك، أبرز السارد مريضَين كانا يُعالجان من الإدمان على الخمور أو المخدِّرات وكانا يدندنان بأغانٍ لا لحن لها ولا معنى. اللغة هنا مؤلَّفة من مادة الأصوات ولكنها مفرغة من المعاني التي تمثّل روحها.


الثانية، يتجلى طغيان المادة على سكان المدينة في رغبتهم في الحصول على المال بأيّة طريقة مشروعة أو غير مشروعة. إذ تسعى بائعات الهوى في الحانات إلى الحصول على المال ببيع أجسادهن؛ ويسعى الأطباء في المستشفى إلى الحصول على المال بالكذب والتزوير، فلم تكن زياراتهم المتكرّرة لكارسون والتي لا لزوم لها ، أثناء فترة النقاهة، بدافع من مهنتهم الإنسانيّة أو لمواساته، وإنّما من أجل إدراج تلك الزيارات في سِجّل المريض، وقبض ثمنها بعد ذلك.


ولعل وصف السارد للاتصال الهاتفي الذي جرى بين كارسون وابنه، يمثّل انقطاعَ التواصل الإنساني الحاصل في المدينة، وغَـلَبَةَ الروح الماديّة عليها في آن واحد. يقول السارد:


" واتّصل به هاتفيّاً، وعلى حسابه (حساب كارسون)، ابنُه من المكسيك يوم الأحد، وكان صوته يبدو قريباً، وكلامه تتخلّله فترات صمت بصورة تُنذر بالشرّ، وكانت فترات الصمت الطويلة المُربكة بين الأب وابنه، في هذه المكالمة الهاتفيّة، تأكل الدولارات أكلاً."


بل إن طغيان الروح الماديّة على المدينة، وانقطاع العلاقات الإنسانيّة، وانعدام التواصل البشريّ فيها، تلخِّصه الجملة الختاميّة الرائعة:


"كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة خلال إحدى رحلاته الأخرى ودفع لها فأسلمتْ جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ."


وتذكّرنا هذه العبارة الختامية بالشاعر الفرنسي بودلير صاحب " أزهار الألم " الذي شبّه المدينة بالعاهرة.


قصة " المدينة" لعلي القاسمي :


أما قصة " المدينة " لعلي القاسمي (6)، فتتحدّث عن شابٍّ قرويّ بَهرته أخبار المدينة وتوفرُّها على فرصٍ للعمل يغنم الإنسان منها أجراً سخيّاً ويعود بعد مدة إلى قريته رجلاً ميسور الحالً؛ فيتوجّه هذا الشابّ إلى المدينة. يلج أوّل شارع في أطرافها باحثاً عمَّن يدله على نُزُل يحلّ فيه، فلا يجد إلا السيارات التي تمرق مسرعة بجانبه، فيواصل سيره حتّى يصل تقاطعَ طرق يقف في وسطه شرطي ببزته العسكريّة وهو ينظِّم السير وإلى جانبه يُقعي كلبٌ ضخم الجثة، فلم يجرؤ الشابّ على مخاطبة الشرطيّ وتوجيه السؤال إليه. فيواصل السير ماشياً على الرصيف خوفاً من السيارات المنطلقة. ثم يلمح رجلاً يقود سيارته وبجانبه كلب يُطلّ برأسه من نافذة السيارة. وبعد ذلك يشاهد امرأة تسير على الرصيف وهي تدفع عربة صغيرة ينام في داخلها كلب صغير. وبينما كان يشاهد هذا المنظر الغريب بالنسبة إليه، تبتعد المرأة عنه فلم يَعُدْ من اللائق ملاحقتها وإلقاء السؤال عليها عن النُزُل. وبعد قليل يُقبل رجلٌ يقود كلباً بسلسلة، فيلقي عليه الشابّ القرويّ السلامَ، ولكن الرجل لم يرد التحية، بل ينظر إلى الشابّ باستغراب.


ويواصل الشابّ القرويّ سيره في الشارع فيرى من خلال إحدى نوافذ المنازل المفتوحة المحميّة بمُشبّك حديديّ، كلباً ضخماً أسود أفطس الأنف، وما إن التقت نظراتهما حتّى اكفهرّ وجه الكلب وكشَّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم، فيبتعد الشابّ مسرعاً، ولكنّه يواصل النظر من خلال النوافذ حذراً وبدافع من حبِّ الاستطلاع، فيرى، مثلاً، في حمام أحد المنازل، كلباً يستحمّ في المغطس وتتولى امرأة غسله بالماء والصابون المُعطَّر.


ولمّا تأكد للشابّ أن لا أحد في تلك المدينة يدلّه على نُزُل، اعتمد على نفسه وأخذ يتهجّى لوحات المحلات بصعوبة بحثاً عن نُزُل. وعندما يقرأ كلمة " نُزل " في أوّل إحدى اللوحات، يسارع في دخول المحلّ، ولكن يتبين له أنّه نُزُل خاصٌّ بالكلاب. فيواصل البحث حتّى يجد نُزُلاً للبشر. ولكنّ صاحب النُزُل يسأل الشاب قبل كلّ شيء عن كلبه، وعندما يقول الشاب إنّه لا كلب لديه، تظهر أمارات الدهشة والاستغراب على وجه صاحب النُزُل ويطلب منه مغادرة المكان في الحال. وحينما يُبدي الشاب دهشته لذلك، يحدّق صاحب النُزُل فيه بحدّة، وتأخذ عيناه بالاحمرار، وأرنبتا أنفه بالخفقان، وشفتاه بالارتعاش الشديد، ويصدر منه صوت خافت سرعان ما يعلو حتى يصير أقرب إلى العواء، ويروح الزَبَد يخرج من شدقيه، ويكشّر عن أنياب حادّة، ويستطيل فكاه إلى الأمام حتّى يُصبحا مثل فكَّي الكلب، وتنتصب أذناه، ويزداد عواؤه حتّى يتحوّل إلى نباح، ويقفز من وراء المنضدة إلى الأرض، ويستوي على أطرافه الأربعة، وقد نبت لجسمه شعر قصير، ونمت لقوائمه الأربع مخالب بارزة، ومُسِخ كلباً نبّاحاً ضخم الصوت كبير الخطر. فما كان من الشاب إلا أن يولّى هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيه خلفه، جارياً بأقصى ما يستطيع في اتجاه القرية.


قراءة قصة "المدينة" لعلي القاسمي:


عندما نقارن قصة "المدينة" لجون أبدايك بقصة "المدينة" لعلي القاسمي ، نجد أنهما يختلفان من حيث الطول (الأولى 20 صفحة والثانية 7 صفحات)، ومن حيث اللغة والأسلوب، ومن حيث المضمون، ومن حيث الطريقة أو المدرسة السرديّة التي تنتمي كلّ قصة إليها. ولكنّهما تتفقان من حيث تلميحهما إلى مساوئ المدينة.


فالسارد في قصة علي القاسمي يتحدّث بضمير المتكلِّم، فهو يحكي ما حدث له شخصيّاً، وهذا يوحي بشيء من الثقة وبنوع من التصديق. وتزداد ثقة القارئ بالسارد وتصديقه له في بداية القصة حين يبدأ السارد بوصف قريته أولاً بكلمات بسيطة صادقة وبأسلوب إخباريّ مباشر، وكأن القصّاص قد سقط في التقريريّة والمباشريّة، غير أنه سقوط مقصود. يقول السارد في افتتاحية القصة:

" دخلتُ المدينة أوّل مرّة عندما كنتُ فتىً يافعاً غريراً..."


ومما يزيد القارئ ثقة وتصديقاً موضوعيةُ السارد في وصف المدينة وتعداد محاسنها. يقول السارد:


" غادرتُ قريتي متوجهاً إلى المدينة باحثاً عن عمل. فقد بَهَرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنّ مساكنها فاخرة ذات مرافق مريحة تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنّ غرفها مُجهَّزَة بِمكيّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بحرّ ولا برد، بل بهواء ربيعيّ دائم. قالوا إنّ أحياءها تتوفر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات، وقالوا إنّ العمل ميسور بأجور سخيّة لمن يرغب، وإنّ المرء يعود إلى قريته غنيّاً بعد فترة وجيزة."


هذه البداية الواقعيّة التقريريّة في القصّة هي من مستلزمات الأدب العجائبيّ (أو الفنتازي) الذي تنتمي إليه هذه القصة، بحيث يُفاجَأ القارئ بالأحداث العجائبيّة التي تقع في آخر القصة. وهذا أسلوب حذق فيه الكاتب الأمريكي دونالد بارتلم، الملقّب بأبي قصة " ما بعد الحداثة "، والمشهور بقصصه المُكثَّفة ذات الفضاءات العجائبيّة، والأحداث السورياليّة، والشخوص الكاركاتورية. فإذا كانت القصص الواقعيّة العاديّة تقوم على خلق مواقف يتخللها صراع ينتهي بنوع من الحلّ أو التوافق فيشعر القارئ بالارتياح، فإنّ القصص من هذا النوع تبدأ بصورة طبيعية معقولة ولكنها تنتهي بالقارئ إلى الصراع والقلق، وقد تثير فينا أحداثُها أو شخوصُها الضحكَ ولكنه ضحك ممزوج بالألم أو الاستغراب الذي يدفعنا إلى البحث عن حلّ أو إعادة تركيب الأحداث أو تأويلها من جديد.(7) وهذا ما حصل في قصة علي القاسمي. فمزجُها بين الممكن والمستحيل، والواقعيّ والمُتخيَّل، والحقيقيّ والأسطوريّ، يوسّع مدار التخييل لدى المُتلقّي، ويمكّنه من تأويل القصة على مستويات متعددة.


ويمكن قراءة قصة علي القاسمي على مستويات رئيسية ثلاثة:


المستوى الأول، هو مستوى منطوق النص، أو المستوى الظاهر للقصة، الذي ينصبّ على تفشِّي عادة اقتناء الكلاب بين أهل المدن. فما من رجل أو امرأة التقى به أو بها الساردُ إلا وكان رفقة كلب، راجلاً، أو راكباً في سيارة أو عربة. وهذه عادة راسخة مستحكمة في المجتمعات المدينيّة الغربيّة ولها تقاليدها وأصولها وأخذت تنتشر في المدن العربية. ولكن السارد هو قروي اعتاد على أنّ الكلاب قد تساعد في الحراسة أو الرعي، ولكنه لم يتوقّع يوماً أن يرى الكلاب تمتطي السيّارات، وتنام في العربات، وتستحم في مغاطس الحمامات في المنازل.


المستوى الثاني للقراءة هو مفهوم النص الذي يتضمَّنه المنطوق. فتربية الكلاب تنم على الشعور بالوَحدة الذي يعانيه ساكن المدينة. وهنا تتفق هذه القصة مع قصة جون أبدايك في مسألة انحسار العلاقات الإنسانيّة في المدينة. وإذا كان انعدام الحوار هو المؤشِّر إلى ظاهرة العزلة في قصة أبدايك، فإنّ تربية الكلاب في قصة القاسمي هي وسيلة أهل المدن للتخلُّص من الشعور بالعزلة. إضافة إلى أنّ بعض تلك الكلاب هي كلاب حراسة ما يدل على فقدان الأمن وعدم الثقة بالآخرين. ويعزِّز ذلك " الأبواب الموصدة" و " النوافذ المَحميّة بمُشبَّك حديديّ"، وعدم تحدّث أهل المدينة إلى غريب حتّى لو ألقى عليهم التحية وخاطبهم. وقد عرفوا الشاب غريباً ليس من هيئته فحسب بل من عدم اصطحابه كلباً كذلك.


أما المستوى الثالث للقراءة فهو تأويل النص، الذي يُفصح عنه الحدث العجائبيّ المتمثِّل في أنّ صاحب النُزُل مُسِخ أو تحوَّل إلى كلب نبّاح، وهذه إشارة إلى فقدان الإنسان إنسانيّتَه في المدينة. وخاصية الإنسان الجوهرية التي تميّزه عن الحيوان في هذه القصة، لا تكمن في النطق، كما حددها أرسطو، فللحيوان لغته كذلك، وإنّما في القيم والمُثل التي تُهذِّب سلوكه وترتفع به عن سلوك الحيوان الغريزي وتخلّصه من شريعة الغاب. فالمدينة فيها جميع مظاهر القوة ولكنها تخلو من قِيَم القرية التي ذكرها السارد في أوّل القصّة كالمروءة والتعاون والتسامح ومساعدة الضعيف والعطف على المحتاج وإعانة الغريب، وهكذا أصبحت المدينة تتصف بالقسوة والجفاف لخلوها من تلك القيم الإنسانية.


وكما تضمّنت قصة جون أبدايك في خاتمتها تلميحاً لتشبيه بودلير المدينة بالعاهرة، فإن الجملة الختاميّة في قصة القاسمي، هي الأخرى، تتضمن تلميحاً. يقول السارد بعد أن رأى صاحب النُزل وقد مُسخ كلباً:


" فما كان منّي إلا أن أولّي هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعت في اتجاه القرية."


وتتضمّن هذه الجملة تلميحاً إلى قصة الزاهد أبي نصر بشر ابن الحارث الذي نزل إلى أحد أسواق بغداد، فصُعق بما رأى، فخلع نعليه ووضعهما تحت إبطه، وجرى حافياً في اتجاه البادية، فعُرف بعد هذه الحادثة بـ " بشر الحافي".


الخلاصة:

إنّ صورةَ المدينة في الأدب العربيّ وفي الآداب الغربيّة المعاصرة صورةٌ يشوبها كثير من التشوّهات والبقع والخطوط السوداء. ونتساءل ما إذا كان ذلك نتيجة لحنين الإنسان لموطنه الأوّل في الطبيعة ذات الهواء النقي والخضرة الشاسعة والمناظر الخلابة، التي كان يتجوّل فيها بحرية وطلاقة ملايين السنين قبل أن توجد المدينة منذ بضعة آلاف من الأعوام.


هل يعبّر الإنسان المثقّف عن كرهه للمدينة لأنّها حرمته من حريته الحقيقية ومنحته محلها حرية زائفة؟ أخذته المدينة من رحاب الطبيعة الواسعة الرائعة لتجعله أسير أسوارها العالية وجدرانها السميكة وشققها الضيّقة، ولِتُسمِّمه بتلوثها البيئيّ والأخلاقيّ. حرمته من استنشاق الهواء النقيّ لتخنقه بهواء مُلوَّث بدخان المصانع وعوادم السيّارات وبقايا المزابل. منعته من سماع تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمائم وخرير الجداول لتصمّ أذنيه بصخب دراجاتها الناريّة وسيّاراتها وقطاراتها وطائراتها، وهدير مصانعها وآلاتها، ودويّ إذاعاتها وفضائيّاتها، وضجيج ساحاتها وأسواقها المزدحمة.

 

هل يمكن أن نعدّ رفض الإنسان المُثقَّف للمدينة نوعاً من رفضه للمدنيّة الحديثة وقِيمها المُغرِقة في الماديّة التي حرمته من ممارسة إنسانيّته: لغةً ومشاعرَ وأحاسيس واحتياجات اجتماعيّة؟

لعل الحقيقة تكمن في شيء من هذا وذاك.



الهوامش:

  1. للتوسع في الموضوع، انظر:

مختار علي أبو غالي، المدينة في الشعر العربي المعاصر (الكويت: عالم المعرفة 196، 1995)


  1. Robert Drewe (ed.) The City (London: Penguin Books, 1998),P.4


  1. جون أبدايك ( 1932 ـ 2009 ) شاعر ورسّام وقصّاص وروائي وناقد. يعدّ أشهر أدباء أمريكا المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً، ونال جائزة البوليتزر مرتين. ولد في بلدةٍ في ولاية بنسلفانيا، ودرس الأدب في جامعة هارفرد الأمريكية، ودرس الرسم في مدينة أكسفورد. وعمل في جريدة " النيويوركي " مدة سنتين قبل أن يتفرغ للكتابة.


  1. علي القاسمي ( 1942 ـ ) كاتب عراقي مقيم في المغرب. تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في بغداد وبيروت وأكسفورد وباريس وتكساس، وحصل على إجازة في الآداب وليسانس في الحقوق وماجستير في التربية ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي. عمل في التعليم الجامعي والمنظمات الدولية ثلاثين عاماً قبل أن يتفرغ للكتابة.


  1. قصة " المدينة " لجون أبدايك مترجمة في:

على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية (بيروت/ الدار البيضاء : إفريقيا الشرق، 2002) ص 109ـ130.


  1. قصة المدينة لعلي القاسمي موجودة في:

علي القاسمي، دوائر الأحزان ـ قصص قصيرة ـ (القاهرة: دار ميريت، 2005) ص 81ـ 88؛ الطبعة الثانية: (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2009).


  1. على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر، مرجع سابق، ص 141.

 

 










 

 

د. علي القاسمي


التعليقات

الاسم: سلسبيل
التاريخ: 15/01/2018 16:55:48
شكرا على هذه المعلومات المفيدة في الحياة اليومية

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 13/04/2017 21:22:51
الأديبات العزيزات ميساء، وريم ، وتقوى
شكرا على إطلالتكن البهية على النص، وعلى كلماتكن الطيبات.
وآسف لأنني لم أطلع على تعليقاتكن في حينه.
علي

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 13/04/2017 21:19:25
عزيزي الأستاذ ريان عبود المحترم،
سعيد بكلماتك الطيبة عن قصة المدينة، متمنياً لك تألقاً وتقدماً.
آسف لأنني لم اطلع على تعليقك في حينه.
علي

الاسم: تقوى
التاريخ: 12/04/2017 07:00:10
اعجبني

الاسم: ريم
التاريخ: 22/02/2017 18:45:19
جميل جداً و رائع

الاسم: maissa eltaif
التاريخ: 09/10/2015 17:53:04
شكرا

الاسم: ريان عبود
التاريخ: 26/09/2015 12:53:04
احببت هذا النص من قلبي واستطعت من خلال النص ان أطور مهاراتي في التعبير

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 05/05/2013 16:22:16
.Merci a vous, ma chere Myriam

الاسم: myriam kodade
التاريخ: 17/04/2012 13:07:35
merci pour le recherche est moi je suis très content pour ce recherche est

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 11/04/2010 20:03:39
الفنان المبدع الأستاذ سجاد جمال المطيري
مساء الخير والمودة
أشكرك لكلماتك الطيبة، وأنا سعيد بأن بعض قصصي قد أعجبتك. وأنتَ المختص الذي يستطيع أن يختار القصة المناسبة للفيلم.
مع خالص المودة وأطيب التمنيات
علي

الاسم: سجاد جمال المطيري
التاريخ: 11/04/2010 16:52:45
السلام عليكم دكتور اني سجاد المطيري انا معجب بكتاباتك واريد ان اطلب منك طلب .. هل تسمح لي بتحويل قصصك الى افلام روائية قصيرة واي قصة تنصحني بتحويلها الى فلم روائي سينمائي قصير

الاسم: البشير النظيفي مراكش ـ المغرب
التاريخ: 06/09/2009 22:01:19
أستاذي الكريم الدكتور علي القاسمي
تحية ود وإخلاص ومحبة وبعد إن قصة[المدينة]مشوقة وساخرة
تغريك بإنسانيتها،وأيضا بلوحاتهاذات النبض الشجي،لتخلق
في النفس بعد كل موقف نصادفه،شعورابالمرارة،قد يكتشفه
القارئ بحاسته الذوقية.كماأن القصةأيضا،تبدأمن نقطة ابتداء معينة،تتحرك تدريجياعبر لوحات فنية ذات نسيج سردي خاص يتميز به القاسمي عن غيره من المبدعين.ليصل بك في الأخير إلى نهايةاختارهاالساردبضميرالمتكلم بعد ماوظف أبعادهافي إطار مكاني.معتمدا في ذلك على الوصف الجميل،والأفعال المتساوقةمع أحوال أبطالها.وأخيرا دمت لناولفن القصة،ودام هو لك .



الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 05/09/2009 12:29:31
أحبتي أقمار الثقافة العربية
أحيييكم وأشكركم لتفضلكم بالمرور على قصتي (المدينة) أو التعليق عليها بكرم بالغ . وأغتنم هذه المناسبة لأتوجه بالشكر والتقدير للقاص الناقد الدكتور إحسان التميمي الأستاذ بكلية التربيةـ ابن رشد ـ بجامعة بغداد الذي تفضل بكتابة نقد لقصة (المدينة ) في كتابه " فضاءات المعادل البصري في السرد العربي المعاصر" الذي فاز بجائزة الشارقة للنقد 2007. وأعرب عن أسفي لعدم اطلاعي على دراسته القيمة عند كتابة نقدي للقصة.
أرجو أن تتقبلوا خالص مودتي واحترامي
علي القاسمي

الاسم: عبد السميع بنصابر
التاريخ: 02/09/2009 13:17:46
الأديب القدير الدكتور علي القاسمي استمتعت كثيرا بقراءة هذه القصة الجميلة، دائما تمتعنا بما تخطه يدك.
دمت لالمعا ومتألقاأستاذي الكبير
مع أزكى تحياتي

الاسم: جميلة طلباوي
التاريخ: 01/09/2009 22:17:37
الأديب الكبير الدكتور علي القاسمي
أيها البحر من العلم و المعرفة و الابداع و التواضع الانساني
لك منّي تحية تليق بقامتك الفارعة يافخر كلّ عربي
مرّة أخرى تثبت لنا عبقريتك و تميّزك و تتحفنا بنص موغل في الفلسفة و في الرؤى التحليلية لواقع يتمايز فيهاالعربي عن الغربي، و لم تكتف بذلك ها أنت بعبقرية الناقد تضعنا على طريق كلماتك الكبيرة العميقة.
لا أملك الا أن أشكرك و أقول لك دمت ذخرا لأمّتنا و كنزا به نكون أغنياء

الاسم: زهـــــــــرة زيراوي
التاريخ: 01/09/2009 13:13:32
يأبى الأديب الكبير الدكتور علي القاسمي إلا أي يفتح للذاكرة بابا يطل على المزارع و البيوت الطينية البسيطة و الظليلة التي تركناها خلفنا مرغمين. لنعيش أزمنة سيطرة الإسمنت ، جاء نص المدينة ليسوق هذا العمى الإسمنتي باتجاه الدور الواطئة و السماء الصافية التي تكاد أيدينا أن تمسك بنجماتها الذهبية الكبيرة .هي دعوة أخرجنا بها القاسمي من جفوة المدينة الحالية إلى ما افتقدناه ، إلى الغسق الذي يتهادى في سماء ثورنفليد
الذي تدعونا إليه شارلوت برونتي حيث تصبح الطبيعة صديقة لنا تمد يدها إلى صدورنا لتمحو السحب التي نالت منه ربما الكثير ، دم أديبا عزيزا يبلسم بلقاحه ما ينالنا من جفوة الحياة. و شكرا على هدايا قلبك الكبير و يراعك الباذخ ودم أديبا يحلق في سماء البهاء

الاسم: مصطفى شقيب-المغرب
التاريخ: 01/09/2009 12:40:29
بالضبط استاذ يحيى،لقدهديت الى مقصد المبدع القاسمي من قصصه المتينة..بعد النفس لدى الانسان العربي وبعد المادة لدى الانسان الغربي..واالمدينة لا تخرج عن اطار هذا التعامل لدى كلا الطرفين...قصص القاسمي تريد ان تقول اشياء اخرى ما زلنا نطمح في استشفافها...وهي تتعلق لا ريب بصيرورة الانسان العربي المسلم ورسالته في هذا الزمان الهائج المظلم..

الاسم: حمودي الكناني
التاريخ: 01/09/2009 02:11:43
الدكتور القاسمي السلام عليكم ورحمة الله ويركاته :
يقول صاحبي سلام كاظم فرج وعذرا للخطأ في التعليق السابق { لستُ ادري كيف أحييك ....} وانا حييتُك بتحية الاسلام فرمضان كريم اولا تقبل الله اعمالك فيه واما السماوي شاعرنا الكبير فيقول :
{{بمثل الأديب الكبير د . علي القاسمي يتباهى الإبداع العربي وليس العراقي حسب ، قاصا متميزا وأحد أبرز نقدة الأدب المقارن في الساحة العربية .. }} ولقد اجاد الاثنان في تناولهما وبقيت حائراً فاغمضتُ عيني فلاحت لي قريتنا الصغيرة الوادعة الغافية على شاطيء الفرات الغربي والخضرة تمتد اينما يجول بصرك فقلت لنفسي لأقف امام الاستاذ الدكنور القاسمي بصمت واحترام لأن لمثلك من الصعب عليّ أن اجد كلمة تفي بما اريد قوله. قبلات على جبينك سيدي الكريم

الاسم: منتظر العبدالله
التاريخ: 31/08/2009 23:27:26
الاستاذ الغالي الدكتور القاسمي
اجدد لك التحايا والتبريكات في هذا الشهر الفضيل
لا اعرف لماذا عندما اقرأ قصص القاسمي ينتابني شعور باني انا كاتب هذه القصه او اني اني بطلها
استطعت وبابداع استاذ ان ترسم ما يدور في خلد قارئيك فاحيك على هذه العظمه في فنك
تقبل مني خالص الموده والحب
منتظر

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 31/08/2009 13:10:52
الناقد والاديب المميز د. علي القاسمي..قراءة ممتعة وجوهرية وتشي بالجمال والبهاء..سلمت واجدت

الاسم: يحيى السماوي
التاريخ: 31/08/2009 12:47:15
بمثل الأديب الكبير د . علي القاسمي يتباهى الإبداع العربي وليس العراقي حسب ، قاصا متميزا وأحد أبرز نقدة الأدب المقارن في الساحة العربية ..

ما قرأت لأخي وصديقي الحبيب د . علي القاسمي إلآ وتعلمت شيئا جديدا ..

توقعت في السطور الأولى من قرأءتي أن القصة لا تعدو كونها وجها من وجوه السيرة الذاتية للصديق المبدع علي القاسمي ... سيرة الطالب القروي الذي أكمل دراسته في قرية الحمزة قبل أن تكون ناحية ومن ثم قضاء ، وأن المدينة التي دخلها هي الديوانية أو ربما بغداد ... لكن توقعي هذا سرعان ما تلاشى لأجدني أمام إشكالية الحضارة الغربية ... وكأن بالقاص يرفع إصبع الاتهام بوجه ما يمكنني تسميته مجازا بـ " الحضارة الكلبية " ... الحضارة التي تعترف بحقوق حيواناتها ـ في ذات الوقت الذي تستعبد فيه أمما وشعوبا أخرى .... هذه الحضارة الكونكريتية لا وجود فيها للعلاقات الانسانية الحميمة التي عاشها القاص القادم من بيوت الطين حيث الفقراء الأثرياء بمحبتهم وتواددهم وثوابتهم الأساسية من مثل وقيم عليا ...

قصة المبدع الكبير د . علي القاسمي ، تمثل إنموذجا للأدب المقارن فيما يخص نظم السلوك الاجتماعي : الشرقية والغربية .... وقد أكون مصيبا لو قلت أن القصة تبحث موضوعتين كبيرتين هما : موضوعة بناء الروح في الفلسفة الاسلامية والعربيةـ خدمة للجسد ... وموضوعة بناء الجسد ـ على حساب الروح ـ في الفكر الرأسمالي الغربي .

***

ياصديقي الحبيب : وعدتني بأن ترسل لي جديدك ... فمنذ لثمت عيناي " دوائر الأحزان " وهما تترقبان الجديد .. فلماذا تبخل عليّ به ؟ أما تعلم أنني لازلت مواظبا على الدرس والتعلم ؟ وماذا عن كتابي " أدب الرسائل " و " شاهدة قبر من رخام الكلمات " ؟ هل وصلاك ؟ أرجوك أخبرني ياصديقي ...

أمدّ الله في ظلال أشجار عمرك ، لنتعلم منك المزيد ، وليشع قنديل الفرح في عيون وقلوب محبيك ..

الاسم: سلام كاظم فرج
التاريخ: 31/08/2009 09:05:30
استاذي الدكتور علي القاسمي...
لست أدري كيف أحييك؟؟.. فمثلك لايملك المرء حين يخاطبه الا ان يتلجلج.. امام هذا العطاء الباذخ... وانا أقرأء قصة المدينة.. راودتني افكار كثيرة حولها فأذا بي اجدها في النقد الذي قدمه الدكتور لنصه ..سيدي انك تؤسس لسابقة..
في الادب طالما تمنيتها ودعوت لها هي النقد بمحاذاة النص.. وعليه ارجو ان تتقبل تقديري العالي لهذا التأسيس..
اما قصتك الرائعة جدا سيدي.. المدينة فهي من النصوص العالية التي تتناول موضوعة الاغتراب ..والتهميش..وثنائية القرية والمدينة وتقاطعهما.. اما الترميز الرهيب لموضوعة الكلاب والعناية بها .. من خلال عيني قروي حالم بالحصول على عمل يقيه الفاقة فتحتاج وحدها الى دراسة مستفيضة..
وانا اقرا القصة تذكرت بيتا لعبد الوهاب البياتي...
يالها من بنت كلبة......... هذه الدنيا التي تشبعنا..
موتا وغربة..الاستاذ الكبير قرأت بفخر وامتنان تعليقك النبيل على قصتي الطائر الذهبي ... والمنشورة في النور الاغر
وقد اجبتك سيدي وشكرتك على حسن ظنك..
سأظل ممتنا لهذا التأسيس (النقد بمحاذاة النص )عسى ان يتكرس.....




5000