..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأدب المقارن والنقد الثقافي ( دراسات الترجمة نموذجا)

د. فاتحة الطايب

يجمع أغلب الدارسين على أن علاقة الأدب المقارن بالترجمة، لم تصبح في المجمل علاقة صحية ذات أبعاد شمولية إلا في أواخر السبعينيات من القرن  العشرين، أي في الفترة التي ظهرت فيها نظرية النسق المتعدد التي اعتبرها المقارنون من مختلف بقاع العالم، بداية تشكل رصين لدراسات الترجمة  التي تعد من أهم عناصر النقد الثقافي اليوم.

ويعتبر هذا الإجماع، نتيجة حتمية لحصر الدارسين "الأدب المقارن" في النموذجين المهيمنين عليه (بالتتابع) عالميا منذ النصف الأول من القرن العشرين إلى حدود أواخر الستينيات من نفس القرن: النموذج الفرنسي والنموذج الأمريكي،1 فالانطلاق من وجهة نظر مختلفة، لا تقيد الأدب المقارن بالكراسي الأكاديمية ولا تحصره في الشعريات الغربية أو المدعمة غربيا، يكشف عن زوايا إيجابية وخفية في علاقة الدرس المقارن، بمفهومه الواسع، بالترجمة. مما يفيد أن القضية أولا وأخيرا قضية منظور.

ومساهمة منا في إضاءة مسألة "الأدب المقارن" والترجمة، وفق المنظور المحترم للاختلاف الذي نتبناه، اخترنا أن ندرس إلى جانب النموذجين المذكورين، نموذجين آخرين احتفيا بخلافهما بعملية الترجمة. وهذا يعني أننا سنركز على أربع مراحل (توجهات) متباينة من بين المراحل التي ميزت مسيرة الدرس المقارن منذ نشأته:

1 ـ مرحلة الائتلاف ضمن الاختلاف، ونمثل لها بالمقارنة الطليعية المجهضة التي تمثلها المدرسة الألمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

2 ـ مرحلة الائتلاف تحت الراية الفرنسية، وتعكسها بامتياز المدرسة الفرنسية إلى حين الإعلان عن أزمتها في مؤتمر شابل هيل سنة 1958.

3 ـ مرحلة الائتلاف في إطار المركزية الغربية، ويمثلها النموذج الأمريكي إلى أواخر الستينيات من القرن العشرين.

 وندرج النموذجين معا، الفرنسي والأمريكي، ضمن ما ندعوه بالمقارنة المرحومة.

4- وأخيرا مرحلة العودة إلى الائتلاف ضمن الاختلاف، وتترجمها المقارنة الجديدة التي أخذنا البرازيل نموذجا رائدا لها ابتداء من خمسينيات القرن الماضي.

1 ـ مرحلة الائتلاف ضمن الاختلاف (أو المقارنة الطليعية المجهضة)

لا يسع المتأمل في تاريخ ظهور مصطلح "الأدب المقارن" في أوروبا، وهو تاريخ الصراعات القومية بامتياز، إلا أن يتساءل ـ وهو يستحضر ما نتج عن هذه الصراعات من تساؤلات حول الثقافة الوطنية والهوية القومية ـ بخصوص المسار الذي كان سيتخذه الدرس المقارن لو أن ألمانيا الحديثة التي تعترف بفضل الترجمة في تشكيل لغتها وثقافتها، هي التي تزعمته بدل فرنسا2.

وكما هو ملاحظ، يتجاهل هذا التساؤل عن قصد معرفي سيرورة التاريخ إذ يقصي النازية منه.

.1-1.ميزت ثلاثة عناصر المنظور الألماني للأدب المقارن في القرن التاسع عشر، وتتمثل هذه العناصر، استنادا إلى المقدمة التي استهل بها المقارن الألماني ماكس كوخ في بدايات القرن العشرين مجلة "دراسات في التاريخ المقارن للأدب"، في :

أ ـ الاهتمام بجذور الأمة وروحها.

ب ـ اعتبار الأدب الشعبي من أخصب وأوسع حقول التاريخ الأدبي المقارن.

د ـ التأكيد على كون الترجمة مجالا أساسيا من مجالات الدراسات المقارنة.

وتترجم هذه العناصر الثلاثة المتداخلة فيما بينها السبل الثلاثة التي اتبعها المثقفون الألمان منذ منتصف القرن الثامن عشر، للحد من الهيمنة الفرنسية والنهوض بالثقافة الألمانية، وهي:

1 ـ انتقاد عقلانية عصر الأنوار

2 ـ إحياء التراث الألماني القروسطوي

3 ـ معانقة الثقافة الإنسانية بواسطة الترجمة: فطبقا للمشروع الثقافي الرومانسي الألماني، يرتكز رد الاعتبار للثقافة الوطنية على التوجه الكوسموبوليتي. مما يعني أن العلاقة المكثفة مع الآخر الأجنبي، مثلت السبيل الأنجع لتحديد خصوصية ثقافية ألمانية وبلوغ النضج والانتشار.

لقد كانت الترجمة بصفتها أداة لتشكيل الأنساق الثقافية وتقوية الروح الوطنية في سياق عالمي، قدر الألماني إذن. ولأنها كانت كذلك أنتج الألمان ترجمات لا تضاهى حسب منظري الترجمة المعاصرين، كما أنتجوا تأملات حول الترجمة استفادت من تطور النحو المقارن وتأويل النصوص والنقد لتؤسس لنظرية تنخرط في البحث الهرمنوطيقي.

ويشكل النموذج الألماني اليوم ـ ممثلا في الغالب بشليغل وهودرلين وغوته وبنيامين ـ المرجع الإيجابي الأساس لأكثر علماء الترجمة ثورة على تهميشها3.

1-2. يعتبر غوته، الذي عده شيلر من أكثر الرجال تواصلا، من بين أكثر مفكري عصره إيمانا بالدور الحيوي للترجمة، حيث عاش العلاقة مع الآخر بحميمية أكبر وساهم بكتاباته المتنوعة وترجماته في تأصيل هذا النوع من العلاقة الحية والمنسجمة: فبالنسبة له لا يوجد أدب أو فن وطني خالص، بمعنى ملكية خاصة بأمة دون سواها، بل كل ما له قيمة ينتمي إلى العالم أجمع. إلا أن غوته لا يقصد بذلك الدفاع عن كوسموبوليتية عقيمة ومجردة يفهم منها بأن على الأمم أن تفكر بنفس الطريقة، وإنما هدفه انتقاد الفهم الضيق للوطنية والتأكيد على ما تدين به كل أمة لأخرى، حتى إذا ما تم التفكير في الأدب القومي تم التفكير بالضرورة في المبادلات الأدبية مع آداب قوميات أخرى على أساس التكافؤ. وحرصا على هذا التكافؤ انتقد غوته بشدة مفهوم التأثير ـ العزيز على المدرسة الفرنسية ـ لأنه يفترض علاقة سلبية بين المؤثر والمتأثر، واحتفى في المقابل بمفهومي الكشف والتفاعل بين الذات والآخر في إطار احترام الاختلافات.

وتجدر الإشارة في هذا السياق، إلى أن هذين المفهومين مثلا المبدأين اللذين تأسست عليهما رؤيته للترجمة بصفتها نشاطا أساسيا وجديرا بالاحترام4: التفاعل بمعنى المشاركة القائمة على التدخل والالتزام، والكشف الذي يعكسه بحث الذات في مرآة الآخر عما تعجز عن إدراكه بنفسها.

ولأن غوته، المفكر والسياسي، عاش تجربة الترجمة من كل الجوانب، بصفته مترجما ومترجما له ومتأملا في الترجمة، فقد هداه تفكيره ليس فقط إلى التسوية بين النص المصدر وترجمته واعتبار الترجمة جزءا من النسق الثقافي المستقبل وأهم عامل يغني و يضيء علاقات الأوطان بعضها ببعض، وإنما إلى فكرة كون الترجمة ضرورة حتمية للأثر حتى لا يسأم نفسه، أي حياة جديدة تشبه تلك التي تحدث عنها فالتربنيامين في دراسته "مهمة المترجم"، التي أحدث اكتشافها ثورة في مجال "دراسات الترجمة"، واعتبرت إحدى ركائز ما بعد الحداثة.

إن تفكير غوته في الترجمة، لا ينفصل عن تفكيره في الخاص والعام والوحدة والتعدد، والترجمة بهذا المعنى نشاط ثقافي وسياسي، أراد له غوته أن يصبح حجر الزاوية في "الأدب العالمي" الذي ابتدعه وسلام أوروبا يقض مضجعه5، والذي يتزامن ظهوره ويا للمفارقة مع ظهور سوق عالمية للسلع.

مع الأسف، أجهضت تجربة ألمانيا الرائدة في جعل الترجمة أهم ركائز الدرس المقارن، مع صعود النازية التي انتصرت للتيار الأدبي المتعصب للإنتاج القومي6 فمنعت قراءة أعمال الأعداء. إلا أنها تظل مع ذلك تجربة مفيدة لنا في جانبين على الأقل:

أ ـ ارتباط الهوية بالتراثين الوطني والإنساني

ب ـ اعتبار الترجمة جزءا من النضالين الثقافي والسياسي.

2 ـ المقارنة المرحومة:

كان أندري لوفيفر على حق، حينما قدم مسألة الترجمة على أنها وعي الأدب المقارن الشقي أثناء مؤتمر "الأدب المقارن" المنعقد بالنرويج سنة 1975، فمن الملاحظ أن  الدرس المقارن الأكاديمي، الذي كان يزعم تعميق الروابط بين الآداب الوطنية، لم يهتم إلا نادرا بالترجمة. ومن بين أهم التفسيرات التي قدمها منظرو الترجمة بعد ذلك لهذه المفارقة، تفسير جوزي لامبير (1986) الذي يرى في إهمال المقارنين دراسة الترجمات لصالح اللسانيين والمترجمين، تخوفا من النظريات غير الأدبية. وإن كان هذا التفسير يضيء في العمق منطلقات وأهداف المدرسة الأمريكية، ويكاد لا ينطبق على المدرسة الفرنسية التي خضعت لاعتبارات مختلفة في علاقتها بالترجمة:

2 ـ1. الائتلاف تحت الراية الفرنسية

ركز الأدب المقارن في بداياته على قطب الائتلاف ضمن الاختلاف، مساهمة من المقارنين في أن يعم السلام أوروبا، لكن التاريخ شاء للدرس المقارن أن يتأثر بمركز فرنسا في أوربا والعالم بوجه عام، فمجدت أبحاثه عظمة فرنسا.

وقد أعمى مركب التفوق فيما بعد علماء "المقارنة الفرنسية" وكثيرا من المثقفين الفرنسيين أبرزهم إميل زولا7، فاعتبروا فرنسا والنصوص المكتوبة بالفرنسية أصلا، متنكرين بذلك لعملية الاستفادة من الثقافات المختلفة بواسطة الترجمة. ففي حين كان يفاخر الألمان بكون ترجمة لوثر للكتاب المقدس قد أسست دعائم اللغة والثقافة الألمانيتين الحديثتين، ويصرحون بامتنانهم الشديد لهذه الوسيلة التي ساهمت بقوة في أن تجد ألمانيا مركزا سياسيا وروحا وطنية خاصة بها، كان الفرنسيون المهووسون بفكرة الأصل ـ ابتداء من القرن السابع عشر تحديدا ـ يسارعون إلى نفي وجود نص مترجم مؤسس للغة والأدب الفرنسيين. ومن بين أكثر المواقف الفرنسية تصلبا وغير إنصاف للترجمة في هذا السياق، موقف مونتسكيو الذي اعتبر النشاط الترجمي توقفا عن التفكير.

ولعل في أطماع النسق الفرنسي الاستعمارية- التي كانت تتجاهل فضائل وعبقرية الآخر- ما يضيء هذه الشوفينية الضيقة التي كانت لا تسائل ماهية الثقافة الوطنية، وتقلل من قيمة الترجمة ودورها الفعال في تنمية امتياز فرنسا في العالم عبر المساهمة الفعالة في الرفع من المستوى الثقافي للفرنسيين، بتطوير وإغناء اللغة والثقافة الفرنسيين.

 وقد ظل الهوس بالأصل منعكسا في الأعمال المقارنة الفرنسية الوضعية التي كانت تحرص على التطابق وتحتفي بمفهوم التأثير القائم على السببية، إلى حدود إعلان روني ويليك عن أزمة الأدب المقارن الفرنسي.

والمثير للانتباه في هذا السياق، أن تفاعل المقارنين الفرنسيين مع مقترحات المدرسة الأمريكية، المنبثقة عن نسق لا يقل صرامة مع الترجمة من النسق الفرنسي، أدى إلى إعادة الاعتبار للترجمة داخل المقارنة الفرنسية حينما راهن روني إتيامبل ـ متأثرا في ذلك بانتعاش دراسات الترجمة في الستينيات من القرن العشرين وبغنى الشعريات الشرقية التي كان منفتحا عليها8 ـ (راهن) على الترجمة لإنتاج أدب مقارن حقيقي في ظل الجمع بين تاريخانية المدرسة الفرنسية وجمالية المدرسة الأمريكية9. مما يفيد أن الدرس المقارن الفرنسي شهد تطورا ملحوظا في تعامل المقارنين الفرنسيين مع الترجمة منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين، وإن ظل هذا التطور محتشما في مجمله إلى حدود الثمانينيات من نفس القرن: عقد الانطلاق الحقيقي نحو تجديد المقارنة الفرنسية بواسطة الترجمة10.

إن لتطور نظريات الترجمة وتشعب مجالاتها نصيبا وافرا في هذا التغيير بدون شك، إلا أن النصيب الأوفر يعود لاحتياجات النسق الفرنسي ولثورة الفكر فيه، حيث أحس هذا النسق ـ الذي دأب على اعتبار نفسه النسق الذي تنطلق منه الأفكار والتيارات لتعود إليه ـ أحس ابتداء من سبعينيات القرن العشرين، بضرورة التزود من الثقافات الأجنبية التي أكد مثقفوه حقها في الاختلاف، فشجع عملية الترجمة والتفاعل ما بعد الحداثي مع الآخر. ومن مظاهر هذا التشجيع تخصيص جوائز للنص الأجنبي بما فيه المترجم (جائزة "Médicis étranger" مثلا) مع ما يحيل عليه منح جائزة للعمل المترجم، من اعتراف المؤسسة به وإدراجه علانية في الحقل الثقافي.

2 ـ 2 . الائتلاف في إطار المركزية الغربية (النموذج الأمريكي).

يعتبر التعريف المثالي الذي قدمه روني ويليك للأدب المقارن، باعتباره الدراسة الأدبية المستقلة عن الحدود اللغوية والعنصرية والسياسية، نتاجا لمخلفات الحربين العالميتين الناتجتين عن صراعات قومية.

وإذا نحن تأملنا تعريف هنري ريماك11، الذي طور تعريف ويليك بتوسيعه نطاق الدرس ليشمل كل فنون المعرفة، سنلاحظ بأن هذا التعريف الذي أصبح الميثاق المتبع في المدرسة الأمريكية، تجاهل الترجمة بصفتها نشاطا غير بريء. فخدمة لمنطلقاته السياسية ولهدفه في خلق تآلف عالمي يتخطى الحدود القومية، ركز المنظور الأمريكي للأدب المقارن ـ الذي كان يصر على فصل النص عن السياق ـ على نموذج المؤلفات الغربية العظيمة التي تخطت، حسب زعمه، حدود الزمان والمكان بقدرتها على إضفاء العنصر الإنساني، وأهمل في المقابل النصوص المترجمة ـ التي كانت تعاني آنذاك من الدونية في النسق الأمريكي ـ لأنها تقع بين قطبي الائتلاف والاختلاف، ولا تملك بالتالي القدرة السحرية المعزوة للنصوص الكلاسيكية الغربية على محو الاختلافات الثقافية، وليس ذلك هدفها.

مما يدفعنا إلى القول، إن الدعوة إلى الانفتاح على مختلف الآداب، التي ميزت المدرسة الأمريكية الغربية الروح، حاربت الشوفينية الفرنسية الضيقة التي قصرت هدف المقارنة على خدمة الأدب الوطني الواحد، إلا أنها لم تستطع الانفلات من أسر المركزية الغربية إلا بعد حين.

في النصف الأخير من عقد ستينيات القرن العشرين سيتغير النسق الثقافي الأمريكي بشكل كبير بفعل حصول تحولين عظيمين متداخلين: يتمثل  التحول  الأول في زوال استعمار الإمبراطوريات ،مع ماتلاه  من علو أصوات المقاومات الثقافية وظهور دراسات ثورية تسعى إلى الحد من هيمنة المركزية الغربية بتثمين الآداب ذات الإشعاع اللغوي المحدود والتركيز على خصوصيات الآداب القومية، أما التحول الثاني فيتمثل في انتشار التاريخانية الجديدة في أوساط المثقفين إضافة إلى الحركات النسائية والمقاومة من أجل حقوق السود المدنية والاعتراض على حرب فييتنام. وقد ساهم هذان التحولان في وأد المنظور القديم للأدب المقارن، حيث اهتم المقارنون الأمريكيون بعد ذلك بنصوص من مختلف الثقافات داخل سياقاتها السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية.

 وفي سياق إعادة الاعتبار للأنشطة غير البريئة، اتجهت المقارنة في الولايات المتحدة منذ الثمانينيات من القرن العشرين، إلى الاهتمام بترجمة الأشكال ووظائفها ضمن تقاليد أدبية قريبة كانت أم بعيدة، بل وأصبحت الترجمة توجه "الأدب المقارن" بشكل كلي تقريبا في كثير من الثانويات والجامعات. مما أعطى دفعة قوية لهذا الدرس في معطفه الجديد: الدراسات الثقافية المقارنة، التي تدرس مختلف التجليات الثقافية في أي مجتمع عالمي، وتحاول تعميق الحوار بين الثقافات المتشعبة إضافة إلى دراسة الصلات بين الأدب والفنون والعلوم الإنسانية.

اليوم تعترف الولايات المتحدة بالترجمة كقوة دفع بعد أن كانت تنظر إليها كنشاط هامشي، وهي تأتي على رأس الدول المقبلة على ترجمة فكر وأدب الآخر، مفندة بذلك مزاعم نظرية النسق المتعدد بخصوص العلاقة الفاترة بين الأنساق القوية والترجمة.

3 ـ المقارنة الجديدة الرائدة : نموذج البرازيل

يعد التصور البرازيلي للترجمة وثيق الصلة بإعادة النظر في لقاء الغربيين بالأمريكتين12، ابتداء باسم "الاكتشاف" الذي أطلق خطأ على هذا اللقاء الدموي العنيف، وانتهاء بفعل "الافتراس" الذي يعتبر بخلاف نظرة الغربيين إليه رمزا لرفض الهيمنة الأوروبية من جهة، وفعلا مؤسسا على فلسفة خاصة تترجم نظرة السكان الأصليين لجدلية الأنا والآخر من جهة أخرى.

والجدير بالذكر، أن وجهة النظر المحلية البرازيلية بخصوص علاقة الهنود الحمر بالغربيين، لا تتجاهل سيرورة التاريخ وهي تصحح مفاهيمه. إنها بخلاف ذلك تنظر إلى وقائع الماضي بعيني الحاضر والمستقبل: فارتكازا على مفهوم الافتراس ـ وهو مفهوم انتروبولوجي ـ قامت الحركة البرازيلية لتحديث الأدب في العشرينيات من القرن العشرين، من منطلق افتراس وتحويل النماذج الأوروبية بدل رفضها.

 وقد أفرز هذا النوع من الاشتغال على الذات والآخر ـ الذي يحيل على رغبة المثقف البرازيلي الأكيدة في تحويل اللقاء الدموي إلى لقاء مثمر في إطار التسوية بين الثقافتين ـ (أفرز) مبدعين ومترجمين لا وجود لحدود عندهم بين المقارنة والترجمة والإبداع، ضمن السياقات السياسية والثقافية والاقتصادية والإجتماعية13.

وأوضح مثال على ذلك الأخوان الشاعران والمترجمان أوغوستو وهارولدو دوكامبوش14، اللذان بلورا ما بين الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تصورا جديدا عن الترجمة مؤسسا على مفاهيم: إعادة الإبداع وإعادة الكتابة والتحويل عبر الثقافي، مطبقين بذلك ومنظرين في نفس الآن لنظرية الترجمة القائمة على فلسفة أكل لحوم البشر، حيث يلتهم المترجم النص المصدر، ليخلق نصا آخر يمثل حياة جديدة للنص الأول، مارا بذلك عبر ثلاث مراحل : مرحلة الامتصاص ومرحلة التحويل فمرحلة إعادة الخلق. مما يفيد، إعادة الاعتبار للنص المترجم بصفته نصا يكتشف مثله في ذلك مثل النص المصدر إمكانات اللغة ويدخل في علاقات تفاعلية على جميع الأصعدة مع مختلف أشكال الفكر والتعبير الفني الإنسانيين.

إن الترجمة بالنسبة لهذين الأخوين ـ بصفتها سيرورة تحويل وفعل افتراس أي عملية نقل دم ـ نشاط سياسي بامتياز وعملية إعادة بناء الهوية الثقافية والقومية وتأكيدها في عصر ما بعد الاستعمار، أي وسيلة لرفض هيمنة الموروث الأوروبي وتأكيد حق المثقف البرازيلي في إعادة قراءة وتملك الآداب الأوروبية العظيمة.وهذا يعني، أن تأملاتهما النظرية في عملية الترجمة ـ والتي تستند إلى علاقة الأصلي بالوافد لتحتفي بخصوصية ومركزية الفعل الترجمي في سياق مقارن15 ـ لا تغني فقط التطورات المعاصرة لدراسات الترجمة، وخاصة ما تعلق منها بمساهمات نظرية ما بعد الاستعمار وأفكار ما بعد الحداثة، وإنما تعتبر مؤسسة لهذه التطورات بفعل السبق الزمني، وبهذا وجب اعتبارها من لب نظرية ما بعد الاستعمار، وجزءا من الدراسات الثقافية التي تعيد إدراك العلاقة ما بين الذات والآخر من منظور مختلف.

فالقضية أمس واليوم وغدا هي قضية منظور.

 

الهوامش

 

1 ـ اكتشفنا قصور هذا النهج في دراسة علاقة الأدب المقارن بالترجمة، بعد أن اتبعناه في مقال سابق لنا بعنوان "دور دراسات الترجمة في تفعيل المقارنة" (النموذج الفرنسي) (مجلة الأدب المغاربي والمقارن، ع3، 2006).

2 ـ على اعتبار أن التمييز الأساس الموجود في الأدب المقارن في القرن التاسع عشر، يكمن في الفروق بين المدرسة الفرنسية الوضعية والمدرسة الألمانية المهتمة بروح العصر وبالجذور الثقافية والعرقية.

3- انظر مثلا:

A. Berman, L'Epreuve de l'étranger (culture et traduction dans l'Allemagne Romantique).
Gallimard, 1984.

4 ـ يحترم النوع الثالث حسب تصنيف غوته الخاص لأنواع الترجمات هذين المبدأين، حيث يتتبع هذا النوع، الذي وصفه بالأسمى، الأصل عن كثب في إبداعية تراعي الدال والمستعصي على الترجمة.(انظر التعليقات التي ذيل بها غوته: الديوان الشرقي للمؤلف الغربي، ترجمة عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ).

5 ـ لا مكان للأدب الشرقي في الأدب الأوروبي الذي سمي تجاوزا الأدب العالمي، فالطابع التزامني لهذا المفهوم يقصي "الأدب القديم": ومن المعلوم أن غوته لم يهتم إلا بالأدب الشرقي القديم، وبوجه خاص "الأدب الفارسي" الذي لم يكن يعلوه في المرتبة عنده سوى الأدب الإغريقي.

6 ـ سيطر تياران فكريان على الحركة الأدبية الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى، تيار يتحيز للأدب القومي، وآخر يدعو إلى التفاعل والتعايش في إطار الوحدة الأوروبية.

7 ـ أجاب إميل زولا، حينما سئل سنة 1897 عن مدى تأثير الآداب الأجنبية في الأدب الفرنسي، بأن الآراء المتضمنة في الأدب الإسكندينافي مثلا، لا يمكن أن تؤثر في الأدب الفرنسي لأنها موجودة فيه سلفا، وبأن تولستوي وإبسن وبجرسون بهروا الفرنسيين ودغدغوا عواطفهم، ولم يلقنوهم شيئا.

8 ـ هو صاحب سلسلة "معرفة الشرق" التي انفتحت منذ سنة 1956 على الآداب البعيدة الصينية منها والهندية، والفليبينية...

9 ـ انظر كتيبه: أزمة الأدب المقارن، ت. سعيد علوش، المؤسسة الحديثة للنشر والتوزيع، ط.1، 1987.

10 ـ انظر مثلا كتابات إيف شفريل ودانييل هنري باجو في هذا المجال.

11 ـ "إن الأدب المقارن هو دراسة للأدب خارج حدود دولة معينة، وهو أيضا دراسة للعلاقات الموجودة بين الأدب من ناحية، وبين شتى فروع المعرفة والعقيدة مثل الفنون (الرسم والنحت وفن العمارة والموسيقى) والفلسفة والتاريخ والعلوم الإجتماعية والسياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع، والعلوم والدين وغيرها من ناحية أخرى، وهو يعني باختصار مقارنة أدب بأدب آخر (أو بآداب أخرى) أو المقارنة بين الأدب من جهة ومجالات التعبير الإنساني من جهة أخرى.

12 ـ انظر: سوزان باسنيت، الأدب المقارن (مقدمة نقدية)، ت. أميرة حسن نويرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999.

13 ـ انظر: Eduardo F. coutinho : comparative literature and translation in Brazil : A Brief Reflection, in : littératures comparées et traduction (Actes du colloque international, juillet 2005), Publication de la CCLMC, 2006 .                                                                            

14  انظر-Tania Franco Carvalhal : la contribution du Brésilien Haroldo De Campos à la Théorie de la traduction, in : Ibid.                                              

15 ـ نعتبر نظرية الافتراس البرازيلية أكثر أصالة في هذا المجال من نظرية النسق المتعدد المحتفى بها: فإذا كان الطابع الشمولي لنظرية النسق المتعدد، واهتمامها بوضعية النص المترجم بعيدا عن العلاقة الثنائية الضيقة بين النص المصدر والنص الهدف يجعل منها بالفعل صرحا هاما في "شعرية الترجمة"، فإن هذا الأمر لا ينفي انتهاءها إلى تكريس هامشية النص المترجم.

 ولعل في منطلقات النظريتين ما يضيء نتائجهما المختلفة.

انظر في هذا الصدد:

Antoine Berman : Pour une critique des traductions : John Donne, Gallimard, 1995

 

 

 

د. فاتحة الطايب


التعليقات

الاسم: meriam
التاريخ: 30/11/2013 14:20:57
good and interesting may allah bless u all

الاسم: سمراء
التاريخ: 17/11/2012 18:01:47
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد السلام يشرفني أن أشارككم في موضوع الادب المقارن ....... أريد الجواب في ما يخص الإنتقادات التي وجهها روني إتيونبر للمدرسة الفرنسية

الاسم: سالار تاوكوزي
التاريخ: 16/07/2012 21:26:02
د.فاتحة
الموضوع شيق ومفيد ويستحق الاهتمام، أود أن أخبرك بأنني ترجمت صفحات منه وأرسله لك مترجما بعد نشره. مع فائف احترامي

الاسم: فاتحة الطايب
التاريخ: 30/06/2012 12:08:49
الباحث والمترجم سالار تاوكوزي،
تفكيرك في ترجمة المقال إلى اللغة الكوردية مفاجأة سارة لي ، خاصة وأنك متخصص في الأدب المقارن.
شكرا على اهتمامك بالموضوع ،وعلى قراءتك "المنتجة" له.

الاسم: سالار تاوكوزي
التاريخ: 29/06/2012 22:55:06
أنا كحامل شهادة الماجستير في الأدب المقارن أشد على يدي الدكتورة فاتحة لكتابة هذا الموضوع وأخبرها بأنني سأترجمه الى اللغة الكوردية وأنشره في جريدة هولير اليومية التي أعمل فيه.

الاسم: التهامي
التاريخ: 22/03/2011 23:50:36
je suis content

الاسم: khadidja mena
التاريخ: 05/11/2010 16:49:44
هناك ابداع واتقان لسرد هذا الموضوع ولكن اريد اثراء لهذا الموضوع عن طريق اضافة لمفهوم النحو القرن

الاسم: khadidja mena
التاريخ: 05/11/2010 16:43:09
الموضوع مهم د لطلبة ثالثة جامعي اداب لكن اريد التعمق في موضوع النحو المقارن بالضبط وشكرا من فضلكم رد سريع على الموضوع

الاسم: ABERRAHIM IDRISI
التاريخ: 18/05/2010 18:26:41
موضوع جيد يستحق كل التنويه

الاسم: حليمة الجرموني
التاريخ: 07/03/2010 16:39:31
تحية طيبة لاستاذتي الجليلة اشكرك استاذتي على كل الموضوعات التي تقدميهالنا لانها ثريةتغنينا في موضوع تخصصناجزاك الاه الف خير.

الاسم: ابوغازي
التاريخ: 19/12/2009 04:21:41
الحقيقة للدكتورة فاتحة الطايب الشكر الجزيل علي هذا
المقال الذي لا يمل

الاسم: نغيمش غازي المطيري
التاريخ: 05/12/2009 07:30:04
الدكتورة فاتحة الطايب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

الشكر الجزيل علي هذا الموضوع الشيق والذي بحق يثري

الثقافة الادبية وتحياتي

الاسم: فاتحة الطايب
التاريخ: 01/11/2009 12:54:02

شكرا القارئة Souria على اهتمامك بالموضوع.
بخصوص مدارس الأ دب المقارن منذ نشاته الرسمية الى حدود أواخر القرن العشرين، أحيلك على كتاب :"مكونات الأدب المقارن في العالم العربي" للدكتور سعيد علوش.

الاسم: souria
التاريخ: 19/10/2009 21:37:25
من فضلك اريد معلومات حول اثر المدرسة الكلاسيكيةفي الادب المقارن

الاسم: tounsi sellami
التاريخ: 01/09/2009 11:51:32
تحية اجلال وتقدير للاستاذة المبدعة فاتحة الطايب لثراء عطائها وقيمة كتاباتها كفاعلة في حقل الاداب ورائدة من رواد الاساتذة المقارنين المغاربة والعرب.

الاسم: قيس عمر
التاريخ: 30/08/2009 15:20:44
لقد قدمت الموضوع بشكل يثير المتعة العلمية الحقة
وهذا يدعو الى متعة اخرى حول هذا الحقل المعرفي الذي يحتاج الى اليات معرفية تتقن الاركلوجيا الثقاقفية

الاسم: د. محمد طالب الاسدي
التاريخ: 25/08/2009 11:07:23
د. فاتحة
لقد أثريت وأبدعت وأحطت المتلقي بالموضوعة المطروحة للحفر المعرفي الاكاديمي الرصين
دمت بخير وعطاء سيدتي




5000