..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / اللقاء

د. علي القاسمي

منذ عام كامل وهو يهاتفها كلَّ أسبوع، ليسألها عن أحوالها ويدعوها للقاء في عطلة نهاية الأسبوع. ولكنّها كانت تتهرَّب من ذلك اللقاء باختلاق العذر تلو الآخر: مرّة لديها امتحان في كلّيّتها، ومرّة لا بد أن تسافر لزيارة أهلها، ومرّة ستأتي أُمّها لرؤيتها، ومرة عليها أن تكتب رسالتها الجامعية. وفي كلّ مرّة يحتضن إحباطه وفشله معه إلى فراشه البارد، كما يحتضن الجريح جراحه،  ليحلم بأنوثة جسدها. لم يستطع النسيان.

رآها أول مرّة مصادفة في موقف للسيارات في إحدى باحات الاستراحة على الطريق السيّار. كان في تلك اللحظة يترجّل من سيارته أمام المقهى لينال قسطاً من الراحة ويتناول فنجان قهوة. وما إن فتح باب السيارة حتى كانت هي تهمّ بدخول سيارة مجاورة. فتريثت واقفةً حتى يخرج من سيارته. وعندما انتصب خارج سيارته وجد نفسه إزاءها وجهاً لوجه. التقت عيونهما فومض البرق، ودوى الرعد، وهطل الغيث. أحسّ فجأة بوجيبٍ في القلب، وارتعاشٍ في اليدين، وظمإٍ في الشفتين. غضّ من بصره، ولكنه سرعان ما عاد يتطلع إلى ذلك الوجه المشرق إشراقة شمس دافئة في يوم ممطر شديد البرد. وجه يجمع بين فتنة الأنوثة وبراءة الطفولة. وَجْهٌ اجتمع الحُسْن كلُّه فيه. له عينان نجلاوان يعلوهما حاجبان مقوسان مثل سيفين مُشهَرين، وخدان أسيلان التقت عليهما حمرة الخجل بتورُّد الشباب، وشفتان قرمزيتان ممتلئتان تزيدهما إغراء انفراجةٌ خفيفة كأنّها دعوة للتقبيل والضم. آسره قوامها الرشيق، وشعرُها المنسدلةُ خصلاتُه على كتفيها وظهرها، مثل سنابل الذهب المبتلّة. ابتسمتْ له ابتسامةً راضيةً فيها كثير من الحنان، ثم دخلت السيارة.

بدا له أن بعض ملامحها أليفة مأنوسة، وكأنّها وُشِمت في ذاكرته منذ القدم. لا بُدّ أنه رآها من قبل، أو رأى شبيهتها في الحُلم أو في ماضي الأيام أو في حياة سابقة، في مكان ما، في زمان ما، لا يدري أين ومتى، ولكنه شعر بأنها قريبة من روحه، حبيبة إلى قلبه.

وبجرأة لم يعتدها من قبل، وضع يده على حافة نافذة السيارة التي ركبتها. انحنى لينظر إليها مرة أخرى. طالعته وجوهُ أربع فتيات أخريات كلهن على درجة عالية من الملاحة والجاذبية، ولكنها كانت متألقة بينهن مثل قمر بين النجوم. جمّع شتات جرأته وشظايا صوته الهارب ليحيّهن ويدعوهن لتناول القهوة معه في مقهى الاستراحة. شكرته الفتاة التي كانت وراء المقود نيابة عنهن، واعتذرت بأدب قائلة إنهن استرحن فعلاً بعض الوقت وتناولن الشاي وعليهن مواصلة السفر إلى العاصمة حيث ترقد جدتهن في أحد مستشفياتها، وتخشى أن ينتهي وقت الزيارة إن لم يواصلن السفر حالاً. قال إنه متوجه كذلك إلى العاصمة حيث يسكن ويسعده أن يستضيفهن في مناسبة أخرى. ثم التفت إليها بالذات وطلب منها رقم هاتفها المحمول وسألها عن اسمها. فقالت : نجلاء، وأعطته رقم هاتفها. هي في مطلع ربيعها العشريني وهو في أواخر خريفه الخمسيني.

وهكذا ظلّ يهاتفها كلَّ أسبوع طوال عام كامل موجِّهاً إليها الدعوة لتأتي من المدينة التي تدرس فيها إلى العاصمة لتمضية عطلة نهاية الأسبوع معه. ولما لم تستجِب لدعواته المتكررة، انقطع عن مهاتفها. بيد أنه اندهش عندما أخذت هي تهاتفه بين الحين والآخر سائلة عن أحواله. وذات مكالمة هاتفية، لم يصدّق أُذنه عندما أخبرته أنها ستأتي لزيارته في عطلة جامعية وأنها ستمضي أربعة أيام في صحبته.

وصل ذلك المساء إلى محطة الحافلات قبل ساعة من موعد وصول الحافلة التي استقلتها.  ازداد قلبه خفقاناً واضطراباً عند اقتراب موعد وصولها. تأخرت الحافلة عن موعدها نصف ساعة. ما قيمة نصف ساعة من الانتظار بعد أن أمضى عاماً كاملاً في انتظار لقائها، عاماً كاملاً بشهوره وأسابيعه وأيامه وساعاته ودقائقه؟ هبطت من الحافلة مشرقة باسمة تماماً كما يراها في أحلامه. تعانقا. ساراً في اتجاه سيارته معاً بصمت تحت المطر المتساقط على المدينة الخافتة الأضواء. وضعت يدها تحت ذراعه كما لو كانت تعرفه منذ مدة طويلة.

اصطحبها لتناول العشاء في مطعم يطل على البحر. الفصل شتاء والسماء ممطرة والبرد شديد.  لم يكن في المطعم غيرهما. ومن خلال زجاج واجهة المطعم الواسعة المطلة على البحر راحا يشاهدان أمواجه الهائجة يتقدمها زَبَدُها الأبيض الذي يتحوّل إلى ستارة من الرذاذ حين تنتحر الأمواج على صخور الشاطئ. أنصتا بصمت إلى هدير البحر، وهما يتأملان أحدهما الآخر دون أن يتكلما. وعندما تلتقي عيونهما، يومض البرق ويدوي الرعد وتشتد زخّات المطر. لفتت انتباهها فراشةٌ صغيرة تحوم حول نور الشمعة المضاءة على مائدتهما، تبتعد عنه ثم تعود إليه وكأنها مشدودة بخيط لا مرئي. تابعت حركات الفراشة الصغيرة ثم سرّحت نظرها على أمواج البحر الداكنة المزينة بالزَبَد الأبيض.

 

قالت له وهما يتناولان الطعام دون أن تنظر إليه:

ـ أتدري أنني كنتُ قد قرأت بعض مجموعاتك الشعرية حتى قبل أن نلتقي في باحة الاستراحة في الطريق السيّار العامَ الماضي.؟ وبعد ذلك اللقاء، أخذت كثيراً ما أسهر مع نص من نصوصك الشعرية.

 لم يشأ أن يخبرها أنه، هو الآخر، كان يتذكّرها كلَّ ليلة منذ ذلك اليوم. عندما يأوي إلى فراشه بعد أن تُجهِده القراءة، يستولي خيالُها على حواسّه، تنتصب ملامحُ وجهها المُشرق أمام بصيرته، تندلق خارطة جسدها البضّ في عروقه وشرايينه، يحدّق في عينيها النجلاوين، يسهر معها، يحلم بها، يأرق لها، يتألم منها، ترتفع درجة حرارة جسده، يضطرب تفكيره، يصيبه الصداع والدوار والغثيان ويستحيل عليه النوم. لم يشأ أن يخبرها أن بعض قصائده هي وليدة ذلك الوجد والشجن والأسى والألم والمعاناة.

 

لم يشأ أن يخبرها بذلك، وإنما رفع رأسه، اصطنع ابتسامة ودود، وقال:

ـ أنا سعيد لأنك تقرأين أشعاري. كنتُ أظن أننا، نحن المبتلين بالأدب، نكتب دون أن يطّلع أحد على خربشاتنا. أو، على الأقل، هذا هو الانطباع الذي يوحي به إلينا الناشرون.

 

  راحت تتحدث وكأنها في حُلم:

ـ شِعرُكَ بحرٌ لا ساحل له ولا مرفأ، ولا حدود لأعماقه وأغواره، ولا مثيل لكنوزه ومكنونه. أقتربُ من شواطئه، فيسحرني في مدّه وجزره، يخدّرني بهديره المموسق، يشدّني إليه، يغمرني بدفقه، فأغوص فيه عارية من جميع أرديتي الزائفة وزعانفي المصطنعة. وهناك في مياهه الصافية الشفافة التي تصطخب فيها عوالم خلابة من الأحياء والمرجان، من الحركة والسكون، من النور والديجور، أجد فيه نفسي على حقيقتها، بكل ماضي خيباتها وآلامها، ومستقبل تطلعاتها وآمالها، ثم تنساب أمواج كلماتك دافقة دافئة إلى أقصى حنايا الروح لتشكّل أبعادي من جديد، وتلوّن أزاهير جُنينة القلب. كلّما قرأتُ نصّاً من نصوصك الشعرية، أحسست أنه يخصني، يخاطبني، يشرح أحاسيسي، يفسّر مواقفي، يعتذر عن بعض أفعالي، يعبر عن رؤاي وأحلامي.

 

 كان ينظر إليها بدهشة وتأثّر. قاوم دمعة ندم ترقرقت في عينه. قال بتواضع:

ـ بعض المُتلقّين يجدون أنفسهم في بعض ما يقرؤون. ولكنكِ، بجمالكِ الساحر وشخصيتكِ الجذابة، لا تختزلك قصيدة واحدة. إنك تستحقين مني ملحمة كاملة أو دواوين متعددة.

ـ شكراً ، بيد أنني يجب أن أحذّركَ من أن الثناء والمديح لا يفضيان بك إلى شيء معي. فأنا حُصن مُحكم الدفاعات، لا تنهدّ أسواره بفعل أمواج الإطراءات والإغراءات. ولكن أخبرني، من فضلكَ، من أين تستوحي إيقاعاتك الجميلة وصورك الشعرية الفذة؟

 

 صمت لحظة ورنا بعينيه بعيداً وطافت على وجه الظلال، ثم قال:

ـ بعض إيقاعاتي محاكاة للألحان التي كانت تعزفها ابنتي على البيانو، وكثيراً ما استعرتُ صُوَري الشعرية من رسوماتها ولوحاتها الزيتية. كانت في صباها منبهرة باكتشاف ماهية الأشياء حولها وحدود الآفاق.

ـ ما شاء الله. فابنتكَ موسيقية ورسّامة في آن واحد. لا بدّ أنك فخور بها. وكيف تأتّى لها ذلك؟

قال بشيء من الرضا والتواضع:

ـ لعلها موهوبة. إضافة إلى أنني تعهّدتُ بتربيتها وتنمية مواهبها بعد وفاة أمها وهي صغيرة.

ـ وأين هي الآن؟ هل لي أن أُسعَد بلقائها؟

ـ إنها تواصل دراستها العالية في أوربا وتأتي في عطلاتها الجامعية لرؤيتي.

               ترددتْ لحظة قبل أن تسأل:

ـ ألم تتزوج بعد وفاة المرحومة أمها؟

ـ لا، كنتُ أخشى أن يؤثّر زواجي على ابنتي بشكل أو بآخر.

ـ لا شك أنكَ تحبُّ ابنتَكَ كثيراً.

               قال ليغيّر الموضوع:

ـ والآن لنتحدّث عنكِ. كيف هي علاقتك بوالدكِ؟ هل أنتِ معجبة بأبيك ككل فتاة، أم أن بينكما نوعاً من صراع الأجيال؟

               قالت بشيء من الأسى والحسرة:

ـ غادرنا أبي وأنا صغيرة ليعيش مع امرأة أخرى. وبقيتُ مع أمي وأختي.

وأطرقتْ صامتة لحظة ثم أردفت هامسة:

ـ تمنيتُ لو كنتَ أنتَ والدي.

 

 حضر النادل وهو يحمل طبق الحلوى التي طلباها في آخر الوجبة.

 خرجا من المطعم، وضعت يدها حول خصره، سارا تحت الرَّذاذ المتساقط إلى موقف السيارات. اصطحبها بسيارته إلى منزله. ألْفَتْ نفسَها وحيدة معه في صالة الاستقبال في دارته التي تطلّ على البحر كذلك. جلسا قرب المدفأة. طلبت منه أن يُسمِعها بعض أشعاره، " أحب سماعها بصوتك وإلقائك". تلا بعض قصائده الغزلية التي تشوبها نغمة حزينة وتشي بشعور عميق بالوحدة وإحساس مأساوي بأسىً دفين. وعندما توقّف عن القراءة مُغمِضاً عينيه، أنشدت له بعض الأغاني المشهورة بصوتها الرخيم الذي تزيّنه بحة مميزة، وكأنها تريد أن تدخل الفرحة إلى قلبه، شاهدا بعض برامج التلفزيون وهو يضمّ يدها بين كفيه. أخذت تتثاءب. قال لها:

ـ يبدو أنه حان وقتُ نومك. وأنا أخيّرك بين أن تنامي وحدكِ في غرفة ابنتي في الطابق الأرضي، أو أن ترافقيني إلى غرفتي العُلوية فتمنحيني شيئاً من دفئكِِ.

 

 غضّت بصرها كما لو كانت تفكّر في الجواب. رفعت وجهها وتطلّعت إليه بعينين رامشتين، وقالت:

ـ هل تعِدني، إذا أتيتُ إلى غرفة نومك لأدفّأك، بأنك ستكتفي بإعطائي شيئاً من الحنان، لا غير.

 قال مازحاً:

ـ هل سمعتِ برَجُلٍ يشتعل رغبةً وشوقاً عاماً كاملاً ثم يفي بوعده لامرأةِ أحلامه بعد أن يُوصلها إلى فراشه؟ أم هل سمعتِ بحصانٍ يقتله الظمأ ثم يمتنع عن شرب الماء بعد أن يَرِده؟

ردّت مازحة:

ـ أَحْسَبُ أنّ الشعراء أرجحُ عقلاً من الخيول.

  قال وهو يُسمك بيدها:

ـ عندما تستعر الرغبةُ كالجمر يحترق العقل ويتلاشى.

 في فراشه، طوّقَتْه بذراعيها وضمّتْ صدرها الريّان إلى صدره. أحسّ بحرارة جسدها تسري في عروقه، وبأنفاسها الدافئة تطفو بنعومة على وجهه. وضع يده اليمنى تحت رقبتها وراحت يده اليسرى تمسّد شعرها الناعم بحنان. وظلا معتنقين صامتين وقتاً طويلاً وهو يواصل تمسيد خصلات شعرها الذهبي. تسرّب خدر لذيذ إلى عينيها، وأحسّت بارتخاء مريح في أطراف جسدها.. وانهارت كل دفاعاتها. أزال قميص النوم الوردي الذي كانت ترتديه، فظهرت له فتنة جسدها بكل أنوثته وشبابه وتضاريسه المثيرة. وبدت له مثل حصن ملئ بالمجوهرات، استسلم حرّاسه وكفّوا عن المقاومة، وبمقدور أيّ غازٍ أن يقتحم بابه المُشرَع بِفَرَسِه. وعندما هَمَّ هو بتوجيه جواده إلى الحُصن، لم يتمكَّن من التقدُّم، فقد تمثّلت له ابنته وهي نائمة بوداعة في السرير.  

 

 

 

 

 

قصة " اللقاء " ونظرية فرويد  

بقلم: مصطفى الدامون  

مقدمة

            تستوحي هذه القصّة مادّتها الفكرية من النظريات التي قال بها س. فرويد في اللاشعور، وعقدة أوديب، وعقدة إلكْترا، والهو، والأنا، والأنا الأعلى، والأنا الأعلى الجماعي، والتي يفسِّر على ضوئها نفسية الإنسان وحياتَه الانفعالية أو العاطفية. ولهذا، يلزم الوقوف عند هذه المصطلحات من أجل تعريفها المقتضب.

            اللاشعور هو هذا القسم الهام جداً من حقيقتنا النفسية التي تَحْتجب خلف الوعي. وهو يُشكّل مستودعَ الرَّغبات والأهواء غير العقلانية التي تحرِّك سلوك الإنسان دون وعي منه. وأما عقدة أوديب وعقدة إلكترا فهما ظاهرتان نفسيتان عامتان. ومفاد الأولى - عقدة أوديب - هو أن الابن يجد في نفسه عواطفَ حبٍّ لأمّه وغيرةً من أبيه، بينما تفيد الثانية - عقدة إلكترا - أن البنت تشعر، على العكس من الابن، بميول نحو الأب ونفور من الأمّ.

            سنحاول، فيما يلي، استخدام هذه الأدوات، المستقاة من التحليل النفسي، سعياً نحو تحديد - أو تلمُّس - العوامل النفسية التي تختفي وراء تصرفات البطلين الرئيسيَيْن في القصّة، وهما نجلاء والأرمل الخمسيني.

 

أولاً: شخصية نجلاء

            يَشتمل النصُّ، كلُّ نصٍّ، فيما يقول ن. تشومسكي، على بنيتيْن: الأولى سطحية والثانية عميقة. وللقصة التي نحن بصددها - كنص - هذه السمة، أي بنية سطحية وبنْية عميقة ليس بوسعنا أن نبلغها إلا إذا نحن توسّطنا ببعض الأدوات وتسلحنا بزادٍ نظري.

 

            وتطبيقاً لما تقدم، وكمدخل لتحليل شخصية نجلاء، نتساءل، بادئ ذي بدئ، ما هي المؤشرات التي بدرت عن سلوكها في القصة؟

            جواباً عن هذا السؤال، نقول هذه هي المؤشرات:

                   أ  - عدم استجابتها لدعوات البطل، المتكرِّرة لها، إلى اللقاء؛

                  ب - مبادرتها إلى الاتّصال بالبطل بعد انقطاعه عن الاتصال بها؛

                  ج - إسراعها إلى وضع يدها تحت ذراع البطل ما إن التقت به.

 

            هذه هي المؤشِّرات الأولى في سلوك نجلاء. والفهم لها لا يتم، في اعتقادي، إلا إذا استحضرنا المُعطى الهام جداً الذي يخصُّ هُوية البطليْن. والقصة تُطلعنا عليه في الصفحة السابعة/ السطرين 9 و10. تقول عن نجلاء والبطل:

 

            «هي في مطلع ربيعها العشريني وهو في أواخر خريفه الخمسيني». وتأسيساً على هذا المُعطى، وفي انسجام مع نفسها من جهة، ومع نفسها والبطل من جهة ثانية، يصبح في وسعنا أن نقول في تفسير المؤشِّرات التي ذكرنا ما يلي:

            أ - عدم استجابة نجلاء لدعوات البطل، طوال عام، ليس بدافع الدلال والممانعة ولا إلى توابع الدلال من المكابرة وغيرها. كما أنه ليس بدافع الإغواء والولع بالإغواء طبقاً للصورة النمطيّة المعروف: «المرأة تتعرَّض وتُغوى والرجل يطلب ويسعى».

 

            الواقع أعمق من هذا، والقصة ستطلعنا عليه عند مستوىً معيَّن من القصّ.

            ب - مبادرة نجلاء إلى الاتصال بالبطل بعد انقطاعه من مهاتفتها تدل على وجود رغبة عميقة في الاتصال ومدّ جسور التواصل معه. ولو كانت المكابرة - أو ما شاكلها - هي التي تحرِّك سلوكها لكانت القطيعة هي للرد على البطل الذي لم يعد يحادثها بالهاتف.

             ج - إسراع نجلاء إلى تأبّط ذراع البطل بمجرّد وصولها إلى الرباط والالتقاء به، لا يمكن تفسيره إلا بالأهمية التي تعلِّقها على ذلك. لا شكَّ أنها قد فكرت في الأمر ملياً، خاصَّة وأن القطيعة استغرقت عاماً بكامله.

            وإذن، ما الدّافع العميق إلى هذا السلوك؟

            هذه بعض الفرضيات من وحي ما جاء في تضاعيف القصة.

            أ - بادرت نجلاء إلى هذه الحركة - وضع يدها تحت ذراع البطل - لكي توحي للعابرين أن مرافقها هذا - البطل - فرد من عائلتها، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها تعي بأنها تعيش وتوجد في مجتمع تقليدي متخلِّف، يتوجّس من المرأة.

            هذا جائز لكنه يبقى بمنأى عن الدافع العميق في اللّقاء.

            ب - اطّلعتْ نجلاء على أشعار البطل قبل التعارف الأوّل، ثمَّ أضحت تُدمن على قراءتها بعد التعارف، وفضلاً عن ذلك أعجبت بها أيَّما إعجاب (تقول له: «شِعْرك بحر لا ساحل له ولا مرفأ /.../ إلى آخر الفقرة»، ص. 10)، فهل هذا الإعجاب هو الدافع العميق إلى اللقاء؟

 

            هناك جواب بالنفي في القصة، تأتي على ذكره في الصفحتين 10 و11. فحين أسرَّ البطل لمجالِسته على طاولة العشاء أن «جَمالَها الساحر وشخصيتها الجذّابة لا تختزلهما قصيدة واحدة، لأنها تستحق ملحمةً كاملة، ودواوين متعدّدة» تجيبه نجلاء بأن ثناءه ومديحه اللذين كالهما لها لا يُفضيان إلى شيء معها، لأنَّها «حصن محكم الدفاعات» (ص 11).

            من الجائز أن يكون هذان السببان اللذان أوردتاهما تحت أ وب - قد لعبا دورهما في تحريك سلوك نجلاء، ولكنهما لا يرقيان إلى منزلة الدافع الرئيسي أو العميق. وإذن، ماذا عسى أن يكون هذا الدافع؟

 

            تقدّم لنا القصة إضاءَةً في هذا الصدد؛ وذلك حين يسأل البطل نجلاء عن علاقتها بأبيها وعمَّ إذا كانت معجبةً به ككل فتاة؟ (ص. 12 - السطر 7 و8). وإذن، هذا سؤال يُلخّص، ويركِّز، ويكثِّف مركَّب أوديب أو إلكترا، لكي يُكيفه مع حالة خاصة جداً، وهي حالة نجلاء.

 

            وتجيب نجلاء عن هذا السؤال الهام بالحرف الواحد:

            «غادرنا أبي وأنا صغيرة ليعيش مع امرأةٍ أخرى، وبَقيت مع أمّي وأخْتي». (ص 12/ السطر 11 و12).

 

            هذا الغياب - غياب أبي نجلاء - من البيت أحدث ولا ريب فراغاً في المكان - أي البيت تحديداً - كما أحدث مثله - أي فراغاً - في حياة نجلاء. وكلا الفراغين خطيران ومترابطان، لأنَّ الأولَ - فراغ البيت - سببٌ في الثاني - ولكن هذا الأخير أكثر خطورةً في عمقه وآثاره المدمِّرة. وبحكم التداخل بين الفراغين، يمكن أن نتكلّم عن فراغ واحد. فراغ بمثابة الموت، أو لنقل هو الموت ذاته. إنه موت أب في حياة ابنته، لأنها تحتاج إليه كما تحتاج إلى الماء والغذاء والهواء.

 

            وإذا نحن شئنا استخدام اصطلاحات علم النفس، قلنا إن «موت» الأب - أبي نجلاء - الموت بالمعنى الذي تكلمنا عنه أعلاه، يعني موت الموضوع الأول لمشاعر الحب لديها. ومع هذا «الموت» تبقى الحاجة ماسة وقائمة إلى المرجع أو المثل الأعلى لكي يُعوِّضَها عن ذلك الفراغ، أي عن ذلك «الموت».

            وهذا ما تستشعره نجلاء، في أعماقها، وتهمس به لسائلها عن علاقتها بأبيها، وهو الرّجل الذي يجلس قبالتها على مائدة العشاء، الرجل الخمسيني، والذي يتقمّص بالنسبة إليها صورة الأب الحقيقي. تقول نجلاء لمجالسها:

            «تَمنيْت لو كنْتَ أنتَ وَالِدِي» (ص. 12/ السطر 14).

 

            هذا القول على لسان نجلاء، هو الفَلْتَة التي تهمس بها، وهو النّسْغ - أو بيت القصيد - في قصة «اللقاء»، لفهم بنيتها العميقة. والتفاصيل اللاحقة تؤكِّد ما نذهب إليه:

            أ - طلب الحلوى الذي يحضر له دلالة في الإحالة على اللاّشعور. ورمزيته هي الولع الشديد للأطفال بالحلويات ومن ثم إرهاق الآباء بطلباتها؛

            لماذا طبق الحلوى وليس طبق الفاكهة؟

            ب - وضع نجلاء ليدها على خصر البطل (الأرمل الخمسيني) ثم غناؤها له في البيت بصوت تميزه «بحّة خاصة» (ص. 13/ السطر 6)، ثم تركها ليدها «تنام كالعصفور بين يديه» (وهذا كلام لنزار قباني وليس لعلي القاسمي)، إلخ؛ كل هذه مؤشرات لها رمزيتها في البحث عن الدفئ الأبوي الْمُفْتَقَد.

 

            وحين ينال التعب من الاثنين، ويأتي وقت النوم، ولدى تخْيير البطل لنجلاء ما بين أن تنام في غرفة ابنته أو إلى جانبه، تجيبه: «هل تعدني إذا ما أتيت إلى غرفة نومك لأدفئك، بأنك ستكتفي بإعطائي شيئاً من الحنان، لا غير؟» (ص. 13).

            إذن، لا زالت نجلاء تبحث عن دفئ أبوي، ولو أن دفاعاتها أوشكت على الانهيار.

 

            البطل - وهو أرمل خمسيني، كما أشرنا - يَعيش وحيداً منذ أن تُوفيت عنه زوجته. وما بين وفاة الزوجة واللقاء - أو التعرف  على نجلاء - فترة طويلة. وما بين التعارف بينه وبين نجلاء مسافة عام. وإذن، كل شيء - المؤشرات التي ذكرنا، على الأقل - يوحي بأنه في أمس الحاجة إلى الآخر من أجل التفريج عن شهوته؛ فهل هذا هو كل ما في الأمر بالنسبة إلى شخصيته؟

           

ثانياً: تحليل شخصية البطل (الأرمل الخمسيني):

            يُحدّد س. فْرُويْد، في تحليله للشخصية الإنسانية، عناصر ثلاثة: الهو، والأنا، والأنا الأعلى، وتقوم هذه العناصر - أو المكوّنات - بوظائفها الخاصة في البناء النفسي للذات، ولكنها ترتبط فيما بينها بعلاقة تبعيّة تَتّسم بالتعقيد والتنوُّع البالغين.

 

            الْهُو هو الجزء الغامض والمغلق من الشخصية الإنسانية؛ وهو يختزن كلَّ النزوات والرغبات التي تزداد شُحناتها مع كل حالة من حالات القمع أو الكبت أو هما معاً. وهو يجهل الأخلاق، لأن مبدأ اللذة هو الذي يُحرّكه.

 

            وفي مقابل الْهُو، يوجد الأنا. وهو يتمايز عن الْهُو بفعل الاحتكاك المباشر مع الواقع الخارجي. وإذن، الأنا هو القِسْم الذي يُؤَمِّن السيطرة التدريجية على النزوات، ومن ثَمَّ فهو يمثّل ما نُسميه الحكمة وسلامةَ العقل، لأنه يخضع لمبدإِ الواقع.

           

            وأما الأنا الأعلى، فهو القسم الذي ينشأ عن الأنا بفعل استِبْطان الفرد للقيود التي يُلاقيها والضوابط - أو الكوابح - التي يتعرَّف عليها خلال نموّه. وتأسيساً على ذلك، ينهض الأنا الأعلى، إذن، بدور المثال، ويُمثّل النزوعَ إلى الكمال بالنسبة إلى الأنا. واستكمالاً لتحليله الخاص بهذا القسم من البناء النفسي للفرد - أي للأنا الأعلى - سيقول س. فْرُويْد، في فترة لاحقة على الْبَسْط الأولى لنظريته في التحليل النفسي، بالأنا الأعلى الجماعي، وهو نِتَاج للتطور الثقافي.

 

            هذه بعض المعطيات من التحليل النفسي. والسؤال، هو، ما هي أهم سمات شخصية البطل على ضوئها؟

 

            هذه بعض العناصر في الإجابة عن هذا السؤال.

  

•1- قوة الدافع الغريزي. تَعْرض قصة «اللقاء» إلى هذا الدافع منذ سطورها الأولى. يقول المؤلِّف: «منذ عام وهو يُهاتفها كل أسبوع ليسألها عن أحوالها ويدعوها للقاء في عطلة نهاية الأسبوع» (ص. 5/ السطر 1، 2). وأمام تهرّب نجلاء والتماسها الأعذار لذلك، كان البطل يلوذ إلى فراشه، محتضناً جراحَه، يهدّه الإحباط. وبالرغم من أن الفترة التي تفصل بين لقاء التعارف الأول واللقاء الثاني قد استغرقت عاماً بأكمله، عاماً لم يَحْظ فيه بشيء من نجلاء، فهو - أي البطل - قد ظل يحلم بها، وبأنوثة جسدها، لأنه لم يستطع نِسْيانَها (الفقرة الأولى، ص. 5/ السطر 7 و8).

 

            وتُطلعنا القصة، في الأقسام  اللاحقة من نموّ القص، على مؤشِّرات أُخرى تنمّ عن قوة الدافع الغريزي لدى الأرمل الخمسيني:

            أ - المؤشر الأول. إعجاب البطل بنجلاء منذ النظرة الأولى التي جمعت بينهما. يقول الراوي في الحديث عن البطل: «الْتقتْ عيونُهما فومض البرق، ودوّى الرعد، وهطل الغيث، أحسّ فجأة بوجيب في القلب، وارتعاش في اليدين، وظمإٍ في الشفتين» (ص. 5 و6).

            ب - المؤشر الثاني. حضور البطل إلى محطة الحافلات، حيث ستصل نجلاء، قبل وصول الحافلة التي تستقلها بساعةٍ. (ص. 7).

 

            صحيح أن الحسناء التي هام بها الأرمل الخمسيني، هي فتاة جميلة. فهي ذات وجه مشرق، وشفتين ممتلئتين، وشعر ينسدل على كتفيها مثل سنابل ذهب. والأدهى من كل هذه السمات، هو العينان النجلاوان اللتان جعلا منها نجلاء - وهذا اسمها - عن جدارةٍ واستحقاق. (ص. 6 - الفقرة الأولى).

 

            بَيْد أن هذا الجمال، حتى ولو كانت له أهميته، لا يُفسِّر لنا العامل الأكبر في تحريك مشاعر البطل نحو نجلاء. ولعل في الإيهَام بأن جمال نجلاء يشكِّل العامل الأكبر، بينما هو ليس كذلك، ما يشكل ملمحاً من ملامح الجودة في القصة.

 

  

                         2 - قوة اللاّشعور. تُطلِعنا القصة، تدريجياً، على الأسباب العميقة لانجذاب البطل نحو نجلاء. فبعد الإعجاب الأول الشديد بها، وهو يتأمَّل في ملامحها الجميلة، تقدِّم لنا القصة هذا التحليل الذي يسعى إلى النفاذ إلى ما هو أبعد من المظهر:

 «بَدَا له أنّ بعضَ ملامِحها أليفةٌ مأنوسةٌ، وكأنّها وُشِمت في ذاكرتِه منذ القدم. لابُدّ أنه رآها من قبل، أو رأى شبيهتَها في الْحُلم أو في ماضي الأيام أو في حياة سابقة، في مكان ما، في زمان ما، لا يدري أيْن ومتى، ولكنه شعر بأنها قريبةٌ من رُوحه، حبيبةٌ إلى قلبه». (ص. 6، الفقرة الثانية).

 

            هذا نصّ هام في مقاربة شخصية البطل. وتأتي أهميتُه من كونه يُساعدنا على تلمّس الأسباب العميقة وراء انجذابه نحو نجلاء، والنص واضح بقدر ما هو غامض، لأنه لم يقل لنا ما هي هذه الأسباب، بل يكتفي بالإشارة إلى حيث يجب البحث عنها، أي في ذلك الحيِّز من "الإيسْبِيرْغْ" (جبل الثلج العائم) الذي ما أن يطفو على السطح حتى يعود إلى الاختفاء. فما بين الشعور واللاشعور، توجد مساحة تزخر بمخزونها من التقمّصات والتماهيات التي تَتّسم بالوضوح الغامض أو بالغموض الواضح.

 

            وإذن، ما الذي يُفسّر أن البطل، ما أن تَعرَّف على حسنائه في باحة الاستراحة على الطريق السيّار، وما أن دخلت إلى السيّارة لتجلس في مكانها إلى جانب «أربع فتيات أخريات كُلهنّ على درجة عالية من الملاحة والجاذبية» (ص. 6، السطر 19 و20)، حتى وجد نفسَه ينجذب إلى نجلاء دون غيرها بحيث بدتْ إليه «متألّقةً بينهن مثل قمرٍ بين النجوم» (ص. 6/ السطر 20 و21).

 

            يذهب س. فْرُويْد، كما رأينا، إلى أن اللاشعور يعلب دورَه الكبير في السلوك الإنساني، وسواء اتفقنا معه أو اختلفنا، فالأمر الأكيد هو أن هذا الرأي يجعلنا نقترب أكثر من معرفة الإنسان. والدليل هو أن اصطلاحات التحليل النفسي تُوفّر لنا أدواتٍ ناجعةً في تحليل مفاهيم الحياة والموت والرغبات الجنسية الدفينة والمحظورات الثقافية ورموز اللاشعور وقيمه المستترة.

 

            ومع استحضار المعطى العام الذي خصّ به الكاتب البطل ومعشوقته، بأن جعل الفارق في السنّ بينهما كالفارق في السنّ بين الأب وابنته، تقدم لنا القصة تحليلاً آخر ينمّ عن قوة الدافع اللاشعوري لدى البطل. ويستغرق هذا التحليل فقرةً بكاملها من الصفحة رقم 9. تقول هذه الفقرة:

 

            «لم يشأ أن يُخبرها، هو الآخر، أنه كان يتذكّرها كل ليلة منذ ذلك اليوم. عندما يأوي إلى فراشه بعد أن تُجهده القراءة، يستولي خيالُها على حواسه، تنتصب ملامحُ وجهها المشرقة أمام بصيرته، تندلق خارطة جسدها البض في عروقه وشرايينه، يحدِّق في عينيها النجلاوين، يسهر معها، يحلم بها، يأْرق لها، يتألّم منها، ترتفع درجة حرارة جسده، يضطرب تفكيره، يُصيبه الصداع والدوار والغثيان، ويستحيل عليه النوم. ولم يشأ أن يخبرها أن بعض قصائده هي وليدة ذلك الوجد والشجن والأسى والألم والمعاناة». (ص. 9).

            وإذن، الدافع اللاشعوري للبطل قويّ جداً، وقوته تلك هي بحيث تجعله يمرض ويستحيل عليه النوم، ولا يجد متنفساً عن كل ذلك إلا بصوغ أشعار من ذوب أعصابه وعُصارة معاناته.

 

            وبطبيعة الحال، تكتسي قصائد البطل دلالتَها الرمزية فيما يتعلق بنموذجه الأعلى في الحبّ؛ كما أن لقراءتها أولاً ثم الإدمان عليها لاحقاً، قراءتها والإدمان عليها من لدن نجلاء، أقول إن لذلك دلالتَه الرّمزية، أيضاً، فيما يتعلق بهذه الأخيرة (نجلاء) التي تبحث عن المثل الأعلى الذي يتجَسَّد لها - في الواقع - اختزالاً للمسافة التي تفصل بين الأب الغائب والحبيب القادم.

 

            وفي هذا الاتجاه أو الإطار، أو فيهما معاً، تُقدّم لنا القصة عنصراً ثالثاً في تسليط الأضواء على الدّافع الخفي وقوته لدى البطل. وذلك حين يُجيب هذا الأخير، جواباً عن سؤال نجلاء بشأن المصدر الذي يستوحي منه إيقاعاته الجميلة وصوره الشّعْرية الفذَّة، بقوله:

            «بعض إيقاعاتي محاكاة للألحان التي كانت تعزفها ابنتي على اﻟﭙﻴﺎنو، كثيراً ما اسْتعرْتُ صُوَري الشعرية من رسوماتها ولوحاتها الزيتية. كانت في صباها منبهرةً باكتشاف ماهية الأشياء وحدود الآفاق حولها» (ص. 11/ السطور 8، 9، 10، 11).

 

            إذن، فالألحان التي تعزفها ابنةُ البطل على اﻟﭙﻴﺎنو، بالإضافة إلى رسومها ولوحاتها، هي النّبع الثريّ الذي يُلهم الأب أشعارَه، تلك الأشعار التي تُشكِّل تصعيداً لمعاناته. معاناتُه لأنه فقد زوجتَه، ولأنه يبحث عمّن يُعوّضه إياها ولكنه لا يجد. وللزوجة المتوفاة حضورٌ في ابنتها، بمعنى أن الابنةَ امتدادٌ لأُمِّها. والابنة، هي، أيضاً، ملهمة أشعار الأب. أي أنها نبع إبداعه. والنّبع، حين يكون على مستوى راقٍ من العطاء والجمال، يَكتسب تلك القوة وذلك السمو اللَّذيْن يجعلان منه النموذج أو المثل الأعلى.

 

            تقول نجلاء في تعليقها على تصريح البطل بشأن ابنته: «لابد أنك فخور بابنتك»
(ص. 11/ السطر 12، 13).

 

            إذن، تَسْتشفُّ نجلاء إعجاب البطل بابنته إلى حد الافتخار بها. والخلاصة، هي أننا أمام نوع من التداخل في المثل الأعلى بالنسبة إلى الطرفين الرئيسَيْن (الأرمل ونجلاء) كما بالنسبة إلى الأطراف الأخرى الخفية التي ترتبط بها. فالبطل/ الشاعر بالنسبة إلى نجلاء هو كالإبنة/ الفنانة بالنسبة إلى البطل/ الأب. والبطل/ العاشق بالنسبة إلى نجلاء هو كالأب/ الغائب. ومن الجائز أن تكون نجلاء قد تقمصت صورة ابنة البطل، خاصة وأنهما في سن واحدة أو متقاربة (كلاهما في السنوات الأولى من دراساتهما الجامعية)، تماماً كما انصهرت صورة الأم في ابنتها.

 

            وإذا صحَّت هذه الاستنتاجات، فنحن، إذن، بصدد رصيد من العلاقات المتشابكة التي تشكل المادة الأولى - أو الهيولي - لأصناف من التماهيات والتقمُّصات التي لا تثبت على شكل، حتى الآن على الأقل، في شعورِ ولاشعورِ الشخصيتين الرئسيتين في القصة.

 

            كانت ﭬﺮجينيا وُولف تقول: الإنسان واحد ومتعدّد. وكان نرﭬﺎل يقول مع نفسه: «الإنسان مزدوج، إني أحسُّ برجُليْن في داخلي». ولعل هذا ما سيتضح لنا أكثر، فيما يخص البطل، بانتقالنا إلى مقاربة جانب آخر في شخصيته.

 

  

3 - قوة الأنا الأعلى الجماعي (أو الجمعي).

                         تشتمل قصة "اللقاء" على مجموعة من المعطَيات الواقعية، المتعلِّقة بعلاقة الأب بابنته. وبوسعنا أن نوجزها كما يلي:

             أ - السهر على تربيتها ورعاية مواهبها منذ وفاة أُمّها وهي لا تزال صغيرة (ص. 11).

            ب- إرسالها إلى أوروﭘﺎ لاستكمال دراستها العليا (ص. 11).

            ج - جودة العلاقة بين الأب وابنته، بدليل مواظبة الابنة على زيارة أبيها خلال كلِّ عطلة دراسية.

            د - اعتزاز الأب بموهبة ابنته، وهذا ما رأيناه فيما تقدم. (ص. 11 من القصة).

 

            وكل هذه المُعطَيات نعرفها في سياق الحوار بين الأرمل الخمسيني ونجْلاء. ولا تُقدّم لنا القصة أي مُعطىً حول علاقة هذا الرجل بزوجته المتوفاة عنه. ولكن بوسعنا أ نخرج بخلاصات، بهذا الشأن، من المعطيات النفسية التي تطلعنا عليها القصة من خلال علاقة الأب بابنته.

 

            تسأل نجلاء الرجل الأرمل عَمَّ إذا كان قد تزوَّج بعد وفاة أمّ ابنته (ص. 12/ السطر 2) فيجيب بالنفي (ص. 12/ السطر 3). ويواصل الرجل كلامَه معلّلاً عدم إقدامه على زواج ثانٍ بالتشديد على خوفه من أن يُؤثِّر ذلك على ابنته بشكل أو بآخر (ص. 12/ س 5). وتعقيباً على هذا التعليل، تعلُّق نجلاء بقولها للرجل الأرمل: «لا شك أنك تُحب ابنتك كثيراً».

                 يصمت الرجل، وصمته هذا جوابٌ.

 

            إذن، صحيح أن الأرمل الأب يُحب ابنته كثيراً. وهذا ما تؤكِّده كلِّ المعطيات الواقعية والنفسية التي أتينا على ذكرها واحدةً تلو أخرى. والسؤال الذي يبقى مطروحاً، هو: هل كان الرجل يُحب زوجتَه؟ وهل بوسعنا أن نزعم أن حبَّه لابنته امتدادٌ لحبه لأمها، أي لزوجته؟ وإذا صحَّ ذلك، هل يجوز لنا أن نقول أن حبّ الأب لابنته يتضاعف ويتشابك بنوعٍ آخر من الحب، ألا وهو حب الأب لمن هي من صُلبه، أي ابنته؟ وهذا الحب الأخير بدوره - أي حب الأب لنسله - هل توهَّجَ بفعل عاطفة إنسانية أخرى توقّدت في حنايا الأب تجاه ابنته بعد أن شاءت الأقدار أن تضيع في أمّها؟ ومع التذكير بفحوى عقدة إلكترا (راجع المقدمة)، نستمر في سلسلة التساؤل ونقول: إلى أي مدى اغتنت وتشابكت وتعمّقت عواطف الحب بين الأب وابنته بالميول الغريزية الأولى لدى الابنة حيال أبيها؟ وبحكم فقدان البيت - أو الأسرة - للأم منذ السن الباكر للابنة،  ماذا - وكيف - كان نمو عواطف الابنة حيال أبيها والأب حيال ابنته؟ أية آثار؟ وهل بوسعنا أن نقرأ شيئاً من تلك الآثار في البنيات النفسية الرّاهنة للأب الأرمل في علاقته بابنته، من جهة، وفي علاقته بنجلاء من جهة أخرى؟ وما انعكاسات كل ذلك في هذا الثالوث: الأب - الابنة - نجلاء؟ وأيضاً، هذا السؤال: هل غياب الأب من حياة نجلاء يُماثله، من حيث المضاعفات، غياب المرأة/ الأم في حياة البطل/ الأرمل؟

 

            وعموماً، ما علاقة كل هذه الأسئلة والأجوبة التي تتضمّنها - أو على الأقل تقتضيها - بخاتمة القصة التي تلخّصها لحظة التنوير؟

 

            تمتلك قصة علي القاسمي " اللقاء " منظوراً تحليلياً يُشدِّد على الأبعاد النفسية، ويشكّل هذا المنظور التحليلي، خصوصاً عندما يضعنا أمام هذا التشابك من العلاقات الإنسانية، واحداً من عناصر الجودة فيها. ولتوضيح فكرتي هذه، أقف عند نموذجين من القمم في الأدب العالمي نظراً لما امتازا به من العمق والنفاذ في التحليل النفسي لسلوك الشخصيتين الرئيسيتين فيهما:

            أ - مسرحية "أوديب ملكاً" لسوفُكليس. يرى س. فْرويد في قتل أوديب لأبيه وتزوجه من أمه دون أن يعي ذلك الإطار العام الذي يتفق ويستجيب للرغبة اللاواعية القابعة في دخيلة النفس البشرية. ويذهب - من ثَمَّ - إلى أن التعاليم والوصايا الأخلاقية والدينية إنما جاءت ضدّ الرغبات والميول الجنسية والمعادية الحضارة - أو الثقافة - التي سعت إلى تنظيم حياة البشر في المجتمع.

            إذن، لقد كان الأدب هو الأسبق في حدس مركّب أوديب، ثم جاء علم النفس ليجعل من هذا الحدس مادة للتنظير له في حقله الخاص.

 

            ب - مسرحية "هَامْلِت" ﻟﺸﻜﺴﭙﻴ. يقوم هذا العمل الأدبي على تصوير تردّد هاملت في قتل عمّه، ومن ثَمَّ الانتقام لأبيه طبقاً للطيف أو الشبح الذي تجلَّى له وخاطبه. وتفسيراً لهذا السلوك المتردّد، يشدّد س. فْرُويد على عنصرين: 1 - إقدام عمّ هاملت على قتل أب هذا الأخير يُجسّد الرغبات الأوديبية لهاملت؛ 2 - الفارق بين أوديب وهاملت يعكس الفارق في الحياة النفسية بين العصرين المتباعدين مع ما استتبع ذلك من الفارق في تقدّم الكبت عبر القرون في الحياة العاطفية للبشرية.

            إذن، لقد تناول الأدب عاطفة دفينة في العلاقات الإنسانية، ثم جاء علم النفس ليلتقطها ويعمّق التأمل فيها على ضوء نظريته في حقله الخاص.

 

            وبرجوعنا إلى قصة "اللقاء" وبحثنا عَمَّ تشتمل عليه من معطيات تصب في اتجاه الخاتمة، فنحن لا نجد سوى بعض النتف المتفرقة، وهذه نماذج منها:

            أ - الوصف الوارد في القصة لوجه نجلاء. وذا هو: «وجْهٌ يجمع بين فتنة الأنوثة وبراءة الطفولة» (ص. 6/ س 4)؛

            لماذا براءة الطفولة؟

            ب - اقتراح البطل على نجلاء خيار النوم بين مكانين: غرفة ابنته أو في غرفته إلى جانبه. (ص, 13/ سطر 11، 12، 13)؛

            أي الخيارين كان أقرب إلى نفس البطل؟

            ولعل هذا الشح في تطعيم القصة بمعطيات من هذا القبيل - أ وب، مثلاً - مردّه إلى توفير عنصر المفاجأة لخاتمتها، وبذلك يجعلها تمرّر بقوّة مضمون الدّلالة التي تحملها. صحيح أن المؤلِّف هو الذي يرسم مسارات محدَّدة لأبطاله وشخصياته، ولكن من الصحيح - أيضاً - أن هذه الشخصيات حين تولد وتنمو وتكبر على الورق تصبح ذات قوة فتؤثِّر - عكساً - في خالقها، أي المؤلِّف. ومهما يكن من أمر، فإن المثل الأعلى في العمل الأدبي الجيّد يبقى هو أن يتحكم المؤلِّف في شخصياته، لا أن تتحكَّم شخصياته فيه، لأن خلفيات سلوكها وخيوط الأحداث وغيرها أمور منوطة به.

 

            إذن، إلى حدّ هذا المستوى من القصة - أقصد اقتراح البطل على نجلاء الخيار بين غرفتين للنوم - توحي هذه الأخيرة - أو على الأصح، توهِم - بأن البطل يسعى - ككل إنسان عادي - وراء سعادته وإرضاء حاجته، وهو لذلك يستدرج مصاحبتَه باعتماد أسلوب يجمع ما بين الجدّ والهزل.

            يقول لنجلاء: «هل سمعتِ برجلٍ يشتعل رغبةً وشوقاً عاماً كاملاً ثم يفي بوعده لامرأة أحلامه بعد أن يُوصلها إلى فراشه؟ أم هل سمعتِ بحصانٍ يقتله الظمأ ثم يمتنع عن شُرب الماء بعد أن يرِده؟» (ص. 13 و14).

            وأيضاً، قوله لها ردّاً على مزحتها: «عندما تستعر الرغبة كالجمر يتلاشى العقل».

  

            هذه إشارة مبطنة إلى بداية انْتصار الرغبة الدفينة - ولنقل الْهُو - على الأنا في الصراعات المحتدمة بينهما.

 

            وإذن، تُزاوج القصة بين الإشارة إلى الدّافع الغريزي والدافع اللاشعوري. الأول جليٌّ والثاني خفي، وهذه الجدلية ما بين الخفاء والتجليّ في النسيج الداخلي للقصة تُشكّل عنصر قوة فيها، سواء لدى التحليل النفسي للبطل (الأرمل الخمسيني) أم لنجلاء (الشابة الحسناء).

 

            والفقرة ما قبل الأخيرة في القصة تَشِي بأن الصراعَ بين الوعي واللاوعي لدى هذه الأخيرة - نجلاء - قد حُسم لصالح رغبة دفينة في هذا القسم الأخير من بنائها النفسي. يقول الراوي عنها «وانهارت كل دفاعاتها» (ص. 14/ سطر 14).

 

            ويبدو أن البطل (الأرمل الخمسيني) قد استجاب، هو الآخر، لمبدأ اللذة، أي لنداءِ الهو العميق والغامض في شخصيته. ولهذا نراه يشغل نفسه بالقطوف الدانية من فواكه الجسد للحسناء المنهارة في فراشه.

 

            وبهذا الصدد، نقرأ في الفقرة الأخيرة من القصة:

            «أزال قميصَ النّوم الوردي الذي كانت ترتديه، فظهرت له فتنةُ جسدها بكل أنوثته وشبابه وتضاريسه المثيرة. وبدت له مثل حُصنٍ مليء بالمجوهرات، استسلم حراسه وكفّوا عن المقاومة، وبمقدور أيّ غاز أن يقتحم بابه الْمُشرَع بفرسه» (ص. 14/ السطور 15، 16، 17، 18).

 

            ولكن هذا الاستسلام شبه الكلي للنزوة الدفينة في أعماق الْهُو لم يُعمّر طويلاً. فهو لم يعمّر، لأن الصراع بين الهو والأنا الأعلى قائم، حتى ولو لم يَعِ به البطل تمامَ الوعي. وذلك لأن هذا الأنا الأعلى قد استبطن في دخيلته الكثير من القيم التي تحمله على كبح جموحه. وهذا الأنا الأعلى جزء من البناء النفسي للفرد، تماماً مثلما هو الفرد جزء من البناء الاجتماعي. وإذا كان الأول - الفرد - يَمرّ بمسارات في حياته، فالثاني - المجتمع، اختصاراً - يعرف، هو الآخر، مسارات خاصة به. وخلال تلك المسارات، تتراكم قيم ثقافية لتُشكِّل ما اصْطُلح على تسميته بالأنا الأعلى الجماعي.

            وفي مجتمعنا العربي - الإسلامي، الذي يتّسم بخصوصياته، ثمّة قيم ثقافية واضحة تَرَسَّبتْ في الأنا الأعلى الجماعي لهذا المجتمع. ومنها ما سُمي بلغة الفقهاء: المحارم.

            تقول الآية: ]زُيِّن للناس حبّ الشهوات من النساء...[ (سورة آل عمران).

            ولكن ثمة نساء ونساء في الفردوس الأرضي، ومن هنا جاءت الآية التي تضع الخطوط الحمراء.

            تقول سورة النساء: ]حُرّمتْ عليكم أمّهاتُكم وبناتُكم وأخواتُكم وعماتكم وخالاتكم وبناتُ الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرّضاعة وأمهات نسائكم، إلخ [(سورة النساء، الآية 25).

 

            وإذن، لقد دمغ المجتمع العربي - الإسلامي في وجدان البطل قيماً تستقى من هذه الأصول البالغة التأثير. ولهذا تمثلت له نجلاء في صورة ابنته، ومن ثَمَّ انتفض لتوِّه إلى لَجْم حصان شهوته ليحول بينه وبين الدخول إلى الْحُصن المليء بالمجوهرات.

 

  مصطفى الدامون        

باحث في الفلسفة ـ الرباط

 

 

 

د. علي القاسمي


التعليقات

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 20/02/2017 14:09:47
من أجل التوثيق، وجدتُ في ملفاتي رسالة ، تتعلق بهذه القصة، بعث بها الأستاذ كمال العناني من الجزائر، أرفقها هنا ، إتماماً للفائدة:

عزيزي الكاتب الكبير والقاص المبدع الدكتور علي القاسمي
أهنئك أولا على صدور مجموعتك القصصية (حياة سابقة ) التي يبدو أنك تعود فيها إلى الجذور والينابيع الأولى والتي تؤكد عبرها أنك مبدع متعدد المواهب وانك شاب أبدا مسكون بالحيوية، حاضر في المشهد الثقافي العربي حضورا متميزا سواء في دراساتك العميقة الرصينة أو إبداعك الأدبي الثر
قرأت مقال الباحث مراد علي تدغوت الذي درس بشكل حديث مستويات السرد لديك واصفا إياك بالقاص الفذ
لقد أعجبت بهذه الدراسة الموجزة الوافية
وإنك لتستحق الإشادة والإعجاب
إليك أجمل تحياتي وإلى الأستاذ الباحث المبدع المتمكن مراد تدغوت
مع محبتي

الاسم: مصطفى شقيب
التاريخ: 02/07/2009 12:30:11
قراءة لقراءة الحب

القصة جميلة متماسكة،والتحليل توضيحي كاشف .
لولا جودة القصة وكاتبها ما شهدنا تحليلا مفصلا معمقا سابرا لأغوار الشخصيات والذكريات والدوافع والحاجيات.

والجميل في التحليل استعانة المحلل الدقيق بعلم النفس التحليلي لصاحبه فرويد الذي احدث ثورة في فهم النفس الإنسانية لطرحه لنظرية اللاشعور المفسرة والمحركة لكثير من النشاطات الإنسانية..

وعاطفة الحب كذلك حظيت باهتمام هذا العالم النفسي وكثير من العلماء من بعده وان اختلفوا في رؤاهم وتباينوا كثيرا،ويهمني هنا أن اعرض لرؤية فرويد باختصار شديد..
وللتذكير فالدكتور القاسمي قدم شبه تفسير لهذه العاطفة باقتضاب شديد عندما حاول شرح انبهار الشاعر لأول وهلة لدى رؤيته للفاتنة نجلاء ذاكرا :

كأنّها وُشِمت في ذاكرته منذ القدم. لا بُدّ أنه رآها من قبل، أو رأى شبيهتها في الحُلم أو في ماضي الأيام أو في حياة سابقة، في مكان ما، في زمان ما،

أما حسب فرويد فحبيب النظرة الأولى لا يلتقي حبيبته لأول مرة ،بل يعثر عليها من جديد،يلتقيها مرة أخرى،لأنه بساطة يعرفها من قبل في لا شعوره،عندما كون صورة نمطية عن محبوبته،من خلال امرأة حياته التي أحبها واحترمها سواء كانت انه أو عمته أو مربيته...

لا موضوعية في الحب، ولا حقيقة في الحب..الحب أعمى كما قالوا...

مصطفى شقيب
المغرب

الاسم: عبد السميع بنصابر
التاريخ: 29/06/2009 12:44:57
كنت فد فرأت قصة "اللقاء" الصادرة ضمن مجموعة الأديب الكبير د.علي القاسمي "حياة سابقة" وأعجبت بما تحمله من ظواهر ذات الأبعاد النفسية والاجتماعية..فالقصة تسلك في نهايتها مسلكا غير الذي ترسمه لها كقارئ. ومن هنا تتجلى عبقرية السارد مما يجعل من العمل مادة دسمة للقراءات السيكولوجية حيث تدافع الوعي باللاشعور كما يؤكد ذلك الأستاذ الباحث مصطفى الدامون. ومن يقرأ للأديب القاسمي يلاحظ تلك الطريق التي يمتاز بها بين باقي القصاص والتي "لا يقاسمه فيها أحد" كما خلص أحد النقاد المغاربة. وأرجو أن ينشر - بالمناسبة- قصة "الكاتب الكبير" التي صدرت ضمن "دوائر الأحزان" حتى يتسنى للقراء الغوص وسط دوائر الانتهازية والتصنع والنفاق والاحتيال الذي ينخر المجتمع..
دمتما لهذه المحبة
مودتي

الاسم: دلال محمود
التاريخ: 28/06/2009 21:05:07
القاص المبدع والرائع علي القاسمي
قصه رهيبه سيدي المبدع
قراتها بشوق عارم لان اسلوبك يجبر القاريء ان يستمر في قراءتها
خاتمتها كانت حلوه جدا
وتحليل الاستاذ مصطفى الدامون لشخصياتك كان مقنعا ومعقولا واخاذا
سلمت لنا ياايها المبدع
وسلمت اناملك الذهبيه وهي تصوغ جواهرا ولاءلئ

الاسم: د. حسن المودن
التاريخ: 28/06/2009 18:03:27
نشكر الأستاذ الدامون على هذه القراءة النفسانية الموفقة التي اختارت التحليل النفسي لشخوص القصة ــ وقصص الدكتور علي القاسمي تسمح بالفعل بقراءتها من المنظور النفسي ــ . وقد توفق الباحث في تطبيق مفاهيم فرويدية الى حد كبير، لكن السؤال المطروح اليوم
في النقد النفسي هو: اذا كان فرويد قد انطلق من نصوص أدبية لتأسيس نظريته، ألا يعني ذلك أن الأدب قادر باستمرار على اغناء التحليل النفسي ومساعدته على اكتشاف مفاهيم نفسانية جديدة؟
وفي إطار هذا الأسلوب الجديد في التحليل والتفكير، يندرج كتاب الناقد الفرنسي النفساني المعاصر بيير بيار الذي أصدره سنة 2004 تحت عنوان: هل يمكن تطبيق الأدب على التحليل النفسي؟، ويقترح فيه، وبغير قليل من السخرية، نظرية جديدة: تطبيق الأدب على التحليل النفسي. فإذا كان المألوف هو تطبيق التحليل النفسي على الأدب، فان بيير بيار يدعونا إلى قلب الأدوار، وذلك بأن نجرّب تطبيق الأدب على التحليل النفسي. وهناك العديد من الأسباب التي تدعوه إلى مراجعة العلاقة بين الاثنين، ومن أهمها أن النقد الأدبي الذي يطبّـق التحليل النفسي على الأدب قد أصابه الإفلاس، ويعود السبب في ذلك إلى أن تطبيق التحليل النفسي على الأدب يؤكد النظرية التي تمّ الانطلاق منها، ولا يضيء العمل الأدبي. وبالعكس، إذا تم الاعتماد على منهج يقلب الأشياء، يكون بإمكان الأدب أن يقول أشياء عديدة للتحليل النفسي.
والأستاذ الدامون نفسه يقول في قراءته:" لقد كان الأدب هو الأسبق في حدس مركّب أوديب، ثم جاء علم النفس ليجعل من هذا الحدس مادة للتنظير له في حقله الخاص".
ومع ذلك كله، فالنقد النفساني غائب أو شبه غائب في ساحتنا النقدية، ونشكر كل من يساهم في غرسه في تربتنا النقدية.

الاسم: زهرة زيراوي
التاريخ: 28/06/2009 00:52:24
لا أعرف كيف أصوغ شكري لرائدين من رواد الإبداع و البحث
القصة تنقلنا إلى عالم رحب من الأزمنة و الأمكنة ،وقد أتاح امتلاك ناصية اللغة للدكتور علي القاسمي التعبير
الدقيق عن الأفكار، جاءالنص ليؤكد على مطلب الأدب و هو أن يكون الإنسان محور اهتمامه
ما نكاد ننتهي من نص ممتع حتي يستدرجنا باحث مكنته أدواته النقدية و امتلاؤه المعرفي فلسفة و أدباإلى
حقوله الممتعة حيث نلتقي ب افرود،و افريجينيا وولف
فشكرا لكل من الدكتور علي القاسسمي و الأستاذ الباحث
مصطفى الدامون و شكرا للقيمين على منبر النور الممتع




5000