..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الروائي والكاتب المصري زين عبد الهادي في ضيافة النور

نوّارة لحـرش

  

(هناك تزاوج رهيب الآن بين السلطة وبين المثقفين الذين استطاعت الدولة أن تستقطبهم)

(نحتاج لحرية حقيقية..حرية ملهمة، بعيدا عن دولة المثقفين وبعيدا عن مثقفي الدولة!)

(إرثنا من الكلام هو مخرجنا الوحيد المتاح)

(ظهور قيم وسلوكيات جديدة أدت لسلسلة من الجرائم المتشابهة،على المستويين الفردي الطبيعي وعلى مستوى الدولة المعنوي)

  

زين عبد الهادي أديب وروائي ودكتور أكاديمي مصري من مواليد عام 1956، رئيس قسم المكتبات والمعلومات بكلية الآداب جامعة حلوان منذ 2004،شغل منصب مستشار المعلومات وتطوير النظم بالمنظمة العربية للتنمية الإدارية منذ 2005 حتى أكتوبر 2008. كما شغل رئيس قسم خدمات المعلومات ورئيس قسم الخدمات المرجعية مركز دعم اتخاذ القرار لدى رئاسة مجلس الوزراء.هو أيضا رئيس تحرير لعدة مجلات علمية.عضو في عدة هيئات علمية وأدبية كإتحاد كتاب مصر وجمعية المكتبات الأمريكية المتخصصة والأكاديمية الأمريكية للإدارة والاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات بتونس والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات وعضو مؤسس للجمعية العربية للمنظمات الرقمية.  

صدرت له العديد من الأعمال العلمية والإبداعية منها 4 روايات هي: "المواسم" الصادرة عن دار العربي للنشر والتوزيع عام1995م، "التساهيل في نزع الهلاهيل" ط 1 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2005 و ط 2 عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام عام 2008، "مرح الفئران" عن دار ميريت للنشر عام 2006، "دماء أبوللو" دار ميريت عام 2008. كما صدرت له 10 كتب علمية معظمها عن الحاسوب في المكتبات المدرسية والنظم الآلية في المكتبات والأنترنت والذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة في المكتبات والتطورات التربوية والتكنولوجية الحديثة في المكتبات والميتاداتا. أما آخر إصدار له فكان أوائل هذا العام 2009 عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بعنوان "نقد العقل المصري المعاصر"الذي خصه لنقد العقل المصري ونبش خلفياته وسيئاته وضلالاته والذي رأى أنه يجب أن يدخل الآن غرفة الإنعاش

وأن فوضى العقل كرس مفهوم عقل الفوضى كما اعتبر أن الخيال أقوى من العقل. عن هذا الإصدار الجديد والعقل المصري والرواية والأسطورة كان هذا الحوار.

 

حاورته/ نـوّارة لـحـرش

 

في كتابك الأخير "نقد العقل المصري المعاصر" ترصد التغيرات التي حدثت على مستوى العقلية المصرية أو العقل المصري، كيف وجدت مستوى هذا العقل راهنا؟

زين عبد الهادي: لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نضع مؤشرا محددا لمستوى عقل ما خاصة على مثل هذا المستوى الجمعي الكبير الذي نتحدث عنه وهو العقل المصري، فالعقلية المصرية شهدت الكثير من التحولات والتبدلات عبر العديد من العقود في العصر الحديث، على رأسها التحول إلى دولة ملكية ثم تحولها لدولة جمهورية،ثم سلسلة الحروب التي خاضتها في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وصولا للعصر الحالي الذي بدأ يشهد سلسلة من التحولات الخطيرة، أدت لسلسلة من التراجعات على مستويات متعددة،ولكن في ذات الوقت لا يمكن إنكار إرتفاع مستوى وعي هذا العقل،بالموقف الذي هو فيه الآن بدليل صدور سلسلة من الكتب والمقالات التي تناولت هذه الظاهرة،ظاهرة التباين في الفكر والسلوك لدى المصريين بين عهدين،عهد يسمى بالزمن الجميل،ينتمي لما قبل الستينيات، وعهد فاقد للملامح وممتلئ بالقبح على المستوى الوطني الآن، ثم انسحاب الدولة وضعفها وسقوط الكثير من القيم التي كان يتغنى بها المصريين، وظهور قيم وسلوكيات جديدة تحكم الشارع المصري أدت لسلسلة من الجرائم المتشابهة، جرائم متماثلة على المستويين الفردي الطبيعي وعلى مستوى الدولة المعنوي.

 

لماذا نقد العقل المصري الآن، وهل هو الوقت المناسب لهذا النقد؟

زين عبد الهادي: أعتقد أن سؤال الآن يعود للسبعينيات وبالذات مع ظهور مقال تاريخي للراحل العظيم يوسف إدريس بعنوان "فكر الفقر وفقر الفكر" وكنتُ وقتها طالبا بجامعة القاهرة، شكل هذا المقال الوعي النقدي لي ولكثير من أبناء جيلي ثم توالت العديد من الأعمال بالظهور معظمها ركز على جلد الذات، والترحم على الماضي، والمقارنة بين السلوك والفكر الآن،وبين ما حدث في العقود الماضية،إذن فالظاهرة المتعلقة بنقد الذات موجودة، ولم تختف على الإطلاق من أجل تصحيح مسيرة الدولة والشعب،وعلى الرغم من ذلك فإن فترة من السكون شهدتها الحياة المصرية على امتداد ربع قرن مضى،أدت إلى ظهور كثير من الظواهر السلبية التي تغلغلت في الحياة المصرية إلى الحد الذي أصبحت هذه المظاهر المعيبة سلوكا تراثيا قائما بذاته، بمعنى أن السلوك والفكر المعيب أصبح جزءا من الشخصية المصرية، بسبب مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أدت لمجموعة من التحولات السلبية على رأسها الاهتمام بالثروة إلى حد مبالغ فيه،وظاهرة العنف الاجتماعي، وظاهرة البلطجة، وظاهرة التناحر الديني، والارهاب، والدعارة السياسية، وظهور الكانتونات وأعني بها المجتمعات المغلقة التي أصبح لها سلوك وفكر وفعل منفصل، وظاهرة التملق السياسي بين المثقفين، وصعود البعض لمناصب سياسية ليس لهم علاقة بها من قريب أو بعيد ثم حالة من الفوضى في التعليم والصحة، فوضى الشارع، هذا الشارع الذي كان في الأربعينيات والخمسينيات لا يقل عن أي شارع في أوروبا الآن، إذن الآن يجب أن نتوقف ونعيد جميع حساباتنا، لم تعد المسألة إذن هل الوقت مناسب أم لا، لكن كل وقت يمر دون تشريح للظاهرة ومعالجتها، سيصل بنا إلى وقت ستصاب فيه الدولة بالشلل وأعتقد أن بعض مظاهر الشلل أصبحت موجودة الآن، مثل المرض الذي يصيب إنسان ما قبل أن يموت حين تبدأ أطرافه بالشلل،على العقل المصري أن يدخل الآن غرفة الانعاش، وأن تبدأ عجلة القوانين والديمقراطية في الدوران، أن تتوافر الإرادة السياسية في الاصلاح، الاصلاح على المستوى الجمعي!.

 

كأنك تقرأ هذا العقل من الزاوية الأشد سلبية له، ولا تستعرض بعض حسناته، هل هذا العقل فعلا بلا حسنات؟

زين عبد الهادي: سأكون عقيما لو قلت أنه ليست هناك حسنات، ولكن ماهي تلك الحسنات المتوافرة، هناك مزيد من الحرية ولكن هناك مزيد من الديمقراطية المضادة، بمعنى أن هناك حرية حركة سياسية، ولكنها حركة ظاهرية أما في الحقيقة فهي حركة صورية تمت على الورق فمازالت الحركة السياسية ضعيفة بعد خمسين عاما من الثورة أو يزيد، هناك حالة من الهلع السياسي،هناك حالة من الهياج الاجتماعي، لا يمكن القول بأن الدولة وحدها هي السبب، بل نضم إليها الفرد، ونضم إليها حالة الثبات الدولي نحو قضايا الشرق الأوسط، يجب أن ننظر للظاهرة في مجملها فهناك علاقات متشابكة بين كل الأسباب والظواهر، الشرق الأوسط وأمريكا واسرائيل، وفلسفة الحكم، والجماعات ذات السطوة على الشارع المصري، والسلوك المعيب الفردي الذي أصبح ردا على ديكتاتورية الدولة أو على عدم تحقق العدالة الاجتماعية، وعلى الرغم مثلا من أن ظاهرة الأمية تم رصدها منذ مائة عام إلا أنها لازالت موجودة، إذن هذا يدفعنا للقول بفقد الإرادة السياسية للدولة والسلطة في معالجة هذا الأمر واستفحاله، فلا يعقل في القرن العشرين،قرن تكنولوجيا المعلومات أن نتحدث مثلا عن محو الأمية، واستقرار فئات اجتماعية في أرضية تحت دونية وثباتها على هذا المبدأ، أعني مبدأ عدم التعليم وبالتالي استقرار ثقافة متدنية شكلا وموضوعا، كأننا نتكلم عن أناس يعيشون في العصر الحجري، فيما أصبح جيرانهم يجوبون الفضاء، هل هذا معقول، على أية حال على الرغم من كل ذلك يمكنكِ رصد ظواهر فردية تتعلق مثلا بحصول أكثر من مبدع مصري على جائزة نوبل أو جوائز علمية متعددة،وهو ما يعود بنا للسؤال، إذا كنا ناجحون على المستوى الفردي لهذه الدرجة، فما هو السبيل للنجاح على مستوى المؤسسة؟!.

 

أشرت إلى أن هناك ضلالات لوثت هذا العقل المصري المعاصر وأوصلته إلى حالة اللامبالاة، هل يمكن أن نعرف أكثر الضلالات سوءا؟

زين عبد الهادي: أعتقد أنني كنتُ أشير في هذا الصدد إلى أن الميراث التاريخي الكؤود لنا خلال خمسين عاما عقب الثورة المصرية في الخمسينات،وارتفاع قيم القومية وتصدير الثورة ودعم شعوب العالم الثالث والوحدة الاقتصادية العربية كلها الآن أصبحت هياكل عظمية، لقد انهارت الأحلام تماما لأنها لم تكن أحلاما مخلصة من جانب كما أننا لم نقدر قدرة عدونا تماما،كما أن التضاد بين الفعل والسلوك بعد الثورة قتل جذور العقل في تلك المرحلة،استمرار ديكتاتورية الدولة،وضع عقل الدولة المفكر في السجون،عدم إخلاص الإدارة السياسية،سلوك الثأر الاجتماعي الجمعي المستمر والمتصل، تجذر فكر الفقر، كل تلك ضلالات مازلنا نرزح تحت وطأتها.

 

في أحد فصول الكتاب نجد باب "فوضى العقل وعقل الفوضى" كيف تتجلى كل فوضى وهل يمكن أن يكون عقل الفوضى هو العقل المصري المعاصر الذي يجب أن يتسيد المساحة الغالبة؟

زين عبد الهادي: ما الذي حدث خلال النصف قرن الماضي ليجعل الحياة في مصر بكل هذه الفوضى؟ لقد وصلنا بالفوضى إلى حدود التطرف،أقصي حدود التطرف، أنظري إلى الشارع، ستجدي كرنفالاً من الثياب،المتبرجات والمحجبات والمنقبات،أصحاب السراويل الضيقة المستفزة وأصحاب اللحى،الجلابيب القصيرة والقمصان الملونة،العمارات الشاهقة والبيوت القصيرة السوداء اللون، الجراجات المغلقة، والسيارات التي تقف صفوفًا طويلة، جنود المرور - الذين يصعبوا على الكافر - بملابسهم المتربة ولحاهم، الميكروباصات ذات الألوان، الدخان الأسود الذي يخرج منها ومن أتوبيسات النقل العام، الباعة المتجولون، الشحاذين، عربات حكومية يطل منها رؤوس كلاب ورؤوس أطفال عائدون من نزهة مسائية أو صباحية، طابور مدرسة صباحي تحول إلى مأتم للوطن، أولاد يتسكعون يشربون السجائر والمخدرات، زحام هنا وهناك،أرصفة مكسرة، مطبات لا قانون يحكمها، مياه آسنة متجمعة في الأركان، سحابات سوداء تغطي رؤوس الجميع،زعيق هنا وهناك،عرقٍ وسخام ووجوه صفراء مريضة شاحبة... هل هذا هو الوطن؟.. تراكمات من الفوضى، هل كان العقل المصري فوضويًا من قبل؟ وإذا لم يكن فمن أين أتت هذه الفوضى؟ هل ورثنا الفوضى؟ إذا كان ذلك فمن أين أتت هذه التماثيل الخلابة الجميلة والأهرامات التي يتحاكى بها العالم؟. احترت كثيرًا في من أتهم، أتهم النظام بأنه خلق اللا نظام؟ بأنه أعطى المسئولية لمن لا يستحق؟ بأنّ الحكم والإدارة هبات يمنحها من لا يستحق لمن لا يستحق؟ ما معنى الاشتراكية التي ينص عليها الدستور في بلد لا يفهم معنى الاشتراكية ولم يستطع تنفيذها لا على الورق ولا في الواقع؟ ما معنى الإسلام والتكافل الاجتماعي إذا كنا لا نطبقه؟ ما معنى التسامح في المسيحية إذا كنا لا نعرفها؟ ما معنى المدرسة إذا كانت تخلق طفلاً فوضويًا؟ ما معنى المدرس إذا كان ينشل جيوب الآباء ويزرع في العقول صورة ذهنية لمعنى الجشع والأنانية وفقدان الأهلية؟ ما معنى المحامي إذا كان لصًا ما معنى الطبيب الذي يقتل مرضاه بعد أن يحصل على أمواله منهم؟ ما معنى الضابط إذا تاجر في المخدرات والميكروباصات وفي مساجين السجن وفي المعتقلين؟ ما معنى الكاتب والمفكر- يجب وضع تحت المفكر ألف خط - إذا كان يهين ذكاءه وذكائنا ليدافع عن باطل؟ ما معنى رئيس الجريدة الذي يستحل دم صحفييه ويأكل من بطونهم؟ ما معنى النظام إذا كان التعيين هو القدر لكل صاحب مسئولية؟ أليس هذا هو مجتمع الفوضى؟ فوضى العقل الذي كرس مفهوم عقل الفوضى في النهاية.

 

تقول في إحدى حواراتك: "ليست هناك حقيقة على الإطلاق،فكل شيء قابل للشك"، فهل يطال الشك العقل المصري برأيك، أم أن العقل هو الحقيقة الإنسية المنزهة عن أي شك؟

زين عبد الهادي: ليس العقل منزها عن الشك، مع احترامي الكامل لأبي العلاء ولجميع من أكدوا على هذه المقولة،في ظني أحيانا أن الخيال أقوى من العقل حتى لو كان العقل هو موطئه وأن الإيمان أقوى من الإثنان، وأن البصيرة أقوى من الجميع،حتى لو كان العقل ضمن مكوناتها الجزيئية،كل ما يعطب قابل للشك،والعقل يعطب مثله مثل بقية الجسد،العقل المصري لديه بنيان راسخ، اللعب الآن على هدم هذا البنيان،على هدم التراث الحضاري للمصريين وتسفيهه، وهذا في ظني جنون، المشكلة في الأجيال التي تخرج للحياة، أجيال ليس لها علاقة بماضي مصر وتراثها، عقل اللامنتمي الجديد هو الذي يتكون، وهو الذي يستفحل وينتشر، من صاحب المصلحة في ذلك، لم تعد المسألة البحث عن صاحب المصلحة في الهدم، فلقد أصبح الجميع يهدمون بمعاول قاتلة، هل يمكن القول بأن أي أمة استطاعت أن تقدم حضارة دون نظام،ودون قانون،لم يحدث ولن يحدث،النظام والقانون والإرادة السياسية والديمقراطية والعدل الاجتماعي وإعادة القيمة للعقل الحقيقي،أما ما يحدث حاليا فهو بناء لعقل مشوه وأصحاب المصلحة معروفون للجميع، أنا أشك في عقل الآن!.

 

"حبنا للكلام وليس للفعل"، من هذا المنطلق معروف عن المصري كثرة الكلام والفضفضة، هل هناك من خلفية لهذا الإرث أو الميراث الطويل من الكلام؟

زين عبد الهادي: كثرة الكلام ناتج عن تكبيل الفعل، الفضفضة صفة انسانية حضارية مرتبطة بكثرة الضغوط الفوقية والتحتية ومن الجانبين، ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية مستمرة، يصبح الصوت وقتها هو المخرج الوحيد لشدة الضغط، إرثنا من الكلام هو مخرجنا الوحيد المتاح، لأن الفعل أصبح عملا غير مرغوب فيه، ليس مسموحا به على الاطلاق لا من السوق الحرة ولا من ديكتاتورية الدولة، ولا من الطبقة المسيطرة، ولا من رجال الدين الكهنوتيين، ولا من حشرات دعم السلطة وحيواناتها !.

 

ما الذي يحدث للعقل حين تكون نرجسية الفكر هي المسيطرة؟

زين عبد الهادي: أعتقد أن التاريخ يقدم أمثلة جيدة على هذا السلوك، والحاضر في دول العالم الثالث يقدم نماذج أكثر وضوحا، ونحن في العالم العربي نكتظ بالنماذج البراقة والفضفاضة التي تميل لهذا السلوك أيضا، ولعلي لا أبالغ مثلا إن قلت بأن الديمقراطية في العالم العربي تعني أن لا تترك الحكم إلا حين تموت،والديكتاتورية أن لا تترك الحكم إلا حين يموت الشعب.. مارأيك.. هل توافقينني على هذا الرأي؟!.

 

(أوافقك طبعا). إذا كانت الحرية المنتظرة كما تقول تُمضغ دوما بين فكي أصحاب السلطة والمثقفين، فمتى برأيك تنفلت هذه الحرية من هذين الفكين لتحقق ذاتها وذات حالمها؟

زين عبد الهادي: الحرية مطلب نبيل وعادل،والسلطة ليست معنية على الاطلاق بفكرة الحرية وتصدر لنا دائما بأن النظام يجب أن يسود وهي تعني نظامها هي الذي يحقق مصالحها ولا يحقق مصالح الناس، بينما المثقفين مشغولين بتصدير عبارات لن يكسب من ورائها الشعب شيئا فهم ليسوا معنيين بالتغيير الاجتماعي وإنما أصبحوا طبقة لهم مصالحهم الخاصة، وهناك تزاوج رهيب الآن بين السلطة وبين المثقفين الذين استطاعت الدولة أن تستقطبهم، إنهم مشغولون بالشكل، بالشكل الفني الجديد، وأصبحت لهم فردانيتهم الخاصة وليس من بينها فكرة التغيير الاجتماعي والسياسي، المثقفون الجدد هم أملي في التحقق، لكنهم -الكثير منهم- مشغول بفكرة تحقيق الذات على المستوى الشخصي والوجودي،ولم يعد الهم التخلص من ممارسات السلطة، علينا أن نواجه أنفسنا بذلك، لقد وقر في ظن الجميع أن مواجهة السلطة مواجهة غير محمودة العواقب، فالسلطة تطارد دائما الفلول الباقية من المثقفين الذين لديهم نزعة التغيير السياسي والاجتماعي وأصبح تاريخ الخوف من السلطة متجذرا، ولجأت الدولة وربما لجأ المثقفون لفكرة التحالف، لكني لم أر نتائجها حتى الآن مرضية للشعب، فالشعب مازال بعيدا..نحتاج إذن لحرية حقيقية.. حرية ملهمة، بعيدا عن دولة المثقفين وبعيدا عن مثقفي الدولة!..

 

في كتابك تنقد أيضا الكثير من الهيئات والمؤسسات والمنظومات والأفكار والقناعات وكأنك تفتح النار على السلطة والمجتمع في ذات الوقت؟

زين عبد الهادي: كان علي أن أرصد الجميع، تسليط الضوء على كل المؤسسات،الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي يمكن للبعض بأن يلقوها خلف ظهورهم،متى تتحقق رفاهية المجتمع، بالمشاركة من الجميع أليس كذلك؟،الجميع يحتاجون لعقد إجتماعي جديد، الجميع يحتاجون للإيمان بأن سلامة المجتمع في حريته واستقرار العدل الاجتماعي،وهي مسئولية المؤسسات أكثر مما هي مسئولية للأفراد العاديين،المؤسسات التابعة للدولة، ومؤسسات الجمعيات الأهلية، ومؤسسات القطاع الخاص، لأنه سيرتبط بها حركة المجموع وبالتالي مجموع الحركة.

أعلم أنني كنت صادما لأبعد حدود الصدام، وأعلم أنني رصدت كل التفاصيل المشينة، لكن علينا أن نعترف أننا مرضى كمجتمع ومؤسسات وأفراد وأننا في حاجه للعلاج،ونصف العلاج معرفة المرض!.

 

تقول: "حين دخلت فكرة المساواة إلى المجتمع المصري خرجت روح الحرية منه قتلت وتم التشهير بها في كل الميادين هنا كان يجب أن نفرق بين المساواة والعدل الاجتماعي". هل العقل المصري المعاصر ينشد المساواة أكثر أم العدل الإجتماعي ؟

زين عبد الهادي: هذه الفكرة فكرة تراثية قال بها معظم الفلاسفة، وأنا لست فيلسوفا أو منظرا اجتماعيا، لكني مجرد كاتب صغير يؤمن أن دوره يبدأ مع الدعوة للتغيير الاجتماعي، لم تحقق المساواة فكرة العدل، وإنما تطبيق العدل يمكنه مع الوقت أن يحقق المساواة، ليست المساواة اليوتوبية، ولكن من ينتج يستحق أن يأكل، ومن لا ينتج فليبحث عن مكان آخر يمارس فيه سكونه، كما أن فكرة المساواة التي أتت بها الثورة والعديد من الثورات في التاريخ المعاصر لم تحقق إلا مزيدا من الدماء، ولم تحقق أبدا العدل المنشود، العدل الاجتماعي هو المنشود، ولن يتم العدل دون ثقافة وفكر جديدين للمجتمع،لم يعد الوقت يسمح لنا بتطبيق أفكار صناعية، لقد انتهى العالم إلى فكرة الديمقراطية كملاذ أخير من سلطة الدولة وسلطة الفرد، لينتهي العالم إلى أن الطبيعة الإنسانية هي حرية الحركة والفكر مع وجود ضوابط هامشية لتحقيق ذلك، مثل فكرة الليبرالية الجديدة مثلا!.

 

كيف ترى العقل المصري غدا؟ أهم ميزاته التي تتوقعها؟

زين عبد الهادي: على الرغم من كل أفكاري المتشائمة،لكن هناك رياحا جديدة تهب على العقل المصري،وهناك حراك فعال حتى بين أوساط صغار الكتاب والمثقفين، وهناك حركة مهمة من جانب مؤسسات المجتمع المدني، وهناك تخفيف لقبضة الدولة على النشر، وهناك العديد من الممارسات الجيدة، وأتوقع أنه خلال السنوات العشر القادمة ستعود الصحوة لهذا العقل مرة أخرى، وأملي كبير أن أرى الديمقراطية تحل والثقافة تنتشر في ربوع مصر، ولن يتأخر العقل المصري كثيرا عن اللحاق بركب الإنسانية السريع، لأنه على مستوى الفرد بدأت تتحقق الكثير من المنجزات، المشكلة الآن في المؤسسة!. بالنسبة لمنجزات العقل فهناك الكثير من المنجزات التي بدأت بالفعل في الظهور على المستوى العلمي والفني والأدبي، ربما تبدو الحركة بطيئة للمشاهد من الخارج، لكن هذا ليس حقيقيا بالمرة، فالعجلة تدور سريعا، فقط ما أخشاه أن تتحقق منجزات ليس لها علاقة بشفاء العقل من أدرانه، لأن ذلك سيعمل على ترسيخ هذه التشوهات!.

 

صدرت لك 4 روايات لاقت نجاحا واهتماما من النقاد والقراء وهنا لفتني قولك:"أكتبُ الرواية لكي أشعر أنني إنسان،إنسان واحد وليس جزءا من آخرين.! ".لكن هذا الإنسان الواحد ذهب إلى نقد العقل المصري بشدة، فهل العقل المصري لا يشكل في الرواية جزءا من الأنت أو جزءا من الآخر؟

زين عبد الهادي: أريد أن أفصل أحيانا بين نفسي ككاتب ونفسي كروائي ونفسي كأستاذ لعلم المعلومات في إحدى الجامعات المصرية، لكني أرى أن أفضل دور للمثقف الآن هو أن يدعو للتغيير الاجتماعي وأن يقوم به، أو إعادة بناء السلوك والفكر في مصر على أسس جديدة، وأعتقد أنني أمارس ذلك الآن على مستوى الرواية وعلى مستوى كتاباتي الإجتماعية وعلى مستوى عملي كأستاذ جامعة، الديمقراطية هي مربط الفرس بين كل هذه التوجهات، واحياء الإرادة على الفعل هي ملاذي الأخير، وربط ذلك بإخلاصي وإخلاص الجميع فيما يفعلون هي النبوءة التي أدعو إليها، فلا يمكن لأي فعل أو كلمة أن تنفذ إلى صدور الناس وأدمغتهم إن لم تتلاقى مع إخلاص فاعلها، وضوح الهدف يا سيدتي هو الخلاص، ولم تكن الإيجابية يوما إلا هي السبيل الوحيد لذلك، بمعنى المشاركة والدعوة، الأنبياء أخلصوا في دعواتهم والذين قاموا بالتغيير الاجتماعي كانوا مخلصون تماما في ذلك، ولنأخذ غاندي كنموذج في مجتمع اكتظ بالتناقضات، ومع ذلك أخلص لفكرته فاتبعه الجميع، عبد الناصر كان مخلصا تماما، اتفقت مع أفكاره أم اختلفت، لكن ظروفا دولية وداخلية لم تسمح له بالقيام بالتغيير المنشود في ظل شوائب كثيرة أحاطت بتجربته،الإخلاص أهم العوامل بعد الإرادة!.كثير من الكتاب والروائيين يحدوهم الأمل في تقديم شكل جديد للكتابة، وهو إحساس نابع من الرغبة في التفرد، وكذلك لعوامل أخرى كارتباط الجديد في الشكل الروائي بالجوائز العالمية، أرى أنه يمكن ذلك ولكن لأننا مجتمع ينتمي للعالم الثالث فلا يمكن أن أقوم ذلك برفاهية كاملة، يجب أن تكون الرغبة في تغيير الواقع الإجتماعي للمصريين هي المحرك الأول لأي عمل، لكني إنسان في النهاية، أريد التعبير عن آمالي واحباطاتي الشخصية،التي قد لا ترتبط بأحد،لذلك أريد أن أكون وحيدا، كما كتبت في التساهيل، طائر أبيض يقف وحيدا على شاطئ النهر!.

 

ما علاقة العقل بالأسطورة خاصة وأنك ترى أنه لا يمكن لروائي أن يكتب دون أن يقرأ الأسطورة. فهل الأسطورة شرط من شروط الرواية؟ هل هي محرضتها أكثر أو ملهمتها؟ وما الذي يمكن أن تقدمه للعقل؟

زين عبد الهادي: الأسطورة أم الرواية وكل الأشكال الأدبية تقريبا،وأعدها في ظني المتواضع شرط للكتابة،قد يتفق معي الأدباء وقد يختلفون،وهي ملهمة بدون أي شك،ولعل أعمالا لميلتون وجويس وماركيز ومحفوظ وغيرهم أتت من رحم الأسطورة، إذن الأدب مرتبط بها، خاصة الرواية العظيمة، كما أن الأسطورة هي تراث العقل الانساني، لا يمكنك أن تعيش الآن دون هذا التراث العظيم!.

 

أيضا ما الذي يمكن أن تقدمه الرواية لهذا العقل البشري حتى لا أقول المصري فقط؟

زين عبد الهادي: الكثير، تفحص أخطاء الماضي، الإبداع الإنساني، المخيلة العظيمة، ليس هناك إبداع حقيقي دون مخيلة، دون فعل التخييل، دون جديد، دون أراضي جديدة لم تطأها قدم، الخيال فقط هو الذي يطأ الأراضي الجديدة!..

 

أخيرا ماذا تقول عن العقل العربي المعاصر، هل يمكن أن تنقده أم تكتفي بالصمت؟

زين عبد الهادي: هل يختلف العقل العربي المعاصر كثيرا عن العقل المصري.. لا أعتقد!.

خالص المحبة والتقدير.

 

 

 

 

نوّارة لحـرش


التعليقات

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 28/06/2009 00:03:41
العالم الأديب الأستاذ الدكتور زين عبد الهادي
مرحباً بكم في مركز النور. لقد سعدنا ـ نحن قراء المركز ـ بحضوركم البهي وأفكاركم الراقية.
نأمل أن تشرق علينا أنواركم دوماً
مع المحبة

الاسم: صباح محسن جاسم
التاريخ: 22/06/2009 22:40:35
المبدعة نوارة الحرش
امتعتنا فعلا واغنيتنا بمثل هذه الرؤى المهمة .. لا ينكر ما للأسطورة من حضور تاريخي ممند في فضاء الأبداع .. المصريون محط فخرنا يكفي زيارة واحدة للأهرامات وتفقد ما بداخلها كي نقف باجلال الى الأنسان المصري .. ترى أية اسرار تكمن وراء ذلك الأبداع ؟
وما سر المراوحة الثقافية في المرحلة الحالية من الزمن ؟ هل فعلا هو تأثير من الرأسمال العالمي وتدابيره الأستعمارية بفنية غاية في الضبابية !
شكرا عميقا يا نوارتنا .
معزتي

الاسم: دهام حسن
التاريخ: 22/06/2009 10:22:10
حضوري هنا للتحية والتذكير بحضوري فيما مضى من الإشادة على فيض حواراتك والثناء على دأبك في الخوض لهكذا مساهمات للتعرف من خلالك على مبدعينا.. محبتيلك..

الاسم: عبد الستار نورعلي
التاريخ: 22/06/2009 08:59:17
كيفك نوارة؟
صباحك ورد! دائماً تتحفينا بالمحاورات النافعة المفيدة...
حبيت اسلم عليك
مودتي

الاسم: عبد الكريم ياسر
التاريخ: 21/06/2009 19:46:11
نوارة الحرش
تحياتي
نورتي شاشة النور انت وضيفك الكريم سلمت على هذا الحوار المعبر والمتميز
مزيدا من التألق يامبدعة
عبد الكريم ياسر




5000