..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / رسالة إلى حبيبتي

د. علي القاسمي

حبيبتي !
لا شك أنك تتساءلين لِمَ غادرتُ قريتنا الصغيرة وأنتِ طريحة الفراش حبيسة الدار. ولا بُدّ أنكِ تسألين وتسألين لِمَ لا أعود إليكِ بعد كل هذه السنين الطويلة ! وإني لأتصور عينيك الوسنانتين تُلحفان بسؤال الأهل والأقرباء بصمت حزين، دون جواب. وإني لأتخيل شفتيك الذابلتين تهمسان بالسؤال تلو السؤال وكأنهما في صلاة ودعاء، دون مجيب. يا إلهي ما أشد حيرتك !

أحسب أنك تذكرين، يا حبيبتي، حين أخذ الوهن يسري في جسمك النحيل، وطفقت صفرة المرض تطرد حمرة الفتوة من خديك، كنت أجلس على طرف سريرك طوال النهار، أضمّ يديكِ إلى يديّ، وأسليكِ بحكاياتي، وأنشد أشعاري. وعندما تُغمضين عينيك في نوم لا يطول، كنت أسترسل في الدعاء والتوسل إلى الله، متشفعاً بجميع الرُّسل والأولياء، علّه يشفيك ويمنحك اللون والعافية، لنغدو معاً ـ كما كنا في طفولتنا ـ نسابق الفراشات الملوَّنة في المروج الخضراء، ونقطف الثمار في بساتين قريتنا الوديعة، ونحن ننصت إلى تغريد العنادل على الأشجار، وهديل الحمائم في أعشاشها، أو نسير على شاطئ النهر، ونحن نرمي الأحجار الصغيرة فيه، ونشاهد ما تحدثه في الماء من دوائر ودوائر وهي تكبر وتكبر. يا إلهي ما أسعد تلك الأيام !

وأحسب أنك تذكرين، يا حبيبتي، أَنَّني بعد أيامٍ من مرضك، نزلتُ عند نصيحة أهلي، وحملتك بين ضلوعي إلى عرّاف القرية. ورجوته، توسّلتُ به أن يشفيك. وأعطيته دجاجتي الوحيدة عربوناً، وحرّر لك بمداد أحمر تميمة طويلة، وضعتُها تحت وسادتك، كما أمر. ولكنَّ صحَّتك زادت سوءاً، وحالتك تردت شيئاً فشيئاً. وأشار عليّ بعض أهالي القرية من العارفين أن أعرضك على حكيمٍ عمّت شهرتُه الآفاق، يقطن في قريةٍ قريبةٍ لا تبعد كثيراً عن قريتنا. فتغيبت عن مدرستي، وحملتُكِ معي على جوادي، وانطلقتُ بك إليه. وبكيتُ بين يديه، وأنقدته كلَّ ما ادخرتُ، فوضع يده على جبينك الشاحب، وجسَّ نبضكِ وهو فاغر فاه رافع حاجبيه، ثمَّ شرع ينتقي لكِ بعض أعشابه من هنا وهناك، وأهداب عينيّ مشدودة إلى أطراف أصابعه، وعدتُ بكِِ إلى قريتنا. ولكن سرعان ما خبا أملي وتلاشى رجائي عندما تأكَّد لي أن بلسمه لا يشفي وأعشابه لا تُجدي. ورحتُ أبكي وأبكي كلما أغمضتِ عينيك، يا إلهي، ما أحزن تلك الساعات !

وفي صبيحةِ يومٍ من الأيام، دلفَ إلى قريتنا مع الربيع الباكر، رجلٌ قدِمَ من بعيد وهي يرتدي بذلةً لم نعهدها من قبل، ويمتطي عربةً لم نشاهد مثلها أبداً وإنما سمعنا عن سرعتها الخيالية وطاقتها المثالية. توقّف الرجل للاستراحة قبل أن يستأنف السفر. فاغتنمتُ الفرصة وتحدَّثتُ مُتلعثماً إليه، وسردت مُصيبتكِ ومصيبتي عليه. وبعد أن أطرق هنيهة، قال لي ونظراته تنفذ في أعماق عينيّ: " يا بُني، لن تشفى هذه الفتاة ، حتّى لو جلبت لها كلَّ تمائم العرافين، وجميع أعشاب العشّابين من قرى هذه البلاد كافة. إنْ أردتَ شفاءها حقّاً فعليكَ أن تسافر إلى بلادٍ نائيةٍ نجح فيها علماء أفذاذ في تركيب بلسمٍ مجرَّبٍ في مختبرات حديثة. وكيف لا أركب الخطر، وأهجر الأهل والأصحاب، من أجلكِ، يا أعزَّ الأحباب؟ ولهذا رحلتُ عنك ـ يا حبيبتي ـ قبيل الفجر، وجميعهم نائمون، لأنَّني لا أحتمل دموع الفراق في عينيكِ وعيون أُمّي والرفاق. يا إلهي، ما أهون الغالي وأرخص النفيس من أجل شفاء الحبيب !

وفعلتُ المستحيل... قطعتُ المحيطات. بلغت أقاصي الأرض. وصلتُ تلك البلاد الموصوفة. وبحثتُ فيها عن ذلك الدواء. وقيل لي: " يا فتى ! إنَّ الدواء الذي تطلب لا يعبّأ في قنينةٍ ليُشرب، ولا يُصاغ بأقراصٍ ليُبلغ، ولكنَّه من نوعٍ خاصٍّ، إنّه أقرب ما يكون إلى النور ينفذ في عينيكَ رويداً رويداً، ويتسرَّب إلى أذنيكَ شيئاً فشيئاً، ويتخلَّل فؤادَكَ، ويتشرَّب به دماغكَ، وهذا يتطلَّب سنواتٍ عديدةً. وعندما تعود إلى حبيبتكَ العليلة، تُطبقُ شفتيك على شفتيها، وتضع صدرك على صدرها حتى تُصبحا جسداً واحداً وروحاً واحدةً، وعند ذاك يسري البلسم منكَ إليها، وشيئاً فشيئاً تستعيدُ عيناها بريقَهما، ويسترجع خداها لونهما، وتتمكَّن أعضاؤها من النشاط والحركة. يا إلهي، يا له من دواء عجيب !

وفي ديار الغربة، يا حبيبتي، مزّقني الحنين وسهّدني الأنين. كنتُ أظنُّ أنَّ الأنين كالريح مع الوقت يهدأ، وكنتُّ أتوهَّم أنَّ الحنين كالجرح مع الأيام يبرأ، غير أن حنيني إليك كان كنارٍ تزداد اضطراماً، وكان أنيني في داخلي على قريتي كهديرِ البحر سرمدياً. وكم من مرَّةٍ راودتني رغبة العودة من حيث أتيتُ، فكنتُ أكظمها في أعماقي، كما أحبس الدمع في المآقي. وكيف أعود إليكِ خالي الوفاض صفر اليدين؟ وهكذا تحمَّلتُ صنوف الغربة، وقاسيت ألوان الوحدة، ووصلتُ الليل بالنهار في سبيل طلب ذلك البلسم الموصوف. انكببتُ عليه: لمستْهُ يداي، وشربتْهُ عيناي، وعانقتْهُ أذناي، واستنشقتْهُ رئتاي، ورتَّلتْهُ شفتاي؛ لاكه لساني، ومضغه فمي، ودهنتُ به جسدي، وحقنتُه في وريدي، وعببتُه عبّاً، لأحمل أكثر ما يمكنني حمله إليكِ، يحدوني الأمل بشفائك، ويشجعني الرجاء بسلامتكِ وهنائكِ. يا إلهي، ما أصعب تلك السنوات عملا وألذها أملا !

وحالما أخبرني الأطباء أنَّني أصبحتُ جاهزاً لنقل البلسم إليكِ، انطلقتُ في رحلة العودة على جناح الفرحة... ولكنّها فرحة لم تكتمل، فقد بلغني، يا حبيبتي، وأنا في منتصف الطريق، أنَّ قريتنا الوديعة هاجمها لصوص غريبو الشكل والأطوار، عيونهم سهام، وأصابعهم حراب، قتلوا الشبان، وسجنوا الشيوخ، وامتلكوا الديار، وأخذوكِ، يا حبيبتي، وسيّجوا القرية بالأسوار، وأوصدوا الأبواب، ولا سبيل للوصول إليك. فمكثتُ في منتصف الطريق انتظر الفرج. وما زلتُ أنتظر. يا إلهي، ما أمرَّ الانتظار!

 

 

 

"رسالة إلى حبيبتي" *

نوستالجيا قصصية عراقية

  نجيب العوفي**

وفد اسم الدكتور علي القاسمي على المشهد الثقافي والأدبي المغربي، منذ أمد ليس باليسير، حيث عرفناه كاتباً عراقياً وعربياً أصيلاً ونبيلاً، نديّ القلم، سخيّ الفكر والوجدان، رهيف الذوق والحسّ، متنوع الاهتمامات والشواغل الثقافية، ما بين الفلسفة والحقوق والتربية وعلم اللغة والترجمة والإبداع.

 عرفناه طائراً غرداً متنقلاً بين الأفنان والأغصان المعرفيّة، لا يكلّ له جناح ولا تتعب له لهاة، كما عرفناه طائراً بابلياً متنقلاً بين العواصم والحواضر، شرقيّة وغربيّة، دون أن يذهل لحظة عن هويته وأرومته.

ولقد شاءت الظروف أن يحط عصا تسياره منذ سنوات في أرض المغرب، فكان نازلاً ببلده ومقيماً بين أهله وعشيرته. وكانت سنواته المغربية وما تزال حوافل بالعطاء والإبداع.

والمفاجأة الإبداعية الجميلة التي زفّها إلينا علي القاسمي مؤخراً، هي إصداره لمجموعته القصصية الأولى (رسالة إلى حبيبتي)، بعد أن قرأنا له ضروباً من القصص القصيرة في الملحق الثقافي لجريدة (العلم).

والقصة القصيرة تشكّل أحد الاهتمامات الأدبية الحميمة لعلي القاسمي. فقد سبق أن ترجم منها نماذج وروائع عالمية، وبخاصة منها القصة القصيرة الأمريكية. لكنه هنا، وفي هذه المجموعة تحديداً، ينتضي إبداعه الخاص وينزع عن قوسه الخاصة، ويكتب لنا قصصاً عربية، عراقية الوجه واليد واللسان. وهنا تكمن أهمية وقيمة هذه المجموعة القصصية.

إن العراق، هو محور وهاجس هذه المجموعة. هو شريانها وعصبها الحيوي. وذلك من خلال ذكريات الطفولة البعيدة والبهية التي تستقطرها وتستدعيها نصوص المجموعة من المرابع والمراتع الأولى هناك، على ضفاف الرافدين. على ضفة النهر، حسب اللازمة القصصية المكانية التي تتكرر عبر نصوص المجموعة.

 وليست (رسالة إلى حبيبتي) جراء ذلك، سوى رسالة عشق وشوق حرّى، موجهة إلى ذلك العراق الطفوليّ الدافئ البريء. ليست سوى نزوع نوستالجيّ قصصيّ عَرِم وهادئ في الآن ذاته، إلى الأمكنة الأولى والأزمنة الأولى والذكريات الأولى.

ولقد كتب علي القاسمي نصوص هذه المجموعة وأصدرها أواخر عام 2002، قبيل الهجمة العدوانية الأنجلو-أمريكية الغاشمة على أرض الرافدين وشعب الرافدين. ومع ذلك، فإن نصوص هذه المجموعة، أو بعضها على الأقل، تنضح بحدوس ونُذر ما ستجيء به العواصف الهوجاء الرعناء. كما أن دلالة وقيمة هذه المجموعة تتعمقان وتتألقان أكثر في غمرة هذا الإعصار الأهوج، كما الذهب الإبريز يزداد مضاء وصفاء، كلما صقلته وصهرته النار.

تشتمل مجموعة (رسالة إلى حبيبتي) على عشر قصص، يتصدرها تقديم وافٍ للأستاذ عبد الكريم غلاب، خلص فيه إلى القول بأنها " مجموعة شيقة أكدت لي ـ وتؤكد لقرائها ـ أن الدكتور علي القاسمي نجح كقصاص كما نجح في نشاطه العلمي وأبحاثه الدقيقة" ص 14.

والقصص العشر هي، للتذكير أو التعريف، على التوالي: البئر، الدرس الأول، وفاء، الحذاء الإنجليزي، أصابع جَدّي، الذكرى، البندقية، الكلب ليبر يموت، الجذور في الأرض، رسالة إلى حبيبتي.

جلُّ هذه القصص، يستحضر ذكريات الطفولة الأولى، في تلك القرية العراقية البعيدة الوديعة هنالك، على ضفة النهر. وجلّها ينكأ ذلك الجرح العراقي التاريخي المزمن، الذي لا ينفك عن النزف والرعف.

أحسب أن القصة الأخيرة التي يتصدر عنوانها غلاف المجموعة ( رسالة إلى حبيبتي ) تكثيف لـ "الرسالة" القصصية والدلالية، التي تروم المجموعة إيصالها وإبلاغها، كما تكثيف وتوصيف لدلك الجرح العراقي النازف أبداً.

لنقرأ هذه المتتاليات السردية، من هذه الرسالة ـ القصصية التي يتوجه بها السارد إلى حبيبته المريضة بالعراق:

" حبيبتي !

لا شك أنك تتساءلين لِمَ غادرتُ قريتنا الصغيرة وأنتِ طريحة الفارش حبيسة الدار. ولا بد أنك تسألين وتسألين لِمَ لا أعود إليك بعد كلّ هذه السنين الطويلة؟!" ص 97.

ويكشف السارد ـ المتكلِّم عن السبب الذي حدا به إلى هجران الحبيبة العليلة، بعد أن أعيا داِؤها كل الحكماء والعرافين والعشّابين:

" وكيف لا أركب الخطر، وأهجر الأهل والأصحاب، من أجلك، يا أعزّ الأحباب؟ ولهذا رحلتُ عنكِ، يا حبيبتي، قبيل الفجر وجميعهم نائمون، لأنني لا أحتمل دموع الفراق في عينيك وعيون أمي والرفاق. يا إلهي، ما أهون الغالي وأرخص النفيس من أجل شفاء الحبيب!" ص 99.

إنها هجرة جليلة ومُضنية إذن، من أجل البحث عن الدواء الناجع والشافي للحبيبة المريضة بالعراق، و " إن الدواء الذي تطلب لا يُعبأ في قنينة ليُشرب، ولا يُصاغ بأقراص ليبلع، ولكنه من نوع خاص. إنه أقرب ما يكون إلى النور ينفذ في عينيك رويداً رويداً، ويتسرب إلى أُذنيك شيئاً فشيئاً، ويتخلل فؤادك، ويتشرب به دماغُك. وهذا يتطلب سنوات عديدة. وعندما تعود إلى حبيبتك العليلة، تُطبق شفتيك على شفتيها، وتضع صدرك على صدرها حتى تُصبحا جسداً واحداً وروحاً واحدة. وعند ذاك يسري البلسمُ منك إليها." ص 99ـ100. ذلك هو دافع الهجرة وسببها. وذاك هو قصدها وطلبُها، شفاء الحبيبة العراقية.

وحين يستكمل السارد عدته وآلته، ويغدو جاهزاً لنقل البلسم والدواء إلى الحبيبة العليلة، في رحلة العودة المأمولة، تأتي النهاية فاجعة وتراجيدية:

" فقد بلغني، يا حبيبتي، وأنا في منتصف الطريق، أن قريتنا الوديعة هاجمها لصوص متوحشون، غريبو الشكل والأطوار، عيونهم سهام، وأصابعهم حراب، قتلوا الشبان وسجنوا الشيوخ، وامتلكوا الديار، وأخذوك يا حبيبتي، وسيجوا القرية بالأسوار، وأوصدوا الأبواب، ولا سبيل للوصول إليك، فمكثتُ في منتصف الطريق أنتظر الفرج، وما زلت أنتظر. يا إلهي، ما أمر الانتظار!" ص101.

هكذا تلخص وتكثف لنا (رسالة إلى حبيبتي) بكل الشفافية والشاعرية والشجن مأساة العراق العظيم والعليل، الذي ما تكاد تنضمد له جراح حتى تنفتح في جسده المنهك جراح جديدة.

وهكذا البلدان العظيمة دائماً، تكون عُرضة للرياح الهُوج والأحقاد السود، كما تكون الشجرة المثمرة الباذخة عرضة للحجارة والأطماع.

 وإزاء هذا المصير الحالك لحاضر العراق الذي نهشتْه الغربان وتحيّفه العدوان، لا يملك سارد هذه المجموعة وبطلها المحوري، سوى العودة الحكائية إلى قريته العراقية الصغيرة، الساكنة في أطواء الذاكرة والطفولة.

  وعن هذه القرية الصغيرة وعبْرها، يلتقط لنا السارد حكايا طريفة موحية وشجية، كما ينسد مشاهد وصفية بالغة الرقة والشفافية، عابقة برائحة الأرض والتاريخ. وهذه أمثلة على ذلك:

 

 نقرأ في قصة (البئر):

 " بعد أيام قليلة ستعود لأول مرة إلى قريتها منذ أن زُفّت منها عروساً قبل ثلاث سنين. وسيرافقها زوجها، وستحمل وليدها على صدرها كعقد لؤلؤ ثمين، وستنهال عليها وعلى ابنها كلمات الإعجاب وعبارات الإطراء كما تتساقط الثمار الناضحة الشهية من أغصانها مع نسمات الربيع." ص 18.

  لكن الفرحة هنا لا تكتمل، فيسقط الطفل في البئر حين انشغلت عنه الأم بتقليب الرغيف في التنور " ثم تنتقل نظراتها إلى البئر فلا ترى الدَلو المنتصبة على حافتها، عند ذلك تنطلق وثباً إلى البئر وتقفز فيها." ص 19.

 

 ونقرأ في قصة (وفاء) على لسان الطفل ـ السارد:

 " وسرعان ما وصلنا إلى النهر، واندست البطة في مائه، وكنتُ والقمر نشاهدها تعوم طافية على الماء وتغطس فيه ثم تبرز لتنفض هنيهة ثم تغطس ثانية. وأنا استمر في توجيه الكلام إليها ومداعبتها بأطراف أناملي والقمر يواصل إرسال أشعته إليها ويغمرها بنوره." ص 35.

 والقصة تحكي عن علاقة حميمة ومكينة بين الطفل وبطته البيضاء وحزن الطفل لرحيلها المافجئ مع سرب البط العائم فوق الماء. إنها لمسات تشيكوفية وموبسانية رائعة ورهيفة، هذه التي تتلامحُ لنا من قصص علي القاسمي ومشاهدها الوصفية والسردية بلغة عذبة وريِّقة، معجماً وتركيباً وإيقاعاً.

 لمسات لا تقدر عليها سوى يد مبدعة صناع. إن بطل المجموعة، أو لنقل طفلها المتناسخ، مهما تقدم به العمر وتقلّبت به المحن والشدائد، يظل أبداً طفلاً لصيقاً بقريته ونهره، مشدوداً إليهما بعُرى لا توهنها الأيام. ومهما جاب هذا الكائن العراقي البابلي من آفاق وارتاد من أصقاع الغرب وأرصفته، تظل جذوره أبداً في الأرض، أرض العراق المضمَّخة بعطر التاريخ.

 

  نقرأ من قصة (الجذور في الأرض):

" وترتفع أنغام البيانو.. ويعج جو الغرفة بموسيقى بيتهوفن، كل شيء حوله يتشرّب بها إلا قلبه، فقد كانت تصدح فيه أنغام الناي المتصاعدة بين أشجار النخيل الباسقة، وألحان العود يعزفها غجري عاشق على أبواب بيوت القرية، وأهازيج أبناء القبيلة المنسجمة مع دبكاتهم، وأناشيد القرويات في موسم الحصاد، وحكايات أمه في ليالي الشتاء الممطرة، وخوار الأبقار، ومواء قطته المدللة، وضحكات أخوته الصغار. أما أنغام البيانو فقد أخذت تتضاءل شيئاً فشيئاً حتى استحالت إلى مجرد رموز موسيقية كتبتها هيلين على ورقة مخططة أخذتها من أحد دفاتره الخاصة بالرسوم الهندسية." ص 90ـ91.

 إنها المعادلة الروحية الصعبة، تخرج منها الذات محصنة الذات.

 وعزفاً على الوتر ذاته، وتر الجذور المنغرسة في الأرض، نقراً قصصاً أخرى جميلة ودالة من قبيل (أصابع جدي) و(البندقية) وإلى حد ما قصة (الذكرى) الطافحة بالأشجان والأحزان العراقية، من خلال أحزان دفينة وكثيفة لامرأة عراقية فقدت ابنها وزوجها وأخاها وأباها وأمها..وبقيت وحيدة تجتر أحزانها في صمت ملحمي، ومع ذلك كله بقيت منغرسة في المكان ثابتة الجنان.

 ولعل قصة (البندقية) خيرُ ما يمكن أن نختتم به هذه الإطلالة التيماتيكية الأولية على عالم المجموعة. وخير نموذج يؤكد هذا الانغراس في الأرض والتاريخ.

 

  نقرأ من هذه القصة الفقرة التالية التي يخاطب فيها الطفل أبه المحتضِر:

 ـ" نعم، فهمتُ يا أبي، استوعبتُ قصدكَ يا أبي. أعدك بأني سأفعل ما تروم. سأواظب على قراءة القرآن كل صباح، حتى إن لم أفهم ما أقرأ. فستحل البركة في الدار في كل مرة أتلو فيها القرآن، ويكثر الرزق. وإذا كنتُ حيّاً عند ظهور المهدي في آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، سأمتشق سيف جدِّي القديم وأنضم إلى أنصاره لأفديه بنفسي. سأجلو السيف بين آونة وأخرى ليبقى حاداً بتّاراً دوماً كما كنتَ تجلوه أمامي. اظمئن يا أبي، لن يصدأ سيف جدي." ص 72ـ73.

 وما دامت الجذور العراقية دائمة الانغراس في الأرض، وما دام ثمة أحفاد يجلون سيوف الأجداد ويصقلونها ويصونونها ويمتشقونها عند الحاجة، فلن يذبل ولن ينحني نخيل العراق الباسق، ولن تنضب مياه رافديه، ولن تُقهر عزائم بنيه. فالتحية للعراق المجيد وأهليه، ولابن العراق المبدع علي القاسمي، الذي حبانا بهذه النسائم العراقية البليلة

-------------

 

*علي القاسمي، رسالة إلى حبيبتي: قصص قصيرة ( الدار البيضاء: دار الثقافة، 2003)

 

**  الدكتور نجيب العوفي ناقد وأكاديمي مغربي، أستاذ النقد الأدبي الحديث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

 

 

 

 

 

د. علي القاسمي


التعليقات

الاسم: فرح الشعرة
التاريخ: 17/12/2017 09:10:09
جمال الوصف وروعة السرد ورقة الاحساس وحسن توظيف للمشاعر واشياء اخرى كثيرة يتصف بها اسلوب كاتبنا الكبير الدكتور علي القاسمي،،تجعل القارئ يقظا منتبها ومنتشيا بجمال التعبير، يرافق علي القاسمي في رحلته وهو يجوب الاقطار ويركب الاخطار باحثا عن البلسم للحبيبة العليلة الجريحة.وما اعظمه من بلسم ،يختلف عن دواء العرافين والعشابين. انه دواء مستقطر في المختبرات نتاج مثابرة ومعاناة وطول نفس وتعلم. ويعود بعدما جهز الحبيب لاجل علاج الحبيبة ،لكنه وقف في منتصف الطريق. يا الاهي اي تراجيديا حلت واي خطر نزل كالصاعقة صدم الحبيب وروع القارئ اذ لم تكتمل لديه متابعة متعة العلاج.لكنه علي القاسمي باسلوبه المتفرد وذكائه يربط الفكر والابداع بالواقع ويمد في افق القارئ واسع التخيل ويشركه ايضا في الانتظار.وما أمر الانتظار.
قصة مشوقة جميلة رائعة.دمت متالقا سيدي علي القاسمي.

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 20/02/2017 14:19:38
من أجل التوثيق، عثرتُ في ملفاتي على رسالة من عالم النفس المغربي الأستاذ شكيب مصطفى، تتعلق بهذه القصة، أوردها هنا إتماماً للفائدة:


إلى أستاذنا المحبوب علي

آسف كثيرا على تأخري في الرد، وليس من شيمي ذلك كما لاحظت، ولكن اجتمعت أمور واختلطت متاعب علينا حتى تكاد تفقد المزاج وصفاء الفكر لدينا..
متاعب القريب والبعيد،ولا فرق البتة..هموم الوطن هي همومنا ومتاعبه كمتاعب أسرتنا وأقاربنا..
التغيير صعب يا أستاذ علي وان لم يكن مستحيلا..الانتخابات الأخيرة في البلد مرت علينا والغصة تحيط بحلقنا..من فاز فاز ومن خسر خسر، ولكن ما آلم هو خسارة الإنسان، خسارة كرم الله فيه، نبل الإنسان سموه تطلعه هو المفقود عموما..وهذه قصة أخرى بين الإنسان والسياسي...
من جهة أخرى تحزنني كتاباتك عن الطفولة، عن الوطن، ولكن حزنا سعيدا..
الغرباء في الأرض مستمرة ملحمتهم، لا فرق ممن فقد أرضه أو ممن هو فيها، الغربة لا تلغى بالحدود، وكما قال علي بن أبي طالب الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة أوطان—أو وطن- ومعنى الفقر والغنى يمكن تعميمه..
بوركت أيها الرجل بما تفعله في ظروفك الاستثنائية وبورك ما حباك الله تعالى من همة وفكر وعزيمة زادك الله فضله تعالى..
أما عن الطفولة والذكريات، نعم يا صديقي الكتابة تنفيس بل هي إحدى تدريب يوصي بها بعض المعالجين لتذويب الذكريات والمصالحة معها. كما يوصون بمواجهة ..وتعجبني بعض آية من القرآن الكريم "ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون.." "لكي لا تأسوا على ما فاتكم.." وفي قول الرسول عليه السلام "..لو من الشيطان.."
هنيئا لك أنت سيد علي، مازال لدي أنا حمولة لأفرغها، وواقع طفل علي مواجهته، من ذكريات الحي والمدرسة والواقع، حب مستحيل، الهام المرأة، لؤمها أحيانا. فشل الزواج، التضحية للأولاد بسنين العمر مناجل سعادتهم..الخ هذا ما صنعنا وصنع الكتابة فينا على حد قول الشاعر إن الثورة تولد من رحم الأحزان..بمعنى ما...
محبتي ومودتي وشوقي إليكم
ش.مصطفى

الاسم: علي القاسمي
التاريخ: 20/02/2017 13:50:49
من أجل التوثيق ، عثرتُ في ملفاتي على رسالة من الشاعر الناقد العراقي الكبير الدكتور محمد صابر عبيد رسالة تتعلق بهذه القسة، أرفقها طيه إتماماً للفائدة:
محبتي دائماً
قصة ((رسالة إلى حبيبتي)) تخلِص تمام الإخلاص للإشارة السيميائية المركزية في عتبة العنوان ((رسالة))، فهي تُبنى حكائياً على هذا الأساس وتمضي في تعبيريتها متكشّفة عن حسّ أسلوبي يحيل على فضاء الرسالة ومجرياتها وشؤونها وشجونها، وعلى هذا الأساس يبدو فيها التواصل بين المرسِل والمرسَل إليه ذا إيقاع سرديّ عالٍ عبر نبرة الحنين البالغة السطوة والهيمنة على فعل الخطاب وتشكيلاته، فضلاً على حساسية التشخيص والأنسنة التي يتحوّل فيها الغائب إلى فضاء بالغ الحضور والتجسّد والأنسنة، يسمح بمرور المقولة ((الرسالية)) التي سعت القصة إلى تجسيدها في جوهر الخطاب السردي، وإذا كانت فجيعة الغربة عاملاً أساساً في تثوير الحسّ الحنيني المأساوي وتفجيره إلى هذا المستوى، فإن لغة التعبير الوجداني المفعم بالأسى وهي تجتاز حدود المكوّنات السردية وتخترق أصولها، تندفع بشراسة وعفوية إلى قلب القراءة لترفدها بعاطفة كثيفة مشرّبة بالألم الذي لا علاج له، لاشك في أن المعادلة الطبيعية للحياة تقوم على أساس أن المرض يقابله علاج ما، وحين يظهر مرض لا علاج له فإن المعادلة تختلّ حتماً، وثمة خلل في مكان ما من جسد المعادلة، هنا تظهر عظمة الوطن الذي لا بديل له، حيث تخفق كل أنواع العلاجات في إشفائه، ولا سبيل إلا في العودة إليه، غير أن المفارقة الكبيرة تحصل حينما يضيع الوطن وتصبح إمكانية العودة إليه مستحيلة، لأنه تحوّل من أفق الغياب إلى أفق العدم، على النحو الذي تتحوّل فيه ((الرسالة)) إلى صيحة في فراغ الشوق والألم والاغتراب، ويكون فيه حرف الجرّ ((إلى)) حرفاً تائهاً ضائعاً لا يعرف طريقه، وتتخلّى ((حبيبتي)) التي هي هدف الرسالة ومبررها ومصيرها عن كلّ معاني الحب الكامنة في وجدان المرسِل، حين تُختطف وتسجن وتُسلب إرادتها، فيبقى المرسِل في منتصف الطريق محروماً من لذّة الرغبة في الوصول إلى الحبيبة المبتغاة، وحائراً في صحراء الغربة بين نار اليأس وخيبة الفقدان.

الاسم: سناء
التاريخ: 06/11/2013 09:10:59
انها قصةرائع شكرا عرفتني مامعنى الحب وشوق الى حيبتي


الاسم: مهند من فلسطين
التاريخ: 09/01/2011 21:27:36
مرحباااا على فكرة انا حبيت من فضلك وانا بشكرك اخي على هاد الاشياء الجميلة انا وحبيبتي ومشكوووووووور دكتور

الاسم: لحسن اغيل
التاريخ: 21/06/2009 22:32:24
حبيبتك ،وهي حبيبتنانحن أيضا في بلاد المغرب،ستتعافى يا أستاذي علي وستسترجع قوتهاقريبابفضل أحبائهاوأحباء أحبائها .ستصل ببلسمك الى أرض العراق،حين يغادرها الغرباء .وفي انتظار العودة مرحبا وألف مرحبا في بلادمنحتك سمرتك وأعطيت فيها المعنى لما تعلمته.

شكرا لكم أستاذوأطال الله عمركمحتى نحتفل جميعا بعيد النصر للعراق ولأمتنا العربية والاسلامية.

الاسم: عبد السميع بنصابر
التاريخ: 21/06/2009 12:39:10
الصديق العزيز والأديب المتألق د.علي
رسالة حب وشوق وحنين نبثها لك عبر هذا الموقع
عودتنا دائما على الجودة في قصصك الرائعة
فمزيدا من التألق والابداع
مودتي

الاسم: دلال محمود
التاريخ: 21/06/2009 10:31:59
رائع سيدي الكاتب الجليل
كلماتك وحروفك تفوح منها رائحه العراق الاصيله
اه ماروعتك
تفرح القلب وتبكيه شوقا وحنانا لبلد يابى ان ياءوينا سلمت الانامل الراقيه التي صاغت احلى اللؤلؤة

الاسم: هــري عبدالرحيم
التاريخ: 21/06/2009 10:29:40
الصديق الدكتور علي القاسمي:
كتاباتك تسعد القاريء بما تضيفه له من قيمة.
لن أجاملك إذا قلت لك بأنك مفخرة لنا جميعا، واستقرارك في المغرب مفخرة أخرى للمغاربة الذين يعتبرونك منارة يُهتدى بها.
قرأة القصة أمتعتني، وأمتعني النقد المصاحب لها للدكتور العوفي، أستاذنا وقدوتنا في النقد.
تحيتي لك دكتور علي.
هــري عبدالرحيم

الاسم: سجاد جمال المطيري
التاريخ: 20/06/2009 13:47:19
دكتور ماذا تقصد ب ( نوستالجيا )

الاسم: سجاد جمال المطيري
التاريخ: 20/06/2009 13:45:37
السلام عليكم دكتور علي اني سجاد جمال المطيري خريج معهد الفنون الجميلة قسم الاخراج السينمائي والان ادرس مرحلة ثانية في كلية الفنون الجميلة واحب ان اقرا قصص قصيرة واتمنى لو ارسلتلي مجموعة قصص قصيرة وخاصتا تصلح الى مشروع فيلم روائي قصير اذا ممكن

اخوك او تلميذك

سجاد جمال المطيري

الاسم: وفاء عبد الرزاق
التاريخ: 20/06/2009 12:09:49
اخي المبدع علي القاسمي


منذ الوهلة الاولى عرفت حبيبتك وذكرتني باخي الفاضل غازي الكناني في رسائله لفلانته

آآآآآآآآه من الحبيبة البلسم ومرها العسلي

شكرا لجمال روحك وروح الحبيبة




5000