..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المفارقة التصويرية والتضاد الساخر في (غدا تخرج الحرب للنزهة)

المفارقة التصويرية والتضاد الساخر في

 "غدا تخرج الحرب للنزهة"

  للشاعر عبد الرزاق الربيعي

 

هذه قصيدة لشاعر مسكون بالوجع ، متفجر بالشاعرية ، لا يكتب القصيدة إلا إذا تلبسه مسّ الشعر، شاعر تعصف به رياح القلق والحزن والرفض والتمرد والاغتراب وتذرو في جوانبه إبداع وادي عبقر، ذلك الوادي الذي انتقل ليعيش في أكناف روحه الشاعرة.

عبد الرزاق الربيعي، شاعر من بلاد "مصابيح الشعر" ولد في بغداد 1961 له إصدارات إبداعية شعرية كثيرة صدر له مؤخرا ديوانه الذي يضم أعماله الشعرية الكاملة بعنوان "كواكب المجموعة الشخصية" الذي يتكون من تسعة دواوين وله كثير من المسرحيات الشعرية وكتابات خاصة بالطفل.

ولا يمكن للناقد أن يتجاهل الإحساس الصادق الذي يكتب به الشاعر عبد الرزاق فهو ممن ينزف على الورق ، "والشعر والصدق توأمان لا ينفصلان" كما يقول لوركا والحقيقة أن شعر عبد الرزاق هو انعكاس صادق لآلام حياته وأحداثها ولكل إخفاقات الواقع المؤلم في بلاده ، ومن ثم فهو شاعر ملتزم بقضاياه الوطنية والقومية والإنسانية ، وإن كانت كلها تسهم في اتساع ثقوب الروح المتألمة لدى الفنان الواعي ، الذي لا يتصنع الألم والحزن بل هو موجوع إلى النخاع ، متفاعل مع ما يتعرض له وطنه من أحزان تتجدد ولا تخمد وكأنها أقداره وهو قدرها، إن هذا الوجع المتلاحم بين الوطن والفنان هو تجسيد لملامح الفن الصادق لدى عبد الرزاق ، وسمة من سمات الأصالة الفنية .

"غدا تخرج الحرب للنزهة" قصيدة من آخر دواوين الشاعر "كواكب المجموعة الشخصية" ولقد استوقفتني طويلا مع كونها ليست أفضل قصائد الديوان فنيا فهي تكاد تخلو من تلك "التكنيكات" الفنية الجميلة التي اعتاد عبد الرزاق على توظيفها في معظم نصوصه حتى أصبحت ظواهر فنية يتسم بها شعره. لكنها بلا شك قصيدة جميلة وملفتة، وسرّ جمالها خفي لا تعطيك إياه إلا بعد جهد ، رغم ما تجود به بسخاء وعفوية واضحة من جماليات ظاهرية سريعا ما يلمسها القارئ من القراءة الأولى ، إلا أن هذا الجمال السطحي هو إغراء للدخول إلى أغوار النص لاكتشاف جماليات بعيدة أرحب ولعله جزء من تقنيات البناء القائم على المفارقة والتضاد.

فبناء القصيدة يرتكز على "المفارقة التصويرية" القائمة على تضاد الثنائية الساخرة ، إنه صراع ما بين ثنائيتين الأولى : الألم والحزن الشديد المؤدي إلى البكاء ، والثاني السخرية والتفكه الزائف المؤدي إلى الضحك ، وهو ضحك كاذب مخادع بل هو في حقيقته بكاء انه "المضحك المبكي" أو  "شر البلية ما يضحك"، فالبلية هنا

 ( الحرب ) وهي فوق طاقة الشاعر وليس بيده شيء يستطيع أن يدفعها به أو يحول دون حدوثها ولهذا فهو يتألم ويبكي ويسخر ويضحك بهستيرية تمتزج فيها حالة البكاء بالضحك "ولكنه ضحك كالبكاء" كما يقول المتنبي ، إنها حالة جنونية للصراع الداخلي الذي أظهر لنا جزءًا من جبل الجليد بينما ظلت الحقيقة الكاملة لهذا الجبل - حقيقة الآلام والأوجاع والحزن والبكاء - مغمورة داخل الشاعر وتحمل القصيدة في مضمونها إدانة خفية إلى من تسبب في هذه الحرب وجعلها تخرج للنزهة والى من جاء بها إلى بلادنا لتتنزه هنا وليس في بلاده هو ، ولكن الشاعر يمسك بخيوط نسيجه الفني فلا يجعل نبرة الإدانة تعلو وتقف على مشارف الهجاء والتراشق ، بل نكاد لا نلمسها حتى تفرّ من أيدينا وتتداخل مع نبرة السخرية ، وبهذا جنَّب الشاعر نفسه الوقوع في مصيدة المباشرة والتسطيح.

ومن العنوان يتجسد بوضوح طرفا المفارقة  "غدا تخرج الحرب للنزهة" فالنزهة هي الطرف المشرق من طرفي المفارقة ولكنها تتضاد مع الطرف الآخر المقابل وهي الحرب التي تمثل سوداوية الواقع وقبحه ، ومن هذه الثنائية المتضادة بشدة تنبثق السخرية وتأتي المفارقة ويتولد الصراع كنتيجة منطقية ، وهذا الصراع يكسب القصيدة مسحة درامية خفية أيضا وكل ظواهر القصيدة كما ذكرت لا تبدو عائمة على السطح إنها تحت الغطاء ، ولعل هذا ما أكسب النص تلك الحلاوة والجمالية الشفيفة ، إنها جماليات السهل الممتنع، يقول الشاعر:

( غدا تخرج الحرب للنزهة

زينوا المستشفيات بالأدوية والضمادات

والمشارط الباشطة )

إن في كل مقطع من مقاطع القصيدة بل في كل سطر من كل مقطع نجد تضادا معبئا باللامعقول واللامنطقية التي تجسد المفارقة ، ويتضح هذا في تحليلنا لهذا المقطع وهو نموذج لكل مقاطع القصيدة الأخرى ، مع فارق بسيط يعود إلى بساطة تركيب هذا المقطع بنائيا وتعقد تركيب المقاطع الأخرى، وربما يعود سبب تلك البساطة لكون هذا المقطع هو الدفقة الشعورية الأولى ، أي الافتتاحية التي تمهد لفورة بركان الصراع كما يمهد المشهد الأول لأحداث المسرحية برمتها.

 لو حللنا المقطع الأول لوجدناه يسير بشكل متضاد "لا منطقي" أفقيا وعموديا حسب التشكيلات التالية : ففي الشكل رقم (1 )

الحرب                                              النزهة زينـوا                                      المستشفيات             بالأدوية والضمادات والمشارط

ويوضح البناء الأفقي أن "الحرب × النزهة" و"الزينة × المستشفيات والأدوية والمشارط والضمادات".أي الحرب عكس النزهة ، والزينة عكس المستشفيات ، بما فيها من مشارط وأدوية وألم . وحسب التشكيل العمودي سنجد التضاد نفسه: في شكل رقم  ( 2 )                      

  الحرب                              النزهة  

 


 

 

زينوا                    المستشفيات والأدوية   والمشارط.

فمن المعروف أن "الحرب × زينوا" ، و"النزهة × المستشفيات والأدوية والمشارط" أي أن الحرب لا تتطلب النزهة كما وضحت الدلالة أفقيا.. ولا تتطلب الزينة كما أوضحت عموديا. والزينة لا تتطلب المستشفيات والأدوية والضمادات والمشارط أفقيا، ولا تتطلب الحرب كما توضح عموديا.

إذن هناك على المستوى الأفقي والعمودي من حيث هندسة البناء تضاد صارخ ومفارقة أليمة "ولا منطقية".. لكن لو قلبنا الجملة "بالعكس" سنحصل على تماثل وتوافق ومنطقية في الدلالات: كما يوضح شكل رقم (3(:

 

الحرب                         النزهة

 

زينوا                        المستشفيات

الحرب مع المستشفيات والأدوية والضمادات والمشارط ، والنزهة مع زينوا.

في هذا الشكل تتطلب الحرب المستشفيات والأدوية والضمادات والمشارط ، وتتطلب النزهة الزينة ، والعكس صحيح  ، والغريب أن هذا التركيب المعكوس هو الذي أصبح منطقيا ، مما يدل على أن الوضع الواقعي الخارجي هو وضع مقلوب ، وهذا ما جعل الشاعر يعتمد تكنيك المفارقة التصويرية كأداة رئيسية للتعبير عن رؤيته الفنية ، ويجسد الصراع بين الواقعين "الداخلي والخارجي" للشاعر ،  كما أن هذا التركيب المعكوس والمنطقي لبناء الدلالة " شكل رقم (3 )  موجود خارج النص وهو ما يصلنا منه حتى لو حاول الشاعر أن يرسخ لدينا  بصريا الدلالة المتضادة غير المنطقية على المستويين الأفقي والعمودي، وهي تلك الدلالة المحركة للرؤية الفنية أصلا ، والموجودة داخل الشاعر ، والمولدة للصراع في نفسه.

وبعد تلك التهيئة، للحدث يتعمق الشاعر في شكل أقرب للدراما فيقول متصاعدا بالحدث تدريجيا:

( غدا تخرج الحرب للنزهة / نظفوا القبور من الأتربة والأدغال / واحفروا أخرى للحيطة / إكراما لأنفها من روائح الجيف النتنة ) ويحفر الشاعر جيدا بالتكرار على مفردة نظفوا ليرسخ المفارقة المتضادة " نظفوا القبور، نظفوا الأوحال، نظفوا أسنانكم جيدا، نظفوا قلوبكم " ليسجل صورا عديدة من صور السخرية، على سبيل المثال يقول: ( نظفوا قلوبكم من الأفراح العابرة / لأن الحرب / لا تحب البالونات والفقاعات الهوائية )

( هيئوا أجسادكم للآلام/ وأعضاءكم للبتر/ وقلوبكم للأوجاع/ لأن الحرب/ ستعبث معكم/ إنها تحب اللعب بالعيار الثقيل ) *

والملاحظ تكثيف دلالات التضاد فكل تضاد يتداخل مع تضاد آخر، حتى لكأننا في حالة من التضادات المتداخلة والمركبة فالتضاد الأول يفِّـرع تضادا ثانيا وهكذا.

فحينما يقول الشاعر( نظفوا قلوبكم من الأفراح)

_____________

* عبد الرزاق الربيعي - كواكب المجموعة الشخصية - مركز الحضارة العربية - القاهرة - 2004 م - ط1 - ص 510 .

 

 

 نحن نريد الأفراح ، ولا نريد أن ننظف القلوب منها.. وهنا يفرِّع الشاعر صورة تضاد آخر من هذه الأفراح ، معللا سبب طلبه : هي مجرد أفراح عابرة.. أي مجرد فقاعات سرعان ما تتلاشى، ولأنها أفراح عابرة كالفقاعات لا تحبها الحرب ، فالحرب لا تحب الفقاعات الهوائية لأنها تحب الفرقعات القاتلة وليست تلك الفقاعات الهشة التي تعمل فرقعة ولا تقتل أحدا.

إذن الحرب ستلعب معكم ولكن بفرقعات من العيار الثقيل.

إن تعقد وتداخل تركيبات التضاد بين أكثر من صورة ، وأكثر من فقرة وأكثر من تفريع ، ينم عن حدة الصراع الداخلي وتراكمه في نفس الشاعر.

وتكرار لفظ (نظفوا، نظفوا.. نظفوا) كل شيء في استقبال الحرب التي ستدمر كل فعل ايجابي قمتم به وستحول النظافة إلى سواد.. إنه تركيب مكثف للتضاد الساخر ، شكَّل ملامح وجهيّ المفارقة ، مولدا صورا جزئية تحمل ملامح الطرفين.. وجعل من المفارقة تكنيكا يتسرب إلى جزئيات الصور التفصيلية ، مؤججا الصراع بين الطرفين (البكاء/ والضحك) ليندس ذلك الصراع في شرايين القصيدة التي تنتهي بانتصار (القبح/ الحرب/ الحزن) انتصارا ساحقا على (الجمال/ السلام/ الضحك) فيأتي المشهد الختامي ليلخص الموقف الحقيقي السوداوي ، أي الصورة الحقيقية لسلبيات الحروب بترك كل ما يؤدي إلى الجمال والبهجة والبراءة والخصب والأحلام والآمال والخروج من كل شيء جميل يقول الشاعر: (غد تخرج الحرب للنزهة/ اتركوا النعومة/ والضحك/ والرقص/ والطفولة/ والنساء/ والأسرة/ وأكواب الشاي بالحليب/ ومقاعد الدرس/ وما تبقى من أحلام/ متناثرة في الزوايا/ إنها لا تحب الشوكولاتة وتبادل القبل في الطرقات/ وأمور كهذه تضر بصحة الحرب/ التي ستخرج غدا للنزهة )    إنه خروج من مسببات الحياة ، خروج من كل شيء فالحرب موت أي خروج من الحياة بأسرها . *

  ويأتي ختام القصيدة ليكرر ويلخص كل المنهي عنه في المقاطع السابقة التي فصلها هناك وأوجزها هنا فنقل لنا حالة التفريغ ونهاية الصراع التي أفرغ بها الشاعر ونفث كل ما بداخله ،  فخفت الصراخ والألم الداخلي.

____________

* أنظر القصيدة في الديوان : حيث يذكر الشاعر كل جزئيات الحياة التي يجب الخروج منها ، فيذكرنا بالخروج من معجون الأسنان ، ومن كتاب ألف ليلة وليلة ،  ومن غرف النوم ، ومن قناني المياه الغازية .... الخ .

وأخذ الانفعال يخفت تدريجيا ، كأنه ذلك

الموسيقار الذي يبطئ الإيقاع  تدريجيا ، ويخفت باللحن في ختام المقطوعة بعد أن بلغ به الذروة. ويختم الشاعر نصه بتلك الثيمة الإيقاعية والدلالية المتكررة في بداية كل مقطع من مقاطعها، يقول.. ( وأمور كهذه تضرّ بصحة الحب التي ستخرج غدا للنزهة )

 لتتجاوب أصداء المفارقة وتتوالد السخرية في حلقة ربطتْ البدء بالختام ضمن دوائر مفرغة من دلالات انتصار الخير والسلام والأمل.

بقى أن نقول بأن من جماليات القصيدة وجود ذلك التلاحم ما بين المنطقي واللامنطقي كما رأينا في بعض المقاطع السابقة ، كذلك وجود تآزر وتلاحم  بين الطبيعة والإنسان اللذين يقفان في جهة المفعول به، والمتحالف ضدهما (الحرب) وهي الفاعل والمراقب المتقمص لدور الراوي الواعظ الساخر هو الشاعر، والطبيعة ومن النماذج للتلاحم بين الإنسان والطبيعة قول الشاعر: (غدا تخرج الحرب للنزهة/ افطروا قلوب الأمهات/ لكي لا تتمدد الدموع بالحرارة/ وتنفجر قشرة الأرض/ فتثور البراكين النائمة/ في الصدور).

البناء الفني:

بناء النص: هذه القصيدة بها حس درامي كبير يتمثل في الصراع الدرامي بين المأساة (التراجيديا) والملهاة (الكوميديا) وبها تضفير في جدلية ثلاثية ما بين الشعر وتقنيات المسرح والرواية فهنا سرد وراوي وحدث يتصاعد به وعقدة تفك خيوطها تدريجيا في الختام وتسدل الستار على نهاية الحدث.

قلنا : إن المفارقة التصويرية تشكل إطارا يحيط بكل دلالات القصيدة ، وتتمازج فيه كل الأدوات الشعرية من مفردات وأساليب إلى صور وإشارات ورموز وموسيقى كما سنرى.

ومن ثم فقد ارتكز معمار البناء على المفارقة القادرة على نقل ثنائية التضاد، بشكل عام، ووظف الشاعر لتجسيد ثنائية التضاد جملتين الجملة الأولى تتجاوب مع الثانية في تبادل الفعل، ورده فالجملة الأولى الإخبارية تقوم على الفعل المستقبلي (غدا تخرج الحرب للنزهة) ويأتي رد فعلها دائما بجملة من(صيغة الأمر) في بداية كل مقطع مثل: ( زينوا.. نظفوا، اتركوا، افرغوا، هيئوا، خزنوا، أطفئوا، اخرجوا.. الخ   ) هذه الجمل "جمل فعل الأمر" التي تتجاوب مع جملة الفعل المستقبلي، معللة بسبب ومسبب لماذا ننظف؟ لماذا نهيئ..؟ وتأتي الإجابات في نهاية كل مقطع (إكراما لأنفها من الروائح / لأن الحرب ستعبث معكم / لكي لا تتمدد الدموع بالحرارة / لنحصل على موت جميل..الخ).

ويقوم الشاعر بدور الآمر المنبه للجموع لأن الخطاب يتوجه للجميع وقد حرص الشاعر على التحذير الجماعي " نلاحظ صيغ الجمع المختلفة وانتهاء كل أفعال الأمر بواو الجماعة " لأن الشاعر هو ضمير الأمة وحدسها المبصر.. إن انتهاء كل مقطع بلا التعليل وكي التي تفسر وتعلل يوضح ويفسر سبب حزن الشاعر الشديد وآلامه وسخريته من الموقف القادم كله.

وهكذا نرى أن الثنائية والتضاد هي أدوات بناء النص البارزة التي تشكل طرفي المقارنة، والتي أوضحت رؤية الشاعر بشكل جيد ونقلت الصراع الفني في أوضح صورة.

1 ـ المعجم: معجم الشاعر حديث وعصري وهو معجم يلتقط مفرداته من الحدث المعاصر ومن اليومي المعتاد والمألوف، ومن ثم فهو معجم مرتبط بهموم العصر وأحداثه فمفرداته تأتي أحيانا طبية علمية كقوله:(افرغوا صنابير العيون/ من حمولتها المالحة / فالحرب تعاني من ارتفاع حدة الضغط/ وتكلس الهواء في الشرايين/ وتبعا لهذا/ فإنها لا تحب الأحلام/ في الزاد..والخدود).

وأحياناً معلومات حربية مصحوبة باستشراف مستقبلي واضح كقوله:(فلنقفل المنتزهات/ والحدائق/ والشرفات/ لكي تتمشى على راحتها/ أزيحوا من السماء الغيوم/ لكي لا تبلل أجنحة الطائرات/ وتحيدها عن أهدافها المرسومة بدقة).

وينم معجم الشاعر عن ثقافة واسعة وتوظيف لمعطيات التراث فحينما يقول:(علينا أن نخرج جميعاً لملاقاتها/ من غرف النوم / والمدارس وألف ليلة وليلة وإشارات التوحيدي ، وألفية ابن مالك وروضات الجنات..الخ).

هو يوظف تراثه ويمزجه بالحدث المعاصر.

كما أن معجم الشاعر يمتاز بالجرأة في التقاط اليومي والمعتاد والتافه من جزئيات المعيشة اليومية لكن هذا التافه يشكل ملمحاً من ملامح الحياة المعاصرة كقوله: (وعلينا أن نخرج من بطاقات التهنئة/ وقناني المياه الغازية/ وفرشاة الأسنان ونشرات الأخبار، والشوارع، والبسكويت، والشوكولاته..الخ) لكن هذا الالتقاط للعادي والتافه من أمور الحياة اليومية لا يخل بفنية لغة النص وضرورات العمل الفني بل يدعمه ويسنده.

أما أسلوب الشاعر فيتسم بالجمال الواضح الكاشف بلطف بلا غموض متعمد ولا تعسف ويمتاز الربيعي بالجرأة في استخدام اللغة فهو مثقف واع مطلع ومتسلح بثقافة عصره كما ذكرت.

وهو مغرم باستخدام أسلوب الانحراف بالدالة والتماثل الصوتي عن طريق شحن اللغة بعلاقات جديدة للجملة مقتربا بذلك إلى ما يسميه(ايفون دوبليس) تفجير اللغة ويقصد به (أن تفرغ كلمات اللغة من دلالتها القديمة وتحقن بأخرى جديدة فليس المعني المعجمي هو معناها الوحيد وإنما لكل كلمة معان شتى معان داخلية تتداعى في لحظة رؤي الشاعر وانفعالاته الباطنة الخاصة)*

لكن الشاعر لا ينساق وراء إبهام العلاقات والتداعي الحر الذي يؤدي إلى عتمة الدلالة بل يأخذ ما يحتاجه لخدمة فنه ومن نماذج التماثل الصوتي في النص:

قوله:(علينا أن نخرج لملاقاتها/ من جلودنا وأسمائنا اللبنية) وهو تماثل صوتي للتركيب المعروف(أسنانا اللبنية) كما يحمل عنوان الديوان كله هذا التماثل (كواكب المجموعة الشخصية) وهو تماثل صوتي لكواكب المجموعة الشمسية ولهذا الانحراف في السياق ما يبرره إذ أن كل قصيدة في الديوان هي بالفعل لكوكب

 

 

*إيفون دوبليس / السوريالية _ ترجمة هنري زغيب - منشورات عويدات

    بيروت - ط1 - 1983 م - ص65 .

 

 

 شخصي من الكواكب التي عرفها الشاعر وأحبها وأثر أو تأثر بها وأصبحت كواكبا تنير شخصيته وحياته وربما تكون لنا وقفة مطولة مع هذا الديوان مستقبلا ، والتماثل الصوتي تكنيك جميل يكسر التوقع للمألوف ويثير الدهشة ويبعث روحا جديدة في العبارة تتسم بالطزاجة وهذا ما يبحث عنه الشاعر المعاصر ليحقق سمة الأصالة والتميز.

ثانيا: الصورة: تقوم الصورة أيضاً على التضاد والتقابل والسخرية التي تولدها المفارقة التصويرية وقد أقام الشاعر بناء صورته في هذا النص على ظاهرة التشخيص فهو يشخص الحرب في صورة شخص سيخرج للنزهة ولابد من ملاقاته والاستعداد له مولداً تلك المفارقات العجيبة بين نزهة الحرب والخراب الذي ستحدثه يقول:(غدا تخرج الحرب للنزهة/ اتركوا النعومة / والضحك/ إنها لا تحب الشوكولاته/ وتبادل القبل في الطرقات/ وأمور كهذه تضر بصحة القلب/ حسب مزاج الحرب/ التي ستخرج غدا للنزاهة) وصور الشاعر تكرس الإيحاء وتكاد تخلو من الصور البيانية التقليدية إلا ما ورد عفويا دون أن يتطلبه أو يتكلفه

وهي أحيانا صور خيالية تعلو على حرفية الدلالة وتربط بين الجمل ربطا غير تقليدي فتتحور الصورة الذهنية وتتشكل تشكلا جديدا يقول الشاعر:( غدا تخرج الحرب للنزهة/ ازرعوا الزهور/ فالمقابر ستنمو/ وتفاصيل كهذه ضرورية لرفع معنويات الموتي/ المعلقين في رقابنا/ إلى يوم يبعثون)

وصور الربيعي في هذه القصيدة ليست جزئية مفتتة ، بل أن كل مقطع عبارة عن صورة تمتد بامتداده وتنتهي بانتهائه لكن مجموعة هذه الصور المستقلة بمقاطعها تشكل التشكيل العام للصورة الكلية التي هي صورة الحرب الراغبة بالتنزه وصور القصيدة تسهم بجزء من أجزاء المفارقة الكبرى وترسل كل صورة ومضة من ومضات السخرية الأليمة التي ترسخها القصيدة في نفس القارئ ولنقرأ هذه الصورة العميقة المؤلمة في سخريتها:(غدا ستخرج الخرب للنزاهة/ اطفئوا القمر البنات فوق السطوح/ لكي لا يؤثر على بريق قنابل التوير / التي تنير لها الطريق/ لنحصل على موت جميل/ ومريح كمخدة من ريش الملائكة).

ثالثا: الموسيقي: للشاعر إيقاعه الموسيقي الخاص وأقصد أنه يكتب القصيدة النثرية ضمن إيقاع تولده الصياغة الأسلوبية ، ولأنه شاعر حقيقي فالإيقاع الموسيقي ثري دون التقيد بالبحور الخليلية فهناك خلط في التفاعل وهناك خلط في البحور أحيانا وهناك تحرر تام وفق متطلبات الجملة الدلالية.

وفي هذه القصيدة قلت أن المفارقة قد تسربت إلى جسد النص كله وتشدت إلى الموسيقي أيضا فالشاعر يبني إيقاعه الموسيقي على بحر المتقارب لكن هذا الإيقاع يقف عند العنوان الذي يتكئ الشاعر عليه كثيرا ويكرره في بداية كل مقطع ليكون لازمه وثيمة إيقاعية  تبث في القصيدة جواً نغمياً أقرب إلى طبول الحرب المتقاربة المتسارعة الضربات(فعولن، فعولن ، فعولن ، فعولن) ومع هذا الثراء النغمي في الوحدة الإيقاعية المتكررة تأتي بقية المقاطع خالية من الوزن ، أو يتحرر الشاعر فيها من التزام الوزن ، ولعل هذا التضاد بين ثراء بداية المقطع الموسيقي ونثرية بقية الأبيات هي جزء من مفارقة بناء هذه القصيدة التي تشعرنا لازمتها الإيقاعية المتكررة بشيء من النشوى الموسيقية المتلاحقة الإيقاع بينما يسود جواً أشبه بالتراتيل الجنائزية الكنسية طوال القصيدة في بقية المقطع وهي تراتيل فيها الكثير من الحزن والهدوء والنغم الخفي مما يجعلها تتضاد مع لازمة القصيدة الشديدة الرنين الصاخبة الإيقاع.

ويمسك الشاعر بقدرة صناع ماهر على ذلك الجو النغمي الموسيقي الذي يتابعه القارئ ضمن إيقاعات النفس الشعوري المتألم والمتردد بين ضلوع الشاعر في جو خفي لا يستطيع أن يمسك به ولكن يحسه ويشعر به شعورا واضحا عميقا.

في الختام: لقد أعطانا الشاعر كل سلبيات الحرب واضحة وهي تلك السلبيات التي تسببت في حزنه وألمه وبكائه ، وكثف الشاعر- بوعي منه- مسببات ذلك الحزن ومع هذا التكثيف لدلالات الحزن والألم في القصيدة يظل الحزن الأكبر في داخل الشاعر لم ينفجر وأرسل لنا فقط بإشارات تومض بومضات خفيفة تنم عن السخرية والضحك ، ولم يكثف دلالات السخرية والضحك في النص ومع هذا فإن إيحاءات السخرية كبيرة وواضحة في القصيدة بل وتتغلب على نغمة الحزن والألم المكثف وهذه أيضا مفارقة وثنائية متضاد قصدها الشاعر بين الداخل والخارج في تكوينات النص القائمة كلها على المفارقة التصويرية.

 

 

د. سعيدة بنت خاطر الفارسي


التعليقات

الاسم: داليا
التاريخ: 28/03/2013 13:57:37
ممكن مقاله عن تاثير الشاعر عبد الرزاق الربيعي ب الشاعر الفريد اوين

الاسم: د . سعيدة بنت خاطر الفارسي
التاريخ: 27/05/2009 00:08:22
د. أزهر الشيباني شكرا لتعليقك الكريم ..وأتمنى أن نسهم في بلورة الإبداع العربي لخلق ثقافة نقدية تجسر الهوة بين المبدع والمتلقي بعيدا عن التهويمات الملغزة ، والتقعر .. أرجو أن اكون عندحسن الظن .. مع خالص الشكر والتقدير للمشرفين على مركز النور ولجميع المبدعين والقراء .
د. سعيدة بنت خاطر الفارسي

الاسم: دزأزهر الشيباني
التاريخ: 26/05/2009 09:42:08
دمتم للابداع الفكري والادبي وهذا ليس بجديد عليكم
وانه كما قال الدكتور ايمن انه تحليل عميق بل و واقعي في تفاصيله.
تمنياتي لك بالصحة وننتظر المزيد من ابداعاتكم الادبية والنقدية
تقبلي خالص وتقديري واحترامي
أزهــــــــر

الاسم: د . سعيدة بنت خاطر الفارسي
التاريخ: 20/05/2009 12:05:06
أخي العزيز : الأستاذ أيمن مصطفى : شكرا لمرورك السخي ، نعم هي دراسة للقصيدة ، ولكنها للنشر فقط وليست بحثا أكاديميا، ربمالأن القصيدة تستحق الجهد ، ويبدو أنها حفزتني لذلك .ولكن للأسف لا ادري لماذا أسقطتْْ الأسهم الدالة الطولية والعرضية والمتعاكسة بين النزهة والحرب وزينوا والمستشفيات ربما التقنية الإلكترونية لم تحتفظ بها ، ومن ثم لم توضح الأشكال الغرض الدلالي الأسلوبي . أشكر ذوقك الباذخ السمو في التعليق . امتناني وتقديري .

الاسم: ايمن محمد مصطفى
التاريخ: 19/05/2009 10:06:51
الدكتورة سعيدة...
تحليل عميق جدا وعملي جدا جدا .... اجزم انه بحث اكاديمي وليس تحليل خاص للنشر او مقالة نقدية لان الاسهاب فيها واضح كي يصبح دراسة وليس نقدا عاديا ... على العموم الدسراة راقية جدا وعميقة جدا اهنئك جدا جدا والى امام
اقبلي مروري




5000