..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


(رماد الأقاويل):صياغة الأسطورة، وبثها للتأويل .

فرج ياسين

فاضل عبود التميمي 

 جامعة دَيالى

 

تريد هذه(المقاربة) أن تختار قصة (رماد الأقاويل) مجالا للقراءة التأويليّة بعد أن اختارها القاص (فرج ياسين) عنوانا لمجموعته الصادرة عن دار الشؤون الثقافية في بغداد 2006، لتكون اختياراً على اختيار جمع بين قراءتين مختلفتين، قراءة (المؤلف) وهو يحاول أن يُلِمَّ خيوط الذاكرة لينسج بوساطة منوال السرد قصّة رجل غريب الأطوار،إشكالي النزعة، وقراءة(الناقد) وهو يحاول زحزحة الألفاظ عن معانيها الأول إلى معان أخرى يحتملها السياق ليمسك بالدلالة النهائية لصورة الرجل نفسه، فهما يبحثان في إشكالية (الرجل) الذي يظهر عاريا على شاطئ حصوي يصب فوق هامته الماء في صباح شتائي، وقد كان ظهوره الأول مرتبطا بنسق نفسي صنعه (السارد) وهو يكشف عن غرائبيته ... ففي شطحات التأمل، وطعنات اليأس، وحرائق الطفولة كان ظهوره، ثم ظهر في حوارات زبائن مقهى (الساعة) الذين أرادوا أن يكشفوا عن سره الدفين فيما بعد...

          السارد يؤكد علمه بالشخصيّة، ولكنه بتفوهاته المختلفة يحيل على صورة بعيدة للرجل تبعده كثيرا عن النمط الاعتيادي،فضلا عن ازدياد وتائر الاختلاف في شخصيته ومكان  ظهوره ،فبعد ثلاثين سنة من ظهوره الأول صار يظهر في (الأوهام)بعد أن كان ظهوره على (الحقيقة)عيانا، لقد كان إشكالية سوغت البحث في حقيقة أمره ؛ولهذا سُئلت الجدة(شمسة) عنه، وسُئل الأقران الذين يسكنون حول(عش اللقلق)، وتعددت مناحي القول في حقيقته لا سيّما أقوال الزبائن الباحثين عن سرّه، والمجتمعين في مقهى الساعة في العام 1975... فقد تأجج الحوار يوما حين  اختلفوا  فيما بينهم بعد أن تناهى إلى سمعهم، وبصرهم أن رجلا متّهما أراد أن يدفع التهمة عن نفسه فأقسم أنه بريء، وهو يتملى من شبّاك المحكمة المقامَ الأخضرَ الذي قيل إنه مقام الرجل المشكل.

          لقد كان (الرجل) مشكلة في حياته، وها هو يصير إشكاليّة كبرى بعد وفاته، فقد تقضى زمنٌ، وجاءت أجيالٌ جديدة شهدت اندحار الصورة القديمة للحياة، وتراجعها لكنّ صورة الرجل ظلت تلحُّ على عارفيه فهم بين مُؤوّل لحقيقة أمره، ومُأسطر لها... قال قائل منهم: إنه تزوج امرأة لم يرها أحد، وقال آخر: إنه من أصل تركي و... و... وتعددت سبل القول فيه لتتعدد الرؤى، والتأويلات حتى قال أحدهم: إنه لم يكن صاحب القبة الخضراء مما استدعى الساردَ ،وثلاثةً من زملائه أن يعودوا إلى الأمكنة القديمة التي عاش فيها ليقودوا من هناك حملة للبحث عن آثاره متبعين خرائط كانت مختلفة،غير أنهم لم يحصلوا على شيء فارتدوا ثانية إلى الحكايات يفسرونها، ثم يُؤوّلون دلالاتها مقتنعين أن حكاية الرجل هي بالضرورة حكايتُهم، ولهذا أقنعوا أنفسهم بضرورة البحث عنه خارج ضروارات التعالق المنطقي، أي داخل نواة الحكاية التي سوّغت القول في حقيقة أن القبر الأخضر هو قبره مستعينين بسلسلة المرويات التي تؤكد ذلك، وقد لا تؤكده، حتى قال راو منهم :إن القبر الأخضر قبرُ امرأة ماتت على أثر عضة حيوان مفترس، كذلك الجدة (شمسة) التي بلغت من العمر عِتيّا كانت تروي أخبار الرجل بطرائق مختلفة؛ ولهذا صار تاريخه مضربا للزعم، والتأويل،والاختلاف، و التهيؤات العجيبة، والتهم الجاهزة من خلال التداخل الحكائي الذي يجري على ألسن الناس، فأيُّ رجل هذا، وأيُّ تاريخ سيروي حكايته؟.

          بعد إزالة مقهى الساعة، وانتشار المجموعة الباحثة عن حقيقة الرجل في مقاه بديلة ظل البحث مستمرا على الرغم من شيخوخة(الحكايات) التي ظلت تلاحق حقيقته الغائبة، ومضي الزمن الذي أطال الاسترخاء حول أمشاج الحكايات المتخذة من (رماد الأقاويل) أقاويل للعارفين، وغيرهم وهي تغذ الخطى نحو معرفة حقيقة الرجل الذي أخذ يظهر في كؤوس الماء، والمرايا، وزجاجات الخل الفارغة حتى ظهرت امرأة في (العقد التسعيني) من القرن المنصرم تسال عن(عش اللقلق)، و(بئر دورية)، و(حمار الشيقة)، و(تل السكن)، و(الشريعة)، و(مصاطب شيشين الصخرية)، وهي أمكنة (حقيقيّة)، نقل الزمن تضاريسَها إلى ذاكرة المؤلف ليجعل منها أطرا واقعيّة تضفي على تفوهات السارد متعا سعيدة،ذلك الذي تراءت صورة الرجل في ذاكرته مرة تسوح في الأقاويل،ومرات في ضباب شتائي، لكنه على الرغم من علمه، ورغبته في مسك سره لم يستطع ذلك، فبعد تقادم الزمن وجد الجلسة في المقهى الجديدة لا تتسع إلا لعكازات أصحابها، وهي تتخافت تحت أرائك المقهى النخرة في إشارة كنائية إلى مقدار الخراب الذي أصاب (المدينة) جرّاء السؤال عن حقيقة الرجل، واشكاليته، لينهي القصة برؤية تسدل الستار على سيرة (رجل) قدّمها المؤلف مشبعة بروح التأطير الأسطوري الذي يحيل على ممارسات منفلتة من صيغ التحديد؛ دافعا المتلقي إلى قراءة الواقعة ممزوجة بتوازياتها النصيّة حاملة المعنى المضمّن للكثير من الاحتمالات التي تلتقي وسياسة استنطاق القصة بروافدها المفسِرة، والمؤوِّلة لحركة ترميز الشخصيّة، واطلاق مساراتها ، لا سيّما تلك التي تتلون بروح الغرابة، وإطلاق التنميط.

إن بينة الموضوع(إشكالية) الرجل لا يمكن النظر إلى دلالاتها السردية إلا من خلال فكرة استقلال الحدث منظورا إليه من مجرى السرد الذي يتمركز فيه لسان السارد وهو(يخبر) أو(يسرد أخبارا)تتعلق بالشخصية الإشكالية لكي يترك للمتلقين حرية تحليل الشخصية، وتأويلها،بالإحالة على اللغة التي تشكل بمجموعها علاقات نصيّة تطفو مرة على السطح لتغيب ثانية في العمق من خلال مجموعة من الظواهر التي يمكن رصدها في المتن لعَلّ من أهمها: بروز خاصيّة الانزياح ،ففي(رماد الأقاويل) تنزاح اللغة باتجاه سرديّة شعريّة مسارها عتبة العنوان أولا فقد استعار للأقاويل رمادا حيّزه التخيّل، والتخييل في أشارة كنائيّة تعتمد الكشف عن مخبوء عدم، لا وجود له إلا في (تفوهات) زمرة مقهى الساعة...والشعرية في القصة لم تكن نصّاً موازيا لنص القصة السردي، إنما كانت تداخلا شكليّا في صلب المتن، وليس في هذا غرابة إذا ما علمنا أنّ(المؤلف) جاء إلى (السرد) من بوابة (الشعر)، فالشعر يهيمن على  النص من عتبة العنوان ليتسلل إلى الاستهلال المنفتح على خصيصة أسلوبية هي(الالتفات) الذي تتبادل فيه الضمائر حرية التغيير أي(العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأوّل) فالمؤلف في الاستهلال قال((قبل أن يظهر لنا في كؤوس الماء والمرايا، وزجاجات الخل الفارغة، كان قد ظهر لنا في شطحات التأمل، وطعنات اليأس، يأس كهول، خارجين لِتَوِّهم من حفلات هراش ديكة، ونطاح تيوس)) متحدثا بضمير المتكلمين (نا)، لكنه سرعان ما غاير في استعمال الضمير بقوله(لتوهم) ليعدل إلى(هم) الغيبة في تركيبة انسيابيّة همُّها انتهاك لغة السرد في الخطاب لتعدل به نحو الغيبة، وصولا إلى المغايرة التي تجافي الأسلوب الواحد،لا سيّما والصورة تتجه صوب تمركزها الفاضح لطبيعة حفلات الهراش ،والنطاح ،ناهيك عن انزياحات أخرى تريد التعبير باللغة الانفعالية المنهكة للنسق الاعتيادي في السرد المحض، فحرائق الطفولة، وهباء الاكتشاف، ومحطة الشكوك في القلوب،و أسدية الأحلام،وهمسات القلوب،ورقصات الشيخوخة في الزمن، تعبيرات تتجاوز راهنيّة المعاني الأول إلى معان ثوان تحفر في النسق الشعري المفضي إلى الكشف عن البنى الأعمق المُؤوّلة للمعنى المعجمي المعروف.

          يقول السارد((وانطلقنا في السنين ننسج بصبر عنكبوت أسدية الاحتمالات الكثيرة(صقالاتِ أحلامنا))) ص15 وفيه يتراءى النسق السردي مشبعا بروح الشعر،واللغة المنفعلة العابرة لخيوط المعنى الاعتيادي إلى لغة أخرى مخيّلة تحتضن الإيقاع النفسي لزمرة المقهى التي لا همّ لها سوى التقول في حقيقة الرجل المشكل، والبحث عن أخباره.

          وتبرز الصورة السرديّة في (رماد الأقاويل) بوصفها نمطا شعريا محوّلا المعاني الاعتيادية إلى انساق موحية بدلالات صادمة تحيل على بنية هدم، وتخريب((والجلسة في مقهى الساعة لم تزل مستمرة سمعنا هزيم العجلات، فتداعينا وجلين، وجعلنا نتساقى جروعات العزاء، لكن الخراب صار يستدعي أشباحا غريبة طفقت تخطف في غيمة الغبار المنعقدة حول خرائبنا فهجسنا اندحار الصورة وتراجعِها)) ص15، فالصورة هنا تتموضع تحت عدسة آليات التأويل المتشكل من: الفهم، والتفسير، والاستنباط لتعطي إشارات تساعد على فك لغة النص بالإحالة على ما هو حاضر مستدعى من الذاكرة الجمعية لأحداث مرّت متسارعة الخطى في حياة جلاس المقهى ، فهزيم العجلات استدعى الوجل، وجرعات العزاء،والخراب استدعت أشباحا، والصورة بعامّة تشي بسيادة الموت، وحصول كارثة في حياة جلاس المقهى: (جلاس الحياة)، في أدق دلالة.

          وهذا ما تحمله صورة أخرى في نص القصة((من الذي يمنع من نفاذ هذه الصرخة إلى محطة الشكوك في قلوبنا إذا ما عمدنا إلى تصغير لوحة الأحداث المنتشرة في متون ثلاثة عقود وضغطها بطريقة تتلاشى معها النقاط الواهنة وتبهت الخطوط وتنمحي شواخص الخلفيات المتناهية البعد في أعماق المنظور)) ص17 التي يمكن تأويلها من خلال كشف الدلالة القابعة في حقيقة الزمن الماثل في حقب مرّت في حياة السارد، وحان وقت الاحتكام إلى دلالاتها المشبعة بروح ما هو غرائبي مستل من إيقاع الحياة، وكذا منطوق الصورة الرامزة في((جدتنا شمسة هي التي أصبحت في التسعين من العمر روت الخبر بعشرات الصيغ، البعض منها لا يشبه سواه، ولا يدري أيُّ جيل هو الذي عُدَّ مسؤولا عن أسرار الحلول، والدمج، والانتقاء لأننا في أواخر السبعينيات كنا نحتفظ بلوحات ملونة كاملة نعلقها في واجهات أيامنا تنبض بملامح قديس يبدو وكأن حكايته غادرت مرحلة الشكوك)) ص18، فهي تطلق رسائل بحجم الألم، والفلسفة، والكنايات الرامزة التي مجالها استنطاق الماضي، ونقد الحاضر، وتفكيك سلطة التأويل نفسه ،فالجدة(شمسة) سردت الحكايات برؤى مختلفة، كلُّ رؤية أخذت مسارا دلاليّا مغايرا للأخرى، وكلّما تعددت الرؤى الزاعمة القبض على جمر الحكاية تعددت السياقات الحاملة لجوهر إشكالية الرجل، وتضاعفت البنى المنهارة في حياة أكثر من جيل لا يدري ما حلّ به، وبالآخرين لينهض السؤال الصعب: من المسؤول؟.  

          إن الماضي في (رماد الأقاويل) على الرغم من بساطته، وتواضع تشكّلاته النفسيّة المفضية إلى سعادة مبرّأة من كل همّ إلا أنه صار مشكلة عند مجموعة الأصدقاء التي كانت تبحث في سر الرجل الغريب، اختلفت التفوهات  السردية في طريقة ظهوره، وتأوّلت في طرائق معرفته:((كان يظهر عاريا على شاطئ حصويّ تحف به أجمات الغرب الصغيرة)) ص13، ((رايته على شاطئ النهر وأنا صغير ثم أخذت اعتقد أيضا بأنني كنت أراه في أيام الشتاء القاسية البرد يتسلل إلى مكانه المعتاد خلف خرائب القلعة يحمل صفيحة مملوءة ماء ويقف - نحيلا عاريا - في مواجهة النهر والشروق، ثم يقوم بسكب الماء على جسده)) ص14، ((يسوح في الأقاويل ومرات كثيرة ينتصب فردا أمام عيني غلام مرتقتين بضباب غبش شتائي يخرج عاريا من خلف خرائب القلعة فوق عش اللقلق يحمل صفيحة مملوءة ماء ويولي وجهه شطر أفق يقف على رؤوس أصابعه منتظرا خيوط الشروق الأولى...)) ص22,فالرجل بحكايته الملغَّزة يدفع بالمتلقي إلى تأويل الحكايات كلّها في محاولة للوصول إلى المعاني الثواني التي تربك القراءة السطحيّة لتدفع بها إلى قراءات متعددة تبحث في طبيعة ما هو مروي فإذا به رماد لأقاويل تنتظر الحسم في جلسات تتسع لسنوات قادمة يعقدها رواة جدد.

     نص القصة يحتمل أكثر من تأويل، وكلُّ تأويل يرتبط بثقافة قارئه، ومقاصد المؤلف، ولعل هذه (المقاربة) لا تزعم لنفسها امتلاك الحقيقة في الوصول إلى ما تريد، ولكنها (تزعم)أن العلاقات النصيّة:الجماليّة في القصة تؤدي إلى تبيّن مقاصد المؤلف ،وتحليل تصوراته على الرغم من تعمده إيهام المتلقي،و إبعاد مقترباته من منطقة التأويل الدلالي للنص.

       في القراءة الدقيقة لنص القصة تواجه المتلقي مجموعة من الحكايات الملغزة،و الدلالات المغلقة، وبالإحالة على مقولات (بول ريكور)الخاصة بتفسير الرموز، وتأويلها تواجه المُؤوّل بنية الرموز بوصفها نوافذ يطل من خلالها على المعنى: أي معنى المعنى ،والرمز لا يمكن إلا أن يكون وسيطا شفافا يكشف عمّا وراءه من رؤى، و أفكار، وهو بمحموله اللغوي يتيح(اللعب) على أوجه التأويلات، و استنباط المدلولات، ويقربها من ذهن المتلقي بما تمتلك من معان صنَّفها النقاد الأوائل إلى أولي معجمي، وآخر ثانوي مجازي تنبثق منه فكرة معنى المعنى.

          إن ظهور(الرجل) في وضعه الإنساني بحسب تقديم النص كشفٌ للمعنى الأولي الذي لا يثير إشكالا، لكنه يوصل الخيط الدلالي إلى منطقة الكشف عن المعنى الثاني :الباطن:بوساطة فتح غائبيّة المعنى المتحول المغلف باللغة السردية التي تنعم في تقديم صورة الرجل بإطارها الطباقي الخارق للمألوف: التعري أمام الناس، والسباحة شتاء بسكب الماء على الجسد وقوفا، فالدلالة الأولى هنا تستمد وجودها من الصياغة(الخبرية) التي شملت النص بتقديم اعتيادي يحيل على تلق واضح فحسب،  لكن الدلالة الثانية تحيل على تلق آخر يسهم في تقديم المعنى ممزوجا باحتمالية دلالية ،فالرجل فيه: غريب الأطوار، أو ممسوس، أو غرائبي عجائبي، أو قصدي تخييلي مقطوع من تجربة متعالية تتجه نحو اسطرة الواقع.

 في هذا التوصيف تكمن أهمية تأويل (الخبر)، وتوكيده ليحصل المُؤوّل على لب السارد بالكشف عمّا يقع خلف الحكاية، وهي إذ تنفتح على تأويل صورة الرجل توسّع المجال كثيرا للقول في نمط الشخصيّة التي تتسع للظن، والشك، والاعتقاد... أكان الرجل في القصة كائنا واقعيا؟ أم صورةً متخيلة، أم ماذا؟.

          لاشك أن المؤلف في صياغته اللغوية لم يكن بالبعيد عن تصوراته العيانيّة وهو يعيش حياة غير منقطعة عن وهج السرد، وفتنته، ولهذا، ولأسباب أخرى كان تقديمه لصورة الرجل مرهونا بتأويلها الذي يتّسع لكثير  من القراءات، وما هذه (القراءة) إلا واحدة حاولت الكشف عمّا يغلف حياة الرجل من غموض دلالي مشفّر. 

(رماد الأقاويل) قصّةُ (الشخصيّة) التي تسعى إلى تحديد وحدة سردية ذات مضمون معين ينفتح على شكل الشخصيّة القصصيّة ليبني لها نسقا دلاليّا مرهونا بتجربة ما، وهي هنا تقوم على وصف شخصية الرجل الإشكالي، ومتابعة تأثيرها على مجموعة من المشاركين في بناء السرد والمتلقين لنص القصة، في القصة نفسها، فضلا عن متلقي القراءة الاعتيادية، وهي تكتسب خطورتها من طبيعة الشخصيّة الإشكاليّة التي تعددت مناحي القول فيها، فالشخصيّة الإشكاليّة تنتج أسئلة بحجم بنيتها المنتجة لها؛ ولهذا يندر أن تجد لها إجابات جاهزة، أو مقنعة لمن لم يدرك طبيعة التأويل وطرائق الاتصال به.

شخصية الرجل في القصة تُقدم بإطار أسطوري،والأسطورة عند (المؤلف) صياغة عمادها الإحساس بضرورة التعبير عن مشكلات الحياة برؤى مستعارة تبرز فيها خصائص الإبداع المنفتح على قراءة الحياة، والدفع باتجاه مسك التمظهرات النصيّة التي تنهض بملامح إستثنائية، ففي(رماد الأقاويل) يحضر الرجل في شطحات التأمل، وطعنات اليأس، وفي كؤوس الماء، والمرايا ،وزجاجات الخل الفارغة، هذا التمظهر المؤسطر في القصة يساوي في الدلالة السردية المنتجة غرائبية الانطلاق في السنين، والنسج بصبر  عنكبوت على اسدية الاحتمالات الكثيرة المفضية إلى تجريب تصغير لوحة أحداث ثلاثة عقود في أعماق المنظور الزمني الذي انتزعه (المؤلف) من تاريخ حياة معلن ليصل إلى تحديد طبيعة فاعلية التصوير الأسطوري بوصفه النسق الأخير لحكاية أراد المؤلف إشهارَها ، وبثَّها، وجعلها عرضة للقراءة، والتأويل فهي في المدلول السردي  أضحت أسطورة الجميع ، وليس من الصواب سردها بوصفها حكاية الرجل المشكل. .

وإذا كانت الأسطورة في معناها القديم تحيل على وقائع، وإشكالات قديمة فان الأسطورة الحديثة  عادة ما يخلقها المؤلف لترتبط بدلالات معاصرة، أو دلالات قديمة تمكّن المؤلف من إعادة بثها، وإضفاء علامات التحديث على بنيتها،    فالمؤلف الحديث يصوغ الأسطورة بوصفها النتاج الصحيح للفاعلية التخيليّة، بمعنى أنها النقيض الحاد للوقائع المؤطرة بالحقائق، وسلاسل النسخ، والتكرار المتداول، من هنا تأتي أهمية تأويل القصة المؤسطرة، وتحليلها حيث تنفتح الذاكرة المتلقية على المتخيل الأسطوري فتستقبله فضاء مشبعا بالدلالات الرامزة، والمغايرات الأسلوبية.

وبعد: فان(الرجل الإشكاليّ) في القصة ينزع باتجاه حياة أسطورية تمتح من رائحة الحاضر، وهو إذ يقتحم متن القصة الحديثة إنما ليعطي انطباعا جوهره حضور الرؤى الأسطوريّة الخاصّة بالمؤلف الحديث، ولعل هذا الحضور في قصة(رماد الأقاويل)، وغيرها من قصص المبدع (فرج ياسين) يؤكد حقيقة الهيمنة النصيّة للتفكير الأسطوري في مخياله الذي اتخذ حيّزا واضحا في ثقافته ، فبعد سلسلة غير قليلة من القصص القصيرة التي ينبض فيها المدلول الأسطوري، والشكل الروائي أكّد إبداعه بمتنين أكاديميين، الأول رسالة الماجستير، وعنوانها (توظيف الأسطورة في القصة القصيرة العراقية) والأخير أطروحة الدكتوراه التي عنوانها(أنماط الشخصية المؤسطرة في القصة العراقية القصيرة)، وهما ينزعان نزوعا أسطوريا ليؤكدا وقوع(فرج ياسين) في دائرة الأسطورة شكلا، ومضمونا.  

 

 

فرج ياسين


التعليقات

الاسم: د. فاضل عبود التميمي
التاريخ: 21/05/2009 19:02:08


واناأحييك ايتهاالقارئة الذكية(خلود المطلبي)المبدع فرج ياسين يحتاج الى قراءات متعددة وما هذه القراءة سوى اعتراف متجدد بنبل هذا الكاتب الانسان .
د.فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى

الاسم: د. فاضل عبود التميمي
التاريخ: 21/05/2009 19:00:43


واناأحييك ايتهاالقارئة الذكية(خلود المطلبي)المبدع فرج ياسين يحتاج الى قراءات متعددة وما هذه القراءة سوى اعتراف متجدد بنبل هذا الكاتب الانسان .
د.فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى

الاسم: د. فاضل عبود التميمي
التاريخ: 21/05/2009 18:59:43
واناأحييك ايتهاالقارئة الذكية(خلود المطلبي)المبدع فرج ياسين يحتاج الى قراءات متعددة وما هذه القراءة سوى اعتراف متجدد بنبل هذا الكاتب الانسان .
د.فاضل عبود التميمي
جامعة ديالى

الاسم: خلود المطلبي
التاريخ: 12/05/2009 15:37:30
قراءة رائعة وذكية في قصة رماد الاقاويل وتحليل جميل لاسلوب القاص الكبير الدكتور فرج ياسين ولربما نجد بان اكثر ما يثير القاريء في قصص المبدع فرج ياسين هو حث القاريء على التفكير وتحريك مكامن الذكاءلديه لتحليل القصة والعيش معها والاندماج بها كليا لذا تاتي متعة القاريء من ان قصص المبدع فرج تتحداه وتعطيه مساحة كبيرة من التفكير والتأويل والاندماج وذلك هو قمة الابداع

تحية وشكر للسيد فاضل عبود التميمي
وتحية محبة واعتزاز للدكتور العزيز فرج ياسين


خلود المطلبي




5000