..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بين الشعر والعلم: نظرة تاريخية (القسم الثاني)

على الرغم أن النظرة الإليزابيثية للعالم، متمثلة بشكسبير كما أسلفنا في القسم الأول من هذه الدراسة، بقيت نظرة قروسطية أو ما قبل-علمية في جوهرها،  إلا أن تنامي مذهب الشك والمذهب الطبيعي في عصر النهضة كان قد بدأت ملامح تأثيره على الخيال الشعري تظهر بوقت مبكر يعود إلى القرن السادس عشر. أن بعض الأفكار التي ورثها الإليزابيثيون عن الكون والإنسان والتي استندت إليها معتقداتهم الدينية والفلسفية،  بدأت تهتز تحت تأثير التساؤلات التي راح يثيرها هذان المذاهبان، وقد استجاب شعراء العصر بطريقة أو بأخرى إلى هذه التساؤلات المبكرة.

تنبأ فرانسس بيكون ( 1561 - 1626 ) بالتغيير الذي سيحصل في العلاقة بين العقل والخيال، معتقدا بان التطور الحاصل في البحث العلمي سيكون له أثره في مجالات الأسطورة والخيال والمعتقد. كما تنبأ بمستقبل واعد للبشرية في ظل ما يقدمه العلم لها من إمكانيات للسيطرة على الطبيعة. وكان لهذه الرؤيا البيكونية الأثر الملحوظ في تحريك خيال بعض الشعراء الإليزابيثيين مثل كريستوفر مارلو. ففي الفصل الأول من مسرحيته ((الدكتور فاوست)) يحلم البطل في ما يمكن له من تحقيقه إذا ما - كما يعبر صديقه كورنيليوس - "تضلع بعلم الفلك/ وتبحر باللغات وتمعن بالمعادن" ( المشهد الأول ، البيتان 6 -137 )[1]. ألا أن مارلو مات قبل أن يدرك العلم الجديد فلم يتمكن من الاستجابة إلى مدلولاته ومضامينه في ما كتب من أعمال.

في القرن السابع عشر "حطم العلم الجديد دائرة الكمال" كما تقول الناقدة مارجوري هوب نيكلسون في كتابها المعنون(( تحطيم الدائرة))؛ "فعالم أرسطو وبطليموس وأوغسطين ودانتي وشكسبير قد ولى"  وبدأ عالم كوبرنيكوس وكبلر وغاليلو وهارفي وجلبرت وآخرين. تشرح نيكلسون مفهوم تحطيم الدائرة في مستهل كتابها المذكور كالآتي:

كانت كوزمولوجيا (علم كونيات) شعراء عصر النهضة ... تفسر في غالب الأحوال

بوصفها... دائرة توجد في الأجسام الدائرية الكاملة للكواكب، في الكرة الأرضــــــية

الدائرية، أو في رأس الإنسان المدور. ولم تكن تلك مجرد مقارنة، بل هي الحقيقــــة.

فالرب خلق الكون والعالم  ] أي عالمنا أو كرتنا الأرضــية [ وجسم الإنســــان، على

صورة قريبـــة من صــورته، وهي الدائرة الكاملة... فـ((دائرة الكمال)) التي اسـتقى

منها الإنسان مفاهيمه الأخلاقية والجمالية والميتافيزيقية تحطمت خلال القرن السابع

عشر. والانسجام الحاصل بين عالم الكون وعالم الأرض وعالم الإنســـــان، والذي

عـُد على مدى عصور طويلة أساسيا وملازما للإيمان، لم يعد صـــالحا لا في عالم

 ميكانيكـي جديد وكون ميكانيكي، ولا في العالم الحديث. [2]

 

يعد جون دن ( 1572- 1631 ) أول الشعراء الانكليز الذين أربك تفكيرهم العلم الجديد. فعبارة "دن والعلم" أصبحت عبارة لصيقة بالشاعر وشائعة في الدراسات عنه غالبا ما تستخدم للدلالة على ما حفلت به أشعاره من الإشارات والأفكار العديدة التي تضمنتها علوم عصره. فهو كثيرا ما يستعمل مفردات وصور يضمنها لغته الشعرية يستقيها على الأغلب من علوم مختلفة كعلم الفلك (عبارات مثل: الشمس الدائرة، الإجرام المتحدة المركز "وملائكتها الذكية"، الموســيقى الكونية والتأثيرات الســــماوية على البشر)؛ ومن الخيمياء ( دورق، أكسير، ماهية، صبغة، إلكترون، اشابة، خبث ) وكذلك من كتب الحيوان والتراث الشعبي الرمزي ( اليبروح، الأصلة، العنقاء، أحادي القرن ) فضلاً عن الصور التي يستقيها من مختلف علوم عصره مثل الصورة الشهيرة التي يشبه فيها علاقة حبيبين في اقترابهما وابتعادهما بذراعي فرجال. فنظام الكون الجديد قاد دن إلى نوع جديد من الشعر يظهر فيه بشكل جلي التحول من العالم القديم إلى العالم الجديد. كان دن أول شاعر انكليزي أدرك حقيقة انه فيما كان يكتب شعره كانت "دائرة الكمال" تتحطم. وقد عبر عن ذلك في قصيدة المعنونة (( الذكرى السنوية الأولى )):

الفلسفة الجديدة تضع كل شيء موضع الشك ،

عنصر النار أطفئ تماماً :

الشمس ضاعت، والأرض، وما من عقل لبشر

يستطيع أن يرشد صاحبه أين يبحث عنها.

و يعترف الناس صراحةً بأن هذا العالم زائل

ما داموا يبحثون في الكواكب وقبة السماء

عن عوالم عديدة جديدة . ثم يرونه

يتهاوى ثانيةً متحولاً إلى ذرات

كل شيء محطم ، لم يعد ثمة تماسك                

كل توزيع عادل وكل علاقة

السيد والتابع ، الأب والابن أصبحت أشياء منسية 

وكل إنسان يظن وحده أن عليه

أن يصبح العنقاء ، وانه حينئذ لن يكون

ثمة احد من النوع الذي ينتمي إليه إلا هو .

                                                 ( الأبيات  209 - 218)[3]

 

 

لقد قلبت مكتشفات العلم الجديد كل العلاقات الطبيعية: فالعالم القديم انتهى ويجري البحث عن عوالم جديدة في الكون: "كل شيء تحطم ولم يعد ثمة تماسك"... لقد اهتز نظام الكون الثابت و تحطمت هرمية المجتمع: "السيد والتابع ، الأب والابن أصبحت أشياء منسية"، والإنسان الفرد عليه أن يواجه مصيره وحده :

هذا هو حال العالم الآن ، والآن

فان تلك التي عليها إعادة اللحمة لكل الأجزاء

تلك التي كانت تملك لوحدها كل القوة المغنطية

لجذب الأجزاء المبعثرة وشد وثاقها  في جزء واحد

إنها، إنها ماتت، إنها ماتت.

                                             ( "الذكرى السنوية الأولى"، الأبيات  219 - 223 )

 

أن الذكر العرضي لعبارة  "القوة المغنطية" أمر يثير الدهشة كما يرى الناقد جي ايزاكس[4] وذلك لأنها  تدل على أن نظرية جلبرت في المغناطيسية كانت قد انتشرت ووصلت على الأقل إلى جون دن فاستخدام الأخير للعبارة يسبق أول ذكر لها في قاموس أكسفورد بحوالي ربع قرن . ويعلق ايزاكس على ذلك بقوله : "هنا نستطيع أن نرى قيمة الشعر بالنسبة لمؤرخ العلم ... هذا هو الشعر العلمي الحديث إلى حدٍ بعيد.  وشعراء ( عصرنا العلمي هذا ) لديهم بالتأكيد ما يبرر اتخاذهم جون دن قديسهم الشفيع" ويورد ايزاكس مثالاً آخر لاستخدام دن فكرة علمية أخرى هي جاذبية القمر وارتفاع المد مشيرا إلى أنها تسبق بما لا يقل عن خمسين عاماً إعلان نيوتن عن اكتشافه هذا وكان دن قد أخذها عن كبلر. ترد هذه الفكرة في المقطع الأخير من قصيدة (( وداع : عن البكاء )) :  

 

 يا من أكثر من القمر

لا تجذبي البحار لكي تغرقيني في فلككِ

لا تبكيني ميتاً بين ذراعيكِ بل تجملي بالصبر

لكي تعلمي البحر عما قد يفعله قبل الأوان ....

                                               ( الأبيات 19 - 22 )

لا حاجة أن ننفي بطبيعة الحال إن دن، باستخدامه مستجدات علوم عصره في شعره، يضع نفسه، أو نضعه نحن، في مصاف العلماء، إلا إن غرضنا هو تبيان أهمية الأفكار العلمية وغيرها مما يدخل في مختلف مجالات المعرفة البشرية بالنسبة للشعر بوصفه هو الآخر شكلا من أشكال المعرفة، رغم اختلافه عنها من حيث النوع. ولعل الشعراء، لفرط حساسيتهم، هم السباقون دائما للاستجابة لهذه الأفكار والمستجدات وتمثلها في شعرهم. إن طريقة توظيف دن للأفكار والإشارات العلمية ، وهي كثيرة جداً في شعره ، توضح واحدة من أكثر الطرق فاعلية في تمثل العلم في الشعر ، حتى عندما يستخدم الشاعر ، وربما بسبب ذلك، الأفكار العلمية استخداماً عرضياً أو عفوياً وغير مقصود لتحقيق أغراض فنية شعرية صرفة . سنسوق هنا مثالا أخيرا من شعر دن لغرض توضــيح هذه الفكرة. انه من قصيدة (( توديع : منعاً للبكاء ))،  وهي قصيدة مبنية على ستة تشبيهات أو صور كل منها عبارة عن مقارنة يعقدها الشاعر بين حالة أو ظاهرة طبيعية أو علمية وما شابه من جهة، وبين حالة التوديع التي ستشكل انفصالا بينه بين الحبيبة من جهة أخرى. يستقي دن أربعة منها من مجالات علمية مختلفة، فالمقارنات الثالثة والرابعة  يستقيهما من الجغرافية وعلم الفلك والخامسة من علم المعادن والسادسة من علم الهندسة الرياضية. مثالنا صورة المقارنة الآتية  التي يتضمنها المقطع الثالث من القصيدة:

الهزات الأرضية تحدث أضرارا  ورعبا

يدرك البشر أثرها ومغزاها؛

ولكن حركة الأفلاك

رغم إنها أعظم بكثير إلا إنها بريئة من ذلك.

(الأبيات 9-12)

 

ففي هذه الصورة يسعى الشاعر إلى منع محبوبته من أن تحدث جلبة البكاء لكي لا تهبط  بمستوى علاقتهما الروحية الهادئة والسامية إلى ما هو أدنى من مستوى حركة الأفلاك التي لا يشعر بها أحد مثلما يشعر بآثار الهزات وما تسببه من جلبة وضرر.

لقد احدث العلم الجديد من بين ما احدث إرباكا كبيرا في الفكر وأدى بالشاعر جون دن إلى مذهب الشك.  ولقد رأينا ردود فعله اتجاه العلم من الزاوية الفلسفية والدينية على أوضحها فيما مثلنا له من أشعار  يكشف فيها عن معرفته بنظريات كوبرنيكوس وكبلر وغاليلو وكلبرت وعن اطلاعه على أفكار ومعارف طرحها العلم الجديد في عصره، مثل المغناطيسية واكتشاف كواكب جديدة وإمكانية وجود عوالم أخرى ، انحراف سير الأرض، "علة العالم الشاملة"، انفصام العرى بين السماء والأرض، وغيرها .غير أن الشك الذي انتهى إليه دن بفعل تأثير ((الفلسفة الجديدة)) لم يكن، بعبارة الناقد أيفور ايفانز، "عدم إيمان سلبيا بل إيمان ايجابي وفاعل مفاده إن الروح على الأرض لا يمكن لها تحقيق معرفة تامة ... وعلى هذا الأساس فان دن، في الوقت الذي كان فيه على دراية بالعلم الجديد ، ألا انه ظل حتى نهاية المطاف واقفا على أرضية دينية مسيحية، أي ( شك خلاق)"،[5] وهي حالة لا يتخلى فيها الإنسان عن بحثه عن الحقيقة في الوقت الذي يقر فيه بصعوبة  بلوغ الحقيقة على الأرض في الأقل. إلا إن الشاعر لم يعش ليشهد التمزق النهائي لدائرة الكمال،  والذي كان أحد أسباب الفوضى والسوداوية التي عمت بواكير القرن السابع عشر بفعل العلم الجديد أو الفلسفة الجديدة.

كان الشاعر جون ملتون ( 1608 - 1674 ) يمتلك رؤية بيكونية عن عهد جديد من البحث والاستكشاف عن الكون والإنسان، وكان مدركاً لأهمية العلم الجديد وما حققه من فتوح وكشوف. عندما شرع ملتون بكتابة ملحمته الكبرى ((الفردوس المفقود)) في أواسط القرن السادس عشر، كان علم الفلك الذي طوره كوبرنيكوس بنظريته الجديدة قد حظي بقبول نسبي عام. إلا أن ملتون، في توظيفه أفكارا مستقاة من علم الفلك في قصيدته التي يتطلب الكثير من عوالمها ورؤاها توظيفا لتلك الأفكار، مزج بين النظامين القديم والجديد للكون، النظام البطليموسي والنظام الكوبرنيكي معا، كاشفا عن عمق معرفته بالنظامين معا وعن اطلاعه  عما تلا ذلك من تطورات على يد غاليلو، فضلا عن قدرته، وهو الأهم، على توظيف ما ارتأى توظيفه لصالح القصيدة على وفق ما يتطلبه الفن الشعري. يتضح ذلك بشكل جلي في المقطع الشهير من الكتاب الأول من ((الفردوس المفقود)) والذي يبدأ هكذا: ((إبليس مسلحاً بفيلق حاشيته )). المقطع هو :

ما أن كاد بتوقف حتى تحرك

الشيطان الأكبر نحو الشاطئ ؛ درعه الثقيل

طبعه السماوي ، ضخم وواسع ومستدير

ملقى خلفه . المحيط العريض .

معلق على كتفيه مثل القمر الذي مداره

يشاهده الفنان التو سكاني من خلال المنظار البصري

مساء من على قمة جبل فيسول

أو في فالدارنو  ليعلن عن اكتشافه أراض  وانهارا

وجبالا جديدة على كرتها المرقطة . [6]

 

 

في هذه الأبيات يشير ملتون إلى غاليلو واصفا إياه بـ((الفنان التو سكاني ))- نسبة الى مدينته توسكانيا الايطالية- ومصوراً إياه وهو ينظر إلى القمر، (( الكرة المرقطــة ))، عبر مرقابه، ((المنظار البصري ))،  من على قمة جبل فيسول في فلورنسه ((مكتشفا أراض وأنهارا وجبالا جديدة )) .كان تأثير علم الفلك الجديد كبيراً على مخيلة ملتون مما جعله يتحسس جماليات الفضاء الجديد فيستجيب لها في شعره.  

تؤكد الناقدة نكلسون  بان ملتون، (( سواء أأدرك ذلك أم لم يدركه، حطم دائرة الكمال))[7]، فقد جعل الكون البطليموسي القديم كون آدم، إلا انه لم يجعله كون خالقه دائما. وأحاطه إبليس في رحلته عبر الهيولى والعناصر القديمة إلا انه مر أيضا بشمس غاليلو وقمره متأملاً إمكانية وجود كائنات تعيش في عوالم أخرى. ومسيح ملتون هو الأخر سافر عبر الكون البطليوسي إلا أن الجرمين السماويين الذين أضاءا له عندما أمرهما بذلك كانا شمس غاليلو وقمره، وكان طريق عودته عبر درب تبانة غاليلو.   لقد زود العلم الجديد الشاعر ملتون بالإحساس بسعة الكون اللامتناهي ، إلا أن ذلك الإحساس لم يشعره بالقلق أو الخوف لأنه كان يؤمن إيمانا راسخاً بالوحدة الجوهرية بين المادة والروح وبوحدة الحقيقة ويعتقد بوجودها في عالم قدسي راح يستكشفه في ملحمته الشعرية العظيمة.
 


 

 

 

 

  1    Christopher Marlowe,The Complete Plays, ed. J. B. Steane (London: Penguin, 1969).

2    Marjorie Hope Nicolson, The Breaking of the Circle (New York: Columbia University Press, 1962), p. 122.  

3    John Donne, The Poems of John Donne, ed. by Herbert Grierson (Cambridge: Cambridge U. P., 1933). All references to Donne's poetry are to this edition.

  4 J. Isaacs, The Background of Modern Poetry (London: G. Bell and Sons Ltd., 1951), pp. 68-69.

5     Ifor Evans, Literature and Science (London: George Allen & Unwin Ltd., 1954), pp. 19-20.

 6    John Milton, Complete Poetry and Selected Prose, ed. E. H. Visiak (Glasgow: The Nonesuch Library, 1964), p. 85.

     7 Marjorie Hope Nicolson, The Breaking of the Circle, pp. 186-7.  

 

 

الدكتور عادل صالح الزبيدي


التعليقات




5000