هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المقالة الرابعة عشرة / من اجل مؤسسة سياسية اسلامية موحدة

محسن وهيب عبد

هناك مفاهيم توالى ذكرها في نظام الملة، ولكي نقيم مؤسسة سياسية فيه، لابد ان تجد تلك المفاهيم مصاديقها اولا ، ضمانا لصحة التوجهات السياسية من اصلها النظري، كي تكون مبرءة للذمة، امام الله تعالى والامة، كما ان هناك معايير لابد من وعيها والتقويم بها لقيام تلك المؤسسة واستمرارها، على اسس من نظام الملة وامامة العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، فقد نجد في تجسد المفاهيم لمصاديقها في بعض الحالات تشويش يمنع من الاداء المتكامل، وقد نحتاج الى معايير ضابطة في الاداء ذاته ليصح، فلابد اذن من البيان:

 

1- اداء المرجع وتعليق الحال على حدود الولاية من النص:

كان الكلام في المقالة التاسعة عن الولاية، وقلنا انها قوة عقلية، نلمسها في النَفَس القيادي للولي، سواء كان فقيها او غير فقيه، ونذكّر الآن بان الحديث عن حدود الولاية للفقيه وفيما يترتب عليه من تقيد او اطلاق، انما هو مجرد جدل، لانه قائم على افتراض لا وجود له، ولذا فان فيه تعطيل كبير لمهام المرجعية عن واجباتها الاساسية في حياة الناس، وهو حديث خارج معنى الولاية والامامة والمرجعية ومستغرب ان يستمر تداوله بل والاعتماد عليه، لعدة اسباب نبينها كما يلي:

ان الامامة سنة كونية، وبداهة فطرية، فالامام في امامته للامة، كالعقل في امامته للفرد، وولاية امام الامة، كولاية الفرد في ولايته على نفسه من عقله، لا تحتاج الى نص يثبتها او ينفيها او يحددها، فهي تفرض واقعها في الولي وهي تبتني ادواتها وامتداداتها لقيامها وحسن ادائها.

 فالانسان الفرد يتوجه فطريا بمقتضى ولايته على نفسه، وبمقتضى سعة عقله او محدوديته، يجد مرتبته في الناس، من احترام وتاثير، او نبذ وعدم تقدير.. وبمقتضى عقله ايضا، يترتب عليه الحساب؛ فيثاب او يعاقب دنيا واخرة، او ربما يحجر عليه عندما تذهب منه -العياذ بالله- تلك الالة التي كانت له به الولاية على نفسه وما يملك فطريا... ذلك لانه لم يكن هناك نص يواكب العقل تاريخيا ليحدد ولايته سعة وقصورا، وليس من العقل ان نطلب ذلك، وكذا ولاية المرجع في الامة، لايمكن ان نجد نصا معصوما يحدد ولايته بين الاطلاق والتقييد، لمجرد انه لبس زيا معينا او انه درس كتبا معينة، او ان فقيها مثله اشاد بعلميته، او شهد بها. فالولاية اصلا من اصل الولاية التي هي كمال الطاعة، وليس من الفقاهة التي هي مظهر مكتسب بالتحصيل.

فالامامة والمترتب عليها من الولاية اصل من اصول الدين، واصول الدين في مذهب اهل البيت ليس فيه اجتهاد ولايقبل فيه التقليد، وليس من العقل ولا من الدين، ان ينتظر احد بعد الاصل اوفي الاصل الذي يقوم به وعليه الدين، ان يجد نصا يستنبط منه حكما في الاصل ذاته؟!

ففطريا وحتى في القبائل المتخلفة اذا كان لها شيء من طبيعة البشر، نجد ان الاب من موقعه في عائلته ولي، فهو ربها وهو امام لها، ولا منازع في ولايته على عائلته، والامر كذلك في كل المجتمعات الانسانية، ومن منطلق فطري، ولذا نجد واضحا التفاوت في جود او شح الولاية بين الاباء من مقدار عقولهم .

وعميد الاسرة من موقعه في الاسرة ولي وولايته عليها فطرية. ولذا نجد واضحا التفاوت في جود او شح الولاية بين عمداء الاسر من مقدار عقولهم .

وزعيم القبيلة من موقعه في القبيلة ولي وولايته فطرية عليها. ولذا نجد واضحا التفاوت في جود او شح الولاية بين الزعماء من مقدار عقولهم .

وقائد الجيش من موقعه في جيشه ولي وولايته فطرية عليه، ويتحمل في اللحظات الحاسمة، كل مسؤوليات الولاية لاتخاذ قرارات النصر او الانسحاب، اوغيرها ، ثم ياتي التاريخ ليصف لنا كم كانت قيادته رائعه، او كم كان هزيلا ومرتبكا. ولذا يحدثنا التاريخ عن سعة التفاوت في عبقرية او خطل الولاية بين قادة الجيوش من مقدار عقولهم .

اما بالنسبة لولاية المتصدي للامامة، فلبداهة امر ولاية الامام وتلازمه ذاتيا معها، ولخفاء الولاية في معاني العقل[1]، من جانب واستغراق الفقهاء، لدأبهم في الاستقراء لحاجة الحكم للنص، من جانب اخر؛ ولتداخل الجانبين في معنى الولاية جاء الجدل فيها.

 وقد فصلنا تماما في المقالة التاسعة مفهوم الولاية، وقلنا ان الولاية التكوينية؛ فطرة في الانسان تتجسد للعيان من مقدار الكمال في عقل الانسان عموما ونَفَسَهُ القيادي خصوصا، فيكون حجمها بحجم كمال العقل القيادي عنده، ولذا فانه يتصرف بموجب سعة عقله ، فينعكس عن تلك السعة مقدار  الولاية وحدودها، فنراه متجسدا في سيرته، ولذا كانت الولاية في الانبياء والمعصومين متجلية واضحة مؤثرة؛ يستحلي حكايتها الناس، وينجذبون لصورها العقلية، ليس العلة نص اثبت لهم حدود تلك الولاية، بل لان عقولهم تباشر الوحي، او تحياه، فيرتفع عنها القصور، فتصير مؤثرة فيما دونها من مخلوقات، وتتوسع امامهم السبل ولتنكشف لهم بانوار الوحي العتمة او ما نراه سرا، فيصيبون الحق دون خطل ويمتنعون عن الخطأ ترفعا وتكرما، وهم بهذا يطالون عناصر الكمال الانساني، الذي به تكتمل ولايتهم التكوينية، وعلى هذا الضوء، ينشطون في تفعيل ادوات الولاية الكونية لله تعالى في تمام الطاعة له، ليطابقون افعالهم معها، و قد يأتي النص لوصف معاني الكمال في ولايتهم عليهم السلام، للتعريف بالفطرة الجوهر، وتعبيرا عن سلامتها، وقد ياتي النص ليصف ولايتهم ومتجسداتها، ولكن ليس النص هو الذي يثبت الولاية لاحد سواء كان معصوما او غير معصوم، او ينفيها او يبين حدودها، انما الولاية واقع يقيمه في الفطرة مقدار طاعة الانسان لربه، ولها ادوات منها جهزها وكتبها البارئ العظيم جلت قدرته، وقد يكون للظروف ان تحددها او تنميها او توسع حدودها.

كقوله تعالى: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الا ان تفعلوا الى اوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا)[2].

او كقوله تعالى:( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون)[3].

فالحديث في وجود النص او عدمه في حدود الولاية، هو حديث في متلازمة الولاية والامامة، ولن يكون إلا جدل عقيم لا يرقى الى المنهج العلمي الموصل الى الحقائق والعلل، لانه بحث في البديهي، فالامامة سنة كونية وبديهية فطرية فهي اصل في الاعتقاد والمذهب، لاتحتاج الى اجتهاد او نص يحدد سعتها، والولاية واقع  يفرضه العقل التكويني للمتصدي لها، والتصدي  للامامة يقتضيها على كل حال..فهي كاملة لكمال عقل المعصوم، ومتفاوتة، في المرجع الامام دون حال كمالها في المعصوم، فهي مفترضة من حال العقل في مدارج الكمال وقدرها بقدره، وحدودها بحدوده، قياسا  بالمعصوم باعتباره نموذجا للكمال الانساني.

وقد تاكد لنا من خلال احوال النماذج التاريخية لمراجعنا الكرام في حدود ولاياتهم عبر قرون- في المقالة السابقة- عظم التفاوت بينهم في حجم الولاية، وهذا التفاوت طبعا لا علاقة له بنص ما ولا وجه لاقترانه بنص ما، انما يحصل هذا التفاوت لواقع النَفَس القيادي عندهم، ولسعة الادوات التي استخدموها في بسط تلك الولاية.

ولذا قد يكون مبرر بروز هذا الجدل مبنيا على تفرد المراجع بالامامة، فيحدث الخلط بين امامة المعصوم وولايته، وامامة غير المعصوم وولايته، لان التفرد في الامامة هي خصوصية المعصوم وحده، ولا احد يشك في وجوب وجود الفارق، لكن لاعلاقة لهذا مطلقا في تقرير حدود ولاية الفقيه من موقعه في امامة الامة، فولايته تتحقق من خلال تكوين عقله ومقدار رقيه بالطاعة والعلم ومكارم الاخلاق، وسعة ادواته التي يستطيع ان يطورها في بسط ولايته، واستجاباته لحاجات الناس وتواصله في الاجابة على تساؤلاتهم بصدق، فان قياس الولاية كما علمنا بمقدار موهبة القيادة في عقل الولي؛ سواء اكان ربا لعائلة او زعيم قبيلة او قائد جيش، او مرجع امة، الا ان حدودها تتحدد بروحه النافذة، وبالادوات التي يستخدمها والظروف التي يستثمرها، فالادوات تتمثل بتوسيع العقل بمشاورة الاكفاء، وتوسيع اتصاله بالامة من خلال استيعابه لشرائحها، وسعة اصول استنباطاته، وتعميق الوعي والايمان في صفوف الامة والتابعين لمرجعيته.

لذا فتعليق حال الولاية على النص  توجيه غيردقيق وجدل في غير محله، ولذا فان فيه تشويش لمهام المرجعية.

 ونقول جدل في غير محله، لان الجدل طبقا لمراحل بناء الحكم العقلي الصحيح يكون في محله، فهو يشكل مرحلة علمية حتمية لبلوغ الحقيقة.

فولاية الفقيه تمتد من ذاته نحو الكمال بلا حدود، لان استجابة العبد لنظام وجوده بالطاعة لله تعالى، وفي حال من استجابة كاملة يلقى مقابلها حرية في عقله كاملة،  وعلى اساس من ذلك قد تمتد ولاية المرجع الى حدود كبيرة جدا، يؤكد هذا الحديث القدسي:(عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشيء كن فيكون(([4]).

لذا فالتذرع عن هذا الامتداد في الولاية للفقيه، بحجة عدم وجود نص يطلق للفقيه ولايته، سوف لن يغني امام الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور جل شانه.

وكذلك الذين يؤكدون اطلاقها، مستفيدين من ادعائهم وجود نص لم يدركوا البغية، ولم يصيبوا الحق، فلا يفوت ذو لب ان يرى الفرق بين ولاية الامام الخميني (قدس سره)، المتجسدة في استجاباته واجاباته للامة في ظروفها الحالكة، وبين غيره ممن يؤمن بوجود النص الذي اطلق ولايته، وليس هذا توهينا بذلك الغير ولكن هم أنفسهم يدركون ان الامام الخميني اكثر طولا في قيادته للناس، وواكبر تاثيرا في ولايته عليهم، فما علاقة النص اذا؟!

 

2- مظاهر الولاية في سيرة المعصومين عليهم السلام:

  

ان البحث في سير المعصومين عليهم السلام يرشدنا الى ان الولاية المطلقة للامام المعصوم برغم القيد الشديد المضروب عليه من قبل الطغاة، كانت تبرز في ادوات استنبطوها عليهم السلام من روح التشريع لبقاء الاسلام والحفاظ عليه من سياسات المحو والتجهيل التي مورست ضد عقيدة الاسلام وامته في العهدين العباسي والاموي، وما تلاهما والى الان، بسبب المنهج المنحرف والقراءة الخاطئة لمصادره، لابعاد اهل البيت المعصومين عليهم السلام، عن ممارسة ولايتهم على الامة.

ان الائمة المعصومين عليهم السلام بالرغم من عزلهم عن ممارسة ولايتهم بشكل مباشر من خلال اقصائهم عن  الحكم، ولاجل صون العقيدة الفطرة وحفظ الاسلام الحق، كانوا يتستخدمون ادوات لمد ولايتهم الى الامة، للحفاظ على الرسالة الاسلامية وتحصينها ضد التردي الى الهاوية، هاوية الانحراف والانزلاق عن مبادئها وقيمها. فكلما كان الانحراف يقوى ويشتد، وينذر بخطر التردي الى الهاوية، كان الائمة عليه السلام يتخذون التدابير اللازمة ضد ذلك، وكلما وقع الاسلام في المحنة والمشكلة، وعجزت الزعامات المنحرفة من علاجها بحكم عدم كفاءتها، بادر الائمة عليهم السلام الى تقديم الحل، ووقاية الامة من الاخطار التي كانت تهددها.

 كان الائمة عليهم السلام يحافظون على المقياس العقائدي والرسالي في المجتمع الاسلامي، ويحافظون على ان لا يهبط الى درجة تشكل خطراً ماحقاً، ويمكننا ان نلاحظ هذا من امتداد ولايتهم لتبني مصالح الرسالة والامة، و ايقاف الحاكم عن المزيد من الانحراف كما عبر الامام علي عليه السلام حين صعد عمر بن الخطاب المنبر، وتساءل عن ردّ الفعل لو صرف الناس عما يعرفون الى ما ينكرون، فرد عليه الامام علي عليه السلام بكل وضوح وصراحة: اذن لقوّمناك بسيوفنا.

 وتمثل في ايقاف الزعامة المنحرفة اذ اصبحت تشكل خطراً ماحقاً ولو عن طريق الاصطدام المسلح، والشهادة في سبيل كشف زيفها وسلب تخطيطها كما صنع الامام الحسين عليه السلام مع يزيد.

وامتدت ولاية المعصومين عليهم السلام رغم التضييق الى مجابهة المشاكل التي تهدد كرامة الدولة الاسلامية، وتعجز الزعامات المنحرفة عن حلها كما في المشكلة التي اشار اليها ملك الروم، الى عبد الملك بن مروان، اذ عجز عبد الملك عن الجواب، فبادر الامام السجاد عليه السلام واجاب بالشكل الذي يحفظ للدولة كرامتها وللأمة الاسلامية هيبتها.

 وامتدت ولاية الامام المعصوم الى انقاذ الدولة الاسلامية من تحدي الكافرين الذين هددوا سيادتها، كالذي واجهه هشام من الروم وعجز عن الرد عليه، فكان الامام الباقر عليه السلام في مستوى الرد على هذا التحدي فخطط للاستقلال النقدي وسك العملة.

وكانت ولايتهم بعد هذا تقض مضاجع الطغاة، خوفا من ظهور ولايتهم ظهور الحق، وكانت تبدو للطغاة في تلك المعارضة العميقة التي كان الائمة عليه السلام يواجهون بها الزعامات المنحرفة، متجلية بارادة سلمية لا تلين، وقوة نفسية صامدة لا تتزعزع، كما سجلها لنا التاريخ في سيرتهم العبقة عليهم السلام.

هذه المعارضة، والتي بدت  انها اتخذت مظهراً سلبياً بدلاً عن مظهر الاصطدام الايجابي، والمقابلة المسلحة، غير انها كانت عملاً ايجابياً عظيماً يبرهن اطلاق ولايتهم لحماية الاسلام والحفاظ على مثله وقيمه، وان يؤكدوا عملياً وباستمرار المطابقة بين الرسالة والحكم الواقع.

فبولاية اهل البيت عليهم السلام، خرج الاسلام على مستوى النظرية سليماً من الانحراف، وان تشوهت معالم التطبيق.

فمثلا؛ الامام موسى بن جعفر عليه السلام وقد هد السجن صحته، واذاب جسمه، حتى اصبح حين يسجد لربه كالثوب المطروح على وجه الأرض، فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة فيقول له: ان الخليفة يعتذر اليك، ويأمر باطلاق سراحك، على ان تزوره وتعتذر اليه وتطلب رضاه، فيشمخ الامام عليه السلام في عز الله تعالى، ويجيب بالنفي بكل صراحة، ويقول للطاغية:(ان كل يوم يمر ينهي يوم من شقائي ويقضي يوم من نعيمك)، وىستمر في تحمل مرارة الحياة وقسوتها المتناهية في ظُلَم المطامير، لا لشيء الا لكي لاتحقق للزعامة المنحرفة هدفها من ان يظن الناس انه يبارك خطها، فتعكس معالم التشويه من التطبيق المنحرف على الرسالة نفسها.

وكان امتداد ولاية الائمة عليهم السلام، في تحويل الامة العقائدية بشخصيتها الرسالية والفكرية من ناحية.. ومقاومة التيارات الفكرية التي تشكل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكونها من ناحية اخرى... فالامام المعصوم مع سعة ولايته المستوعبة لكل الامة، يكون معها قادراً على الاحساس بهذه البدايات الخطرة، وتقديراً لاهميتها ومضاعفاتها والتخطيط للقضاء عليها، وقد يمكن ان يفسر على هذا النحو، اهتمام الامام العسكري عليه السلام وهو في المدينة بمشروع كتاب يضعه الكندي وهو في العراق، حول متناقضات القرآن، اذ اتصل به عن طريق بعض المنتسبين الى مدرسته، واحبط محاولته، واقنع الكندي نفسه بانها على خطأ.

وهذا دليل على ان الائمة لم يقبعوا خلف الجدر بعيدين عن الامة، بل ان هناك ادلة لا حصر لها تقرر ان الائمة عليهم السلام برغم التشديد والتضييق عليهم كانوا يجدون ويجددون الوسائل ويستنبطون الادوات لتمديد ولايتهم  لتبلغ كل شرائح الامة.

ولابد للمرجعية ان تتاسى بهم عليهم السلام.

 

 3-آلات ولاية اهل البيت عليهم السلام لاستيعاب الامة:

في الواقع ان حياة الائمة عليهم السلام ، ذاكرة كبيرة للشواهد الايجابية في استنباط الوسائل للتواصل مع الامة، من ذلك علاقات الأئمة بالأمة والزعامة الجماهيرية الواسعة النطاق، الذي كان الامام المعصوم يتمتع بها على طول الخط، لأن ولايته لازمة الكمال في عقله وانسانيته، وليس على اساس مجرد الانتماء الى الرسول (صلى الله عليه وآله)، بل على اساس نهوضه بمهام الولاية ، بالرغم من اقصائه عن منصب الحكم.

 ولابد ان نلاحظ  من ناحية اخرى؛ ان الامم في الغالب لا تمنح الولاءات مجاناً، ولا يستطيع من كان ان يملك قيادتها وميل قلوبها من دون عطاء سخي منه، فالناس يريدون الاستجابة الكاملة لحاجاتهم، ويتوقعون من زعاماتهم الاجابة الصادقة على تساؤلاتهم، لتستفيد منه في حل مشكلاتها والحفاظ على رسالتها.

 ان الولاية الواسعة التي كانت نتيجة للاستجابات المناسبة وللاجابات الصادقة للائمة عليه السلام في الحياة الاسلامية، هي التي جعلت علي بن ابي طالب المثل الاعلى للثوار الذين رفضوا انحرافات عثمان بن عفان وحيفه لبني ابي معيط واستئثارهم بالسلطة. فالولاية؛ هي التي كانت تتمثل بمختلف العلاقات التي عاشها الائمة عليه السلام مع الامة.

ولهذا نجد الامام موسى بن جعفر عليه السلام كيف يقول لهارون الرشيد: (انت امام الاجسام وانا امام القلوب).

 و عبد اللّه بن الحسن، حين اراد ان يأخذ البيعة لابنه محمد، كيف يقول للامام الصادق عليه السلام مرتبكاً: (انك اذا اجبت لم يختلف عن ابني احد من اصحابك ولم يختلف عليه اثنان من قريش ولا من غيرهم)

 ثم لنلاحظ بعدها مدى ثقة الامة بقيادة ائمة اهل البيت عليه السلام نتيجة لما يعيشونه من اطلاق الولاية الحية في حماية الاسلام ومصالح الامة.

وهنا نذكّر بالمناسبة الشهيرة التي انشد فيها الفرزدق قصيدته في الامام السجاد عليه السلام،(هذا الذي تعرف البطحاء...) وكيف ان بريق الحكم وجلال السلطان، لم يستطيعا ان يفتحا لهشام طريقاً لاستلام الحجر، بين الجموع المحتشدة من افراد الامة في موسم الحج، بينما اتاحت هيبة الامام علي بن الحسين عليه السلام، وفتحت الطريق سماطين للامام لاستلام الحجر لمجرد احساسها بمقدم الامام ولي القلوب.

 ولاحظوا قصة الهجوم الشيعي الهائل الذي تعرض له قصر المأمون، نتيجة لاغضاب الامام الرضا عليه السلام، فلم يكن بدا من الالتجاء الى الامام لحماية المامون من غضب الامة، فقال له الامام عليه السلام: (اتق اللّه في امة محمد (صلى الله عليه وآله) وما ولي لك من هذا الامر وخصك به، انك قد ضيعت امور المسلمين، وتعرضت في ذلك الى غيرك ليحكم بغير حكم اللّه سبحانه وتعالى).

ان كل هذه النماذج والمظاهر للادوات التي تمثل امتداد ولاية الائمة المعصومين عليهم السلام على طول الخط؛ تبرهن على تحركهم باتجاه الامة لاستيعاب كل شرائحها، ولم يكونوا سلبيين، ثم نجد شعور الامة بدورهم الفعال في حماية الرسالة، الايجابية تنكشف في علاقات الائمة بالحكام، ويمكننا ان نتطرق لزاوية جديدة، لنصل الى نفس هذا النتيجة من زاوية علاقات الزعامات المنحرفة من اي واحد من أئمة اهل البيت عليه السلام على طول الخط، فان هذه العلاقات كانت تقوم على اساس الخوف الشديد من نشاط الائمة عليه السلام، ودورهم في الحياة الاسلامية، حتى يصل الخوف لدى الزعامات المنحرفة احياناً الى درجة الرعب، وكان محصول ذلك الاستمرار بتطويق امام ذلك الوقت ووضع رقابة محكمة عليه، ومحاولة فصله عن قواعده الشعبية، ثم التآمر على حياته ووفاته شهيداً، بقصد التخلص من خطره.

 فهل كان من الصدفة او لمجرد تسلية، أن تتخذ الزعامات المنحرفة كل هذه الاجراءات تجاه ائمة اهل البيت عليه السلام، بالرغم من انها تكلفها ثمناً باهظاً من سمعتها وكرامتها، أو كان ذلك نتيجة شعور الحكام المنحرفين، بخطورة اشعاع ولاية اهل البيت عليهم السلام ؟ والا فلماذا كل هذا القتل والتشريد والسجن والتبعيد، هل كان الائمة يحاولون تسلم الحكم؟

يقول الامام الشهيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه في كتابه(أهل البيت (عليهم السلام) تنوع أدوار ووحدة هدف) ص:148 :

(قد يتبادر الى الذهن هذا السؤال: وهو ان ايجابية الائمة عليه السلام، هل كانت تصل الى مستوى العمل لتسلم زمام الحكم من الزعامات المنحرفة، او تقتصر على حماية الاسلام والرسالة الاسلامية ومصالح الامة من التردي الى الهاوية وتفاقم الانحراف؟

يقول رضوان الله عليه:

(وجواب ذلك: يحتاج الى توسع في الحديث يضيق عنه المجال هنا، غير ان الفكرة الاساسية للجواب المستخلص من بعض النصوص والاحاديث المتعددة، ان الائمة عليه السلام لم يكونوا يرون الظهور بالسيف، والانتصار المسلح آنياً، كافياً لاقامة دعائم الحكم على يد الامام، ان اقامة هذا الحكم وترسيخه، لا يتوقفان في نظرهم، على مجرد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقف قبل ذلك على اعداد جيش عقائدي، يؤمن بالامام وعصمته ايماناً مطلقاً، ويعيش اهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم، ويحرس ما يحققه للأمة من مصالح، وكلكم تعرفون قصد الخراساني الذي جاء الى الامام الصادق عليه السلام، يعرض عليه تبني حركة الثوار الخراسانيين، فأجل جوابه، ثم امره بدخول النار فرفض، وجاء ابو بصير، فامره بذلك، فسارع الى الامتثال، فالتفت الامام الى ثوار خراسان وقال: لو كان بينكم اربعون مثل هذا لخرجت لهم.

وعلى هذا الاساس تسلم امير المؤمنين زمام الحكم، في وقت توفر فيه ذاك الجيش العقائدي متمثلاً في الصفوة المختارة من المهاجرين والانصار والتابعين.

عرفنا ان الدور المشترك الذي كان الائمة عليه السلام يمارسونه في الحياة الاسلامية كدور لايقاف المزيد من الانحراف، وامساك المقياس عن التردي الى الحضيض، والهبوط الى الهاوية غير ان هذا في الحقيقة، يعبر عن بعض ملامح الدور المشترك، وهناك جانب آخر في هذا الدور المشترك لم نشر اليه حتى الآن، وهو جانب رعاية الشيعة، بوصفهم الكتلة المؤمنة بالامام عليه السلام، والاشراف عليها بوصفها المجموعة المرتبطة به والتخطيط لسلوكها وحمايتها، وتنمية وعيها، واسعافها بكل الاساليب التي تساعد على صمودها في خضم المحن، وارتفاعها الى مستوى الحاجة الاصلاحية، الى جيش عقائدي وطبقة واعية، ولدينا عدد كبير من الشواهد في حياة الائمة عليه السلام على انهم كانوا يباشرون نشاطاً واسعاً في سبيل الاشراف على الكتلة المرتبطة بهم والمؤمنة بامامتهم حتى ان الاشراف كان يصل احياناً الى درجة تنظيم اساليب الحل للخلافات الشخصية بين افراد الكتلة، ورصد الاموال لها، كما يحدّث بذلك المعلى بن خنيس، عن الامام الصادق عليه السلام.

وعلى هذا الاساس، يمكننا أن نفهم عدداً من النصوص عن الائمة عليه السلام، بوصفها تعليم اساليب الجماعة التي يشرفون على سلوكها، وقد تختلف هذه الأساليب باختلاف ظروف الشيعة والملابسات التي يمرون بها)[5].

 

4- بروز القيادة المرجعية في مذهب اهل البيت عليهم السلام:

ان ملكة الاجتهاد في المتعلم على سبيل نجاة، تتحقق عندما يتمكن من حيازة الميزات والخصائص النفسية من الورع والتقوى، ويبلغ القدرات العلمية التي يتمكن بهما من تحري الحق من منابعه العاصمة في سبل استنباط الحكم الشرعي الصائب اوالقريب من الواقع.

ولذا فان عليه ان لا يتباعد في اعتماد كل المرتكزات العقلية والاصول المنطقية في سبيل هذه الغاية السامية، معتمدا على الورع وامكان الطاعة لله تعالى، وبقصد القربى اليه تعالى دون ضميمة، فهو وحده تعالى الموفق والمسدد لكل ماهو خير، والعاصم من الضلال، فالدين؛ عاصم ومعصوم ومعتصم، ولا شيء غير هذا.

لأن الدين؛ في جوهره ومعناه؛ هو كل وسيلة عاصمة من الضلال، يشرعها الله العاصم جل وعلا، ويجسدها النبي او الامام المعصوم، قولا وفعلا وتقريرا، كي يستطيع الذي يريد أن يعتصم،على سبيل النجاة والفوز برضا الله تعالى أن يقتدي بمجسدات المعصوم في واقع الإنسان والإنسانية.

ان المشاورة والتناصح هما من فصول القرآن وسنة المعصوم؛ وهما ايضا اصول منطقية ومرتكزات عقلية لبلوغ الصواب وتحري الحق والعدل، في اي قضية صغيرة كانت او كبيرة، ولذا لا يتباعد عنهما المرجع الورع باعتباره مجتهد اعلم في جوامع اصوله لتحري الدقة في الاستنباط؟

لأن غير المعصوم وان كان مجتهدا، لابد له من اليقين بانه قد تحرى كل الوسائل والاصول التي تبرء ذمته في استحصال الاحكام من مصادرها، فعلى هذا، فان تشاور العلماء المجتهدين والتناصح فيما بين المراجع واجب لتحري الدقة في احقاق الحق واقامة العدل، وفق الاصول، وعلى هذا يكون احرى للمرجع ان يحيط نفسه بعدد من المجتهدين الورعين في مكتبه للتشاور والتناصح معهم في معظم القرارات التي تخص الامة والدين، وللمرجع في سبيل التأسي والتحري للكمال وفيه، ان يتزاور مع اقرانه المراجع قدر الامكان ليتشاور معهم في شؤون الامة وازماتها، فليس لمجرد تسميّه بالامام يكون قد اكتسب صفة المعصوم الذي لا يخطأ. وليكن ذلك واحدا من ادواته لامتداد ولايته في الامة، فالعلماء هم شريحة الامة الارقى، واذا حازها فكانما حاز الراس من البدن.

وقد وجدنا في سيرة المعصومين عليهم السلام، ما يقوي من هذه الدلالة في لزوم اللاستناس بمشورة الاخر، زهدا في التفرد، وتواضعا لله تعالى ومن تواضع لله رفعه.

 فعن عن الإمام الرضا (عليه السلام) - لما ذكر عنده أبوه؛ قال عليه السلام:( كان عقله لا توازى به العقول وربما شاور الاسود من سودانه)، فقيل له: تشاور مثل هذا ؟ ! فقال: إن الله تبارك وتعالى ربما فتح على لسانه )[6] .

ان أخطاء ابليس والابالسه؛ تاتي من كلية النفس، لانها عجب وتكبر وحسد، ولذا فهي معاصي لا تغتفر، ومعصية ادم والادميين تاتي من جزئيات النفس فهي ممحية بالاستغفار.

وان رفض التناصح مع اصحاب العقل، اعتدادا بالنفس تكبرا،  والاستخفاف بالتشاور مع اقران المعرفة والعلم عجبا بالنفس، والانزواء بعدا عن مزاورة اصحاب الفضل واخوان الدين، انما ذلك من كليات اخطاء النفس...ومستحيل مع هذا ايجاد مؤسسة موحدة الاداء في نظام الملة.

ان الامام المعصوم له صلاحيات الخليفة في الارض، انطيت بطهارته، فهو يتمتع من تكوينه بالولاية المطلقة لارتفاع القصور عن عقله- كما مر معنا في معنى الولاية التكوينية- فهو الممثل لارادة الله تعالى في التشريع لبيان دينه، فانه حجة في سلوكه وكلامه وتقريره، لبيان الدين القويم والصراط المستقيم.. فاذا كانت الشورى للمعصوم خلق، فهي لغير المعصوم سنة.

ولقد فصلنا في المقالة الثالثة؛ ان العقيدة تبنى في كل نفس انسانية بثلاثة ابعاد، وانها قد تكون مجرد اثر، اوانها قد تسوعب كامل النفس وهو غايتها؛ وقد تستلب بالانواع الاربعة للاستلاب المذكورة انفا، لكن في جميع الاحوال، فأن كل عقيدة ومهما كانت، تبقى تمثل جوهر الكيان الإنساني.. ومعاني الميزات الإنسانية في كل آدمي، لأنها انعكاس لمعاني وجود عقيدته التي انطوت عليها نفسه.

وهذا بالحقيقة ما يلمسه كل ملاحظ لسلوك الناس، خصوصا  المتتبع للتاريخ الإنساني عبر الحقب التاريخية، إذ العقيدة هي من دوافع الجوهر الباطن الذي يوجه جوارح الآدمي في سلوكه الآني، وهو الذي يتوجه به عقله في أحكامه وتطلعاته وأفكاره المقيدة في الكتب المتعارف عليها، عقائداً ونظريات ومعرفة.

فهل من سبيل الى استيعاب نفوسنا للعقيدة الاسلامية بابعادها الثلاث تاسيسا لمؤسستنا المنشودة.

 

5- توصيف القيادة في الاسلام:

ولا نجد عقيدة إلا وتضع من ذاتها أسلوب ومنهاج بروز قياداتها والمواصفات العامة والخاصة لتلك القيادة، وأن الغفلة عن هذا الوضع في أية عقيدة تحيلها إلى فوضى عقيدة وليس عقيدة بالمعنى الصحيح.

وفي العقيدة الإسلامية، فإن القيادة هي خيار الله تعالى بالمباشرة أو بالإشارة للإمام نبياً كان أو رسولاً أو وصي نبي، حيث بمباشرة الرسول أو النبي للوحي الرباني يعتصم عن الظلم، اذ الظلم هو الصفة الجامعة للقبح المانع عن الإمامة باعتبارها معنى الحسن في خلق الإنسان، وذلك من أجل استحكام القيادة بالحسن الكوني، وهذا أيضاً من أجل حجيتها على الناس بالواقع الذي يبرز في كمال حسن الإمام، حيث يرتفع عن عقله القصور بالوحي، فيكون قوة خارجية مؤثرة فيما دونه من المخلوقات، وله القدرة في تنوير العتم، فينطق بالصواب الذي يصدقه التاريخ، ويحدث بالغيب الذي يصدقه الواقع، ويعرّف الحق وبه وعليه يجري العدل، وبه يستبين الانسان خيارات الافعال الحسنة فيتبعها،ومنه يتعلم مواقع السوء والضلال والبغي فيتجنبها، فهو عنوان العدل وبعكسه بعرّف الظلم .

فلاسلام يبرز القائد أما بالتعريف بصفة القائد المختار من قبل الله تعالى، أو بواصفات المرضي من قبل الله تعالى ، وهي ترتكز في صفة جامعة لكل الحسن الكوني، وهي أن الإمام المرضي هو أن لا يكون ظالماً، ويؤكد ذلك قوله تعالى:

(وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين)[7] .

والجدير بالملاحظة هنا؛ ان بديل العدل المطلوب من قبل الله تعالى في كتابه المجيد في القائد الامام؛ هو ان لا يكون ظالما، وذلك من الحكمة الخفية في القران العظيم، فالعدل اساس قيام الوجود وهو نسق الكون وبديهي من بديهات الوجود، والبديهي لايدرك ولا يعرف لان توضيح الواضحات من اصعب الصعوبات  ولذا جاء تعريفه بضده الظلم  فالعدل هو عدم الظلم،  لان تعريف الظلم ومعرفته يدرك بالفطرة ، لان الفطرة مبنية على التوازن والنسق الكوني، الذي افردنا له المقالات الرابعة والخامسة والسادسة، والاخلال بالتوزان والنسق ملحوظ ومدرك، فالظلم خروج على النسق الكوني الذي تجري به المقادير، والخروج على النسق شذوذ وتشويه لانه نشاز، تعافه الاذواق، و تقرف منه النفوس، حتى الظالم نفسه اذا تعرض لظلم يدرك ذلك بقوة.

ولان القرآن ايات وحجج محكمة على الناس؛ عرف العدل بعدم الظلم، فلانسان على سبيل المثال،لا يحس ولا يدرك مثلا قوة الضغط الجوي التي تبلغ في المتوسط ستة اطنان على جسمه، الا ان يجازف مثل الطيارين في ارتفاعات كبيرة فوق سطح الارض، او يغطس مثل الغطاسين الى اعماق سحيقة في المحيطات تحت الماء عندها، يشعر بالتغير الطاريء عليه.

وانطلاقاً من هذه الآية الشريفة؛(لا ينال عهدي الظالمين)، واعتماداً على بديهيات كونية لا يشك فيها أحد، وبديهيات عقلية لا يختلف فيها اثنان، وبالتطابق مع مواصفات الإمام بالتعاريف القرآنية؛ نستطيع ان نوجد معايير في تحديد الأجدر بالقيادة والإمامة في زمن الغيبة؛ أو تحديد من هو الأقرب لمعاني الإمامة.

 

6- معاني الظلم من البديهيات الكونية:

إن الظلم إنما يأتي عند تجاوز الآدمي للبديهيات الكونية النافذة في كل خلق، باعتبارها كترجمة لمعاني مشيئة الله تعالى التي هي محض الحسن في نظام الكون.

والواقع إن هذه البديهيات هي أساسيات الفعل التكويني للإنسان والتي تقوم بها أنماط تعلمه وعلى أساس منها تنشأ معارفه، وهي كلها تقع ضمن البديهية الكونية الكبرى وهي: (إن الحسن في هذا الكون هدف لذاته).

فإن كل ما في الكون من مخلوقات ونظم ومجاميع كلها تسعى لتكامل والكمال، ونعرّف الكامل في كل شيء انه الاحسن، فالسعي للأحسن سنة في تطور المخلوقات جميعاً. والأحسن ايضا هدف العاقل، ولا يكتمل العقل إلا عندما  يبلغ الأحسن في كل أحكامه. والسعي للأحسن في الناس سعي بديهي، فلا يحتاج الساعي إليه إلى تعليل فيما يفعل من أجله، ولذا يكون الساعي إلى القبح ظالم، والظالم هو الذي يأتي بالقبيح أنى يكون هذا القبيح في معناه.

لذلك فإذا اشتبه في معنى القبح في أي مجتمع تشوشت المعاني كلها، لأن فاعل هذا المعنى القبيح هو الظالم، قالوا عن إبراهيم الذي جعله الله تعالى إماماً ومعنى متجسداً للحسن الرباني في خلق الناس قالوا عنه إنه من الظالمين:

(قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين)[8].

لذا ومن أجل التعريف بمعنى ثابت للقبح؛ لا بد من الاستناد إلى نظام الكون والبديهيات التي تحكمه باعتبارها ترجمة لمشيئة الله تعالى، وهي محض حسن يستمد ثباته وديمومته وحسنه وكماله من معاني مشيئة المحسن سبحانه وتعالى، والتي تستطيع أن ندركها في البديهيات التي تحكم الكون.. فمن خلال هذه البديهيات يتقرر قبح الفعل أو القول من خلال تعديها والتجاوز عليها، ولا يتقرر معنى حسن في أي شيء إلا من خلال نفاذها والسير بمقتضايتها. فالظلم يتقرر بعد ذلك من خلال  القبح الذي يترتب على تعدي السنن الحسنة للبديهيات الكونية. وهذه البديهيات الكونية هي:

-أ- البديهية الأولى: هي بديهية الطاعة:

الطاعة : هي الوجه الآخر لمعنى الوجود والموجودات، فالطاعة معنى مباشر لوجود كل مخلوق في هذا الكون صغير أكان أو كبيراً، جامداً أو حياً أو عاقلاً..لماذا؟

ذلك لأن تعريف الطاعة؛ هي استجابة الموجود لنظام وجوده، ولذا فبدون الطاعة لا وجود، فإذا اكتملت طاعة الموجود لنظام وجوده اكتمل حسنه، ويستمر الحسن باستمرار الطاعة، فإذا أخفق الموجود بطاعته لنظام وجوده، كانت بداية نهايته مع كل إخفاقه، فإذا فلتت أو انقطعت استجابة الموجود لنظام وجوده، حلت نهاية ذلك الموجود.

أما بالنسبة للحيوان والنبات فهي وعلى أصنافها الكثيرة ونسخها الأكثر معاني للطاعة في وجودها لنظام الحياة وشفرتها الكامنة في التصميم البنائي لتركيب المادة.

أما بالنسبة للإنسان بمعاني إنسانيته وميزاته عقله، فهو معنى لطاعته لنظام العقل في عقل (ربط) الغرائز. ولذا فقد جعل الله تعالى حسنه كله في عقله وخياراته، وطبقاً لتلك الخيارات يحصل السوء والحسن، وحيثما يحصل منه السوء فهو ظالم.

وقد وضع الله تعالى نظاماً للعقل الكامل في دينه، يتمثل في كتب أنزلها، ورسل من البشر أوحى إليهم ليكونوا أسوات حسنة تجسد الحسن لابناء جنسهم.. او ائمة هدى انتجبهم وطهرهم بارادته يتمثل بهما خيار الله تعالى للطاعة، فهم معصومون، يجسدون شريعة الله تعالى على امتداد الدهور بلا خطأ ولا خطل، فيحسن خلق الناس باتباعهم وطاعتهم؛ فمن أطاع فقد أحسن وهو محسن، ومن عصى فقد اساء وهو ظالم.. لذا وطبقاً لهذه البديهية سمى الله تعالى (التقوى) والتي هي أرقى حالات النفس في تحري الطاعة لله معياراً للتفاضل بين الناس.. قال عز القائل:

( ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير)[9].

فالطاعة لله تعالى بشرطها وشروطها معيار يتنافس فيه المتنافسون للولاية على الخلق.

اذن التقوى والورع، واعتبار السياسة عمل عبادي، هي الصفة الاولى لكل من يتصدى للعمل في السياسة، وعلى هذا فابناء الملة كلهم سواسية وعلى مسافة واحدة من المناصب السياسية على على اساس هذه الصفة لافرق بينهم.

 

ب - البديهية الثانية (الرحمة):

الكون بما فيه هو حدث، والحدث فعل، والفعل اي فعل؛ هو ظاهر لباطن قوة انجزته، والقوى الكونية الستة المفصلة في مقالاتنا السابقة جميعها من معاني الرحمة ولو كانت اي منها من معاني التنافر والقسوة لما كان هناك كون على الاطلاق. وقد مر معنا تفاصيل هذه الحقيقة في المقالات الخامسة والسادسة والسابعة.

(إن كل حدث كوني، إنما هو معلول ومدفوع لقوى معاني الرحمة)، وغيرها يسميها القران اسماء لمعاني ما انزل الله تعالى بها من سلطان، فالرحمة علة كل حادث كوني على الإطلاق، بل علة العلل كلها في الكون.. ولذا فإن أي حادث غير معلول لقوى معاني الرحمة، هو حادث سيئ. قال تعالى:

(أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب، أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليترقوا في الأسباب)[10] [ص: 10].

قد يبدو حادث ما أنه معلول لغير الرحمة في الكون، ولكن بالتدقيق والتسلسل نجده متصل بالرحمة ومعانيها.

ولذا - كمعيار - فإن حوادثنا التي نجريها يومياً - كأفضل مخلوقات الله جميعاً - والمراجع أجدر بهذا المعنى - تكون حسنة ومقبولة ومرضية، إذا صدرت منا بدافع الرحمة أو معانيها الربانية، بمعنى آخر، إن من معايير الرضا عن مرجعية المرجع والقناعة بقيادته التي هي ضرورة لقوته ولنفوذ حكمه بالدين؛ هو مقدار تحريه للرحمة في علية ما يصدر عنه، حيث بهذا التحري يتحقق الإحسان ويبتعد عن الظلم. وذلك ما يتطلبه الشارع الأقدس في الإمام.

حيث يكتمل الجمال في علية حدوث الفعل عند كمال معاني الرحمة في دافعه، أو عليته أو سببه، وإلا فإن القبح يتحقق عند انعدام الرحمة في دوافعه مهما كانت غير عنيفة.

وعلى هذا فإن للإمام المختار من قبل الرحمن الرحيم جل وعلا، خصوصية كونية بذاته رحمة للعالمين، قال تعالى يخاطب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله):

(وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين)5.

وهناك إشارة ربانية لمعاني الرحمة في دوافع الإمام المرضي لأفعاله، تبدو متكررة كثيراً في القرآن الكريم، من معاني الرحمة في الود، والإلفة، والأبوة، والأمومة والحنان، وخفض الجناح، والليونة، واللطف، والمعاني الجاذبة الأخرى.

ولهذا قد نجد تفسيراً مقنعاً لسلوك الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، إذ كانوا مع ضياع المعاني الدقيقة لدوافع الناس عموماً في أفعالهم، يتخذون مواقع المراقبة، دون مباشرة القيادة، فاختلاط معاني الرحمة كسنة كونية مع المنافع الشخصية عند غالبية الناس يحول دون تحقق عليّة الرحمة في القوى الدافعة لأفعالهم لتقع في الحسن بمفهومه الكوني.فقد اختاروا (عليه السلام) القيادة بالاسلوب القراني؛ بالتي هي احسن، ودعوا إليها، لأنه أسلوب يصحح سلوك الإنسان ويوقعه على القوى الدافعة للفعل من أصل الرحمة.

والحسنة والاحسان: هو كل فعل معلول في قوته الدافعة له إلى معاني الرحمة الكونية مهما كان مقدار التغير الذي يحدثه في الواقع، ولذا فلاحسان والحسنات تكون في حدود مفتوحة. . ويكون الفعل سيئة بمجرد ان يكون معلولاً في قوته الدافعة له إلى القهر والقسوة، حتى ولو لم يحدث أي تغيير في الواقع. وعلى ضوء هذا التعريف، لا بد لاكتمال المميزات الإنسانية في الشخص من أن يكون كل فعل يصدر عنه مدفوعاً بقوى الرحمة بمعانيها الكونية سوءاً كان بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يطلبه المولى جل وعلا من البشر.

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)[11] [النحل:90].

ولكن معاني قوى الرحمة الكونية تخفى على الكثير من الناس، ووعيها لا يوجد إلا مع الشخصيات الربانية، كما كانت عند الخضر (عليه السلام) في قصته مع موسى (عليه السلام) مع أنه كان من أولي العزم من الأنبياء (عليه السلام)، فوعي معاني الرحمة الكونية يحتاج إلى رحمة خاصة من لدن الرحمن الرحيم.. قال تعالى وهو يصف الخضر (عليه السلام):     

(فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) 6.

ان معرفة الرحمة الكونية في سننها وأنماطها الكونية، هي معرفة تترجم إرادة الله تعالى في خلقه وأسبابها التي تتداخل لتمثل مصداقاً لتحكم تلك السنن في خلقه.

وهذه معرفة لا تتوفر لكل من كان. فهي تستعصي على الطالب منا بني البشر، بالإضافة إلى أن فهم مهام الإنسان في خلافته على الأرض هي بذاتها خافية على العموم أو مختفية في قصوراتهم العقلية. ولذا فان القران العظيم رسم لنا طريقا سهلا لتقويم الفعل الانساني على العدل عن طريق رفض الظلم. وهذا من معجز القران وتشخيصه العلمي الدقيق الذي يبتنى على معرفة الكون و الانسان تماما.

فالرحمة معيار ضابط في صحة الفعل السياسي، والرحمة صفة العامل في السياسة، ولابد للسياسي من ان يرقى لفهم ووعي معاني الرحمة الكونية والعمل بها دون العاطفة.. فاذا اختلطت العاطفة بالرحمة عنده استحالت انسانيته لانه يتصرف بالغريزة.

 

ج- البديهية الثالثة (الحق والعدل):

الحق، هو نظام الكون وتعبير عن صيغة ذلك النظام، والعدل أساس بقاء تلك الصيغة وسر دوامها.

فالحق: هو الصدق الثابت في واقع الكون والكائنات الذي ندركه في النسب بين المعاني، وبين المعاني والعلل، اوبين العلل ذاتها..

والعدل: هو الفعل الذي يلازم الحق ويبقي عليه.

وعلى هذا فالحق لازمه في الإنسان المعرفة، والعدل لازمه في الإنسان التجسيد.. أي أن الحق معرفة لا تتوفر للناس إلا بالاطلاع على الواقع الكوني ومعانيه وعلل ظواهره، والقوانين التي تربط بين حقائقه،  وملاحظة كيفية سريان أنماطه وتوحد القوى المتحكمة في توجيه الافعال وفي ترجمة أحداثه ووقائعه في مادته وحياته وعقله، وكشف تلك الوقائع في أصناف الوجود. ولهذا فالإحاطة بالحق مستحيلة.

نعم تحصل معرفة الحق بشكل أفضل عند أفراد من بني البشر من خلال رفع القصور عن عقولهم بالوحي الرباني، وهم الأنبياء (عليه السلام)، فالوحي روح من أمر الله تعالى، وأمر الله تعالى محض الحسن، والوحي نور على نور ترتفع به الظلمات وتنحسر معه القصورات العقلية.

وكذا يكون العدل بما هو إقامة الحق في واقعه وأسلوب إدامته والإبقاء عليه.. فالعدل فعل مسبوق بمعرفة الحق، الذي هو نظام الكون والذي كان بذاته معلولاً لرحمة الرحمن جل وعلا .. والضمان كما اشارت سيدتنا الزهاراء في امامة اهل البيت عليهم السلام والتاسي بهم، وقد اشرنا الى ذلك بالتفصيل في المقالة الثالثة عشرة.

فلا بد للعدل إذاً من أن يقع في أسلوبه وفي أصل فعله ضمن سنة الإحسان في الطاعة وفي قوى الرحمة الدافعة للفعل، وإلا وبدونهما فإنه حق يراد به باطل.

ولقد وصف الإمام علي (عليه السلام) الشعار الذي رفعه الخوارج بقولهم: (إن الحكم إلا لله) بأنه: (كلمة حق يراد بها باطل).

 لأن أسلوبهم خارج عن الطاعة في الخروج عن الإمام، وخال من الرحمة في نوايا الفعل ودوافعه.

ومن أمثال هذا كثير في واقعنا المعاش، ذلك لأن المعرفة بالحق لا تكفي ولا تجدي نفعاً دون الإرادة الرحيمة في تجسيده ودون الطاعة لله تعالى في تجسيده والإبقاء على ديمومته ليرى ويلمس عدلاً.

 فالعدل والحق سمة الموجودات والوجود ومدار قيامهما وتقويمهما، ونحن نتنفسهما ونعيش بهما وعليهما يستمر ووجودنا ضمن نسق كوني دائب فهما بديهيان، الا اننا نتنبه عندما يتقاطع حادث ما مع هذا النسق لانه نشاز طارئ وهو محط شعور مؤثر لكل انسان، وهو الظلم، لذا طلب الله تعالى عدم الظلم  لانه في الامكان، ولم يطلب العدل مباشرة مع انه المطوب، لانه يصعب تحريه، فقال في التشخيص جل القائل: (لاينال عهدي الظالمين).

فقاتل النفس المحترمة ظالم والمرتشي ظالم والفاسد والمفسد ظالم والخائن ظالم، وهكذا تطول القائمة من اصغر الظلم في الصغائر الى اكبره في الكبائر حتى يكون في الشرك الظلم العظيم( ان الشرك لظلم عظيم).

لذا تنحصر مهمة السياسي المتاسي بنهج نظام الملة في الاعتقاد الراسخ على منابذة الظالمين وبغض الظلم، لإن الدعوة لمنابذة الظالمين وبغض الظلم وتشخيصه ومحاربته وتحريمه مع التمسك بالدين القويم تمثل منهجاً ذكياً خصوصا في السياسة، يتحقق منه الطاعة لله تعالى وحده، وفي هذا المنهج صيغة عامة لتحري الرحمة في دوافع الفعل الإنساني في المجتمع المتطلع لقيادة سياسية تتحرى العدل.

 ومن دواع الفخر ان مراجعنا كانوا كلهم وعلى مر التاريخ مناهضين للظالمين، رافضين للظلم.

فهذا المنهج السياسي ( بغض الظلم ومنابذة الظالمين)؛والذي اسس له اهل البيت بدمائهم، منبعه القرآن الكريم؛ وهو استراتيجية الدعوة إلى الله تعالى ضمن البديهية الكبرى: (الحسن هدف لذاته في هذا الكون..) فمنذ أول نزول الوحي نزلت السورة التالية: (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين)[12].

ثم تكررت الايات في تكريس هذا المنهج:

قال تعالى:

( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[13].

والآية محكمة واضحة المعاني والدلالات على بغض الظالمين كأساس للتوحيد كعقيدة تستوعب النفوس.

وفي موضع اخر من نهج القران في كون بغض الظالمين وعداوتهم هو نهج الموحدين؛ قال تعالى على لسان ابراهيم عليه السلام:

( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ)[14] .

وفي موضع أخر يقول الله تعالى عن سيد الموحدين إبراهيم الخليل عليه السلام في جده لامه أو عمه:

(وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)[15].

هكذا اذن، عقيدة السياسي في نظام الملة ان يبغض الظلم حتى من نفسه، وينابذ الظالمين وان كان هو ذاته منهم.

الشورى السياسية ومنهج التواصي بالحق والصبر:

  

يكمن تحري الحق والعدل في العقل الجمعي للعلماء المتناصحين المتشاورين، فقد امر الله تعالى القادة خصوصا والناس عموما؛ بتحري العدل واداء الامانه التي كلفوا بها او تكلفوا لها:

(ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ان الله نعما يعظكم به ان الله كان سميعا بصيرا)[16]

 فالشورى صيغة أو منهج عقائدي يتحرى الاصول الموصلة للعدل والرحمة بمعناهما الكوني الرباني في بعض ما يصدر عن الإنسان ليبلغ الإحسان الذي يأمر به الله تعالى.

قال تعالى :( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿﴾ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ )[17].

ومنهج االتواصي بالحق والتواصي بالصبر يتجلى في التمسك بنظام الملة بتمام تفاصيله، مثلما يتمسك الإنسان بكل الأسباب والوسائل السليمة والاستمرار فيها لتحقيق أمر الله تعالى في بلوغ الإحسان، والا فان دون ذلك الخسران.

قال تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)[18] .

واهم من هذا كله خلوص النية لله تعالى الرحمن الرحيم، فالاخلاص في العمل يبقى مضطربا لا يعززه في النفس الإنسانية إلاّ الدين لله تعالى الخالص من كل ضميمه، وهو لا يبدو كاستراتيجية لميزات إنسانية راقية في مجتمع ما إلا من خلال تدين صحيح لذلك المجتمع.       

(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين)[19]

كما أن سلوك الفرد العمل الجمعي طبقاً لرؤيا نظام الملة، وإن لم يؤدي به إلى أهدافه في نشر الإحسان والسلام في زمانه ومكانه، فإنه حتماً يؤدي به إلى عدم الإتيان بالأفعال القبيحة، فلم يغضب ربه، او يقضِ مظلوماً حميداً محبوباً. ومثل ذلك ما صار إليه جميع ائمتنا (عليهم السلام) والكثير من أصحابهم (عليهم رضوان الله تعالى).

قال تعالى:

(وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)[20].

وقبل هذا قال الله تعالى:

(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)[21].

فقوله تعالى أمة من قوم موسى أي جماعة (يهدون بالحق) أي يدعون إلى الحق ويرشدون إليه بالتعليم (وبه) أي بالحق (يعدلون) أي يحكمون بالحق ويعدلون به، فهم بعد معرفة الحق يستطيعون تجسيده في واقعهم، وهذا واضح، فإن كل أمة انحرفت لا بد وأن يبقى فيها أناس معتدلون، وكذلك قوم موسى (عليه السلام) في زمانه وبعده إلى زمان الرسول المصطفى محمد (صلى الله عليه وآله).

فهذا منهج يتخذه دوماً جماعة من المؤمنين بمواصفات معرفة الحق والعدل به، يتواصون ويصبرون عليه، كما يصفهم الله تعالى وغيرهم هو الخاسر، والسياسيون اجدر بهذا المنهج لتماسهم مع حاجات الناس وتساؤلاتهم.

فالهداية بالحق أي بالمعرفة التي تبلغ الحقائق العامة، هي جزئيات الصدق في نظام الكون وواقعه، والعدل به، أي إقامته وتجسيده والإبقاء عليه وعدم تجاوزه يؤدي بالضرورة إلى العدل وتجنب الباطل.

ومن أجل الدقة في تحري الدين لله تعالى، ترتبط معاني الإمامة في القيادة والحكم بين الناس بالعدل، فالعدل لازم لمعاني الطاعة في نظام الله تعالى الحق، ولازم لمعاني الرحمة في ديمومة الحق وفي تجسيده عدلاً ملموساً. فمع العدل يتحقق حسن الطاعة وتتحقق معاني الرحمة في دوافع الفعل الذي يصدر عن الآدمي، ولهذا كان العدل أصلاً من أصول الدين في مذهب أهل البيت (عليه السلام).

 


 


 

[1] ) العقل:

يتكون الكيان الانساني؛ من المادة والحياة والروح، قال تعالى:

 (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(ص - 71- 72).

الإنسان كما نراه كائن حي يتميز عن غيره من الأحياء بالعقل، والحيوانية بارزة فيه بخصائص الأحياء الأخرى ولكن بصورة متميزة بالحسن في الشكل والمضمون، قال تعالى:

)وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ((غافر -63؛ والتغابن-3).

أما الروحانية؛ فالروح من أمر الله تعالى، وأمره محض الحسن، والحسن جامع لكل الصفات المسرة والمبهجة الجذابة، التي تبرز بوضوح في الإنسان عند كمال العقل واطمئنان النفس.

وإن ملازمة العقل لوجود الروح، هي ملازمة ذاتية، وإن التفاوت في العقل بين الناس، يأتي من التفاوت في قوة الروح ونمائها في النفس، وإن ضعف العقل يلازم ضعف الروح وكماله بكمالها، وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في كل نفس عن وجود الروح ذلك؛ لأن العقل هو ميزان النفس من مكونيها الحيواني والروحي، باعتبار أن النفس هي الكيان الموحد لاندماج الروح بالجسد الحي(الداب)، ومثلما للحيوانية في الجسد الحي قواها وحاجتها وتوجهاتها؛ كذلك للروح، حاجاتها وتوجهاتها وقواها الإرادية نحو الأحسن.

وكلّ هذه القوى تجتمع في الكيان الموحد - النفس - فيكون لميزات الحيوانية ثقل في غرائزها وطاقتها الحيوية في جهة؛ كجزء من النفس الإنسانية، مقابل كون القوى الروحية لها ثقل لحاجتها وإرادة للحسن في توجهاتها في جهة أخرى من النفس في جزئها الآخر، فتبدو النفس في كليتها؛ مجمع لقوى متعاكسة تقوم بعقلها (ربطها) في محصلة قوة واحدة مؤثرة يصدر عنها الفعل ازاء كل قضية يتعرض لها الانسان، فالعقل في الواقع هو ترجيح كفة أحد الثقلين، فتتوجه النفس به ولكن توجهها يبقى (مربوطاً) بالثقل المعاكس وعلى قدر قوته.

فالعقل: إذن ميزان النفس الذي يتم به عقل (ربط) ثقل الحيوانية بثقل الروحانية، إزاء كل حاجة أو غريزة أو إرادة في الخير والحسن.

وعلميا؛ فان العقل الذي رفع عنه القصور بقوة الوحي، عند الأنبياء، صار قوة خارجية مؤثرة فيما دونه من كائنات قاصرة، وهذا هو المعنى العلمي الذي تترتب عليه الهداية والولاية التكوينيتان للمعصوم.

       أما الإنسان فقد تميز بالقدرة على الاختيار في تميّزه بملكة العقل، فقد جعل طاعته خياراً لعقله وهي ميزة خلق ممكن أن تجعل الآدمي في أحسن تقويم مثلما ممكن أن ترده أسفل سافلين.

فالعقل خلق يميز بين الحق والباطل وبين الظلم والعدل وبين الحسن والسوء، وبذا صار الإنسان خليفة في قدرته لخيار الحق وتجسيده عدلاً، وخيار الحسن وتجسيده فعلاً.

  

[2]  ) الاحزاب - 6.

[3]  ) القصص -68.

([4]) مستدرك الوسائل: ج11 ص258 ح12928.

[5]  ) الصدر؛ محمد باقر(أهل البيت (عليهم السلام) تنوع أدوار ووحدة هدف).ص:148.

[6]  ) مكارم الأخلاق: 2 / 99 / 2283.

[7]  ) [البقرة: ]124.

[8]  )  الأنبياء- 59.

[9]  ) الحجرات - 13.

[10]  ) الأنبياء- 107

[11]  ) الكهف: 65

[12]  ) سورة الكافرون.

[13]  ) الممتحنة -4.

[14] ) الشعراء-75-77.

[15] ) التوبة - 114.

[16]  ) النساء - 58.

[17]  ) الشورى-38 - 39.

[18] ) سورة العصر.

[19]  ) سورة العنكبوت - آية 69

[20]  ) الأعراف: 181.

[21]  ) الأعراف:160.

 

 

محسن وهيب عبد


التعليقات

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-04-01 01:25:22
الاخ الكريم رشيد السراي المحترم
شكرا لملاحظتك
لاني مشغول الان باخراجه ككتاب (العقيدة السياسية في مذهب الامامية)، والى ان يتم ذلك يسهل ارساله كملف
ساحاول تلبية طلبكم عند توفر الوقت وانا الممنون

مع مودتي واحترامي

الاسم: رشيد السراي
التاريخ: 2009-03-31 20:02:34
دراسة جميلة وشيقة واكون شاكرا لو ارسلتها لي مع سابقاتها على ايميلي asarai76@yahoo.com

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-31 11:06:50

الاديبة والكاتبة والشاعرة ياسمين الطائي


شكرا لتقويمك المشفوع بالثناء

تقبلوا فائق تقديري واحترامي

الاسم: ياسمين الطائي
التاريخ: 2009-03-30 23:26:38
الاخ الفاضل محسن وهيب

دراسة قيمة تستحق تاج التميز لثرائها المعرفي

تحية لك على ابداعك المميز

ياسمين الطائي

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-29 04:25:01
الاستاذ الكريم صباح محسن كاظم
تسلمت رسالتك على الماسنجر ورددت عليها بعد ان سجلت خروجك من النت.
اخي الكريم انت دوما متفضل اسال الله تعالى ان يديم علي بركات دعائكم ايها الكريم الودود

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-28 21:43:48
الاستاذ الاديب والكاتب الرائع حمودي الكناني
سيدي دعاؤك جبر همتي جعلك الله من المتفضلين
تحياتي مع تقديري واحترامي

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 2009-03-28 18:59:30
المفكر ابا سراج كان لي دعاء لك في الحضرتين المقدستين ولكل الاصدقاء بغربتهم....

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-28 18:07:47
الاستاذ الاديب الكاتب والشاعر جبار عودة الخطاط
شكرا لجميل دعائك وتفضلك
اسال الله تعالى ان لايحرمنا من بركات دعائكم
مع فائق تقديري واحترامي

الاسم: جبار عودة الخطاط
التاريخ: 2009-03-28 17:05:51
الاستاذ الفاضل محسن وهيب عبيد
زادك الله حكمة وبارك في سطورك الزكية
كل الود

الاسم: حمودي الكناني
التاريخ: 2009-03-28 03:43:36
جميل ما قرأت هنا . أثرى الله فكرك وأطال في عمرك وسدد خطاك على طريق الخير والمعرفة .




5000