..... 
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
زكي رضا
…..
 Ø­Ø³ÙŠÙ† الفنهراوي
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 
  
............. 
بيت العراقيين في الدنمارك 
  
.................


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الأهوار ..( الإنسان يموت ، الجاموس يموت ، والقصائد أيضاً )...

نعيم عبد مهلهل

في عام 2005 كُلفتْ من قبل وزارة الموارد المائية بطباعة كتابي عن الأهوار والذي نشرته صحيفة الزمان الدولية على شكل فصول ، ليظهر بعد ذلك في طبعتين عراقية وسورية ، ثم صدر عن الوزارة ذاتها سيناريو سينمائي كتبتهُ وبعونٍ من المخرج العراقي الكبير ( قاسم حول ) عن دار نينوى في دمشق وبطبعتين عام 2007، ثم وخلال أقامتي في دمشق ، وبدعم من السيد وزير الموارد المائية أصدرتُ مجلة الأهوار والتي كانت تطبع في دمشق وتوزع في العراق ، ومع عددها الثاني كان كتابي الموسوم ( الأهوار ..جنة عدن والحياة الجديدة ) ، هو هدية العدد وقد وزع مجانا مع المجلة في مهرجان المدى الثالث في اربيل عام 2007. ثم توقفت المجلة بسبب انتقال أقامتي إلى ألمانيا وبذلك أنطفت جذوة واحد من أجمل أحلامي من أجل عالم ساحر سعيت دائما أن أبحر في لذته المدهشة منذ تعيني في الثمانينات معلماً في واحدة من قرى الأهوار وحتى الساعة. ومرت ثالثة طبعت وزارة التربية العراقية كتابي عن الأهوار وبطبعة ثالثة تحت عنوان ( الأهوار ومكان الحرف الأول ولوح الأيمان ) عام 2007. وصدر عن دار نينوى للطباعة والنشر في دمشق.

وأينما أكون تكون كتبي عن الأهوار معي ، واعداد ما أصدرتْ من المجلة كمن يرافق عشقه الجميل في أي محطة يرتحل منها واليها. وبين زمن وآخر وبفواصل قريبة كنت أستعيد أحلام تلك التضاريس والمناخات السومرية في مقالة أو نص شعري أو قصة أو حتى خاطرة لحلم سمكة تذرف دموع العطش والملح في مياه ضحلة تعجز الأقدار والدولة أن توصل أليها مياه النهر لتعيش مع عذوبة الموج ولحظة الشوق في شباك الصيادين وحقول الرز الخضراء التي كانت تحتفل بنقل دياتها الصغيرة من مكان الى آخر في احتفالات بهجية من الغناء والإنشاد والمرح..

ظلت الأهوار ومنذ آلاف السنين تمثل مكاناً مثاليا لكائناتٍ من حيوانات ونبات ، فهي مصيف لمن لا يحب الشتاء ، ومشتى لمن لا يحب الصيف ، وكانت ملاذا آمنا لمن لا يحب السلطة الحاكمة ، فمنذ غزو الإسكندر لبلاد الرافدين واستقراره في بابل وحصول منيته فيها ،اشتكى قادته من صعوبة قتال ومطاردة الثوار الذين لم يرغبوا بحكم المقدوني لبلادهم التي تعودت صناعة الإمبراطوريات والممالك منذ سلالة اور الأولى وحتى أحفاد سنحاريب ونبوخذنصر. عندما كانوا يصفون تلك المناطق المغطاة بالمياه والقصب بأنها مناطق يصعب على الخيالة الدخول أليها ، وكان المحاربون العراقيون يصطادون جنوده بالنبال من خلف اشنات القصب والزوارق كمن يصطاد الطير ، ففضل أن يقف عند حدود بابل وان لا يذهب جنوباً حيث كانت أمنيته أن يجتاح مملكة فارس من خلال أراضي ميسان وبطائح سومر.

عاشت الأهوار التي تعاني اليوم من حزن عولمة القرن الحادي والعشرين وخناجر السدود الكثيرة التي وضعتها أرادات الدول التي يمر فيها نهري دجلة والفرات وهما من يغذيان هذه المسطحات التي عاشت أزل الحضارة والأساطير منذ أحلام أونوبشتم الذي يرادف أسطورياً نوح ( ع ) في صناعة الفلك لكي يخلص المؤمنين من عذاب الرب وحكمه على أولئك الذين لم يذعنوا إلى هداية السماء ، وكذا القصة وردت في ذات المعنى في أسطورة الطوفان وهي تتحدث عن أماكن مغطاة في الماء ويعيش أهلها في بيوت عائمة مصنوعة من القصب ويتنقل أهلها بالزورق الخفيف ( الشخاتير ) التي طليت قيعانها بالقير الأسود الذي كان يجلب من مدينة اور ، وذات المادة كان يستخدمها السومريون في بناء المعابد والبيوت كما نشاهدها اليوم في بيوت مدينة اور وزقورتها الأثرية وسقوف الأقبية في مقبرة اور المقدسة التي اكتشفها العالم الأثري ليوناردو وولي في عشرينيات القرن الماضي.

وكانت أغلب المدن الحضارية الأولى هي التي تقع قرب ضفاف تلك المياه المحصورة بين مجري النهرين ، وربما كانت تلك المناطق قبل أن ينحسر فيها مد الطوفان وتأخذ شكلها التضاريسي وجيوغرافي الحالي هي امتداد للخليج العربي الحالي وهذا ما أعتقده وولي عند تنقيباته في اور ودراسة طبقات التربة كما أرتنا الألواح الأثرية والمسلات وما نقش على جدران المعابد والأختام إن مدينة اور قبل آلاف السنين كانت تقع على ضفاف الخليج العربي وكانت ميناءً كبيراً ، ليبقى من هذا المسطح المائي تلك الأماكن والتي ميزها غابات القصب والطبيعة الفريدة لحياة أهلها وهم يعتمدون في حياتهم ومعيشتهم على صيد السمك والطير والمنتجات التي يدخل القصب في صناعتها ، فيما تميزت مناطق الأهوار بأنها كانت أمكنة للوعي الإنساني الأول عندما اكتشف الإنسان أفكار صناعة الرؤية القدرية للخلق من خلال محكيات الأساطير والقداسات ،وأنها أيضا كانت مكانا أزلياً لبعض الديانات النازحة إليها مثل الديانة المندائية التي يعتقد أنها تنحدر من أصول مناطق تقع في إيران والمحاذية تماما لحدود الأهوار العراقية والتي هي اليوم مناطق الطيب في العمارة وإقليم الاحواز العربي في إيران.والبعض يعتقد أنها ديانة سورية نشأت في أعالي الفرات ومدينة حران . وربما ثمة تبشير آخر قامت فيه ديانة سماوية أخرى هي الديانة اليهودية ، ومقام العزير الذي يقع على ضفاف دجلة في ناحية العزير قرب قضاء قلعة صالح في العمارة وهو مرقد لكاهن يهودي يعتقد أنه آتى إلى بابل مع الآتين من سبي ونبوخذ نصر ليهود أورشليم وجلبهم إلى عاصمته بابل ، وانه توفي في هذا المكان في رحلة تفقدية وتبشيرية إلى أبناء طائفته في تلك المناطق. ومثله كان ذي الكفل في منطقة الكفل في الحلة وكلا المقامين يتبرك فيها أهالي المنطقة من شتى الديانات ويزاران في مواسم معلومة.

لم يشأ أحد من الطغاة أو الولاة الجائرين طوال أزمنة العيش في هذه البطائح أن يخضع أهلها لمشيئته ومُلكه ، ولهذا كانت القبائل العربية المتمردة على جبروت المستعمر منذ فارس وحتى الإنكليز وما تلاهم من أنظمة حكمت بعد الاستقلال تجعل من الأهوار ملاذا آمنا لتتجنب قسوة المحتل وظلمه ،ومن الأهوار تقود مقاومتها لذلك المستعمر.

ففي مذكرات القائد البريطاني لمنطقة المنتفك قوله عن الشيخ بدر الرميض شيخ آل بو صالح قوله : كان يهاجمنا في البر والحقول وينسحب إلى عمق الهور ، أي أن القصب والماء كان قاعدته الأمينة بعد أن حرقت مدافعنا دياره كلها ومضائفه.

ميزت صفة المقاومة هذا المكان. أصبح في نظر الآخرين مكانا للعزلة والابتعاد عن المدنية ، وبسبب هذه النظرة الخاطئة أهملت الحكومات والأنظمة هذا المكان وجعلته يؤسس لحياته نمطاً من الحياة الصعبة والخشنة ، وتكيف الإنسان في الأهوار في حياته وخضع للطبيعة القاسية وقدرها فكان معرضاً للأمراض الفتاكة والعزلة الحضارية عن المحيط ليموت في صمت يلازمهُ قناعة عجيبة وعزة نفس. ولهذا كتب ( ويلفرد ثيسكر ) صاحب كتاب المعدان وهو يصف تجربة العيش من عرب الأهوار الذين يمتلكون التسمية المثيرة للجدل والتفاسير والصفات المتعددة ( المعدان ) بأنهم كانوا يشعرون مع تأثير حبة الأسبرين التي يتناولوها لأول مرة وتزيل منهم الصداع بأنها كمن يعمل لهم سحراً من الجان ليشفيهم.

لا أعرف أسم المسؤول ( المبطر ) الذي أطلق على أهل الأهوار لقب شعب ( الدشاديش ) المعمرة ، وهو لم يكن يبغي مديحاً لأولئك الناس البسطاء بل تقليل من قيمتهم. وعليه أن يعرف عن هؤلاء هم من صنعوا قيمة المكان وخصوصيته ، ومثلت حياتهم في فطرتها البدائية جزءاً هاماً من الحياة البِكر والخصبة والنقية التي أسست لذاكرة المكان تميزه بين كل بيئات الأرض لتجد أوراق الدهشة تملأ دفاتر وكتب الرحالة والمكتشفين وهم يصفون حياة لا تصبغها الغاز وجودها القديم ، فلقد كان القصب والماء والسمك والطير والزوارق وحقول الرز تحكي حكاية واحدة منذ حلم الملك كوديا وحتى اليوم.

كلهم كانوا يكتبون عن براءة ترتدي الثوب المُعمر كما ( أستهزئ منه المسؤول القديم ) ، ولقد وجدوا في بطانة هذا الشعب قيما أصيلة وثبات وحكمة والتصاق بقدسية الموروث وأزليته ، فعندما درست المستشرقة البريطانية الليدي دراور حياة المندائين فهي لم تذهب إلى حواضر المدن حيث يسكن البعض والأقرب إلى الحضارة كما في مدن البصرة والناصرية والعمارة ، بل ذهبت لتعيش معهم حيث كان يسكن الغالبية منهم في مدن الأهوار في مدن مثل قلعة صالح والكحلاء وهناك عرفت منهم طبيعة المكان وخصوصيته الاجتماعية والروحية لتكتشف إنها قد وجدت شعبا يمتلأ بسمو الروح العزيزة وعشقه لذاكرة المكان وخصوصيته ، لهذا فهي لم تستغرب أن يتعلق المندائين في المكان كما يتعلق أهله الأصليين من الأعراب الذين عانوا في فترة من الفترات التشكيك في أصولهم وراجت منذ البعيد فكرة داخل المدن القريبة من الأهوار بالخوف والحذر من هؤلاء الناس وخاصة من يطلق عليهم لقب المعدان حتى شاع مثل يبدو ساذجا وعنصريا ومغرضا ذلك القول ( أسمع بالمعيدي خير من أن تراه ). وربما الأجانب من الرحالة وموظفي الإدارة الاستعمارية البريطانية ، وحدهم من كتب وكشف عن المعدن الأصيل لهؤلاء الناس ، وربما هم قبل غيرهم من وثق بالصورة والكتاب حياة أولئك الناس لترينا المجموعة الفوتوغرافية لكالفن يونغ ، وماكسيل صورا رائعة بالأبيض والأسود لحياة هؤلاء الناس ، وقد أضفت جميع هذه الصور ملحقا في الطبعة الأولى لكتابي عن الأهوار.وفيه يمكن أن يستشعر الرائي والناظر طبيعة الحياة ونقاء سريرة الذات التي يمتلكها أهل الأهوار وكان شيوخهم وعلية القوم عندهم من الحكمة والبصيرة وادارة الأمور بين أفراد العشيرة أو التجمع السكاني بالعدل والمساواة ، وربما رؤية الجوع والعوز تكاد أن تكون مفقودة بين أبناء ذلك الشعب الذي لم يكن يطلب من الحياة الكثير سوى سلامة جاموسته وبقاء جبيشة القصب التي يهجع عندها سالمة من غضب الريح والمياه ، ولكن بعد أن جففت الأهوار وشحت المياه وكما هي اليوم بعد معاناتها الجديدة ، بدأ شبح الجوع والعوز والحزن يظهر على محيا الوجوه السمر لأولئك الناس الطيبين الذين استبشروا مع أحلام العودة لديارهم أن حياتهم ستعاود نشاطها مرة أخرى وأن عليهم أن يمارسوا العاطفة المدهشة مع أنغام القصب ورقصات السمك وتلك المواويل التي ينث منها مطر الحزن السومري منذ أن تحرك نوح ع بسفينته صوب بر الأمان وحتى الساعة.

لا اعرف خيالاً مزعجاً في أحلامي الجغرافية غير صورة موت شعب و طبيعة واندثار حضارة وانقراض حلم أزلي ظل وعلى مدى عصور يضيف الى الأمكنة بهجة الصالة والبراءة والحس. فأن تصوري عن عودة ممكنة لعالم تعذب من شظايا الحروب و( لوريات )التهجير وحرق غابات القصب وغياب أمصال البلهارزيا ولقاح الكوليرا يعيد لي صورة بشعة من صور القتل ، أنها تعود بسيناريو جديد اسمه سيناريو العطش.

لا تمنحي صورة العطش سوى مشهد واحد يذكرني بشخصيتين رقيقتين لا يحسنا سوى الخديعة وصناعة مسن السيوف وإحراق الكتب. هولاكو وتيمورلنك ، فؤلئك الحنونين كحبل المشنقة يدركان أكثر من غيرهم إن صناعة العطش يأتي من خلال أتلاف الأنهر ولهذا أغرقا دجلة بحبر مكتبات بغداد من خلال رمي آلاف الكتب في نهر دجلة فعكف الناس عن شربه لأيام فساد العطش وتلف الزرع وشحت السواقي ونفرت الدواب عن شرب ماءها ، لأن ألم إحراق الثقافة منعها من الاقتراب الى الماء وفضلت أن تموت عطشا ولا تشرب ماء لونته أحبار كتب الجاحظ والرازي والغزالي وقصائد أبي الطيب والبحتري وتراجم طاليس وكلما سعى الى ترجمته الخليفة المأمون من معارف الفرس والسريان والروم وفلسفات الهند والصين وغيرها من حضارات تلك الأزمنة.

هذا العطش المائي عكس ومنذ تلك اللحظة التاريخية عطشاً روحياً على العراقيين سار معهم منذ دويلات المغول وممالكهم وحتى دخول الجنود المارينيز أرض العراق.

أعتقد أن العطش الروحي هو أقسى أنواع العطش ، وهاهو يضرب منطقة الأهوار بأعاصيره ، وحين يتحد عطش الماء مع عطش الروح فأن اليباب سيحل في المكان وستموت الحياة في كل أشكالها ، لهذا كان السومريون القدماء يضعون آلهة الماء في أول المراتب لإن الماء يمنح للحياة ديمومة الاستمرار ومع الهواء يشكلان ذاكرة الوجود الإنساني ، لهذا بقيت حين أتجول في روح المكان وذاكرته ابحث عن منابع تسقي حلم البشر وأنا أدون على الطين ذلك المثل القرقيزي الذي يقول :لا نعرف العطش إلا عندما تجف الينابيع . وهاهما ضرعا دجلة والفرات يقتربان من حافة الجفاف بسبب ما يعرف اليوم بمصطلح حرب المياه.

أن موت نهر في المصطلح الاستعماري يعني إحراق ألف مدينة. وعندما تموت المدن ، يلتحق فيها سوادها المنتشر حولها ، القرى والقصبات وكل عشر بيوت مجتمعة ، والأهوار تتصل بالمدن من خلال فم النهر إذن هي ربما في طبيعتها قد تموت قبل مدنها وبذلك تتعاكس مع المصطلح ، إنها تحترق قبل الجميع عندما لا يكون هناك ماء ، فالمدن قد تستطيع أن تحفر آباراً في براريها وتأكل من سمك البحر وتعوض لحم الدواب بالدجاج ، أما الأهوار فأن مات فيها السمك والطير والجواميس فما الذي يتبقى لها ..؟ حتما سيبقى القصب اليابس والأرض المالحة والصمت وانعدام الحياة التي لم تكن لتبتهج في يوم ما سوى مع الموج ورقصته الأزلية التي تداعب جنح البط وموال الصياد ونعاس قصب البردي.

يقول بوذا في واحد من تعاليمه التي وجدتها مدونة على جدران معبد بوذي في مدينة حيدر آباد الهندية : إن الروح العطشى تفقد القدرة على تذكر موجة النهر ، وهذا يعني إن العالم سيفقد سيره صوب النور.

ومثل هذا ستفقد تلك المناطق في عطشها قدرتها على السير. فالماء بالنسبة لتلك الأمكنة لايمكن الاستغناء عنه ليس للشرب فقط بل إن الفعاليات الحياتية قائمة عليه في مجملها ، لقد كان سكان الأهوار يحملون أينما كانوا ذلك المعتقد الذي يقول نحن من الماء واليه وكأنهم ينسون رؤية الديانات السماوية القائلة نحن من تراب وآدم من تراب. فالماء يمثل الحاجة الأبدية لبناء الكيان ومعه لا يشعر الإنسان سوى بالأمان والراحة وعدم التفكير بالجوع والعوز. لكن ما نراه اليوم يكاد يكون أشبه بموت بطئ لتلك الحياة البريئة التي توارثت المسرة وذاكرة العقل منذ بدايات اللوح والكلمة والحلم .فقديما كان أبناء بطائح سومر يقيمون مودتهم الحياتية مع الماء ، وكان شعار الحياة في بلاد الرافدين تلك الكف التي تحمل الإناء النذري والذي يفيض ماء دجلة والفرات من جانبيه ، في دالة على أن الماء كان يمثل الحياة في كل عناصرها ، وعليه فأن الراغب في إلغاء هذا الشكل المتميز من العالم إنما يقترف جريمة حرب وإبادة جماعية ضد موجدات الوجود الطبيعي الأول الذي رسم على الأرض بدايات التفكير بمساحة الود مع السماء ومع القصيدة ومع الوردة. سيكون المشارك في تلك الإبادة مجرماً ، وسيكون السد الكونكريتي مجرما أيضا ، وحتى تراب السداد والعاجز عن عمل شيء ، فليس قدر تلك الأمكنة أن تموت كل يوم ، مرة من ثوراتها الحالمة وبساطتها والتشكيك في جذورها وانتماءها ، ومرات من العطش ومحاولة إلغاء وجودها الأزلي ودفع أهلها للهجرة ، كما تنقل اليوم نشرات الأخبار في بدء سكان الأهوار في النزوح عن مناطق سكناهم.

أن إعادة مشاهد سيناريو التهجير سيمثل قسوة مضافة الى تواريخ أولئك الناس الطيبين الذين مورست عليهم جميع التجارب والمتغيرات بشكلها الاجتماعي والسياسي والروحي فباتوا أقل مناعة من قبل بسبب تراكم أوجاع الأزمنة ومشاعر اللاحول ولا قوة وسط ضغط أعلامي ونفسي تشارك فيه صورة العولمة الجديدة وبراءة الهاجس الديني والروحي المغلف في بساطة القناعة في خضوعهم لفكرة تصديق وعود المسؤؤل ومشاريعه التي كنا نتمناها تنهض مع الفكرة الأممية المسماة العودة الى جنة عدن.

ولكن يبدو أننا سنقع في الخديعة التاريخية ونقع في خانة العودة الى جحيم التصحر والهجرة واليباب ،فلا أحد قادر على منع دول الجوار من الهيمنة على ما تريد من الحصص المائية أو تجعل الماء ورقة ضد في مائدة السياسة كمن يقول وصل الأمر عند الجيران الأتراك القول :أعطونا جنود عبد الله اوجلان ونعطيكم ماء دجلة.

واحدة من مفارقات التأريخ أن ترتبط حياة سكان الأهوار في حياة عبد الله اوجلان حيث لا رابط تاريخي ولا اجتماعي بين الهور واوجلان ، فالرجل ثوري من أكراد تركيا يقود حركة انفصالية ضد الدولة التركية بأسم BBK تمارس نشاطها في جنوب تركيا في مطلب منه لأقامة حكما ذاتيا لأكراد تركيا ، وفي حالات تعبوية معينة تلجأ قواته للمنطقة الحدودية مع العراق لوعورتها وصعوبة قيام عمليات عسكرية ضدها من قبل الأتراك فكان الاتهام الدائم إن العراق يدعم هذه الحركة ويأويها بالرغم من أن زعيمها اوجلان معتقل لدى الأكراد منذ سنين بعد عملية خطفه من طائرة في مطار كينا من قبل الكوماندوس التركي. فقديماً مر على خاطر الكثير من أبناء الأهوار أسماء بدت غريبة على مسامعهم ولكنهم بسبب المعايشة والاختلاط والانتباه ألفوها وعرفوا رمزيتها ، وغالبا ما تكون هذه الأسماء ثورية مثل جيفارا وتروتسكي ولينين وغوركي ، وتلك الأسماء عرفت من خلال معتقد المعلمين الذين يتم تعينهم أو نفيهم الى مدارس الأهوار النائية واغلبهم من الشيوعيين. لكن اوجلان يعرفوه الآن مع عولمة الدبابة والسدود ،فلقد استخدم ضدهم كورقة ضغط في حرب  ليس لهم فيها لاناقة ولا جمل ، لكن العطش تسرب إليهم وبانت ملامح الهزال وعودة أمراض الماء المالح والملوث تعود الى أبدانهم وكذلك الى جواميسهم التي ابتلت بأمراض غريبة وبدأت ضروعها تجف وتحول سعر القيمر الى خمسة أضعاف سعره بسبب غلاء الأعلاف والأمصال وظروف التربية التي احتاجت من المربي أن يشتري حتى الماء بواسطة السيارات الحوضية ليوفر لجواميسه قيلولة الماء التي تعود عليها وتحفظ جلده من التشقق بعد أن كانت تلك الحيوانات الغنية بالحليب واللحوم تعوم وتغطس وتمرح في تلك المستنقعات الزرقاء منذ خليقة البلاد وحتى بدأ عمليات التجفيف في بداية تسعينيات القرن الماضي.

ويبدو أن المكان ومنذ القدم مرتبط بمزاج السياسة وهوسها الذي لاينتهي ، ويبدو أن أحد لم ولن يفكر في حياة أولئك المجددين لوعي الحضارة الأول من خلال كون بطاحهم كانت مهبطاً للكثير من رسالات السماء ومكانا مثالياً لحلم الأقلام العاشقة في تدوين أساطيرها ، وربما الأهوار التي ترينا من خلال ما تبقى من جداريات واختام ونصوص مسمارية أنها كانت مكانا مفترضا لجنة عدن ، وأنها وعلى امتداد مسطحاتها المائية كانت مكاناً مهيباً للكثير من السلالات والممالك العظمية وأنها أول مناطق الشرق من عرفت نظم الري وسن القوانين والإبداع الحرفي وغير ذلك من المناشط الحضارية الأولى. وطالما حلم أبناء الأهوار بفك هذا الارتباط لكنهم يجبرون على أن تكون لهم إزاء هذا الإجبار الحياتي أن يتخذوا من المقاومة سبيلا للتخلص من الهيمنة السياسية ومحاولة إخضاع المكان لسلطة الفرد والحاكم . ربما لأن أهل الأهوار وبسبب جغرافية وجودهم وبيئتهم يمتلكون القناعة إن الانتماء الى الماء والبساطة والعزلة اجمل بكثير من الانتماء الى المجتمع الحضري الذي يتطلب منهم الولاء للفرد والعيش ضمن الأنماط المجتمعية الصارمة التي قد لا تُقدر حلم سكان الأهوار بمدى اعتناقهم لفكرة مطلق المكان الذي لا يحوي سوى الطير والقصب والماء والسمك والقدرية العجيبة التي يعتقدون فيها إن جمرة ( العطابة ) التي يضغط فيها على راس المريض رغم نارها المستعرة هي وحدها من تشفيهم من كل الأمراض.

الآن مليون ( عطابة ) لن تستطيع أن تشفي مرض هذه البقاع سوى عودة الماء إليها بتلك الوفرة كان فيها فيضان دجلة والفرات يغذيها في أيام ربيع العمر ويحولها الى جنة من البط والشبوط والأبوذيات وطقوس فرح تعود بهم الى تلك المواسم القديمة التي كان يرش فيها رذاذ ماء النذر على مواكب الأعراس والختان والكهنة وطقوس التعميد المندائي وتلك التي درج عليها شيعة الأهوار ومنذ مئات السنين على تذكر واقعة الطف ويومها السابع من خلال ملئ القرب المثقوبة بالماء وامرارها على الرؤوس ليتذكرون عطش الإمام العباس ع والتبرك فيه. وهكذا يرتبط مرة أخرى عطش روح المكان بعطش الثورة ونكران الذات ، فيتلامسان لتبدوا لنا المأساة بشكلها التراجيدي حتى تحس أن المكان يضج برموز التحول والمتغير والمخاض منذ زمن ثورة الحسين ع وحتى قبعة جيفارا وبندقية حمد ابن الأهوار الذي خلده الشاعر مظفر النواب في قصيدته الخالدة والمغناة بصوت المطرب ياس خضر ( الريل وحمد ).

عطش العباس وعطش الأهوار تعني في الذاكرة الجمعية للسكان صورة واحدة لمأساة ظلت تلاحق القضية الروحية لمن سكن في وجدانه الى المذهب. ولهذا تستعاد صورة العطش العاشوري مع صورة عطش تلك القرى التي اكتساها الطين والقصب ولكنها داومت على تعليق الرايات السود على بواباتها كدليل على فكرة التواصل مع تلك المظلومية القديمة التي عانى منها الحسين ــ عليه السلام ـــ واهله وتحمل بسببها العطش والقتل والسبي ، والنتيجة مدن تعطش وأمامٌ عَطشَ وكائنات حية تعطش والمحصلة صورة لتراجيديا سوداء رافقت المكان وأثارت فيه شجون وجوده منذ الحكم الأموي والى اليوم.

هذه المدن المتناثرة مثل دموع المطر على نوافذ العوز بقيت تقاوم حتى حرمانها من سبل الحياة الكريمة ، فأكثر أرياف العالم تمثل المناطق الغنية في بلدانها إلا أرياف الأهوار ومدنه فقد كان الفقر ينخر في أزمنتها مثلما تنخر دودة ( الأرضة ) الخشب وجذوع النخيل والقصب الذي يتألم من شح الماء ونضوبه ، فلم تعد تحتفي بعيد كما في بقية أنحاء أخرى من العالم ،  ويمكننا أن نضع حزن واحدة من هذه المدن العطشانة والمسماة مدينة ( الحَمارْ )  نموذجا لقراءة حزنها في اللحظة التي كان العالم يحتفل بأعياد الميلاد والسنة الجديدة .

هكذا كنت أقرا عطش تلك المدن التي كنت أعيش في فردوسها القديم وامارس هواية صناعة الحلم ، وحين حطت راحلتي في مدن النيون والأمن والهدوء وفي ليلة راس السنة تذكرت ناحية ( الحَمارْ ) وقراها المائية وحزنت لبلاد تمتلك اكبر مخزون للنفط في الأرض ولم تستطع أن توفر لمدنها حلم شجرة الميلاد ومصابيحها الملونة برغبة الأطفال والأباء في حياة هادئة وكريمة ، حياة لا يموت فيها البشر من الشظايا والعطش والرصاص الملثم وأقبية الزنازين ، فكانت قراءتي عن حلم مدينة تريد أن تتخلص من عطشها وحزنها كما يريد الطفل الأوربي هنا أن يتخلص من سعادته الطافحة بنيونات والألعاب النارية لدورة سنة جديدة:

 هنا في أوربا ، وفي خلسة من النجمة المستيقظة سينسل ( سانت كروز ) أو الأب ( نيكلاوس ) أو كما يسميه أبناء الأهوار العراقية ( بابا نوئيل ) عبر النوافذ العلوية لغرف الأطفال ، بدلته الحمراء ولحيته البيضاء وكيسه المليء بالهدايا ، ويضعها قرب وسائد النوم وهو يتمنى لهم ميلاداً مجيداً ليوم ولد فيه السيد المسيح ع ، فقط لينثر بذرة الخير على الأرض وتنمو وردة السلام ..

من بيت لحم في فلسطين إلى وسادة مريم أصغر بناتي ( 5 ) أعوام يمضي هذا الشيخ الطيب في طرق كلها ثلوج وسرف دبابات ومصائد الغام وشوارع لم تزفت بعد واحياء صفيح لجياع وقرى من القصب والطين وفيلات فارهة في منتجعات أثرياء الرحمة ليصل إلى هذه المدينة الهادئة في الريف الألماني ويسأل عن سومرية بريئة هجرها مزاج الزمن المتحاصص وغياب الشعور بالراحة وأنت ترتدي القميص الملون ليهديها قطع من حلواه الشهيرة ودبهُ القطني السمين وقبلة إنسانية ليس فيها شهوة هؤلاء الذين يختطفون الطالبات الجامعيات في بغداد ويفعلون ما يفعلون ببأس البرابرة وبراءة المغول وتشريع ما شرعه الله في نفوسهم المريضة وبالتالي يطلبون الفدية من ذويهم ، وربما إذا كانت المختطفة غير مسلمة يجبرونها على نطق الشهادة ، فيصير العرس نوراني والمختطف الطيب يصير مثل فاتح ومبشر وقديس.

تقع ناحية الحَمارّْ في منطقة هور الحَمارْ ضمن المساحة الإدارية لمحافظة ذي قار ــ جنوب العراق ( 360 كم بغداد ) ، وهو واحد من اكبر الأهوار العراقية يلتقي شمالا بمسطح مائي مع هور الحويزة في الجانب الإيراني عبر امتداد هور الجبايش ، وعاش هذا المكان تاريخاً مضطرباً منذ اقدم العصور بسبب التكوين المجتمعي المنعزل لسكان الأهوار ، ولهذا كانوا ومنذ الأزل بعيدا عن أي خدمة حضارية ومدنية ، ولكن هذه العزلة صنعت شعباً عنيداً احب حياته وطقوسها ونال القناعة الأزلية بأن ما يأتي به الله هو ما تقدره قناعة الروح ولهذا كانت تفتك بهم الأمراض ويموتون بصمت وقناعة ، وحتى شظايا المدافع منذ ( الدان ) العثماني إلى مدافع النمساوي لم ترهب فيهم لحظة الوجود ،لكن وجودهم اهتز مرة واحدة عندما صدر الأمر الرئاسي ( الموقر ) بتجفيف هور الحَمارْ ، وهو أعلان رسمي وعلني في اغتيال طبيعة والذهاب بها قسرياً إلى الانقراض حتى صار في قناعة أحدهم أن تصبح الأهوار مثل الديناصورات منقرضة ولا تعود إلى الحياة أبدا ، وصار الحنين إلى صورة سمكة الشبوط مثل ذلك الذي يحن إلى أغاني الشباب وذكريات عشق الصبا.

أهل ناحية الحَمارّْ بسبب شمول عالمهم برحمة الموبايل والصحون اللاقطة التي علت سطوح بيوت الطين والقصب في منظر لا يخلو من المفارقة أن تدخل روتانا وأغنياتها الساخنة بيوت أولئك الفقراء صاروا يشاهدون العالم كله وهم ممددون على سوابيط القصب ، ولا يهمهم لسع البعوض ووخمت ( الشرجي ) الرطب عندما يحتدم الحوار حول العراق في برنامج صاخب كالأتجاه المعاكس.

لقد فتح العالم لهم نوافذه ، ولكن هل استفادوا من محاسن العولمة وإشراقة ابتسامة المذيعات والإعلانات الخرافية عن تسويق عطر فرنسي أو فرشاة أسنان .؟

اعتقد انهم بسبب تراكم قرون الفطرة والعزلة مازالوا مشدودين إلى تلك البهرجة ، وبعضهم صار يترك علف جاموسته لأجل أن يكمل قصة الوسيم ( مهند ) في المسلسل التركي المدبلج ، وربما صاروا يحلمون كما خلق الله في العالم المتمدن بأن يأتي إليهم سانت كروز بهدايا الميلاد المجيد. لكن بابا نوئيل يخاف على نفسه من مخاطر الطريق والفتاوى ، وأشياء كثيرة قد يعتقد فيها مدير ناحية الحَمارْ مثلا أنها تفتح عيون أبناء المدينة فيكثر الطالب والمطالب ، وعليه أنا نفسي تمنيت لرجل الثلج أن يذهب هناك ، فكان رده : يتمنى قبل الهدايا أن تتحسن أوضاع الناس هناك ، يشربون الماء الصالح للشرب ، وتصلهم الكهرباء ، تعبد الطرق وتبنى المدارس والمراكز الصحية ، فليس من المعقول أن يملك ابن ناحية الحَمارْ احدث جهاز موبايل وهو يسعل في الصيف والشتاء ومازالت آثار البلهارزيا ظاهرة عليه ، ومازال طاعون الماشية يهدد جواميسهم وما يقتاتون عليه. ومازال العطش ينهش في أمكنتهم التي ما تعودت يوما على فراق الماء.

ربما الدولة مثل بابا نوئيل تفكر بإنقاذ هكذا عالم وضعته اليونسكو ضمن محمياتها الدولية ، وعليه ينبغي أن تصير هي المعمر لهذه الناحية وغيرها من مدن الأهوار ويصبح السيد وزير الدولة لتمنية الأهوار هو بابا نوئيل ، لتكون هداياه بدلاً من النساتل والدببة والعصافير ، مدارس حديثة ومرافق سياحية ومشاريع أعمار ، أهمها مجمعات سكن لا يدخل من نوافذ بيوتها البعوض والحرمس ورائحة روث الجواميس.

هذا الشعب الأزلي ، والذي صمد مع حضارته كل هذه العصور ، يحتاج مني أنا وسانت كروز والأمين العام للأمم المتحدة التقدير والثناء.

هكذا كنت أحلم من أجل تلك المدن التي فقدت عذريتها وسحرها بسبب قدر البلاد وطموح ولاتها واحزانها التي صنعها براءة وفطرة الولاء للمرجع والمذهب وحسن النية تلك التي تزامن وجودها في الذات العراقية منذ أن وطأة أقدام آدم ع هذه الأرض ومنحها من بعده لذريته الفاضلة نوح وإبراهيم ولوط وأيوب ويونس والخضر ( عليهم السلام ) وغيرهم من أنبياء وقدسي بلاد الرافدين ، من ولدوا على ترابها ومن وفدوا أليها مبشرين ومصلحين وأباطرة وملوك واصحاب صحائف شعر وفلسفة وحكمة وأساطير.

المدن التي كانت وما زالت تمسك رباطة الجأش وترفض أن تموت لأن وجود هكذا مدن مرتبط ٌ بأحلامها دون سواها فقد أسكنتها خصوصية بيئتها وتاريخها مثل هكذا هواجس عاشت معها تتحمل تداعيات كل ما كان يحدث فوق هذه الأرض. حتى إنها امتلكت ريادة احتضان واحدة من أقدم المقدسات الغنوصية في هذا العالم وهي الديانة المندائية التي تعتبر المضاد الروحي لهاجس العطش كونها تعتمد في ممارسة طقوسها والتعميد على الماء أولا ، وهذا يعني أن المندائيين احتموا في المكان لأنه يمتلك الماء الوفير ولم يكن في فكر أي واحد منهم أن يلف العطش تلك الأماكن وتختفي قراهم ومحلاتهم أو تكاد تضمحل وتعاني من الكثير من إشكاليات وجودها الحضاري والوطني فوق تلك الأماكن ، ومثلما دعت اليونسكو للحفاظ على بيئة الأهوار وخصوصيتها ضد ما يلحق فيها من أذى من تجفيف وتعطيش وتهجير تتعرض المندائية أيضا ، فهي تلتصق بتاريخ المكان حتى اقدم من ساكنيه الحاليين إذ زامن المندائيون أهل سومر واكد في مشاركة العيش ولديهم ما يثبت من الكتب والنصوص القدسية انهم أتوا من ظهرانية آدم ، ولم يبرحوا المكان إلا عندما كانت الظروف القاهرة تجبرهم على ذلك ولكنهم سرعان ما يعودون فليس هناك من أمكنة تقتل عطش المندائي سوى تلك البطائح التي تأوي البط الذي يفضله غذاء والرز الذي يصنع منه غذاءه المقدس والماء الذي يمارس فيه التعميد من زواج وموت وولادة واكتساب الطهارة للجسد وتعميد رجال الدين في درجاتهم الكهنوتية المختلفة.

فكانت تلك الدعوة الى المنظمة الدولية قد حملت من كاتب المقال شكلها التالي إزاء ديانة وطائفة تريد أن تتجذر أبداً مع المكان ولا تريد أن تموت عطشا أو تهجيرا أو ذبحا طائفياً :

  المندائيون طائفة غنوصية يصبغُها صفاء قناعتها أن النور للروح قبل الجسد ، وللفردوس قبل حياة الأرض ، ويعتقدون أيضاً أن الذهب زينة الدنيا عندما يكون من عرق الجبين ، وهمسة العاشقين ومهارة أصابع المندائي..وهم اليوم في العراق يتناقصون ويشحون كما ضفاف يعطش لجريان الماء ، واعتقد أن العراق لن يكون عراقاً بدونهم أو بدون غيرهم من سكان البلد الأصليين . فهم يمتلكون في هذه السهول والبطائح أزلاً  لايُعرف تاريخه لأنه يعود حتى الى أول الأنبياء ، أي انهم كانوا حتى قبل ولادة حرف الكتابة ، وكانوا في أزمنة غابرة أقدم حتى من الزقورات . يسكنون بطائح الماء ، وينعزلون في خشوع صلواتهم ، ويتجولون بين القرى المتباعدة في مدن القصب والسمك ، يقرأون الطالع ويشفون الجرح ، ويصنعون من لمعان المعادن ابتسامة النساء والمخشلات والأغراض المطلوبة لبيت الزوجية ، ويُعتقد أيضاً أن المندائيين الصناع الأوائل للكأس النذري الذي جعله السومريون شارة وجودهم عندما رسموه والفراتين يفيضان منه .

 والمندائيون الأقرب الى الماء الطاهر كونه ضرورة من ضرورات التعميد ، فقد يسودُ الاعتقاد انهم ليسوا صاغة للحليَّ فقط  ، بل كانوا من صناع المنجل والمطرقة والأواني التي كانت تجرى فيها مراسيم التعميد وطقوس العبادة ، وربما حتى قيثارة شبعاد بصندوقها الذهبي الزخرف بالأحجار الكريمة والعاج قد صنع وصمم من قبل مندائي ما كان يعيش مع ملته بين ظهرانية أهل سومر وحتى قبل أيام إبراهيم ( ع ) .

وقد فُسر التصاقهم بالماء ، بأنه قد يعود في أصوله وجذور المعتقد الى طوفان نوح ( ع ) . وهذا دليل أن صحت تلك المرجعية ، على أنهم من الموحدين الأوائل ، وهذا التوحيد الوثوق فيه تأكد من خلال الذكر الحكيم في أكثر من آية عندما ساوى الصابئة مع أهل الذمة من النصارى واليهود وكما في سورة المائدة قوله تعالى (( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون..)) ، هذا التشريف الإلهي يمنح الطائفة وثوق القوي في الدفاع عن خصوصيتها وديانتها ووطنيتها ، بل أن المندائي لن يحتاج أي حجة أخرى لوحدانيته بالرغم من أن كتبهم المقدسة والمتوارث من أدعية الصلوات والتعميد وأهمه ما جاء في كتابهم المقدس ( الكنزا ربا ) ويعني الكنز العظيم ، فيه الكثير من السُور والتلاوات والأدعية والتصوير والقصص والحكم والشواهد ، ما يدل على أن هؤلاء القوم ينتسبون الى الفكرة السماوية الأولى التي بشر فيها آدم ( ع ) ، ذريته ليكونوا صالحين..والذي يتمعن في قراءة آيات الكتاب وسورهُ سيكتشفَ القيمة والمعنى والدقة في تعامل المندائي مع خالقه ، لأن تعاليم الكتاب لا تحيد عن الذكر ومشاركة الإله الواحد في جميع أفعالنا حتى التي تأتي بواسطة الملائكة الصالحين ، وهي في اغلبها تقود المندائي الى ديمومته وصلاح نفسه ، كما في الوسيط النوراني ( زيوا ) ، الذي يعتقد فيه المندائيون روحاً نورانية تهدي الى الصلاح والخير والفضيلة ، كما في الملاك جبرائيل عند المسلمين والذي نقل رسالة الوحي الإلهي الى النبي محمد ( ص ) وكان وسيطا لتلاوة ما يؤمر به النبي ويُوصى ويُنزل من آيات القران الكريم.

يُوثقُ المندائيون تواريخهم بشيء من الحذر والحصانة ، لشعورهم بأن الأزمنة بتعاقبها لم تكن عادلة معهم ، أي أنهم بسبب عصامية الحفاظ على الإرث وتحاشي تجربة الاندماج الديني والمجتمعي مع الحضارات الأخرى ، ولإصرارهم على الإبقاء على الإرث بذات الصفاء والتداول الحَصري بين الطائفة ، وعدم تأثرهم بأي متغير ديني وطقوسي وتقبلهم الصامت لك فعل ورد فعل إزاء ما يأمنون ، تحملوا الكثير من المصاعب والإهمال وبعضها وصل الى حد المجازر ومحاولة إفناءهم بحجج تأخذ طابعاً دينياً في بعض الأحيان وعرقياً متطرفاً في أحيان أخرى ، وفيها الكثير من التجني على أساس أنهم من عبدت النجوم ، والبعض ادعى أنهم من ارث الزرادشتيه مستنداً الى الأصول السكانية الأولى لهذه الطائفة عندما كانت تجمعاتها السكانية في منطقة دهلران والبطائح الممتدة في منطقة الطيب والأهوار المشتركة بين العراق وإيران. وبعضهم أستند الى تأويل بعض العادات والطقوس دون معرفة الجوهر والمدونات المقدسة لهذه الطائفة ومنها كتاب الكنزا ربا وتعاليم يحيى وغيرها ، ولم ينتبهوا في هذا التعامل القسري الى أي نص قرآني يؤكد على أن الصابئة من أهل الذمة ، وهم في هذا وحدانيون ، وتلك مسألة أخذت من دراستها وطراً في محاولة السيد الخامنئي دراسة تاريخهم ومرجعيتهم الدينية ، وله في هذا الأمر فتوى قاطعة واستنباط موثق في رسالة بحثية على أن الصابئة المندائيين أصحاب كتاب وهم من أهل التوحيد.

لم ينفتح المندائيون على ضرورة التعريف بجوهر دياناتهم إلا في أواسط القرن العشرين عندما سمح مشايخهم للمستشرقة البريطانية ( الليدي دوورا ) المختصة بالدراسات واللغات الشرقية القديمة بالإطلاع على بعض أسرار الديانة والمعتقد والعيش معهم لمراقبة ممارسة هذه المعتقدات عن قرب ، كما سُمحَ لها بالإطلاع على محتوى الكثير من الكتب المندائية المقدسة ، واغلب معايشتها مع الطائفة تلك التي قضتها في منطقة الكحلاء في العمارة وبعض المناطق وبمساعدة كبير مشايخ الطائفة في العمارة ، وخرجت بحصيلة وفيرة من المعلومات والانطباعات دونتها في كتاب ونشرته ، بعد أن ألقت الكثير من المحاضرات في المعاهد والجامعات البريطانية ، وهي تتحدث عن هذه الطائفة ومكوناتها الاجتماعية والدينية ، وقد ترجم الكتاب من قبل بعض المثقفين المندائيين في مقدمتهم المربي المرحوم ( غضبان رومي ) وصدر في اكثر من طبعة وآخرها الطبعة التي صدرت عن دار المدى في دمشق عام 2007.

اليوم هذه الطائفة العريقة والتي يكن لها العراقيون الاحترام في مجمل أعراقهم وطوائفهم وخاصة الطائفة الشيعية التي جاورتهم وتعايشت معهم على مدى عقود وخاصة في مدن الأهوار وقراه ، تتعرض لخطر الانقراض داخل الوطن الأم. بعد أن أخذ شتات الآلاف المؤلفة من العوائل المندائية في هجرة تكاد تكون جماعية بسبب النظرة القاصرة والمتطرفة التي ظهرت بعد الاحتلال اتجاه الاقليات والأعراق الدينية مشمولة بالكثير من الآراء الباطلة والتكفيرية والوحشية وصل الى الحد اغتيال الكثير من أبناء هذه الطائفة وبعض مشايخها وخاصة في مدينة بغداد ، مما اضطرهم الى الهجرة عن بلادهم وهم الأكثر شوقاً للبقاء فيها ، والمساهمة في رقيها بعدما كان للسجل الحضاري العراقي أسماء مندائية كثيرة طرزت عليه إبداعها وتألقها حيث يشهد للمسيرة التربوية الحديثة في العراق منذ نشأتها في أواسط القرن التاسع عشر ظهور طاقات علمية وتربوية ساهمت في تربية النشء الجديد وخاصة في مدارس الجنوب العراقي وفي الأخص محافظتي العمارة والناصرية والبصرة . كما تتشرف الطائفة أن يكون من بين ظهرانيتها العالم الدكتور عبد الجبار عبد الله أول رئيس للجامعة العراقية في العصر الحديث ، وغيره من مبدعي الكلمة والقلم والطب والفلك والفن والعلوم الأخرى.

إذن المندائيون وعرب الأهوار كانوا يشكلون وحدة المكان السكانية بالرغم من انهم أقلية تتجمع في مساحات لا يشاركهم فيهم السكن من غير ملتهم ، ولكنهم أقاموا مع المحيط السكاني المجاور علاقات حسنة وساهموا مساهمة فعالة في تطويره وتحضره عندما كان المعلمون المندائيون هم من رواد النهضة التعليمية في مدارس الأهوار الذي شاع انتشارها في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عندما بدأت الدولة في الإكثار من تأسيس الوحدات الإدارية في تلك المناطق من أجل المساعدة في إيصال الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والبلدية بعد أن نبهت الدراسات والرحلات والمعايشة التي قام فيها الكثير من الأجانب الى الوضع المأساوي لسكان تلك المناطق.

نشأت حواضر مدن الأهوار ولكنها لم تتطور وظلت معاناتها في نقص الخدمات توازي تماماً معاناة تلك القرى المائية العائمة في وسط الهور واطرافة ، بل صارت بعض تلك الحواضر الإدارية تضايق حياة تلك المجتمعات المائية عندما شكلت فيها مراكز الشرطة والمقرات الحزبية وثكنات الجيش وغير ذلك مما لم تتعود عليه تلك المجتمعات ، فإلى ستينيات القرن الماضي كان الكثير من سكان الأهوار ممن يفضلوا عدم مراجعة الدوائر المدنية للحصول على وثيقة تعريف لشخصيتهم فهم يولدون في المكان ويموتون في المكان ذاته ولم يتعودوا السفر والخروج الى ابعد من اقرب حاضرة مدنية ليراجعوا فيه المشفى في حالات طارئة وخاصة فقط.

لهذا فأن الدعوة الى إبقاء خصوصية المكان وروحه المصبوغة بالبساطة ورغبة الانتماء في الطبيعة البسيطة الهادئة ينبغي أن يوازيها الرغبة في إنعاش المكان وإيجاد الحلول لبقاءه مكاناً مائياً يحتضن من سكنه من دهور بعيدة ويوفر لهم ما تعودوه من الحياة منذ أزمنة أجدادهم أهل سومر وحتى اليوم.

دعوة هي أهم ما يفترض أن يشغل بال الدولة بعد الأمن ، فإحياء المكان هو جزء من أحياء واحد من أهم المشاريع الوطنية على أساس أن هؤلاء الناس قد دفعوا ثمن الإصرار على البقاء وعدم مغادرة ديارهم إلا عندما هدها العطش والجفاف وبذلك يكون سكان الأهوار من ضمن الشرائح الاجتماعية والسكانية التي تعرضت للإبادة ،فأذا كانت المدافع وسدود ألامس أبادت فيهم رغبة العيش في موطنهم وهجروها عنوة ،فإن العطش الذي يعاود المكان اليوم هو جزء من إبادة جديدة.

أنه فصل من دراما وتراجيديا وطنية تسيدها العطش ويتألم فيها الإنسان والحيوان والنبات الطبيعي وسيؤدي هذا بالطبع الى اندثار وانقراض واحدة من اقدم أمكنة التحضر الإنساني ، وسيفقد المكان خصوصيته ويصبح تراث المكان رهين قاعات المتاحف كما الحضارات التي كانت تعيش عليه.

لأجل هذا سيظل جزء من أمل السنونو القادم من مناخات البلطيق الباردة والليل الاسكندنافي الثلجي أن يذهب العطش بعيدا عن تلك الأماكن الساحرة ويعود في الشتاء القادم ليجد الماء يزهوا وسط مشي المشاحيف واغنيات مربي الجاموس وصيادي الأسماك والأطفال السمر الحفاة.......

  

SOLINGEN ـــ ألمانيا في 11مارس 2009

  

نعيم عبد مهلهل


التعليقات

الاسم: صباح محسن جاسم
التاريخ: 26/03/2009 22:12:52
الرائع نعيم عبد مهلهل
أحار كيف أعلق على أثر من منجزك يا عراقي يا غرين الجمال والمحبة.
هل تذكر لي اين بالأمكان الحصول على كتابك موضوع المقال .. أكون شاكرا لك.. وأقدر لك جهدك الذي لا يضاهيه ما قدمه لنا رجال التغيير جميعهم.
بكتابك هذا انما ترعبهم .. وكأني بأذانهم من صفيح .. ايكلك ليش تدزقنب تيزاب !

الاسم: حميد قاسم
التاريخ: 24/03/2009 22:44:19
المبدع نعيم عبد مهلهل
ياصديقي كنا نجأر حول الجريمة الكبرى التي ارتكبتها سلطة الاستبداد بحق الاهوار وشعبها السومري، فلما انقضى ذلك الحكم الكابوس حلمنا باليوم الذي تستعيد فيه جنتنا السومرية -موطن اول حضارة بشرية ومهد الاساطير والاديان والعقائد الكبرى- عافيتها، لكن جل ماجناه احفاد ذوي الرؤوس السود محض ندوات ومشاريع على الورق و"كم مليون دولار" لا أحد يعرف كيف انفقت، وظلت البطائح جافة مشققة لاطير يأنس بها ولا أسماك تلبط في مياهها الرائقة، وهذه هي الجريمة الكبرى التي حذر منها غافن يونغ قبل ثلاثين عاما وقبله ولفريد ثسيغر وماكسويل وسواهم..! ولا أظن أن دولة يعيث فيها الفساد ويرتع فيها الجهلة والفاسدون قادرة -أو راغبة أو مشغولة- أن تعيد للهور قصبه وبرديه ونفاشه وخريطه وجاموسه وطيوره وأسماكه..والأهم.. أهله..!




5000