.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


خلف السدة والثنائية التلازمية في التطور والتغيير

جعفر كمال

 

في هذا الإصدار الروائي الأول للكاتب عبد الله صخي بعد مجموعته القصصية: "جغرافية الروح" المطبوعة في دار الكنوز الأدبية عام 1994. أراد المؤلف أن يضعنا أمام مقاربة مع الموروث الشعبي الذي كان ومازال الرافد الأساسي للأعمال الأدبية الكبيرة، سواء أكانت شعراً أو قصة أو رواية، وقد حدد هذا العمل متطلبات الأطر الواقعية، وبسطها في سهولة التراكيب اللفظية للقارئ، وبرّز قوة المفاهيم الإنسانية وتحدياتها للواقع المعقد والصعب. 

    إذا أردنا بحث تلازم المتغير في المنظور الظاهر في السرد، اعتباراً من الجزء أي الجملة، وحتى بلوغ الحكاية نهايتها، نجد الكاتب قد سهل على المتلقي سهولة التلازم الكيفي بين الكاتب المؤسس لفعل البناء والتكوين، وبين الحكاية وتخيلات شخصياتها التي شكلت عالمها المفترض أن يطابق مختلف الرغبات والتمنيات والتوقعات، وكأن النص عمل من خلال موسوعته التقنية، ورؤيته الذاتية، أي مخزون الذاكرة للحدس بالسياق، الذي ستؤكده المادة النقدية من خلال المحسوسات الداخلية للأحداث، بما يسمح به نظام الأدلة في الحكاية، أي أن النص بنية تقديرية كما يقول ياوس، مع أن الظاهر الحسي يقود المتلقي إلى مفهوم الوعي الإلهامي عند الكاتب عبر الخلق والنفث الروحي، والعلاقة الجدلية التي تربط الروائي بمجتمعه عبر العامل الذاتي المحسوس والمنظور في الكيفية والموازنة التي شكلت عنده العلاقة المباشرة، كونه ابن هذا المجتمع بكل تجلياته الروحية والنفسية، لذلك تجد الرواية "خلف السدة" أدخلت رغبة المتلقي إليها من بابها الكبير، لأن الكاتب تجانس بقوة مع تقنية ناجحة عبّر بها عن الواقع المحسوس، فبسط آليات المكون الحياتي، عبر أدوات طورت وغيرت من تطابق الموروث من الأدب الشعبي مكوناً حسياً لها، وحال هذه الرواية يتطلب منا نحن القراء أن نقرأ المتغيرات الفكرية في النص ونفهم دلالاتها، حيث أنه وضع بناءاً خاصا عبر هندسة إبداعية واعية لرؤيتها واستقلاليتها، لأن طبيعة العادات العراقية المألوفة تختلف اختلافا شكليا لا ضمنياً عن الموروث الشعبي العراقي، والأبطال جميعهم من طبقة تنتمي إلى طبيعة الوازع المضمن بالخوف من المجهول الاقتصادي، وهنا يكمن السر الأكبر في الحيادية التي التزم بها الكاتب أمام روايته المجردة من الفلسفة السمجة التي يحشرها البعض في كتاباتهم، وإنما أراد الكاتب أن يمنح الكلام مفاتيحه التي تخصص للغة مرجعيتها، كما فعل: الطاهر وطار، ونجيب محفوظ، والطاهر بن جلون، وغائب طعمه فرمان، في أعمالهم المستمدة من الواقع الشعبي المحكي المعاش. أما الثوابت البلاغية فقد وصلت عن طريق النشوء السردي عن طبيعة هذه المجموعة التي استوطنت خلف السدة، وهي مخصوصة عند الروائي في الثابت العام للمنظور الزمني في تفكير كل فرد لامسته أحداث هذه الرواية، وبهدوء أراد الكاتب أن يدلنا إلى نشأة الكلام عبر مفاتيحه البيانية الخاصة، تبدأ الرواية "خلف السدة" المطبوعة في دار المدى للثقافة والنشر، في هذا الاستدلال:

    "تلك الليلة استيقظ سلمان اليونس فرحاً. 

كانت ليلة شتائية باردة، في صباحها شاهد الأطفال المياه متجمدة في البرك التي حلفتها أمطار الأيام الماضية. بهدوء، كي لا يوقظ ابنته التي نامت مبكراَ متدثرة بلحاف سميك فوق سرير خشبي عتيق، تلمس وجه زوجته وهمس: 

"مكية".  

جفلت وقالت:  

"اتركني بردانه". 

اقترب أكثر وهو يمسك يدها تحت الغطاء وقال:

رأيت حلماً.

فتحت عينيها بصعوبة. جلست في فراشها تعدل فوطتها التي سقطت على كتفها فكشفت عن جديلة طرية لمعت أطرافها في شعاع الفانوس الواهن، بشفتين مرتعشتين وقلب واجف روى لها حلمه، قال إنه رأى نفسه يسير فوق أرض سهلية منبسطة جرداء، لا حدود لها، تشبه أرض البلدة في سنوات التكوين الأولى عندما قدم أسلافه المهاجرون الأوائل، كانت مغطاة بتراب أبيض دقيق."

    يبدأ الكاتب حكايته بتقنية عالية الدقة والإحساس، وهي الاستمرارية الحياتية بمختلف صفاتها ومعارفها، عبر مدركات الإنسان الحسية والمنظورة، والمحصلة البلاغية التي يريد أن يقودنا إليها الكاتب، إلى أن الرواية لم تبدأ من الجملة: " تلك الليلة أستيقظ سلمان اليونس فرحاً". إنما هي استمرارية الوقت المعاش، وحال النص ينبئنا إلى أننا نعلم بما حصل قبل هذه البداية، وأكيد أن الكاتب لا يريد أن يخضعنا لظاهرة الاحتمال والظن، بقدر ما يأخذنا إلى الانسيابية في تبسيط المضامين ومد حاضرها بماضيها دون تلكؤ أو رداءة في الأسلوب، إنما بسط مفهوم المعاني عند البطل، "سلمان اليونس / الزوج" الذي كان متوازنا في موضوعيته الاجتماعية والحياتية، والاستيقاظ من النوم هنا يعني البدء، أي بدء الكتابة وليس بدء الحكاية، لأن الحكاية بدأت منذ أن حط الفلاحين في هذه الأرض حين كانت: "أرض سهلة منبسطة جرداء، لا حدود لها." أما استيقاظه من النوم فقد حصل بعد سنوات عديدة، أي بعد أن مات له ثلاثة أولاد ذكور، وكانت زوجته ترتدي الحداد على أولادها، وهذا يتبين في قوله: "تشبه أرض البلدة في سنوات التكوين الأولى عندما قدم أسلافه المهاجرون الأوائل." ومفردة التكوين هنا تعني تكوين العناصر المادية المختلفة، وهي مفردة نزلت في الكتب "السماوية"، كا: "سفر التكوين" في التوراة، وهي متناولة أيضاً عند الأدباء وخاصة عند الشاعر الكبير محمود درويش، أما الصفة المهمة التي أراد أن يميزها الكاتب فهي الإشارة إلى المفهوم المكاني إذ حدده بدقة في قوله: "كانت مغطاة بتراب أبيض دقيق." أي الأرض التي حطوا عليها رحالهم، والتراب الأبيض الدقيق يعني به "السبخة المخلوطة بالملح". إضافة إلى أن عنوان الرواية "خلف السدة"، التي تعني واقعية الوجود المكاني في بنية الاتصال بين النص والقارئ، أي ما يسمى بالمواضعات، وبتلقائية أخرى يشركنا الكاتب حكايته فيقول:

    "في الصباح خلعت ملابس الحداد وارتدت ثياباً ملونةً وفوطةً جديدة شبه شفافة. زينت أذنيها بأقراطها الذهبية التي خبأتها عندما توفي أبنها الثالث، في صندوق خشبي ذي مسامير برؤوس مفضضة. ولم تنتظر خروج جاراتها، إنما راحت تدق أبوابهن واحداً.. واحداً لتخبرهن بتلك الرؤيا، رؤيا الفارس وحصانه الوسيم، ضحكت حتى ترقرقت عيناها بالدموع، ثم اتجهت نحو السوق محترسة من الأولاد الذين أخذوا يرمون الأحجار على الأسطح الجليدية الصلبة التي تشكلت فوق البرك والبقع المائية أثناء الليل". 

    إذن وصل الإيعاز "الوحي" إلى الزوج بأن زوجته ستنعم بمولود آخر، وإن كان الخبر من المجردات الحسية وليس من البينات المادية في قوله: "هذا سيعينك على الوصول". وما الحلم إلا بداية ليخبرها بصيرورة مادة يتكون فيها "الجنين" أي المولود الذي سيعين الأب في أمور الحياة، وفي هذا إشارة بلاغية ايعازية غير ملموسة أو منظورة فيها تدفق يسهل الرمز بمعانيه وهو الحدس والشعور بالإحساس الروحي ، إلى أن المولود سيبقى ولم يمت كأخوته الثلاثة، وهذا ما يعبر عنه قوله: "سيعينك" أي الحصان "الرمز" وهو المطلق الذي حدده الكاتب بدقة ذات عمق تحليلي، والحلم أي الفارس على الحصان الوسيم لم يعطه أية صفة إضافية في قوله: " لست متأكداً تماماً ، ربما خيل إليّ أنه هو". والذي يعنيه هو سيد جار الله. وسيد جار لله هنا هو واسطة التبليغ بين الله والزوج كونه مقدساً، وهذا سر الفرح الذي جعل من مكية الحسن "الزوجة" تطمئن فتغير حياتها من الحزن والذكريات الأليمة، والخوف من أجنحة الملائكة التي يطير بها الأطفال بعد الموت إلى "جنات نعيم"، والفرح لم يتشكل فقط في كيانها الداخلي، إنما أرادته أن يكون فرحاً شاملاً، في نفسها وشكلها، لذلك أخرجت الأقراط المخبئة في: "الصندوق الخشبي ذي مسامير برؤوس مفضضة". وتزينت بها، ولم يكن فرحها وزهوها في إطار وحدة البيت "العائلة" وحسب، إنما راحت تدق أبواب جاراتها لتعلن لكل أهل الحي زينتها وسرورها، إن الحصان قادم لا محال، والحصان هنا يعني الذكر وهو تحديد مطلق، "رغم اختلافي الشخصي مع المطلق كونه "رحماني" أي أن المولود سيأتي ذكراً. أما المشاهد التي احترست منها الزوجة وهي في طريقها إلى السوق، وأعني بها الأولاد الذين كانوا يلعبون برمي الحجارة على البرك المائية المتجمد سطحها بفعل برودة المناخ "فصل الشتاء"، فهي مشاهد تسجيلية خارج لعبة احتدام الرؤية السردية، التي تعانقت أحداثها المركبة، ومجريات صيغها اللغوية، ومطابقتها المباشرة مع الحقيقة الموضوعية، وانسيابها الذي تشكل تشكيلاً فنيا بارعاً.

    وإذا تأملنا مفهوم الفرح والحزن  في هذه الرواية: الذي يتأسس موضوعياً في الوعي الإنساني عبر المدركات العاطفية، أي نقل الحس من غير المدرك في الوعي، إلى المدرك المشخص بالحواس، فالإنسان يمكن أن يرى واقعه الخاص بشكل جذاب حيناً، وفي أحايين أخرى يرى واقعه محاطاً بالقسوة والفقر والعوز، فالواقع موجود بشكل موضوعي، ولكن لا يدركه الإنسان بتفاصيله الملموسة، لأن عقله وتركيزه مشغولان في كل الأوقات بالمباشرة الروتينية أي الربح والخسارة، وهنا ينقلنا الوعي الإدراكي إلى: الإحساس بالذات ومؤثرات الواقع عليها، وذلك فالنفس تحدد الصفات النسبية للإنسان، عبر مراحل تطور عيشه المحدود من خلال رؤية عقلنة الوهم، وإبعاد الخوف على أنه محبط  له. فالنص هنا إنما هو اجتهاد متطور منظور حسب التكامل الاجتماعي الموضوعي، الذي يبدأ بالوعي الإدراكي المشخص للظروف المؤسسة لبنية اجتماعية معقدة حتى في ترتيب مساكنها، كما ورد في التحليل البنيوي في مضمون التشكيل السردي حيث تدلنا الحكاية إلى:

"من القصب وسعف النخيل بنوا أكواخاً متلاصقة بغير انتظام، بدت في تقاربها الحميمي وتراصها كما لو أنها تحتمي ببعضها ضد هجوم غزاة غرباء."

    والكاتب هنا محتاط بشكل موضوعي لهذا البناء الجديد في الرؤية الروائية الخلاقة، لأنه ألزمنا بأن نساير حركية النص، ونحدس بآفاقه المرتقبة، وبهذا التمفصل الدقيق في بنيته التداولية، وضعنا ببساطة هائلة أمام مشهد حياتي يرصد ملامح التحولات المجتمعية، التي تقوم على مبدأ صياغة اليقظة الدلالية عبر المحسوسات اللغوية والفنية في مفهوم الاتصال بين القارئ والنص، كونه أي النص يتطلب قارئاً يستجيب له ويقرأه، لأن المجانسة الحسية بين القارئ والنص مشمولة بالوعي ومداركه، من خلال إمكانية وانطباع القارئ نفسه عن العلاقة الجدلية بين المطلق والنسبي، في هذا التلاحم ألانسجامي بين الرواية وموضوعها، وبين الحقائق التاريخية والوقائع التي تناولها الكاتب، وبيّنها على لسان أبطاله مسجلاً معاناتهم اليومية، وهم الذين قدموا إلى بغداد من مدن الجنوب، فلامسوا الغربة، وغرابة المكان عليهم، وربما لأن الزمان لم يكن زمانهم، أي لم يحن بعد ارتباط فقراء الجنوب بالعاصمة المتمدنة "الإحساس الطبقي"، وقول الروائي يدلنا إلى عنصر الخوف في:

    " كما لو أنها تحتمي ببعضها ضد هجوم غزاة غرباء."

    فالعراقي منذ قدم التاريخ وهو يتعرض للغزو الخارجي، وآخر غزو تعرض له هو الإرهاب القاعدي، اجتمع العرب على قلب واحد لذبح الإنسان العراقي باستثناء مصر ولبنان والإمارات العربية. وعليه فهذه المجموعة غير المدركة لهذا الواقع الجديد، التي هاجرت إلى هذه الأرض وسكنت بين سدتين ترابيتين، تلك الأرض التي لم تطأها قدم من قبل. جعلها تطوع أصعب الظروف لصالحها، وهنا تقفز إلى الذاكرة مباشرة هموم المجتمعات الفقيرة المظلومة، التي تستحكمها هذه العوامل النفسية فتستقر فيها، وهي أي تلك الطبقة تخضع لها، وهذا ما يدلنا الكاتب إلية في:

    "هكذا أستمر بناء البيوت بالطريقة ذاتها وبالتجاور ذاته على الحد الذي كان بمقدور أي بيت أن يشم رائحة البيت الآخر، وأن يسمع شكواه وآلامه، قبلاته وهمسه، صراخه وسكونه، ضحكه وشتائمه، دعاءه وتوسلاته."

    ومع هذا فهي في نفس الوقت تخلق من بين جيناتها الرفض المعنوي، الذي يحدده الوعي الإنساني نتيجة الشعور بالاضطهاد من قبل الفرد أو المجموعة، وهذا ما يسمى بالمفهوم الماركسي بالرفض الطبقي، أو التحليل الطبقي لهذه الظاهرة، ونستنتج هنا من أن أغلب الأبطال الثوريين والأدباء العمالقة أنتجتهم هذه الطبقة عالمياً، فتشارلز ديكنز مثلاً عاش طفولة معذبة، كان يشتغل عاملاً بسيطاً في مصبغة في لندن، وآخرين ولدوا من مجتمعات فقيرة معدمة كأبناء الأرياف والقرى، وهو المكان التحليلي لظاهرة الوصف المجتمعي المفصل للعائلة "الخاص" والمجتمع "العام" المنقول بكل ظواهره من عادات وتقاليد وعلاقات ونمط أساليب عيشه وتفكيره، الذي تشير إليه وتؤرخه الرواية بحبكة موفقة، وهذا ما يدلنا علية النص منذ بدايته، المكان الذي يلعب دوراً فاعلاً في هذه الرواية، والذي اختاره سيد جار الله لتابعيه أو مريديه، هو مكان على أطراف شرق مدينة بغداد، أشبه بصحراء مقفرة ومخيفة، ولا تتوفر فيه عوامل الراحة للمخلوق البشري، ولم ينس الكاتب هنا أنه: أوجد بين هؤلاء القوم الفقراء، المعادلة الروحانية، أي ظاهرة المقدس ألجلالي وهو "سيد جار الله" الزاهد الذي رفض الفراش، حتى أنه بعد موته وهو يتوسد الأرض كانت تفوح منه رائحة عطرة، أشبه برائحة الأعشاب البرية الزكية، التي كانت تفوح من جسده، كما وصفها الكاتب. وهو الذي أوصل للزوج الصوت ألجلالي أو الهبة الجلالية والذي هو "علي" الوليد الرابع لمكية الحسن، فالإنسان منذ القدم وهو يصنع إلهه وسيده وإمامه، نتيجة خوفه من الوهم النفسي، فيخترع الخرافة ويجسدها في اعتقاده ويؤولها لمرضاته، حيث تصبح الخرافة بصائر تعطل الخوف في العقل الإنساني كما يعتقدون، واستنتاجنا واستقراؤنا لمفهوم المقدس الوضعي: هو أحد أهم أسباب التخلف في المجتمعات الفقيرة، الذي جسد لنظرية الاعتقاد بالمجهول، ثم أن هؤلاء "الملالية والسادة والأولياء" ماذا قدموا للناس غير الشعوذة والسحر وارتكاب الخطايا والمعاصي، وللأسف لحد هذا التاريخ لم تقدم الفلسفة الدينية العريقة تفسيراً معقولاً لهذه الظاهرة المرضية، ابتداءً من الصحيحين، مروراً بجعفر الصادق، وأبو حنيفة النعمان، وانتهاءً بالعلامة والفيلسوف حسين فضل لله، وهو اتخاذ بعض الفئات لعبادة هؤلاء الأشخاص والتزلف إليهم لكسب رضاء المجهول.

    اشتغل الروائي عبد الله صخي على العوامل الداخلية، سواء تحددت في مفهوم الفرد، أو في الفكر الجمعي، لأنه عمل على البناء المجتمعي في أصله ومغزاه وحقيقته، وحاله يشارك هؤلاء المهاجرين لأن يتبنوا طبيعة الأرض الغريبة، ويتعاملوا معها على أساس المواضعة والابتعاد عن الهواجس، وأن تكون المعقولات هي العامل الأساسي لاستعراض بنية العناصر المتممة للحياة، واستقصاء أبعاد الحيرة، وفي الوقت ذاته فقد ترك الكاتب للأفكار تحديد الرؤية واجتهاد التخيل، حول قضايا الوجود والحياة، وقدم العاطفة لتكون المسلك العقلاني للأفكار، التي تقود سلوك الإنسان إلى الحب والتعاطف والرفض والشرف والعار، وإذا تحققت السيطرة على الخاص، يبقى العام منقاداً إلى فعل الخاص بكل مدلولاته وانسجامه، والحالة هنا تطبيقية للفعل الإنساني المشترك، تراها تنفي الفضول وتأباه، كما هو الحال عند عائلة مكية الحسن وزوجها وأطفالها، التي حققت الخصوصية في الأمور التي تراها صائبة حتى يصير المعلوم اضطراراً في الواقع المعاش، والكاتب هنا يقودنا إلى تشكيل البنية الناجحة بالاحتفال والصنعة في التصوير الذي يروق المتلقي ويهز تخيلاته، وتشبع نفسه بالتألق الانفعالي، كونه تحرك ضمن مساحة سردية مفتوحة للتأسيس والمكاشفة، وهي المطابقة المكانية والتاريخية في قوله: "كانت الأرض تمتد بين سدتين ترابيتين لحماية بغداد من فيضانات النهر السنوية." وفي استدلال آخر لمعنى آخر يقول:

    "لم تمض أيام قلائل حتى توجه موكب مهيب إلى بيت سلمان اليونس يتقدمه والد عبد الحسين برفقة عدد من وجهاء البلدة وشيوخها، اختاروا وقت المساء، كي يشهد الناس الذين يجلسون أمام بيوتهم أن وجهاء البلدة ذاهبون لخطبة حليمة."

    وحليمة هي ابنة مكية الحسن، وهنا بوأ الكاتب هذه العائلة مكانة اجتماعية خاصة، إذ أدخل وجهاء البلدة إلى بيت مكية الحسن بمناسبة خطبة الابنة حليمة، وهذا سبب، إنما الموصول البلاغي أن عائلة مكية الحسن هي المحور الفاعل في صناعة الحدث، وكل الأحداث المتبقية تدور حول هذا المحور "العائلة" وتتأثر به، اعتباراً من قصة الحب التي جمعت "سوادي حميد" اليتيم الأسود البشرة، الذي تربى في منازل شيوخ أهل الجنوب بفتاة بيضاء، "كان يتيماً أسود البشرة تربى في منازل شيوخ الجنوب، وذات يوم قرر القدوم إلى البلدة. ترك وراءه فتاة بيضاء أحبها منذ طفولته." وحتى عبد الحسين الذي تزوج حليمة التي ابتدأت حياته بعدها بالاستقرار حين وجد الطفلة مديحه فحملها على كتفه إلى أهلها، فكانت السبب في هذا الزواج، وهكذا نشأت حكاية أخرى تروي الفيض بالفيض، أي ديمومة البناء المجتمعي، التي تؤسس إلى ولادة عائلة جديدة وهي في المفهوم الفلسفي: الخاص الذي يتشكل منه العام. 

    ولكي تكتمل الرؤية الإصلاحية للمجتمع، ولتكتسب الرواية طعماً آخر قارب الروائي حكايته من الثورة، ثورة الرابع عشر من تموز العظيمة، عندما وصل ابن الشعب الإنساني ليقود العراق المحطم ويرفع المظلومة عن الفقراء بالذات، الذين كانوا يملكون إيمانا عميقاً بوجودهم، ولكنهم مع ذلك يعيشون على الهامش المجتمعي، ليس لهم دورٌ فاعلٌ ومؤثرٌ في العملية التاريخية للتطور البنائي للمجتمع، فهم مهمشون بإرادة الحاكم أمام جميع العوامل التي تؤسس للحضارة والرقي والتطور الإنساني، وقد اتخذ الكاتب من الثورة سبباً آخر ليكشف للمتلقي العربي عن المعاناة الكبيرة التي صاحبت الإنسان العراقي، الذي هو المعلوم المفقود، المحروم من المراكز الإدارية الكبيرة التي تقود الدولة إلى النهضة والتغيير، وخاصة الإنسان الجنوبي فهو مراقب يخضع لعملية إعادة التأسيس المستمرة والمتحركة مع الزمن، وكأن الجنوبي إنسان عاجز ومتخلف ليس لديه القدرة على الفعل والإبداع، فكانت الكلمة التي تقال عن ابن الجنوب ب "شروكي" والنظرة للجنوبي ملؤها الذّم القبيح، فتلك أفعال شنيعة وأبلغ ما فيها فظاعتها، وكما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني: " يكسب ألدني رفعة، والغامض القدرِ نباهة، وعلى العكس يغضُّ من شرف الشريف، ويطأ من قدر ذي العزّة المنيف، ويظلم الفضل ويتهضّمهُ، ويخدش وجه الجمال وينخوّنه، ويعُطي الشبهة سلطان الحجة، ويردّ الحجّة إلى صيغة الشبهة، ويضع من المادة الخسيسة بدعاً تغلو في القيمة وتعلو."

    ولأن الكاتب أستمد وعيه الأول من محيطه أو بيئته، ولاقح هذا الوعي بالثقافات العربية والأوروبية، ذات البعد المعرفي  والثقافي، فقد أسس في هذا الجانب لحكاية ملؤها التشويق، وسهولة البناء، الذي عبر من خلاله عن البراءة المباشرة، والصدق الذاتي للخلاص من العبودية، عندما كشف عن تأييد الشعب لنجاح الثورة، وهو موضوع التحدي الواقعي، أي مشاعر الناس عندما أطالت الفرح والمرح في الشوارع، وهنا كشف الروائي عن انطباع عميق، في إخبار المتلقي عن ما يحس ويتفاعل به المؤيد للثورة، انسجاماً مع قانون الجاذبية الايجابي بين الثورة والناس بقوله:

    " في اللحظة التي سمع فيها الناس البيان الأول للثورة، انطلقوا فرادى ومجاميع نحو شوارع بغداد مرددين الشعارات التي بدأت تبثها الإذاعة، هناك التحموا مع جموع غفيرة قدمت من مناطق مختلفة معلنة، على نحو مباغت، تأييدها للسلطة الجديدة، ولم ينسحبوا من الشوارع إلا عندما أعلن من الإذاعة قرار بمنع التجول. تداولوا أنباء عن مصرع مسئولين في الحكومة السابقة وفرار آخرين، فيما عبر بعضهم عن استياءه من أعمال قتل حدثت في الشوارع."

    أما الصورة الواضحة التي بيّنَ الروائي وقعها في النفوس فهي أن هذا الشعب تخلص من العبودية والتمييز بين عراقي وآخر، فعلقت صورة الرئيس في البيوت حبا واحتراماً له، " كان الوجه يشع بابتسامة واسعة." هكذا كان الناس يرون قائد ثورتهم ومخلصهم، ومكية الحسن هي الأخرى كانت تشارك الناس أفكارهم وآراءهم بالثورة وقائدها، فعلقت صورته في واجهة غرفتها، وقد شعرت بأن بيتها دخله السرور وهي تشخص عينيها على الرتبة العسكرية التي يضعها القائد على كتفيه فتتمنى لأبنها علي أن يصبح ضابطا في الجيش العراقي، ولكن هل نَعِمَ أهل الثورة باستمرار هذا الفرح؟

    دائما هناك أيدي خفية تشتغل في الظلام لمعاقبة الناس الذي يفرحون لنيل حقوقهم، فقامت هذه المجاميع التي تأثرت مطامعها بفعل الثورة، فعاقبوا الناس البسطاء بحرق بيوتهم، وهذا حدث بآن واحد في البصرة وبغداد وكل الجنوب، سميّ ذلك الوقت "بسنة الحرائق".

    يستمر الروائي في تحليل المقومات الأساسية للرواية عبر مفرداته ذات المتعة الجمالية، في بسط الأحداث اليومية بسلاسة موفقة، وبطرق اقترنت بالحبكة المتوازنة في معالجة معانيها، ورؤيتها التركيبية التي استمدت أحداثها من الواقع، الذي شبهه الكاتب بالواقع المستحيل، أي الغضب المناخي والمكاني والاقتصادي والصحي، وهذه استحالة العيش في أرض خراب لا ماء ولا حياة فيه، سوى الملح، مكان ليس فيه للمواضعة بحياة، ولكن الروائي جعل من الإنسان يواضع المكان وإن كان أشبه بالحريق الذي يقدح القلق ويؤسس للعذاب والخوف، وهذه هي المأساة التي أرادها الكاتب أن تصنع الضرورة الحياتية بكل مقوماتها كما كان أرسطو يرى هذا، فهي بطولة بلا شك تتحدى الواقع المر، وتخلق منه حياة أشبه بالمستقرة، وهذا يحدث استناداً إلى ما آلت إليه مدينة الثورة، من حياة هي فعلا حياة قلقة بكل المعايير، وما عدا ذلك، لو سمحت لنفسك يا صديقي القارئ وتجولت في هذه المدينة في هذه الأيام، لم تجد ما يسر النفس، ويطيب الخاطر، من ركاكة الجوانب الاقتصادية والعمرانية والتعليمية والترفيهية.

 

 

هامش:

أسرار البلاغة: للشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني. 

 

جعفر كمال


التعليقات




5000