هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


المقالة - الثانية عشرة / استيعاب النظام المرجعي لنظام الملة

محسن وهيب عبد

كل ما جاء في المقالات الأحدى عشرة السابقة، انما هو تعريف لمفهوم نظام الملة، وكل التفاصيل التي تلت انما جاءت بقصد استيفاء  معاني ذلك النظام باعتباره النظرية السياسية الربانية لنظم امور الامة، بل ولسياسة الناس جميعا، ولأن المرجعية الدينية في مذهب الامامية القائمة على نظام الاجتهاد والتقليد، هي استيعاب لنظام الملة في زمن الغيبة؛ فقد اوضحنا ان بروز مفهوم المرجعية كان استجابة لامر الله تعالى في كتابه المجيد:

( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)[1] .

وعملا بوصايا المعصومين  لحال غيبة المعصوم؛ فعن الإمام الحجة عليه السلام:

 ( وأما لحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله)[2]

وعن الإمام زين العابدين؛ علي بن الحسين عليه السلام:

( فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا لبعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فانه من ركب من القبائح والفواحش مواكب فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة. وإنما كثر التخليط فيما يتحمل عن أهل البيت لذلك، لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بحملهم، ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، وآخرون يتعمدون الكذب علينا، ليدخروا من الدنيا ماهو زادهم إلى نار جهنم)[3].

وعن الإمام الهادي عليه السلام:

(...لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم من العلماء الدالين عليه، والداعين إليه، والذابين عن دينه بحجج الله... ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة، كما يمسك صاحب السفينة سكانها، اؤلئك هم الافضلون عند الله عز وجل)[4]

عن الإمام زين العابدين عليه السلام

 ( الرجل كل الرجل نعم الرجل؛ هو الذي جعل هواه لأمر الله، وقواه مبذولة في رضا الله، يرى الذل مع الحق، اقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم إن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم.. فذلكم الرجل نعم الرجل، فيه تمسكوا، وبسنته فاقتدوا أو إلى ربكم فيه فتوسلوا، فانه لا ترد دعوته ولا تخيب له طلبة)[5]

وكما نرى من اوامر ووصايا المعصومين لنا؛ كان الفقهاء ورواة حديث أهل البيت (عليه السلام) هم ترجمة واقعية من لدن الإمام لمعنى المرجعية، والتي كما هي الحال ليس في شخص واحد بل هي مجموعة مراجع نذروا نفسهم لله تعالى كما يصفهم القران بالطائفة المنتخبة. وكأنهم عليهم السلام، يقولون: الأجدر بالقيادة والحكم بين الإنسانيين؛ هو الأكمل فيهم، فان كان  للكمال قياس الميزات الانسانية للرقي، فليس غير الأعلم الورع جديرا بهذه المهمة.

تلك هي باختصار أطروحة الامامية في معنى المرجعية، لأن نظام الملة باختصار هو كل ما يحقق طاعة ائمة الهدي عليهم السلام، وهذا يعني ضمنا، طاعة العدل واحقاقه ، والسعي لاقامة دولة العدل الالهي ومناصرتها والتمهيد لقيامها، بما في ذلك من توجيه للتعريف بالظالمين ومنابذتهم، وهذا يتطلب اصلا التاسيس لتوطيد عقيدة التوحيد التي اساسها وجوهرها، بغض الظلم والظالمين.

لان الامامة في معناها الكوني- وكما مر معنا- ترتبط بالعدل في تلازم ذاتي، فقد قال الله تعالى في محكم كتابه مشيرا لهذا التلازم ( ...اني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين). والمرجعية بما هي امتداد لنظام الملة وتجسيدا له، فانها قيادة وامامة وولاية، فلا يمكن ان تنفصل عن معنى السياسة، اذا السياسة، هي  كل مايصدر عن المتصدي للولاية او الامامة او القيادة للمجتمع لتحقيق متلازمته؛ العدل في ذلك المجتمع.

والعدل والحق متلازمتان، احدهما يعرّف بالثاني، ولايمكن ان يكون عدلا دون الحق ولاحقا يعرف دون عدل، الا ان الحق معرفة والعدل تطبيق عملي لتلك المعرفة، اي انه فعل.

الحق؛ هو الصدق الثابت في  واقع الوجود والموجودات، ندركه ادراكا في النسب بين المعاني، والتي تبرز عند الاخبار بمسلماتها او حقائقها البسيطة، او في النسب بين المعاني والعلل، عند استحظار ظاهرة باستحظار علتها او العكس، اوفي النسب  بين العلل عن ابراز تسلسل العلل.

وفي الكون هناك ثوابت في النسب، تبدو في البديهيات الكونية، التي يستشعرها الجميع.

وهناك ثوابت في العلل ترتبط بظواهرها، وهناك ثوابت في المقاييس، والمعايير والموازين، الت نسخدمها في التفاضل والقياس، وهناك ثوابت النمط والحركة النمطية، وهناك ثوابت في نظام المادة؛ فيزياويا وفلكيا وكيمياويا وبيئيا، وهناك ثوابت التوحيد والوحدانية، وهناك ثوابت السنن، كثابت الموت وثابت القوة والفعل ، وهناك ثوابت قيام الزمان والمكان وابعادهما  الاربعة التي بدونها  لاشيء يعرف.

فالحق هو معرفة الصدق الثابت المنطلق من ثوابت الواقع والمستند اليها.

ولذا فان متلازمه العدل؛ هو اجراء الامور وفق معرفة الحق، اي امضاء الاشياء وفق الحق. اذن؛ فالحق معرفة. والعدل فعل، يتم على الحق وبالحق.

 قال تعالى:( ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون)[6] .

وقال تعالى في نفس المعنى( وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون)[7]

الحق؛ هو الهداية بالعلم الحق والمعرفة الصادقة، والعدل العمل بتلك المعرفة.. وعليه يكون من المستحيل اجراء العدل دون معرفة الحق.

فالعدل، في سياسة الناس، هو  اداء الحق لكل من يستحقه، وعلى وجهه الصادق، واستيفاء الواجب من كل من ترتب عليه، بما يعنيه هذا من شيوع بغض الظلم والظالمين، سواء من النفس او الغير، وبدافع خدمة الناس وقضاء حوائجهم بقصد القربى الى الله وبدون ضميمة..ففي سيرتهم عليهم السلام امثلة لهذه المعاني:

قال عبد الله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار،  وهو يخصف  نعله فقال لي: ما قيمة هذا  النعل؟

 

 فقلت لا قيمة لها، فقال عليه السلام:( والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا)[8].

 

وفي من لايحضره الفقيه للصدوق ننقل هذه الرواية:

 

(كنت اعتكف مع محمد بن علي (عليهما السلام) فأتاه رجل فقال له: يابن رسول الله ! إن فلانا له علي مال ويريد أن يحبسني، فقال: والله ما عندي مال فأقضي عنك، قال: فكلمه، قال: فلبس (عليه السلام) نعله، فقلت له: يابن رسول الله ! أنسيت اعتكافك ؟ فقال له: لم أنس ولكني سمعت أبي (عليه السلام) يحدث عن [جدي] رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله عزوجل تسعة آلاف سنة، صائما نهاره، قائما ليله)[9] .

هذه شذرات من عقيدة حية ينطوي عليها النظام المرجعي، وهي بامكانات عقائدية لو فعلّت لصلح بها حال العالم كله، لان المرجعية نظام يمتاز بخصائص لامثيل لها في القيادات الموجودة  في تاريخ الانسانية من حيث ما يلي:

 

1- التصدي للمرجعية واجب كفائي، بمعنى انها تكليف على كل الناس، ولو لم يتصدى احد لهذا الواجب، لاثمت الامة كلها، ولذا فمن نعم الله على الناس اليوم، تعدد المجتهدين وتطوعهم للتصدي للامامة، فهي اذا تكليف، واذا كان ارفع منصب في نظام الملة تكليف، فلن يستطيع احد ان يتشرف بمنصب دونه الا من لاشرف له.

•2- ان المرجعية  في مذهب الامامية الاثنا عشرية، تجسيد للامامة الكونية، وينتظمها اساس الولاية التكوينية، فالمرجع من موقعه في نظام الملة، ينوب المعصوم في غيبته، فهو كما مر معنا في البحوث السابقة قائد وامام وولي، يرجع اليه الناس في افرادهم ومجاميعهم ليجدوا الحل عند المرجع، اما بالاستجابة  لحاجاتهم، او بالاجابة على تساؤلاتهم، وهذا هو واقع تاريخ المرجعية عند الامامية.. ومجرد وجود المرجع الممثل لنظام الملة، هو ضمان لامن الامة.. ذلك ما عشناه على مدى قرون من عمر مرجعياتنا العتيدة.

•3- في النظام المرجعي يتقرر؛ ان عمل العامي بدون تقليد باطل، وفي هذا حصر لخيارات فعل الانسان بقراءة اهل البيت لمصادر الاسلام، بمعنى انه تمشية امور الناس وسياستهم وفق نظام الملة، اذا كان نظام الملة يعني باختصار الالتزام طاعة الثقلين العاصمين من الضلال.. فلا خيار للانسان المسلم غير التقليد، دون الاجتهاد او الاحتياط ان يبقى خارج هذا النظام، مهما كانت التسميات.

•4- أن التركيبة الواقعية الهرمية للتقليد والمرجعية؛ إنما هي أسلوب فني حكيم ودقيق في توفير إمكانات القيادة المباشرة للمرجع على الأمة من خلال ربط الرجل ابتداء من سن البلوغ والنساء ابتداء من تجاوزها السن التاسعة بالمرجع. ان النظام المرجعي يقتضي على الامة دخول المكلف في نظام الملة من سن البلوغ( البنت من بداية السنة العاشرة من عمرها والولد منذ السادسة عشرة)، وبهذا فهو نظام يقطع الطريق على التشرذم والضياع، ولا يختلف عن التنظيم الفني الحزبي بل يفوقه، الى ميزات ارقى في علاقات اكثر انسانية واحترام.

•5- ان نظام المرجعية يقوم على محاسن الاختيار، فلا احد يجبر الانسان على الدخول فيه، وعلى محاسن الانتخاب حيث يعدد عشرة شروط لخيار المرجع. فانت حر في اختيار المرجع الذي تقلده، ولكن طبقا للشروط، مثلما انت مجبر ان لا يكون عملك باطل حين لا تقلد، او تبقى بدون مرجع، يطابق عملك فتواه، و تستفتيه في شؤونك ومسائلك. اي كما تحتاج الطبيب لمرضك وتحتاج المحامي لقضاياك، والمتخصص لمايخص احوالك؛ لابد تحتاج الى من يرشدك في عقيدتك وكونك ومآل حياتك في فرديتك ومجتمعك.

•6- نظام المرجعية، بما هو محاولة لاستيعاب نظام الملة والسير فيه، فانه يمتنع على ما يجري في دنيا القادة من حب للدنيا وسعي بالوقيعة، والمكر والكيد والمغالبة وتحقيق المجد الشخصي على حساب الاخرين، كما يجري في دنيا السياسة اليوم حتى في الاحزاب التي تدعي انها اسلامية، وانما المهم عند المرجع؛ الامام او القائد المتطوع المكلف في تكلك الطاعة، هو تحقيق ارادة الله تعالى والعمل بالحسنى ونصرة المظلوم والزهد في الدنيا التي هي راس كل خطيئة، عكس ما يجري في دنيا السياسة اليوم.

•7- ان القيادة والامامة في مرجعية اهل البيت عليهم السلام ومن خلال معنى نظام الملة يجب ان تكون:( شرعية ) لكونها تمثل امتداد هذه الرسالة الخاتمة وتحرص على ان تسيير الامة وفق طاعه المعصوم وقراءته للكتاب الحكيم..ومن ثم فأنها نائبة عن المهدي المنتظر ( عجل الله فرجه الشريف و (علمية..). إنها قيادة عالمة، فقهية، واعية، بل إنها تدرك جزئيات الأحكام الشرعية والمستنبطة من المصادر الأربعة، «الكتاب- السنة- الإجماع- العقل».

•8-  المرجع من موقعه امام وولي وقائد مكلف بقصد القربى الى الله تعالى، انه  القائد الذي يريد الرقي بأمته.. من خلال نظام الملة الذي يمتلك الثقة والايمان المطلق بصدقه وامكان تطبيقه، فالفقهاء هم من اكثر ما يدركون دقائق معاني طاعة المعصومين عليهم السلام بعمق وتوثيق علمي و( التزام): حيث أن القيادة المرجعية مشروطة بشرط صعب وحساس، هو العدالة،  أي امتلاك ( طبيعة) الالتزام بأحكام الشريعة، فلو تخلف عن التزامه مرة واحدة بقانون واحد سقطت عدالته... ووجب العدول عن قيادته وترشيح غيره.

ولو علمنا أن أهم المطبات التي تعترض أي قائد هو استبعاده - لأي أسباب- تطبيق بعض بنود الدستور، ( الذي هو مضامين الثقلين بقرءة ال محمد)؛عرفنا أهمية هذه الشروط، فالقائد المرجعي هو أول من يلتزم بالدستور الذي يدعو إليه، بينما مشكلة الكثير من قيادات العالم  السياسية على مر التاريخ.. أنه حين يصل إلى سدة الحكم ينسى الدستور وأحكامه، وينسى الوعود التي قطعها على نفسه، بل ويلجا حتى الى تغير الدستور ليتلائم مع رغباته.

9- و القيادة المرجعية هي قيادة( شعبيه): فالقائد المرجعي ينتخبه الناس طوع إرادتهم..ووفق قناعاتهم... ويعيش وسطهم.. ومتى ما أرادوا اللقاء به أمكنهم ذلك دون حواجز من الحجاب والقيود.. فهذا القائد يرتقي إلى سدة المرجعية بتقليد الناس له.. ويسقط بانسحابهم عنه، فيما لو صدر منه ما يخالف الشريعة.. دون ضغط ودون بروتوكولات، وصناديق اقتراع، ودون حرس، وإدارات وتواقيع وهويات وما شابه ذلك من تعقيدات الوضع والوضعيات.

10- و القيادة المرجعية(زاهدة): فليس هناك قائد مرجعي يرصد الملايين في البنوك أو يبني القصور، أو يرفل بالحرير، ويغرق في الترف، بل يعيش غالباً كباقي الناس ملتزماً طريقة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) في أسلوب الحياة، و الدنيا عنده كعفطة عنز،اذا كان متأسيا بامير المؤمنين عليه السلام، عكس القيادات الزمنيين الذين يصادرون قوت شعوبهم المستضعفة، ليستغرقوا هم في مختلف ألوان النعيم.

فاي قيادة تستوعب معاني الامامة الكونية، وتتمتع بقدر من الولاية التكوينية، واعية صادقة حقة للكتاب الله العزيز ولسنة العترة المعصومة  المطهرة ، فان في طاعتها حتما طاعة لنظام الملة، او قدر منه.

ان في نظام الاجتهاد والتقليد في مذهب الامامية، والواقع فعلا اليوم؛ استمراراً لنظام الملة الذي اسسه الرسول الاعظم صلى الله عليه واله، وامتد في الائمة المعصومين عليهم السلام، وذلك على ضوء دراستنا المستفيضة السابقة في النسق ومعانيه، واستقراءا تاما للافعال التي تصدر عن الانسان وعلاقتها بالحسن والسوء باعتبارهما الميزان الذي تقيّم على اساسه نهاية الانسان الى نعيم خالد او جحيم مستعر.

فالاسلام عقيدة كاملة، لان فيها استجابة لكل حاجات الانسان فردا ومجتمعا وفيه اجابة على كل تساؤلات الانسان، عن وجوده وكونه ومستقبل وجوده.

 

نماذج تاريخية من القيادات المرجعية في زمن الغيبة:

المرجعية منذ تاسيسها كانت ترتكز على رفض الظالمين ومقت الظلم وهي بذلك لم تنفصل الى اليوم عن الواقع السياسي للامة وما يجري في دنيا الناس، وكانت لها القرار الحاسم دوما في كل الازمات التي تتالت على الامة، وكان المراجع الكرام ولازالوا حتى يومنا هذا يمارسون دورهم في إمامة الأمة من خلال القيادة المباشرة وغير المباشر، وبالولاية العامة، حتى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران حين برزت الولاية المطلقة على واقع الأمة من خلال مرجعية الإمام الخميني «قدس سره»، والمراجع الذين عرفتهم ساحة الأمة التي تؤمن بمذهب أهل البيت (عليه السلام)، كلهم يؤمنون بإيديولوجية واحدة هي الإسلام، ولو عدنا إلى رسائلهم العملية بما فيهم الامام الخميني نفسه، لوجدناها جميعاً متشابهة الفتوى والترتيب إلى حد التطابق حتى في الأمثلة، إن لم تكن هي ذاتها مكررة مع هامش للتالي على رسالة السابق. ولو سألنا أحدهم ؛ هل يرى ان له نوع من  الولاية على الأمة؟ لأجاب الجميع بالإيجاب، لماذا؟

 اولا- وكما مر معنا ان في كل انسان قدر من الولاية التكوينية تتناسب طردا مع حجم الانسانية في ذات كل فرد، وتبرز  في مقدار تطابق احكامه العقلية مع الاحكام الشرعية.. والمرجع وكما هو مفترض هو ولي تلك الاحكام ومروجها.

ثنيا- ان المرجع انما تطوع للولاية تعبدا، فالرجوع إليه انما كان بسبب تصديه للإفتاء مختاراً وتوجيهه الناس إلى ما يجب وإلى ما لا  يجب، وهذه هي ولاية بذاتها.

ثالثا- ان معنى مرجع يغني عن كل تفصيل، فلماذا وعلام يكون مرجعا من لا ولاية له؟!.

فالولاية أصل لا خلاف فيه بين المراجع، ولكن الخلاف يقع في حدود تلك الولاية بين التقييد والإطلاق طبقاً لرؤيا اجتهادية يعتقد بها كل واحد منهم، وقد قدمنا الحديث في هذا، في مفهوم الولاية بالتفصيل في المقالة التاسعة، إلا أن اقتضاء اقتران معنى القيادة في حدود الولاية التي يؤمن بها المرجع، هو الذي يحدد نموذج تلك القيادة لذلك المرجع.

ولقد رأينا صوراً لهذا المعنى في النماذج القيادية للمراجع منذ عهد المفيد «قدس سره»، ولحد الآن، من خلال استقراء منطقي لواقع المرجعية في قيادة الأمة زمن الغيبة:

أولاً: المرجعية التي تمثل نموذجاً لقيادة مباشرة للناس بدون وجود دستور إسلامي حاكم.

هذا النموذج للقيادة المباشرة للأمة، كانت في أحيان كثيرة تبرزه في المرجع ظروف تحكم الأمة فينبري بعض المراجع بالتقدم لاحتلال مواقعهم القيادية في أوقات المحنة لقيادة الأمة إلى حيث الخلاص ورضا الله سبحانه وتعالى.

مثلما كان قد حدث للإمام المجدد السيد محمد حسن الشيرازي «قدس سره» (1230 - 1312هـ) الذي قاد الأمة من سامراء في ثورة التنباك في إيران ودحر قوات بريطانيا العظمى! آنذاك.

ومثله ما حصل للإمام الشيخ محمد كاظم الخرساني في ثورة الدستور، ومثله ما حصل للإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي في قيادة الأمة في ثورة العشرين في العراق.

ونحن إذ نبرز هذه الأمثلة لنماذج القيادة المباشرة للمرجعية فلا يعني بالضرورة أن المرجع لا تكون له القيادة المباشرة إلا من خلال فراغ سياسي في واقع الأمة يتقدم له المرجع ليتولاه، إنما نجد أن المرجع الذي يعي مهام موقعه في الأمة يكون دوماً هو المبادر لاستلام القيادة المباشرة، والساعي إليها عزاً للمؤمنين ونصراً للدين، مع كون الدستور المتحكم غير إسلامي، وقد قدمنا القول ان مجرد وجود المرجع الواعي لمهامه هو ضمان لامن الامة.

وقد اتخذ كثير من مراجعنا العظام، أساليب تنظيمية دقيقة في جميع وعات الأمة لبلوغ إمكانات القيادة المباشرة للأمة بهم.. فقد احكم السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره صلته بالامة من خلال وكلائه وونشر الوعي من خلال مكتباته في كل الاصقاع.

والحقيقة؛ هي أن التركيبة الواقعية الهرمية للتقليد والمرجعية؛ إنما هي أسلوب فني حكيم ودقيق في توفير إمكانات القيادة المباشرة للمرجع على الأمة من خلال ان عمل العامي باطل بدون تقليد، وربط الرجل ابتداء من سن البلوغ والنساء ابتداء من تجاوزها السن التاسعة بالمرجع.

إن مجرد تطبيق هذا الأسلوب بأبعاده الواعية لمعاني نظام الملة في الدين عند الناس ومعاني الإمامة عند المرجع، يحقق القيادة المباشرة للمرجع في الأمة سواء كان الدستور المتحكم علمانياً أو إسلامياً شكلاً.

ثانياً: القيادة غير المباشرة للمرجع من خلال دستور إسلامي حاكم.

 وهو نموذج محدود جداً كان يمثله الإمام شريعة مداري «قدس سره»، وكان يرى هذا النفر من المراجع أن في الدستور ضمان لحقوق الأمة في زمن الغيبة، وإن دور المرجع في هذه الحالة دور المستشار الذي يصنع التوجيه ويراقب تطبيق الدستور، ويرون أن الولاية تتحقق للمرجع القائد غير المباشر من خلال ممارسة دستورية في حدود النص الشرعي في غيبة الإمام (عج).

ولكن المرجع الكبير الميرزا النائيني يعيب على هذا النموذج رأيه، ولقد جاء في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) ما قاله الإمام الحجة (عج) في الرؤيا للميرزا النائيني.

والذي يظهرمنه؛ هو أن الذي يتولى الحكم بغير ما تأهل له من الله تعالى، واحتل المنصب في حكم الناس، هو بالأصل غاصب سود الله تعالى وجهه بالغصبية، وقد تلوثت يداه بهذه الجريمة، والدستور هو بمثابة ما يغسل به الغاصب يديه الملوثتين بالغصب.

وطلب الدستورية والاكتفاء بها، هو كإجبار الأمة التي تلوثت يدها على غسلها، أي الدستورية محاولة لتغطية واقع سيئ، وهو فعل لا يعني شيئاً أمام واقع الغصب والعبودية لغير الله تعالى.

ثالثاً: ومن المراجع من يرى أن حدود ولايته العامة تحقق له في مقلديه فقط.

 ومن خلال الرابطة الدينية التي تجمع الناس على رسالته العملية وعلى وكلائه الذين ينقلون للناس فتاواه؛ فولايته لا تتجاوز الحسبة.

وكثير من المراجع الكرام رحمهم الله وأغلب المراجع في زمن الغيبة هم من هذا النوع، لا قيادة مباشرة ولا طمع لهم في دستور إسلامي يتحكم في الأمة، بل قيادة غير مباشرة بعيدة عن السياسة، بل ويرى بعضهم القليل أن التدخل في السياسة خروج عن الدين، فهم نموذج لقيادة غير مباشرة وبدون دستور، مع انطوائهم جميعاً على بغض الظالمين ورفضهم..ورفض الظالمين وبغضهم بحد ذاته هو جوهر السياسة، بمعنى ان نظام الملة وفي ادنى الاحوال لم يخلق ولم يوجه الى الابتعاد عن السياسة. ان رفض الظالمين هو الاساس الحقيقي الذي بناه ائمتنا بدمائهم لتصح معه عقيدتنا ولولاه  فقد ضاع الدين. وقد فصلنا ذلك في بحثنا المنشور عن البكاء عن الحسين عليه السلام، الذي يستخف به الجهلة.

رابعاً: ومن المراجع من يرى أن الولاية لا تتحقق للمرجع ومهما كانت حدودها إلا من خلال قيادة مباشرة ودستور إسلامي.

فيكون له بذلك ما يقترب مما يكون للإمام المعصوم، سواء كانت المرجعية شخصية اعتبارية أو مجتهد ولي فقيه.

وقد تحقق هذا النموذج للقيادة والولاية المطلقة في طروحات الجمهورية الإسلامية للإمام الخميني «قدس سره»، مع أنه ليس صاحب النظرية الأسبق، بل قد يكون المجلسي صاحب البحار «قدس سر»، قد حظى بمثل هذا النموذج مع فارق في البيئة والمحيط؛ وكان للإمام محمد باقر الصدر «قدس سره» رسالة في طروحات الجمهورية الإسلامية بلغها إلى الإمام الخميني إبان الثورة.

خامساً: من المراجع من يرى إمكانية تحقق القيادة المباشرة من خلال تركيبة نظرية (المرجعية والتقليد)، إلى حيث قيام الدستور الإسلامي في واقع علماني، كما هو الحال اليوم في معظم البلدان الإسلامية.

وقد تعدى هذا النموذج من المراجع توقيفات ارتباط المرجع على الوكلاء والرسالة العملية إلى بناء جسور أخرى لربطه بالأمة وربط الأمة به.

فكان له مجتهدون مستشارون في مكتبه، وكان له وكلاء في كل الأصقاع الإسلامية، وكان له مبلغون ورسل، وكان له مؤسسات ثقافية وإعلامية، وكان له تنظيمات ومنظمات للوعي والتوعية والعمل والنظم وكان له مكتبات وفروع لها في سائر البلاد الإسلامية.

إن هذه الروابط تجعل المرجع يحكم السيطرة في الأمة من أجل قيادة مباشرة وإلى وعي وصحوة تطالب بدستور إسلامي في أوساط الأمة الإسلامية.

ويمكن بيان أمثلة لنماذج من هذه المرجعيات، كان منها الشهيد الصدر الأول«قدس سره»  في مشروعه (المرجعية الرشيدة..) والسيد الإمام الشيرازي (محمد الحسيني «قدس سره»( في مشروعه شورى الفقهاء). كعناوين لكتب تحتوي نظريات ، تحتاج إلى آليات تطبيق.

 

 

شرائح تتطلب اهتمام اكبر من قبل المرجعيات الدينية

 

من دراساتنا السابقة في المقالات الاحدى عشرة الى الآن توصلنا الى الحقائق التالية:

•1-               الامامة سنة بديهية كونية والعصمة بالتبع ضرورة كونية وعقلية.

•2-     ان نظام الملة هو طاعة الامة للمعصوم، تكمن فيه القراءة المعصومة للدين، فهو تلاقي خيار الانسان لافعاله استجابة للانماط الكونية، فيتم النسق.

•3-               نظام الملة هو النظام الامثل في الاسلام لانه يحفظ الشريعة ويجمع الامة.

•4-     النظام المرجعي من خلال اطروحته في الاجتهاد والتقليد، والعمل خارجه باطل؛ يمثل تجسيدا وحيدا لنظام الملة في زمن غيبة الامام.. ولذا فان اي خيار لتصحيح الفعل الانساني في غيرتلك الاطروحة ولا يرقى لمعاني الاجتهاد الحق، فهو مجرد راي او عمل عوام باطل.. وعمل العامي بدون اجتهاد ولا تقليد باطل عقلا.

•5-     بما ان المرجعية امامة وولاية وقيادة للامة؛ فعليها ان تستجيب من شريعة الاسلام ووفق نظام الملة لكل متطلبات الامة، ولا تهمل اي شريحة من شرائح المجتمع، كما لا تهمل مايصدر عن الانسان المرتبط بها، ما دامت قد قررت ان عمل العامي بدون تقليد باطل.

         فمثلا يجب ان تستوعب كل نشاطات وشعائر احياء امر اهل البيت عليهم السلام، لان فيه توجيه لاهمية نظام الملة؛ مثل النشاطات الولائية، للحسين عليه السلام ولآل محمد صلوات الله عليهم، ولا تتركها - كما هي الان- للمتطوعين، وكذلك كل النشاطات السياسية في حكم المسلمين لانفسهم زمن الغيبة. فعليها من موقعها في نظام الملة؛ ان تجيب على تساؤلات المؤمنين في خصائص امور سياسة الناس، كما في خصائص امورهم الدنيوية الاخرى، ذلك اذ ليس من العقل ولا من العدل؛ ان يبقى المسلم  امعة يسوسه الاخرين، ولا يجد من عقيدته ما يسوس به نفسه ومجتمعه.

فنحن نحتاج من نظامنا السياسي المجسد في المرجعية ان يجيب على الاسئلة التالية:

•أ‌-   اذا كان روح النظام المرجعي يرتكز على الاجتهاد والتقليد، وان عمل االعامي بدون تقليد باطل، فهل يختلف الفعل السياسي في خياراته للحلال والحرام عن باقي الافعال التي تصدر عن الانسان. وهل يخرج العمل في السياسة عن هذه القاعدة (قاعدة عمل العامي بدون تقليد باطل)؟ فيكون السياسي فوق الشريعة!!!! أو ان عمله مباح؟!! هل لانه اقرب لتقرير الاموال وحفظ الاعراض والاوطان، اوليس هو الاجدر بالقيد؟؟ مع موحطة ان السياسي عندنا في كثير من وجوه الواقع السياسي يكون دونيا لاعداء الاسلام لانه لايملك البديل العريق من دينه، فهو قريب من خدمتهم؟ لانه قد يقتضي عليه ان يدخل في حلبتهم التي صمموها ووضعوا نظرياتها واصولها ونظموها ويديرون حكمية لعبتها هم ولخدمة مصالحهم وحسب؟

•ب‌- من اي باب في نظام الملة ابيح تعدد الاحزاب الاسلامية اذا كان النظام المرجعي هو النظام الوحيد الذي يمثل نظام الملة في الكون؟ ولماذا لايقول المراجع كلمتهم في ذلك؟ او هل يجوز ترك شرائح من المجتمع نهبا لكل مدع؟ حتى الذين يدعون الاسلام، لابد ان نعرف اي قراءة في الاسلام يتبعون؟ حتى اذا كان ادعاؤهم تبعيتهم لاهل البيت فليس لهم الا نظام الملة عاصما من الضلال.

•ت‌- اذا كان القصد من الحزب هو العمل المنظم؛ فان التنظيم الفني الهرمي في النظام المرجعي افضل اوكثر عملية وعلمية في نظم وانتظام الامة من التنظيم الحزبي، فبما يتفضل الحزب على النظام المرجعي؟! ثم ما المانع من ارتباط العمل المنظم بالمرجعية، اذا كانت الغاية من العمل المنظم قصد القربى الى الله تعالى؟؟؟!!

•ث‌- ان الاحزاب السياسية اليوم والتي هي خارج النظام المرجعي لا تخدم الاسلام ولن تخدم الاسلام، لانها تكون عبئا عليه لانها لم ولن تسلم من الاختراق، فهي تسهم في شرذمة الامة، وتنتهي بصراع المصالح حتما، ولو كانت على الحق والعدل، لتوحدت عليه، لان الحق معرفة تجمع الناس عليها، والعدل حسن يجذب الناس اليه، لكنها لباطلها واستلابها تعاني انشقاقات دوما.. وتاريخ الاحزاب الاسلامية يجسد هذه الحقيقة.. و لا ادري لماذا يستمر المؤمنون! في تجربة خاسرة اذا كانت غايتهم الله تعالى؟

•ج‌-  اذا تيقنا ان النظام المرجعي لن يعجز من ان يوفر الضمان السياسي الافضل لقيادة الامة سياسيا، وقد اكد الواقع قدرات المرجعية هذه تاريخيا، فكثيرا ما اضطرت الاوضاع المعينة المراجع وفي كثير من الاحيان لقيادة الناس في احلك الظروف لانقاذها الى شاطيء الامان.

         وعليه لا يعقل مطلقا، بأن الدين الإسلامي يقضي بان يكون المسلم محكوما من قبل الآخرين وحسب، فلابد للمرجعية من توفير ذلك الضمان السياسي، وهي اقدر من الجميع واكفأ من الجميع في ذلك. واذا كان هذا حقيقة، فهل على المرجعية من ان تقطع الطريق على الاحزاب خارج النظام المرجعي؟ فالشريعة واضحة فيما احل اله تعالى وما حرم.. فلابد للمرجعية من الاجابة على الاسئلة التالية بوضوح تام:

•ح‌-     هل يجوز الدخول في الاحزاب السياسية التي تدعي انها اسلامية؟

 واذا لم يجز فما هو حكم الاحزاب القائمة فعلا والتي تدعي انها اسلامية؟

وما حكم التعامل معها؟

 وهل يجوز انتخاب ممثليها لسياسة الناس؟ واذا هم الان موجودين في مواقع المسؤولية فما حكمهم من اجل تبرءة ذمتهم؟

اما اذا كان جائزا فهل هناك شروط شرعية لقيام تلك الاحزاب؟ وماهي تلك الشروط؟

وهل يجوز لكل مسلم ان يؤسس حزبا؟

وفي حال اختلاف تلك الاحزاب وتناحرها فما هو الحل؟ اي هل هناك تشريع يحل الخصومات الحزبية؟

فلامة بحاجة لاجابات المرجعية محددةً ومؤشرةً، ثم بعدها لن يفرض امر على احد انما فقط نشير الى ماهو جائز والى ما هو غير جائز ليبقى للانسان المسلم الخيار كما هو في بقية افعاله، فنحن في موضع بلاء مبين، فمن احسن فلنفسه ومن اساء فعليها، و ان يوم الفصل كان ميقاتا.

وللانصاف؛ فان هناك في السياسيين الاسلاميين وفي موقع المسؤلية من لايعدم خوف الله تعالى، ولذا فنحن نقول لهم ونطلب منهم الاجابة على مئات الاسئلة الاساسية في التوجه الى الله بقلب سليم قبل العمل بالسياسة، والا فالهلاك .

•1-              هل نحن في وعينا السياسي والزعامات السياسية التي تقدمت للعمل السياسي بمستوى الدهاء الابليسي الغربي الذي نجده في نهاية التاريخ لفرنسيس فوكويما وفي صدام الحضارات لصموئيل هنتغتون؟ فان هناك لاعبون كبار في السياسة وهم براغماتيون، بمعنى انهم متحررون من كل قيد، وليس لهم سوى المصلحة مبدءا، وانتم اصحاب مبادئ فعليكم قيود وهم خارجها، بمعنى ان لابد لكم من ايديدولوجية تبرء ذمتكم في العمل السياسي، فهل امتلكتم تلك الايديولوجية؟ فقد اوضحنا في المقالة الحادية عشرة ان خيارات الفعل عند الانسان، طبقا للقران جوهر واسلوب واعداؤنا يغلفون، بل ويؤدلجون جواهر خبثهم باساليب حسنة، ويقدمونها لنا، وهذا ما لم نلتفت اليه في التعامل معهم!

 فهل الاحزاب التي تسمي نفسها اسلامية هل هي متيقنة من انها لا تسهم في الطعن بالاسلام؟ وكيف؟

 هل تملك الاحزاب والتنظيمات التي تسمي نفسها اسلامية، الحجة في براءة ذمتها امام الله تعالى من ادائها هذا الذي  يخجل حتى من لا دين له؟

  هل يجب علينا البحث عن الأصول الجوهرية لكيفية الحكم والسياسة في روح الإسلام؟  إذ كان لابد من التسليم بان الإسلام دين كامل وعقيدة تامة بنص الكتاب وسنة المعصوم، وفيه تفاصيل السياسة، واصول نظام كامل لوجود الإنسان وحياته وعقله، وفيه إجابة لكل تطلعاته وتساؤلاته، وفيه استجابة لكل حاجاته؟

ثم ان بعض الاحزاب والتنظيمات السياسية الاسلامية بدأت اصولية، وهي الان تمحو من نظامها الدخلي كل اثر للاسلام، فكيف نمتلك الحجة في استمرار العمل بها باسم الاسلام وتبعية اهل البيت خارج النظام المرجعي؟

 ماذا تعني السياسة بالنسبة للمسلم؟ هل هي خدمة الناس واداء الامانة وقضاء حوائج المؤمنين، أو او هي مجرد فن الحلية في إدارة شؤون الأمة وحكمها كما هي الان او كما كانت عند معاوية مثلا؟

 وللعاملين في السياسة ممن يؤمنون بالله تعالى واليوم الاخر، فان اي عمل يصدر عن الانسان غير مسبوق بقصد القربى لله تعالى فهو نفاق، اذن هل لابد أن تكون للسياسي المسلم عقيدة في هذا الفن؟ وهل لابد له من آليات تنبع من ذات الاسلام ويقرها الاسلام كي لايعذب عليها ؟ فما هي؟ وانى لنا الحصول عليها؟

المؤمن بالإسلام؛ يعتقد؛ إن الله على كل شيء حسيب؛ فلا بد أن يكون للمسلم ومن روح عقيدته تشريعات في السياسة مثل غيرها من شؤون الحياة، تبين له ما يجب وما لا يجب، وان الغفلة عن هذا فيه ظلم للنفس وللناس وللإسلام، أي كان مصدره!!.

ومثل ما يكون هناك كتاب للحج وكتاب للصلاة وكتاب.... لابد ان يكون هناك كتاب لسياسة الناس والمسائل المستجدة فيها.

وللإنصاف؛ يجب أن نحدد من هو الأجدر بالإجابة على هذه التساؤلات؟ أعلماء المسلمين أم عوامهم؟

        فالأحزاب والتنظيمات الإسلامية الحالية، تقدمت الى العمل السياسي مستلبين فكان هذا الاداء المخجل.

 فمع ان السياسي الذي يدعي اعتقاده بالاسلام لا يعلم شيئا عن راي الاسلام وما شاء الله تعالى - وفق حجة شرعية- بخياراته لفعله في السياسة، عندما مارس السياسة، في العراق، ليس لانه لايخاف الله تعالى، ولكنه مدفوع باللاوعي؛ مستلب اما بالدونية او الفوقية او بالنفاق او بالنفعية([10]) التي اعتقد ان معظم الساسيين العراقيين مبتلين بهذا النوع من الاستلاب بناءً على ما تقدم، والذي لا يشعرون به لانه جزء من اللاوعي؟؟.. والذي يتسبب بهذه الاستلاب وما تنتج عنه من لامبالاة خطيرة ..و يدفع السياسي الاسلامي اليها عدة اسباب منها:

تجد ان الاسلامي دقيق جدا في وضوئه كمقدمة للصلاة وحريص على وقتها والمحافظة عليها ، ونراه يحرص ان لاتمر عليه ادق الامور، ولكنه في السياسة نجده في بعيد عن تلك الحساسية!!! لايبالي اذا نهب المال العام، واذا اتى باحد ليعينه يشترط فيه الولاء لا الكفاءة، وهذا مرفوض شرعا،  فهل يعقل مثلا ان يكون لمسؤول ثمانون مستشارا كلهم من حزب واحد!! ودعونا لن نتكلم عن علميتهم، لكن نسأل هل ليس في العراقيين من هو اكفأ منهم؟؟ او اكثر وطنية منهم او اكثر ايمانا منهم؟ وهكذا في بقية الوزارات تجد نفس التصرف ممن يدعي الايمان!!، ثم يراق الدم البريء دون ان يتحرك ضميره. لانه غير مسبوق بتفاصيل شرعية للسياسة كما هي التفاصيل الشرعية في الصلاة وغيرها.. ترى فمن المقصر المستلب ام الحرامي ام صاحب البيت الذي لايسد الابواب وماله سائب؟

ولعبة السياسة لعبة يحركها الكبار في العالم، والذي يدخل حلبة السياسة دون ان تكون له من ذاته حصانة، وله اصوله وقواعده الخاصة لها؛ فما هو  في الحلبة الا بيدق بيد الكبار شاء ام ابى.

ونحن نرى اليوم ان السياسي المسلم وهو خارج النظام المرجعي، يكرس ذاته ليجمع الكم في العدد والعدة والمال ويؤثر اقاربه واحسابه، لانه لاتاثير معنوي له على احد لانه فاقد للروح المؤثرة، وفاقد الشيء لا يعطيه.. اذن ما العمل لتبرءة ذمة الاسلام من هؤلاء الادعياء؟

ولابد من الالتفات الى ما هو مهم أ يضا؛ وهو ان هناك نشاطات تحتسب على الدين نرى لادخل للمرجعيات في قيامها؛ مثل المواكب والشعائر الاخرى ، فهي تقوم بجهد شخصي من قبل المتطوعين وبدعم الناس لها، وكذلك يهمل تنظيمها، فليس هناك لمسات مسجلة او مكتوبة من قبل المرجعية لشرعية تلك النشاطات كما في باب الحج او باب الطهارة او المساقاة... ورعايتها ايضا تتم ان تمت من بعيد والمفروض ان يكون لدى المرجعية شعبة خاصة ترتبط بها تلك النشاطات وتاخذ شرعيتها ودعمها منها كما توصل ما تريد ايصاله اليها عن طريق تلك الشعبة. وكذلك استثمارها وتوجيهها، فان مايحصل مع الاسف وقد لاحظ الجميع ذلك في الاونة الاخيرة انها استغلت ووجهت لمصالح خاص بل لعكس ما مفروض ان تكون له، ان اهمية النشاطات الولائية يكمن في استثمار توجهاتها الذي يجب ان تمسكه المرجعية، اذ انه وصية المعصومين باحياء امرهم لان في احياء امرهم احياءا للدين.

ولذا فنحن هنا نحتاج الى الاجابة من قبل مرجعياتنا كي يكون لنا منهاج شرعي يستوعب الكتاب والسنة في:

تثبيت اطروحة للايديولوجية السياسية الاسلامية مبرءة للذمة(شرعية لها حجة يعتد بها).. او رسالة عملية للسياسيين على اعتبار ان السياسة صارت محل ابتلاء للجميع فنحن اما سياسي او ناخب له، والحل والخلاص من هذا البلاء يكمن في رسالة تستمد فصولها من توجيهات من روح نظام الملة.

 وزيادة في السيطرة للمرجعية، من اجل تحكم نظام الملة وامضائه، تشكيل رقابة مرجعية للعمل السياسي الاسلامي، معززة برقابة شعبية من باب كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته، في اقسام خاصة من اقسام المؤسسة المرجعية.

ابراز القوانين الانظباط الشرعية بخصوص السياسيين، ووضع منهج للتنمية الساسية  والتقويم كما كان الامام علي عليه السلام يتعهد الساسة الذي يعينهم فيراقبهم ويقومهم ابان فترة حكمه عليه السلام، وفق منهج مدروس تعده المرجعية؛ يتولى العلماء والخطباء وخدام المنبر الحسيني توعية سياسية شاملة للامة بالرسالة العملية وبالواجبات والحقوق السياسية للسائس والمسوس.

ولا بد ان تكون هناك احكام شرعية للتعامل مع الديموقراطية، ومع التعددية، والعلاقة مع الآخر في العمل الدبلوماسي والعلاقات العامة، والعلاقة مع الذات، ومع الشركاء في الدين والمذهب، ومع أعداء الإسلام الذين يكيدون له من خارجه ومن داخله؟

وهناك ما هو مهم: الآن؛ وقد قبل اتباع اهل البيت الدعوة لحكم العراق، واستلموا المناصب..وتصدوا للعملية السياسية باسم الاسلام- كما هو ظاهر- ان من حقهم ان يمتلكوا برنامجا سياسيا عقائديا، ورؤيا واضحة لكيفية إدارة البلد وفق عقائدهم التي يسمونها إسلامية لابراء ذمتهم امام الله تعالى؟ ولا يكونون مطعنا في الدين كما يدعي التكفيريون انهم يمثلون الاسلام وهم يلبسونه على الناس، فلا بد من فرق جوهري يبرز حسن نظام الملة بعتباره خيار الله تعالى، وخيارات الله تعالى كلها حسنة جذابة.

فالمؤمنون بنظام الملة وان حسنت نواياهم، فان حسن النوايا لايكفي دون ما يبرء الذمة امام الله تعالى والناس، لأنهم لايملكون لا الايديولوجية ولا آليات تستوعب التوجهات اللازمة  لدولة عصرية  وفق نظرية إسلامية تحقق أهداف الرسالة الإسلامية الكاملة الخاتمة!!! فكانوا- مع الاسف في كثير من الاحيان- عبئا على الإسلام وسببا للطعن فيه.

ان علينا ان نركز الان على  معايير من ذات الاسلام، يمكن من خلالها ضمان تمثيل الإسلام؟

وان هناك تساؤلات مشروعة كثيرة، يجدر بنا الإجابة عليها، في سبيل سياسة اسلامية مجزية زمن الغيبة.


 


1) التوبة - 122.   

([2] الاحتجاج للطبرسي ج2/ ص: 543.

[3] ) الاحتجاج للطبرسي: ج2 / ص/510-512/ ح337

[4] ) الصراط المستقيم للبيضاني:ج3:ص:56

[5] ) الاحتجاج للطبرسي: ج2:ص:159:ح:192

[6] ) سورة الأعراف - آية 159.

[7]  ) سورة الاعراف- 181.

[8]  ) نهج البلاغة، محمد عبده، ج1 ص:80

[9]  ) من لايحضره الفقيه للشيخ الصدوق :ج 2 / ص: 189 /ح: 2108.

[10]  ) فصلنا معاني الاستلاب في المقالة الثالثة .

 

 

محسن وهيب عبد


التعليقات

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-10 11:43:28
سيدي الكريم ابا احمد
انها لفتة كريمة وشرف ان اتلقى دعاءكم، اتمنى ان يكون لكم الوقت للاطلاع على المقالات التالية في ذات الموضوع.
تقبلوا تقديري وخالص مودتي
محسن وهيب

الاسم: كريم خلف جبر
التاريخ: 2009-03-09 18:00:08
الاستاذ ابا سراج:
السلام عليكم 000 لقد انرت لنا الكثير مما يغيب عنا يهذه التساءلات نتمى لك التوفيق والسداد0
كريم خلف جبر

الاسم: محسن وهيب عبد
التاريخ: 2009-03-05 00:01:46
عزيزي المتفضل ابا زينب
شكرا لمتابعتك و لاهتمامك بما اكتب واتمنى ان نصل في النتيجة الى ما يبرز كمال العقيدة الاسلامية وصدق قراءة ال محمد لمشيئة الله تعالى، في وحيه والذي به خلاص مما ابتلينا به جميعا
مع تقديري واحترامي

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 2009-03-04 17:28:31
المفكر الاستاذ ابا سراج ..شكرا لبحوثك المعرفيه والفكريه التي تغوص بالفكر الاسلامي؛لا ريب إن دور المرجعيه على طول التاريخ هو حفظ الامه وحقوقها وارشادها روحيا وفكريا وثقافيا وسياسيا والتصدي الى اي انحراف بكل المجالات...أطال الله بعمرك..




5000