.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


البعد الأخلاقي لبيعة الإمام علي (ع)

د. آمال كاشف الغطاء

أن بلاد الحجاز تتحكم بها نزعة العصبية القبلية والولاء فيها يقوم على أساس النظام القبلي لذي تحكمه رابطة الدم وتشكل الصراعات بين القبائل من أجل السلطة والثأر والماء والكلأ جزءاً كبيراً من سير الأحداث فيها واستطاع النبي (ص) بدعوته الإسلامية تغيير بنية المجتمع ونقل الولاء الفردي من ولاء القرابة والدم واللون والعنصر(*) إلى ولاء فكري يؤمن بوحدة الخالق والكون والإنسان ولم تعد القبيلة تحتل المكان الأرفع والأعلى في العلاقات بين الناس بعد أن تمت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقيام معركة بدر الكبرى وساد الإسلام بعد فتح مكة ودانت له القبائل العربية وأصبح الإعلان عن خليفة للنبي (ص) أمرا ضرورياً بعد أن تناول كتاب الله والأحاديث جميع النبوية جوانب الحياة وقدم شروحاً وافية لحل معضلاتها.

جاء النبي (ص) ولأول مرة وبشكل مدون بفكرة النظام الذي  تتغير طبيعته عندما ينفصل جزء منة  كما أن أي خلل يصيب جزء يسري إلى الأجزاء الأخرى كالجسم الانسانى عندما ينفصل جزء منه او يصيب جزء ما الخلل يسرى إلى الأجزاء الأخرى ويصاب التكوين بأكمله بالخلل والتغيير في جزء من المجتمع سيسرى التغيير إلى ابعد نقطة فيه والفرد مسؤوليته أن يحافظ على النظام ولا يسيء إليه وفي الآية (وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) فالقتل هنا اختراق للنظم الكونية وهدر لحياة إنسان وسلب وجود يؤدي إلى وجود آخر كما أن السرقة تؤدي إلى الإخلال في وظائف الأفراد حيث الاعتماد على كسب غير منتج وتتغير ثروات البعض وتزداد على حساب ثروات الآخرين ويميل المجتمع إلى سيطرة أناس لايملكون الشرعية وبالتالي يكونون على قمة السلطة. إن هذا الخلل في السلوكية يغير من طبيعة العلاقات في المجتمع كما أن النظام له صفة أخرى هي أن له حدود وهي تبدأ من نقطة لتنتهي إلى نقطة أخرى تشكل حد للنظام كالجهاز التنفسي والآلات وفي حالة المجتمع القبلي تتلاشى الحدود فالفرد يمارس الحرب والنهب والزعامة في آن واحد في حين إن الإسلام طرح حدود للأفراد قد يخرج عنها لفترة معينة ليعود إلى حدوده الأولى ففي حالة البيعة يمارس المسلمون عملية اختيار خليفة على أن يعود كل منهم إلى سابق وضعه الطبيعي  فالمسلمون لهم وظائف وأدوار متعددة سواء داخل الأسرة أو في المجتمع وهذه الوظائف لها أهميتها وضرورتها كالولاة والجباة وقيادة الجيش، ولكن النظام بعد زمن الإمام علي (ع) تميز بالتغيير في وظائف الأفراد وانحصرت الأعمال كلها في شخص الخليفة ولم يعد للآخرين دور يذكر سوى قدرتهم على تنفيذ أرادة الخليفة (وهذا مما أثر على طبيعة الحكم في البلاد العربية إلى يومنا الحالي حيث نجد لا حدود لوظائف الأفراد) في حين نجد في عهد الإمام علي (ع) إلى مالك الاشتر النخعي يوضح حدود وظائف الأفراد وأهمية أدوارها وعدم إهمال دور جهة على حساب جهة أخرى لقد كانت البيعة مبنية على فكرة النظام من حيث تحديد ادوار الأشخاص وتثبيت المواقع حتى لا يسرى الخلل من جزء إلى جزء آخر  فالمجتمعات عندما ينمو جزء منها على حساب الأجزاء الأخرى تتشكل حالة من القلق والاضطراب بحيث تسرى هذه الحالة إلى الأجزاء الأخرى.

إن الإعلان عن وجود خليفة في حياة النبي (ص) أمراً ضرورياً بعد الفتح السلمي لمكة ودخول القبائل العربية في الإسلام وغطى كتاب الله والأحاديث النبوية كافة جوانب الحياة الإنسانية وقدم شروح وافية لحل معضلاتها. فكانت مبايعة الإمام علي (ع) تمثل أنعطافاً هاماً في تاريخ المنطقة بأسرها ليس فى الحجاز وحسب وإنما امتد إلى الإمبراطورية الفارسية والبيزنطية فالمبايعة تمت بأن يعطى كل فرد الموافقة الفعلية باليد والموافقة اللفظية باللسان وتكمن أهمية هذه الخطوة في بيان الأخلاقية التي يتولى بها الحاكم للسلطة وشكلت البيعة جزء من المنظور السياسي للإسلام بكيفية تولي السلطة ومدى أهمية الفرد في هذه العملية حيث لم تتم البيعة بطرح الموضوع على المجموع وإنما  كل فرد له دوره الواضح في هذه العملية وهذه البادرة الفريدة  لم يسبق لها مثيل وسط مجتمع يقر بأحقية الوراثة أو القوة في تولي السلطة فالإمبراطورية الفارسية والبيزنطية والقبائل العربية كان تولي السلطة قائم على هذين الأمرين أما استعمال القوة العسكرية أو وراثة العرش، وأدرك النبي (ص) ان الأمور في الأمة الإسلامية إذا سارت على هذا النهج سيؤدي إلى الطغيان والتفرد بالسلطة وبما أن هذه هي الحجة الأخيرة مع القبائل العربية أصبح من الضروري طرح أخلاقية العمل السياسي الذي يضمن حرية التفكير  ومشاركة الأفراد في اختيار الحاكم فأتخذ خطوات منظمة يترتب بعضها تلو الآخر وكانت الخطوة الأولى اجتماع القبائل العربية في مكان محدد ومميز ووقت زمني يبقى عالقاً في الأذهان والخطوة الثانية هي وجود نص لا التباس فيه يؤكد ضرورة اتخاذ هذه الخطوة وتلتها الخطوة التالية وهي تحديد النهج الذي يتم به اختيار الشخص المناسب وكان هذا النهج الأول  من نوعه فى التاريخ بأن يتقدم كل فرد ليعبر عن رأيه بحرية وبملأ إرادته  وتكون المشاركة السياسية الفعالة لجميع الأفراد دون استثناء  فلكل منهم نفس الأهمية في اتخاذ القرار و لهم نفس القدرة والإرادة التي تتناسى صلات الدم و التعصب القبلي ليختار من يمثله في السلطة ولم يتم اختيار الإمام لهذا الموقع بناء على القرابة وصلة الدم ولا على البطولات التي قام بها و مشاركته في الحروب وكفاحه من أجل نشر الإسلام ولكن الاختيار كان بناء على الآية الكريمة (إنما وليكم الله ورسوله وأولي العلم منكم) وأولى العلم هم علماء الأمة ورسول الله (ص) أوضح بحديث شريف (أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد العلم فليدخل من بابه) فعلم الإمام علي (ع) هو الذي يستطيع ان ينقل الإسلام من الفكرة إلى العمل وإن يعالج مشكلات الواقع بنظرة عقلانيه منطقية لقد مزج الإسلام بين حكم الصفوة وحكم الديمقراطية فلا يمكن أن يتقلد أمور الأمة أشخاص لا يملكون المؤهلات لإدارة شؤونها وتصبح الغاية هو تبؤ مراكز السلطة والولاء الأعمى دون تمييز فإختيار الإمام علي (ع) مبنياً على تغير موازين القوى في المجتمع الإسلامي حيث لم تعد القوة المادية أو المعنوية تلعب دوراً في تسير أمور المجتمع لوحدها وإنما أضيف إليها أهل العلم والتقوى بالأحرى تطلب أن يكون أصحاب القوة المادية والمعنوية من أهل العلم والتقوى وقد سعى النبي (ص) جاهداً أن يجنب الأمة الفتن والمشاحنات بسبب الأطماع والمنازعات وإنما توجيه جهود الأمة نحو أهداف أسمى بوجود خليفة يملك زمام الموقف ويمنع الانقسامات والحزازات من الظهور إلى السطح ثانية ويقف سداً منيعاً أمام النزاعات القبلية وتعدد الزعامات بإنقسام المجتمع إلى وحدات قبلية متعددة لقد أعطيت الزعامة الدينية والدنيوية إلى الإمام علي (ع) وذكر حديث الغدير في الصواعق المحرقة لأبن حجر العسقلاني وتاريخ الخلفاء للسيوطي والعقد الفريد لأبن عبد ربه ورواة 120 صحابياً و 84 تابعياً وجاء في كشكول الزنجاني(1).

((لما نزل في حجة الوداع قوله تعالى))

"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" وكان النبي (ص) في غدير خم وقت القيلولة من شدة الحر بحيث لو وضع اللحم على الأرض لشوي فأمر باجتماع الناس وعمل له منبر من أحجار ثم قال (ص): أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا: بلى يا رسول الله. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والي من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله فقال: عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل المؤمنين ومؤمنه ثم نزل بعد ذلك قوله تعالى : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" فقال النبي (ص) الحمد لله على أكمال الدين وأتمام النعمة".

لم يكن العلم وحده يميز الإمام علي (ع) فقد ارتبط العلم لديه بالسيرة الحسنة التي هي ضرورية ولازمة لتولي أمور المسلمين فسيرته المتميزة بالجهاد المتواصل والصراع من أجل تثبيت دعائم الإسلام دون كلل ولا هوادة فالأمام يمثل الإيمان كله مقابل الكفر كله(2) والآيات الأولى من سورة البقرة تصف المؤمنين "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة" وتوضح طبيعة الإيمان وهو أخلاقية المسلم النابعة من اعتقاده ويتبين هذا الإيمان بإقامة الصلاة ويرتبط بها الإنفاق مما يرزق الله وليس باغتصاب أموال المسلمين "الذين يأتون الصلاة وهم راكعون".

كما أن الآية التالية من سورة البقرة توضح الإيمان المتواصل لمبادئ الإسلام وبالشرائع المنزلة وما ورد في القرآن الكريم واليوم الآخر وإن الإنسان يتواصل في إيمانه على امتداد التاريخ فليس هناك انقطاع في حبل الشرائع الممتد على خط التاريخ من النبي آدم (ص) وحتى النبي (ص) مما يجعل الشرائع ذات قوة وثبات وقدرة على الرسوخ في نفوس الناس .

((والذين يؤمنون بما انزل اليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هو موقنون)).

وتبين الآيات من سورة البقرة من (7-11) الكفار هم أناس  محدودي التفكير يرفضون النقاش وعندما يسيئون إلى الآخرين ويعبثون ويقتلون  يعتبرون ذلك أصلاحا. وهذه سمات الذين واجهوا الإمام علي (ع) خلال خلافته ووقفوا منه موقف العداء وفي الإمام علي (ع) وردت آية التظهير (3) وآية المباهلة (4).

إن آية التظهير "إن الله يريد إن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطيرا" إن آية التطهير تظهر إن الإمام علي (ع) يمتلك القدرات الكافية لتجنب كل ما يؤدي بالإساءة إلى مخلوقات الله والعبث بقوانين الكون وأحكامه بالكذب والسرقة والقتل المتعمد وأكل الأموال بغير حق.

وصف الجاحظ الوضع الاجتماعي للناس بعد وفاة الرسول (ص) (5) :

•1-   رجل مؤمن عالم ناصح لله ورسوله.

•2-   رجل مطاع ليس له علم بالإمامة وما السبب الذي به تعقد من السبب الذي به تنحل.

•3-   رجل له مكانة في قريش ليس غايته إصلاح المسلمين وإنما يكون الأمام من اقرب القبائل إليه ليزداد هو وقومه بذلك شرفاً وفخراً.

•4-   رجل له قرابة يدعى أنها تغنيه عن العلم والمعرفة.

•5-   رجل شديد في بأسه ضعيف في دينه مخف في ذات يده بعيد الهمة خامل في هدوء الناس وأمنهم فهو لا يألوا إضرام الفتنة وتهيج السفلة.

•6-   رجل أخافه السيف وأتقى الذل والقتل بإسلامه ونفاقه يترقب الدوائر ويتفرج إلى الأراجيف ويستر يح إلى الأماني:

•7-   رجل دخل الإسلام مع من دخل في دين الله من الأفواج يدين لمن غلب لا يدفع مبطلاً ولا يدين محقاً.

لو تفحصنا الطابع الخلقي لهؤلاء نجد أن الطبقة رقم (1) هي التي تتحقق بها صفات  المؤمن كما فى سوره المؤمنون وأما الطبقة الثانية فهو مطاع في قومه أما لكثرة ماله أو لنسبه وهذا يعود بنا إلى الآية الكريمة "أيظن أن ماله أخلده" فهو لا يعرف تأثير الزعامة السياسية على المجتمع أنه يعيش في عالم الزعامات الصغيرة التي تتعامل مع مجاميع محدودة من البشر دون حساب لعلاقتها مع العوامل الأخرى التي  تأثر فيها. أما الطبقة الثالثة فهي التي تعيش وتقتات على مصالح الأمة ويعتبر وجود الخليفة يحقق له ولقومه العزة والرفعة فهو يسعى إلى منفعة محدودة لا يحفل بالآخرين ومصالحهم. وتأتي الطبقة الرابعة لتشكل احد عوامل التعصب القبلي الذي يعتبر صلة الدم هي المؤشر لمنزلته في المجتمع وليس الكفاءة والقدرة، ويعتبر رجال الطبقة الخامس ممن يعتبر الفتنة خير مورد لظهوره وله القدرة على إدارة الدهماء وتحريك مشاعرهم ويستمد قوته من ضعف دينه الذي يمنحه القدرة على سفك الدماء وإزهاق الأرواح.

ويبقى رجال الطبقة السادسة والسابعة هؤلاء وقود الفتنة من السهولة قيادتهم تدفعهم الأهواء والمطامع ان التقسيم الطبقي الذي ذكره الجاحظ لا يزال سارياً في مجتمعنا العربي وعهود الظلم والطغيان زادت من حدة هذا الوضع الاجتماعي ولكن ما هي نظرة الولاة الطغاة إلى المجتمع؟ وكيف تقسم المجتمع؟

إن الطغاة تنظر إلى إن المجتمع ينقسم إلى قسمين هما موالي وغير موالي أما معنا أو ضدنا وهذا ما أدى إلى تدهور المجتمعات الإسلامية وأنهيار الخلافة الإسلامية حيث لا تؤخذ مصلحة المجتمع وأرادته.والإمام علي (ع) أخذ بنظر الاعتبار تقسيم الجاحظ مضيفاً إليه أن الولاء يرتبط بالكفاءة فولاء بدون كفاءة غير مجدي ويؤدي إلى تدهور أدارة أمور الأمة فكان يدرب أتباعه ويوجه النصح لهم ليكونوا قادة وولاة أكفاء وهذا ما يتميز به حكم الإمام علي (ع) إن الحكام الذين يعتمدون على الولاء كأساس لبناء دولتهم هم أصحاب أفكار عقائدية جامدة لا تأخذ بنظر الأعتبار الظروف الموضوعية (وهذا احد أسباب انهيار الخلافة الإسلامية حتى ولو كانت قائمة فهي بالأسم فقط) إن أختيار الإمام علي (ع) جاء على أساس الولاء والكفاءة مخالفاً ما كان متبعاً آنذاك في الاختيار بان الأولوية فى الزعامة  العشيرة والدم ومن ذلك جاء "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً".

إن الواقع الطبقي الذي ذكره الجاحظ سيبقى يهدد الإسلام بإفراغه من محتوياته الفكرية والمنهجية وجعله شعائر وطقوس مما يؤدي تدريجياً إلى اقتراب الطبقة الثالثة والخامسة والسادسة والسابعة من مراكز السلطة الظالمة الجائرة لتأخذ بزمام أمور الأمة وتتسلط على مقدرات الأمور وتتحكم برقاب الناس وتمنع مبادئ الإسلام من السير على أسس الولاء والكفاءة مما يهدد المجتمع بانقسامات خطيرة تتمثل فى التعصب الطائفي والقومي و التكالب على السلطة والمال وقد أوضح الإمام علي (ع) الوضع الاجتماعي في خطبته التي قال فيها:((أيها الناس أنا أصبحنا في دهر عنود وزمن شديد يعد فيه المحسن مسيئاً ويزداد الظالم فيه عتواً)) ويوضح الإمام في هذه الفقرة كيف تغيرت موازين الأمور ويصف الزمان بأن المحسن مسيئاً لأن الكذب والخيانة ونقض العهد أصبحت صفة ذلك الزمن وأخلاقيته السائدة والظالم يزداد في طغيانه لأن الظلم يقتات على الكذب والخيانة والتجبر على الله والاستهانة بمخلوقاته وكل عمل يذهب هباء لا تؤخذ فيه العبرة والموعظة والتجربة وليس هناك من يسعى للمعرفة ولا احد يملك القدرة على التساؤل والحوار والوصول الى الحكم الصحيح ويذكر الإمام (لا نسأل عما جهلنا) فرغم أنه خليفة فهو يضع نفسه في موضع المحاسبة والمساءلة ويقول الإمام (كل ما متوقع يحدث).

وهنا يصل الإمام إلى قمة المنطق فيجرد الأحداث من حتميتها وإنما هناك سلوكية وتصرف في المجتمع تؤدي بالضرورة إلى دمار المجتمع لأن الناس على أربع أصناف كما ذكر الإمام علي (ع): الأول منهم (لا يمنعه الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ) وهؤلاء أصحاب سوء النية وخبث السريرة لا يحتاج إلى بيئة تتوفر له ليكشف عن خفايا نفسه وهؤلاء هم من يستعين بهم الطغاة والحكام الجائرين ليكونوا أدارة لتنفيذ مآربهم وبسط سلطتهم فهو يبتعد عن الخطيئة والسرقة والنهب لإن الفرصة لم تتوفر له ولم يمسك مهمات القوة. اما الثاني فهو (المصلت بسيفه والمعلن بشره والمجلب بخيله ورجله قد أشرط نفسه واوبق دينه لخطام ينتهزه أو مقنب يقوده أو منبر يقرعه ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً وحمالك عند الله عوضاً). إن هؤلاء من يجمعون بين الحماقة والجهل والاندفاع الأعمى والتهور لا يبالون بدماء الناس ولا بأرواح الآخرين يبحثون عن السلطة والجاه بشتى الطرق مبدأهم الكلمات وسلاحهم إزهاق الأنفس. والثالث يقول عنه الإمام (ع) "من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد ظامن شخصه وقارب من خطره وشمر عن ثوبه وزخرف من نفسه للإمانة واتخذ ستر الله ذريعة للمعصية".

أنه المنافق الذي يتظاهر بعمل الخير للوصول إلى مآربه في السلطة والجاه وهنا نجد الإمام يؤكد أن الآخرة تطلب بعمل الدنيا فهو الذي تصدق بخاتمه وهو راكع للصلاة  فالصلاة لا تمنع من عمل الخير ووضح بأن الصلاة ترتبط بالزكاة انها وحدة النفس وصفاءها في التوجه إلى الله ولكن الإمام يوضح إن هؤلاء يمزجون بين الصلاة ونهب أموال الناس ويتظاهرون بعمل الخير ليكون واسطة للكسب المادي والمعنوي أن أمثال هؤلاء خطر على المجتمع لأنه متمرس في الدجل والخداع.

اما الصنف الرابع فيصفه الإمام ع):"منهم من أبعده عن طلب الملك ضئولة نفسه وانقطاع نسبه فقصرته الحال على حاله فتحلى بالقناعة وتزين بلباس أهل الزهاد وليس من ذلك في مراج ولامفدى" يؤكد الإمام (ع) على أهمية الحالة النفسية وأن على الفرد أن يسعى لطلب ما يرفع من همة نفسه كالعلم والمال الحلال ولكن هؤلاء لا يملكون القدرة والإرادة ليتجاوز بها ضئالة نسبه متجاهلاً الحديث الشريف (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) وامثال هؤلاء يلجئون إلى رداء القناعة والزهد ليخفى حقيقة نفسه التي تحس بالذلة والمهانة.

اما الفئة الخامسة فهؤلاء المؤمنون الذين لم يتمرسوا في خداع ووهم السلطة يتمسكون بتعاليم الرسول نالت السلطة الغشومة منهم حتى تبدد جمعهم وقلت كثرتهم فيقول الإمام (ع) " وبقى رجال غض أبصارهم ذكر المرجع وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد ناد وخائف مقموع وساكت مكتوم وداع مخلص وثكلان موجع قد أخملتهم التقنية وشلتهم الذلة فهم فى بحر أجاح أفواههم ضامرة وقلوبهم قرحة قد وعظوا حتى ملوا وقهروا حتى ذلوا وقتلوا حتى قلوا".

يوضح الإمام (ع) أن القسم السادس يتقون العاقبة ويؤمنون باليوم الآخر لإن الإنسان يفنى جسده وتبقى الروح فأعماله لا تنتهي في الدنيا وإنما يجد صدى لها في العالم الآخر.

وهؤلاء لا محل لهم لدى الفئات الأخرى وخطر عليهم لأنهم يدعون إلى الإصلاح وأنصاف الفقير فهم أما مشرد مثل أبو ذر الغفاري أو يجبر على السكوت مثل عبد الله بن كتوم أو فقد أحبائه واتخذ التقية ولكنها أدت إلى خمولهم وذلتهم وال الأمر بهم إلى الجوع والفقر والحاجة . قدموا الموعظة فلم يستمع لهم أحد وتعرضوا إلى الإذلال مثل عمار بن ياسر وكتم الأصوات والاستبعاد عن مراكز القرار حتى لم يعد لهم شأن مثل جابر بن عبد الله الأنصاري ونال القتل منهم حتى أصبحوا أقلية.

أوضح الإمام الحركة داخل المجتمع فصعود الفئات الأولى إلى قمة السلطة يؤدي إلى ظهور الطبقة السادسة نتيجة الظلم وإن السلطة الرشيدة لا تستطيع ان تكبح جماح الرغبات والنزعات الشريرة والأهواء الطامعة لدى الافراد ولكنها تضع الحدود والقوانين والشرائع التي تحدد من هذه النزعات التي تعصف بالمجتمع وتدفعه إلى الذل والخنوع. إن المقارنة بين المنهج السياسي للإمام علي (ع) ومن جاء من بعده من تولى الحكم قد يحكم البعض بفشل الأول ونجاح الثاني لقد نجح معاوية كحاكم سياسي استطاع أن يرسم الطريق للخلفاء الطغاة في الوطن العربي ولترضخ الشعوب الإسلامية قرون عديدة وإلى يومنا هذا للجور والظلم والطغيان ويعتمد على مبدأ الجبرية واستبعاد المنهج العقلي ونجح الإمام علي (ع) كحاكم عادل وضع الأسس لكرامة الإنسان عندما رفض قتل عمرو بن العاص والتمثيل بأبن ملجم وضمن حرية الفرد عندما استجاب للتحكيم في صفين وساوى في الأجور عندما أعاد توزيع الثروات كما كان في عهد الرسول (ص) والخليفة أبو بكر (رض)

 

 

* ) راجع كتابنا "العصبية القبلية وأثرها على المجتمع العربي والهجرة النبوية.

 

 

د. آمال كاشف الغطاء


التعليقات

الاسم: دكتور خليل شاكر حسين الزبيدي
التاريخ: 06/10/2009 21:04:33
ليس من السهل تقديم شيئا جديدا حول موضوع قد تناولته اقلام المؤرخين القدامى والمحدثين ذلك لان ما حدث بعد وفاة الرسول الكريم (ص) من احداث جسام قد تركت بصماتها على الواقع الاسلامي الى يومنا هذا.ويظل موضوع تداول السلطة في الاسلام من المباحث التي تستهوي الباحثين وانا منهم الامر الذي دفعني الى اختيار تجربة الخلافة الراشدة لتحضيراطروحة دكتوراه في جامعة اكس/بروفانس في فرنسا.والحقيقة ان انعدام الحرية الفكرية في ابداء الراي قد جعلت العرب خاصة والمسلمين عامة اسارى المواقف القديمة التي تبنتها اجيال عاشت في غابر السنين.ولا اعتقد ان العرب والمسلمين يمكنهم التحرر من قيود الماضي لان شبح الطائفية والغاء الاخر اصبحت صنعة اجاد من لهم الغرض في تأجيجها.ان تجربة الراشدين لم يكتب لها النجاح لاسباب شتى طرحها ذوو الاختصاص ولكن نحن بحاجة الى اكتشاف مخطوطات جديد تميط اللثام عن ملابسات هذه الفترة العصيبة.

الاسم: بدر بن محمد
التاريخ: 12/06/2009 23:16:14
النسق التاريخي في كتاباتك جميل ولكن والوقائع والأرأ مختلفه نوعاًماعماهو موجودفي بعض المراجع وعند بعض الكتاب وهذا لاينقص من قيمه اعمالك لأننا في الثقافه العربيه بحاجه الى التنوع كما انني لاحظت بان كتابتك تميل للحياديه تحياتي

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 04/03/2009 06:22:23
د. آمال كاشف الغطاء..
عودتنا كتاباتك الجادة والهادفه والرصينه لأضاءه زوايا مهمة في الحقل المعرفي والتأريخي بتسليط حزمة من الضوء على جوانب مشرقه من تأريخ الامام علي بن ابي طالب أسد الله الغالب..

الاسم: عزيز عبد الواحد
التاريخ: 02/03/2009 22:18:29
السيدة الفاضلة الدكتورةآمال الموقرة
السلام عليكم
لقد تبحرت وكشفت الغطاء فلك منه تعالى وافر الجزاء.
وقد توقفت عندهاتين الفقرتين التاليتين ولم أفهم مدلولهماحيث لم يكونا من النص القرآني وهما:{
كان بناء على الآية الكريمة (إنما وليكم الله ورسوله وأولي العلم منكم), إلى الآية الكريمة "أيظن أن ماله أخلده"}
ارجو التوضيح وشكرا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




5000