هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة / طرقات ناعمة

جمال نوري

عندما غادرت السيارة، تركت خلفها رجلاً وعكازتين وحقيبة صغيرة وخطاً طويلاً من الغبار ما أنفك يلاحق السيارة المبتعدة عن هذا الحي الجديد، نفض غبار السفر وحمل ما تبقى من جسده منطلقا نحو تلك البيوت التي لم يكن يعرف عنها أو عن وجودها أي شيء... فحينما ترجل من السيارة لم يكن يتصور أن هذا الحي النائي عن المدينة سيكون مكتظا بهذا الشكل بعد ثماني سنين أمضاها في قفص الأسر...

 ((  لا تعرفين مقدار سعادتي وأنا أتلقى مع رفاقي خبرا زفّه إلينا أحمد رجب، حين قال يمكنكم الآن أن تكتبوا إلى زوجاتكم... لقد كان للخبر وقع البرق في جسدي فلم أعد قادرا على تمالك نفسي، نهضت مأخوذا بالمفاجأة، أذرع الممر الضيق أحاول الإمساك بالكلمات التي سأكتبها إليك... أية كلمات يمكن استحضارها الآن بعد عامين طويلين، عامين رهيبين من العذاب البطيء ..))

كانت الشمس تهبط ببطء باحثة عن مكان لتختبئ فيه، شعر بتعب شديد، وضع العكازتين جانبا ثم جلس ليتنفس الصعداء، سحب الحقيبة السوداء وقربها إليه ... ما يزال في بداية الطريق الترابي الذي سيوصله بعد قليل إلى بيته.. في هذا المكان بالذات وقف قبل ثمان سنوات بانتظار السيارة التي أقلته إلى الكراج.. ولم يفكر في وقتها انه سيغيب كل هذا الوقت.. كانت دهشته كبيرة إزاء هذا العدد الهائل من البيوت التي تناثرت هنا وهناك وخشي في سره أن لا يعثر في النهاية على بيته... بيته الذي كان يبدو قبل ثمان سنين وحيدا منزويا في نهاية هذا الشارع الطويل..

          (( أقسم لك يا ليلى أنني لم أنم تلك الليلة... وأصبحت الرسالة شغلي الشاغل.. كيف أبدأها وكيف أنهيها... يا ترى ما الذي يقال بعد كل هذه السنين !. ولا أخفي عليك إذا قلت لك إنني بكيت مثل طفل صغير.. استحضرت كل اللحظات السعيدة التي أمضيناها معا.. وكل المشاجرات التي كنا نختلقها لا لشيء إلاّ لكي نتصالح بعد حين مثل طفلين غضين.. ))

أنهض جسده بعد أن تناول الحقيبة ثم واصل خطواته البطيئة نحو فم الزقاق.. دكاكين صغيرة مشرعة الأبواب، ورجال متعبون عائدون إلى بيوتهم بعد نهار حافل بالعمل، وأطفال صغار يتمردون على صراخ أمهاتهم اللائي يدعونهم للدخول إلى البيوت لتناول العشاء الذي كان يبدو له مبكرا بعض الشيء..

          (( ستكون سعادتك بلا حدود، عندما تمسكين برسالتي هذه، ولن تسعك حينها الدنيا بأسرها فتخبرين والدتي وأبي وأخوتي وكل أقربائي.. لا شك أن الرسالة ستقطع دابر الأسئلة التي راودتكم لسنين وتؤكد لكم بأنني لا زلت حيا أرزق... ))

اقترب من الدكاكين المطلة على الشارع، واستطاع بعد لأي أن يقترب من إحداها... تطلع بشغف إلى محتويات الدكان، ولم يلفت نظره غير تلك اللعبة الجميلة المدلاة من السقف... كانت جميلة ورائعة، أشار إليها ودفع ثمنها لصاحب الدكان... وضعها في الحقيبة مع ثوب النوم السمائي الذي اختاره لزوجته بعد أن تجشم عناء البحث عنه في إحدى أسواق بغداد..   (( صدقيني هذه هي الرسالة الخامسة والعشرون.. هذا الحظ الذي تذكر الجميع وأنكرني، كل الذين معي تسلموا رسائل من زوجاتهم وأمهاتهم وآبائهم وانكفئوا في زوايا المكان يتملون فيها ويعيدون قراءتها عشرات المرات... أنا وحدي بقيت انتظر... واساني الأصدقاء وخففوا من همومي، وحاولوا أن يرسموا لي بارقة أمل ما زلت أتعلق بها... ))

غفت اللعبة قرب ثوب النوم في جوف الحقيبة السوداء، غذ السير مبتعدا عن الدكاكين التي شرع أصحابها بغلقها ومغادرتها إلى بيوتهم...

          (( عزيزتي.. فقدت الأمل والى الأبد، ولم أعد أحلم إلاّ بنهاية اللعبة التي ستتيح لي فرصة العودة إليكم مرة ثانية، أتساءل دائما إلى أين تذهب رسائلي هذه.. ولماذا لن تصلني ردودكم؟ رسالة واحدة... بالله عليكم.. اشفوا على وأرسلوا لي رسالة واحدة لا غير... ))

داعبت الشمس ذؤابات الأشجار الباسقة وهي في طريقها إلى مخبئها هناك خلف البيوت البعيدة.. أحس بوهن شديد.. ولم يجد بدا من أن يأخذ قسطا من الراحة، وأدرك بأنه ليس كغيره من الذين يقفلون عائدين إلى بيوتهم، ولن يحسب أحد أي حساب لعودته، فلن يغيّر من الأمر شيئا لو وصل قبل الغروب أو بعده بقليل... جاشت الأفكار في رأسه وحاول أن يعد نفسه للمفاجأة المقبلة، ولقد أعاد المشهد أكثر من مرة في مخيلته وأصبح يوليه اهتماما خاصا بعد أن وضعت الحرب أوزارها... فأيقن انه عائد لا شك... وأن مشهد اللقاء سيكون بليغا ومثيرا وفاجعا.. أعاد الصور التي رتبها لملاقاة زوجته وابنته وأمه وأبيه وإخوته..

          (( أعرف إنني أوهم نفسي... وأدرك بأن ما أفعله هو محض أكذوبة.. ولسبب أو دونما سبب أجد نفسي مندفعا إلى الكتابة إليك، محملا ً بفواجع لا يمكن أن توصف، ومعاناة مريرة تمزق القلب.. أحاول أن ابتعد عن حكايا سردها رفاقي عن مفارقات عجيبة تحصل لا تخلو بلا أدنى شك من مبالغات يحاولون إضفائها لتبدو تلك الحكايات مؤثرة ومؤلمة.. اعذريني.. لقد انشغلت في الفترة الأخيرة بتعلم لغة جديدة... هل تعرفين ما هو الحزن؟ ))

حط الظلام بهدوء بعد أن أخلدت الشمس إلى النوم خلف البيوت البعيدة... اقترب من نهاية الزقاق ولاح البيت من بعيد.. كان الشارع خاليا تماما عدا بعض القطط التي بدأت تستاف روائح الشواء القادمة من بعض البيوت.. اقترب أكثر.. وأمعن النظر في البيت الذي استنزف كل جهده حتى أكمله.. ومع أن الطلاء قد تغير منذ زمن بيد انه تلاشى بفعل الرطوبة والأمطار، وتهشمت أجزاء كبيرة من ملاط الجدار المواجه للشارع.. لم تعد أشجار البرتقال والليمون تعانق السياج الذي أصبح الآن أوطأ من قبل بقليل.. ومصابيح النيون التي ثبتّها بنفسه ما عادت ترسل الضوء، عدا بعض الضوء الذي كان ينبثق من نافذة المطبخ.. وضع الحقيبة وأحس برغبة عجيبة للبكاء... حاول أن يتماسك، وهو يعيد في ذهنه صورة اللقاء.. وأدرك للتو بأن كل المشاهد التي ابتكرها في مخيلته لسنوات، ستتهشم الآن أمام مفاجآت خبأها له الزمن.. أصبح الظلام دامسا... وفكر في شيء بسيط، غاية في البساطة.. كيف سيطرق الباب ! هذه الطرقات الناعمة التي حلم بها على مر تلك السنين....

 

جمال نوري


التعليقات

الاسم: سلام نوري
التاريخ: 2009-01-18 02:41:19
الصديق الجميل جمال نوري
تحية السرد والابداع في نصوصك الرائعة دوما
كل الحب




5000