.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


في الذكرى الأولى لرحيل الشاعر الخالد مظفر النوّاب

سنتطرق في هذا المقال فقط في حدود معرفتنا ومدّة علاقتنا الشخصيّة به؛ إذ ننقل ملاحظاتنا عمّا لمسناه منه شخصيّاً ولم نستخدم أيّة مصادر، أو مراجع في كتابة هذا المقال؛ إذ سنذكر ما شاهدتْ عيناي ، وما سمعته أذناي من شاعرنا المحبوب (رحمه الله). 

سمعته يقول: إنّ إحدى الصحف العربية نشرت خبراً مفبركاً يتضمّن نعياً لموتي عام 1999،  سارع بعض المتسرّعين لكتابة مقالات الرثاء الذين يدّعون فيها أنّ لهم علاقات  صداقة حميمة معي ، وعندما عرضوا عليَّ أسماءهم لم أعرف إطلاقاً ، ولا واحداً منهم معرفة شخصية. 

لذا أذكر مقدّماً ملاحظة هي أنّ أيّ قول يخصّ الشاعر مظفر النواب، للمدّة من منتصف عام  1984 حتّى يوم وفاته، يقوله كان مَنْ يكن، إذا لم يؤيّده واحد من اثنين من الشباب فهو كلام مشكوك في صحته، والشابان هما: 

الأوّل : هو الشاب الليبيّ صلاح علي المرزوقيّ ( حالياً د. صلاح المرزوقيّ أكمل الدكتوراه في المحاسبة في إيطاليا). بدأت صداقته مع الشاعر النوّاب من منتصف عام 1984 ، واستمرّت بشكل متواصل دون انقطاع حتّى العام 2000، وممّا يُذكر أنّ طوال هذه المدّة كان التواصل بينهما شبه يومي، وهو يرافقه كظلّه أينما يذهب، وممّا يُذكر أيضاً أنّ أغلب زيارات النوّاب لنا في مدينة الزاوية كان برفقته الأخ صلاح المرزوقيّ.  في عام 2000 انتقل النوّاب الى دمشق لكنّه أخذ يتردّد على ليبيا بين الحين والآخر حتّى آخر زيارة له في شهر مارس 2006.

وفي إحدى زيارات النوّاب الى ليبيا عام 2002  زارني الأخ صلاح المرزوقيّ, وبمعيّته الشاعر مظفر النوّاب وشاب سوري مثقف, ورزين يدعى حازم سنشير له لاحقاً.  أخذتُ ضيوفي (النوّاب والمرزوقيّ والسوريّ) للاستمتاع ,وتناول العشاء في جو ساحريّ رومانسيّ في استراحة جميلة تعود إلى شقيق صديقنا الدكتور حسين شفشه، تتكوّن من (كابينة) مطبخ معزولة، وباحة المقهى وهي عبارة عن ساحة مقسّمة على  جلسات خاصة جدرانها من الأشجار  الطبيعية الحيّة يقسم الجلسات على مربعات صغيرة  (لوجات) معزولة بعضها عن بعض.   

بعدها التقيت معه في دمشق عام 2007 حيث دعانا، أنا وعائلتي  لتناول الغداء في مطعم (أبو كمال) (الكمال) كما سنرى فيما بعد. 

الثاني : هو الشاب حازم السوريّ من أهالي دير الزور ( ورد ذكره في السطور في أعلاه)، وهو الذي لازم النوّاب تقريبآ منذ الـ 2000 أينما أقام في دمشق ،أو بيروت ، أو الشارقة حتّى وفاته في 20 /05/2022. هؤلاء الاثنان هما (المرزوقيّ والسوريّ) في تواجد, أو تواصل يوميّ، وتفصيليّ مع شاعرنا الكبير منذ أواسط ثمانينيات القرن الفائت حتّى يوم وفاته في 20 / مايو- مايس/ 2022.  

 وكان السيد حازم السوريّ مرافقاً للنواب طوال مدّة وجوده في إمارة الشارقة في ضيافة الشيخ سلطان القاسميّ ؛ إذْ  طلب الشاعر النوّاب من الشيخ سلطان القاسميّ أنّ يكون حازم مساعدآ، و مرافقاً له باعتباره أقرب أصدقائه، فاستجاب الشيخ للطلب بمنحه الإقامة في الإمارة. 

لا نريد أنْ ندخل في قضية ذمّ الطبقة السياسية النتنة الحاكمة في العراق صنيعة المحتلّ الأمريكيّ. فهل العراق بلد فقير لكي تكون تكاليف معيشة وعلاج وإقامة  شاعر  كبير، ورمز عراقيّ وطنيّ بحجم  مظفر النوّاب على نفقة الشيخ الدكتور سلطان القاسم أميرالشارقة؟

وأسمح لنفسي أنْ أقول: ملايين التحيات من العراقيّين, والعراقيّات لصاحب السموّ أمير الشارقة  الشيخ سلطان القاسميّ المبجَّل على اهتمامه بالثقافة العراقية, واحتضانه رموز مثقفي العراق.

 ــ  بداية معرفتنا النوّاب:

تعرّفنا إلى الشاعر النوّاب مطلع تسعينيات القرن المنصرم، وذلك عن طريق صديقنا الحميم الفذّ مدرّس اللغة العربيّة الأستاذ نوري عبد الرحيم الخزاعيّ (شقيق الأستاذ معاذ عبد الرحيم – مدير عام وكالة الأنباء العراقيّة الأسبق) الذي زرناه في الشقة التي يُقيم بها الكائنة في أحد شوارع العاصمة الليبيّة، ولعلّه شارع الأوّل من سبتمبر في قلب طرابلس، وذلك في ربيع عام 1991.

أخذ يزورنا في بيتنا في مدينة الزاوية الليبيّة (تبعد 45 كم غرب العاصمة باتّجاه الحدود التونسيّة) خصوصاً أيّام الخميس من كلّ أسبوع ؛ إذْ ينعقد في بيتنا مجلس الخميس، وأكثر زيارته كان يصطحب إمّا الأستاذ الخزاعيّ ، وإمّا الشاب الليبيّ المهذَّب الدكتور صلاح المرزوقيّ الذي مرّ ذكره في أعلاه. 

لقد كسبنا ثقته بنا بدرجة عالية؛ إذ إنّّه كان حذراً جدّاً في اختيار الأصحاب ,والأماكن التي يدخلها.

يقول في وترياته الليليّة :

أصبحتُ أحاذرُ حتّى الهاتف

حتّى الحيطانَ، وحتّى الأطفال

وفي إحدى الجلسات قصّ علينا بالتفصيل محاولة اختطافه في العاصمة اليونانية أثينا.

وملخّصها، بعد عودته من القتال في ظفار توجه الى أثينا  ، وفي أثينا التقى  أحد معارفه العراقيّين الذي دعاه إلى شقته، ومنذ اللحظات الأولى لدخوله الشقة راودته الشكوك لأبّهة الشقة، وفخامة الأثاث التي لا تنسجم مع الوضع الماديّ الذي يعرفه عن ذلك الشخص. قال: بينما نحن جالسان كانت في داخلي حالة توجّس  من عواقب هذه الجلسة. وفي أثناء تبادل الحديث واحتساء المشروب، رنّ جهاز  الهاتف، هرع مضيفي لرفع السماعة وأخذ يتكلّم بارتباك واضح، وما هي لحظات وإذا بباب الشقة  يفتح بمفتاح من الخارج، ويدخل علينا اثنان، عراقيّ، وشخص ثانٍ واضح من هيأته بأنّه يوناني. أمّا العراقي فرجل مخابرات، إذ شَهرَ بوجهي مسدساً بكاتم صوت قائلاً: إنّ الرفيق صدام حسين يطلب شحنك بصندوق إلى بغداد حيّاً، أو ميتاً، وهذا الذي معي طبيب يوناني مُدَّ يدك إليه ليزرقك بأبرة تخدير، وأنّ أيّ حركة منك ستلقى طلقة واحدة في جبهتك، ونترك جثتك في الشقة إلى أنْ تتفسخ، وأنت تعرف أنّنا نرتبط بعلاقات جيّدة مع الشرطة اليونانيّة. وتمَّ ربط  يديَّ بحبل بجهاز التدفئة المركزية الحديديّ، ثُمَّ زرقني الطبيب اليوناني الإبرة، وذهب لينام على قطعة الصالون الطويلة بعيداً  نسبياً عني، وفي هذا الأثناء شعرت قليلاً بخفّة مفعول المخدّر وذلك بفضل الكحول الذي يخفّف من مفعوله في الدم، وأخذت أتحسّس الحبل مع تأكّدي من إمكانيّة حلّ عقدته بسهولة، وبينما نحن بهذه الحالة رنّ الهاتف، فردّ عليه رجل المخابرت ردّاً عصبيّاً وختم المكالمة بقوله: سوف آتيك الآن حالاً، وتوجّه إلى  " مضيفي"  العراقيّ،  وأعطاه المسدس وقال له : قفْ على رأسه، ولا تتحرك حتّى لو دارت بك الأرض، ولا تبتعد عنه خطوة واحدة إلى أنْ أعود وأيّ حركة منه فما عليك إلاّ أنْ تُطلق على رأسه طلقة واحدة فقط، وبعد خروج رجل المخابرات مباشرة قلت "لصاحبي": أشعر بالعطش، وأريد كأساً من الماء، فتركني وذهب إلى المطبخ فسمعته يخلطه بسائل، فخمّنت أنّه قد وضع حبوب مخدّرة في الكأس لمعرفته أنّ  إبرة المخدّر لم تأخذ مفعولها بشكل صحيح، فعاد إليّ، وهو يحمل كأس كوكا كولا، وألحّ عليَّ بشربه فرفضت، وقلت له أريد ماءً لأنّي أشعر بعطش شديد، وفي أثناء ذهابه إلى المطبخ لجلب الماء كنت قد حرّرت يديَّ من الحبل مُسبّقا،ً وقفزت بسرعة خاطفة، وفتحت باب الشقة, ووصلت إلى درج العمارة وأخذت أقفز قفزاً على الدرجات الى أنْ وصلت باب العمارة وخرجت الى الشارع ( الشقة تقع في الطابق الثالث – كما أتذكّر) لقد تركت في الشقة حقيبتي اليدوية الصغيرة, وهي تحتوي على جواز سفري ،وبعض النقود ونظاراتي، وبعض الأشياء الأخرى ، كان ليلاً شتويّاً يتساقط فيه الثلج ابتعدت عن العمارة مسافة معقولة، وأخذتُ ألوّح بيدي للسيارات المارّة فلم يقف أحد لنجدتي لأنّ شكلي العامّ يدلّ على أنّني مخمور إلى أنْ أشّرتُ إلى سيارة نقل (لوري)، فسألني سائقها إلى أين ذاهب؟ فأجبته إلى القنصليّة الليبيّة على طريقك هذا، فصعدت وجلست جنب السائق، ووصلت مبنى القنصلية بسلام، وفي اليوم التالي صُرِفَ لي جواز سفر ليبّي وبطاقة طائرة أثينا – طرابلس. 

هذا ما سمعته شخصيّاً (من أبو عادل)،  وبعدها أخبرنا أحد الزملاء العراقيّين أنّ الدكتور العراقي عدنان الظاهر (دكتوراة كيمياء) قصّ علينا حادثة الاختطاف في أثينا، وهو يُشكّك في صحّتها.  

في ذلك الحين سألت النوّاب، هل تعرف الدكتور عدنان الظاهر؟ قال: نعم أعرفه لكنْ طرق سمعي أنه يتردّد على السفارة العراقيّة في طرابلس، ويحضر احتفالاتها، وهذا يعني أنّ النواب قطع علاقته بالظاهر.

ومرّت السنوات،  وإذا بنا نقرأ مقالاً للدكتورعدنان الظاهر في أحد المواقع عام 2008 تحت عنوان (مع مظفر النوّاب في طرابلس من 1978 – 1984) إذْ استخدم الكاتب أسلوباً ملمّعاً في الكسر والجبر، وفي فقرات عديدة من مقاله يحطّ من قيمة مظفر همساً، وإيماءً حتّى أفصح بأنّه التقى في مدريد الشاعر عبد الوهاب البياتيّ’ وقص عليه قصة الاختطاف، فقال له البياتي: هذه قصة خرافيّة تصلح أنْ تكون أحدوثة أطفال. ( يمكن الكتابة على الگوگل عبارة -عدنان الظاهر مظفر النوّاب -  وبنقرة واحدة سيظهر المقال).

مع د. الشيبيّ في انتظار النوّاب:

في صيف عام 2001 صدر كتابنا (مشكلة سنجق)، وهو كتاب ضمن سلسلة كتب كتبناها حول منطقة البلقان، كان معي في غرفة الضيوف الفيلسوف المجدّد الأستاذ الدكتور كامل مصطفى الشيبي (رحمه الله)، ونحن ننتظر وصول الأستاذ مظفر النوّاب، علماً بأنّهما، أي: الشيبيّ، والنوّاب،  (كواظمة) أصدقاء منذ طفولتهما. 

أمسكت نسخة من الكتاب المذكور وكتبت إهداءً للنوّاب، وقلت لجليسي الدكتور الشيبيّ: عمي أبو طريف، ( كان عمري أنذاك 42 عاماً وهو رجل سبعينيّ، وينشرح لندائي له بكلمة عمي )، حرتُ ماذا أكتب من عبارات لشاعر يلعب زورخانة بالمفردات اللّغوية؟. ( الزورخانة- لفظة عثمانيّة تطلق على نشاط رياضي بدائي شبيه برياضة كمال الأجسام ).

 انظرْ دكتور لقد  كتبت هذا الإهداء لأبي عادل، فما رأيك به؟ أخذ الكتاب من يدي وقرأ  ما كتبته، وصاح بصوت عال، الله الله، كلماتك هذه لا تختلف عن جمال شعره.

جاء في الإهداء:

إلى معلّمنا مادة الصبر في مدرسة الغربة

إلى الذي أصبحت أشعاره أناشيدَ وطنية يتغنّى بها الشباب العرب

من المحيط إلى الخليج

عزيزنا الشاعر الفذّ الأستاذ مظفر النوّاب.

خالص التقدير.....المؤلّف.

نلاحظ كيف يتصرّف الكبار مع مَنْ يقل عنهم عمراً، وتجربةً في الحياة، فتعليق الدكتور الشيبيّ على الإهداء أعطاني دفعاً نفسياً أكثر للخوض في غياهب الكتابات الجريئة.

ويسمح لنا المقام أنْ "نخرج قليلاً عن النصّ" بحسب تعبير فناني التمثيل المسرحيّ، لنكتب بعض الأسطر عن صديقنا المشترك المرحوم الدكتور كامل مصطفى الشيبيّ، فهو رجل كبير السنّ من جيل صديقه الأستاذ النوّاب، يمتلك روحاً خضراء، سريع البداهة بشوش بابتسامته التى لا تفارق محياه. نذكر الآن واحدة من قفشاته الجميلة. .. كنا نعمل في قسم واحد هو قسم الفلسفة، والعقائد وبحكم كوني رئيساً للقسم أضع جدول الدكتور الشيبيّ مطابقاً لجدولي.  ذهبت صباحاً وضربت جرس شقته، فقال لي ارجوك أصعد مازال الوقت مبكّراً، فصعدت فوجدته مشغولاً في كتابة رسالة. فقال: لماذا لا تسألني لمن هذه الرسالة؟ قلت له: ليس من اللياقة أنْ أسألك. ضحك ضحكة صباحيّة ودفع لي الرسالة وقال اقرأها. فوجدتها موجّهة الى الدكتور عبد الحسين الأعرجيّ الذي وصلنا منه يوم أمس عن طريق بريد الجامعة  نسختين من كتابه الجديد (الأيريات في الشعر العربيّ) من منشورات دار الجمل في ألمانيا مع إهداء جميل بخطّ يده على نسخة الشيبيّ، ونسختي.

كتب أبو طريف له هذه الرسالة يشكره بإسمه وباسمي على الهدية، مع عبارة ( ينبغي أنْ تكتب تحت  العنوان الرئيسي عنواناً ثانوياّ هكذا:

       الأيريات في الشعر العربيّ  

ويليه جزءان  الكــ...ات و الطــ...ات.

غادرنا الشقة وأنا منفجر من الضحك لم أتمالك أعصابي لمسك مقود السيارة. رحم الله شيخنا الشيبي.ّ

         

كنت مع النوّاب في موقف محرج: 

في يوم خريفيّ مشرق ذهبت إلى طربلس لختم الشهادات  المدرسيّة لأطفالي في الخارجية الليبيّة، ونظراً لوصولي المبكّر قررت استغلال الوقت، وأذهب الى منطقة بن عاشور لزيارة (أبو عادل) حيث كان يقيم آنذاك، وصلت وطرقت الجرس دون أنْ أسمع ردّاً فأخبرني رجل النظافة أنّ شخصاً كبير السن خرج قبل دقيقة واحدة ودخل تلك الزنقة، دخلت الزنقة التي أشار لها الرجل، فوجدته بالفعل يسير في خطى هادئة، أوقفت سيارتي وسألته بعد صباح الخير: إلى أين ذاهب يا أبا عادل؟ فقال: أتمشى قليلاً لأكسر خمولي في البيت. خيّرني بالرجوع للجلوس في بيته، فقلت: له أنا ذاهب الى دائرة التصديقات في الخارجية الليبيّة  فهل تحب أن تذهب معي؟ فصعد إلى جنبي في السيارة. وصلنا إلى الخارجية وختمت الشهادات بدقائق قليلة، فقال سأسأل الموظف عن الأستاذ حسونة الشاوش الذي كان في السبعينيات قنصلاً لليبيا في الكويت، وقد سمع الموظف هذا الكلام قائلاً: الأستاذ حسونة مدير عام دائرتنا هذه، ومكتبه في الطابق الثاني، وفتح لنا الباب ودخلنا المكتب فأستقبلنا مدير المكتب ببشاشة، وقال لنا تفضّلوا؟ فأجابه النواب نريد مقابة الأستاذ الشاوش. وسألنا عن أسمائنا فقال له: مظفر النوّاب فسجّل الاسم بورقة يحملها ( يبدو أنّ مدير المكتب ليس له علاقة بالشعر والشعراء فلم يعرف  الشاعر العملاق الذي أمامه )، والتفت نحوي وقال ما اسم حضرتك؟ فقلت له أنا لا أعرف السيد المدير العام  جئت فقط مرافقاً للأستاذ مظفر، فأصرّ على كتابة اسمي، وتدخل النواب قائلاً : اسمه د. جعفر عبد المهدي صاحب، والتفت نحوي وقال: المفروض أن تذكر اسمك دون أنْ تعقّد الأمور. وجلسنا في المكتب نحن الاثنان.  وبعد لحظة قصيرة  وقفنا بعد أن خرج السيد الشاوش من باب مكتبه وهو فاتح ذراعيه قائلاً : بصوت عال  يا هلاً يا أهلاً بالدكتور جعفر واستقبلني بالأحضان وجعلني بموقف محرج جدّاً أمام النوّاب وأمام مدير المكتب الذي قلت له لا أعرف السيد المدير العام، وبعد ذلك عانق (أبو عادل) بحرارة واشتياق. وقبل أنْ يدخلنا لمكتبه لاحتساء القهوة قال: هذا الدكتور جعفر كان مضطهدني يومياً خلال حرب البوسنة حيث كنت مكلّفاً بتلخيص مقالاته حول الحرب لرفعها إلى القيادة، حيث كان كاتباً أكاديميا متخصّصاً بمنطقة البلقان وتحرص الخارجية والقيادة السياسية على قراءة تحليلاته للحرب. وقول الأستاذ الشاوش قد خفّف نسبياً من إحراجي أمام صاحبي, وأمام مدير المكتب, بقينا زهاء نصف ساعة حيث تبادلا  ذكرياتهما خلال السبعينيات من القرن العشرين.  

وبعد خروجنا قلت: أبو عادل أعرفك أنت تحب النقوش والمنمنمات فهل ترغب الذهاب معي إلى قصر الشعب؟ (قصر ولي العهد الملكي) أصبح مخصصاً للمكتبة القوميّة، ومديرها هو صاحب دار النخلة للنشر قام بنشر أوّل مؤلّفاتي الخمسة.  عندما سألته هذا السؤال أجابني ضاحكاً سأذهب معك بالرغم من أنّي قضيت لياليَ عديدة نسهر فيه حتّى الصباح مع الرائد عبد السلام جلود، عندما كان القصر مقرّه الرسمي، ويوم كان جلود ثاني شخصية في ليبيا بعد القذافي.

أبو عادل يحتقر المادّة:

عندما زارنا النوّاب الزيارة الأولى، ونحن نسكن الحي الخاص بأعضاء هيأة التدريس الجامعيّ – جامعة الزاوية (السابع من أبريل سابقاً)  سألني عن أوضاع الدكاترة الشيابين (الكواظمة) د. جعفر آل ياسين و د. كامل الشيبي، فأجبته: أنّهما بخير ويعملان معي في قسم الفلسفة الذي أرأسه. فأعاد السؤال بصيغة أخرى: هل  ينقصهم شيء في شققهم؟ هل عندهم نقص بالأثاث، أو اللوازم البيتيه؟                           أجبته: أبو عادل أنّهم موظفون في الدولة الليبيّة بعقود عمل مغتربة فتسلّموا شققاً مؤثثّة تأثيثاً كاملاً ويتقاضون رواتباُ مجزية بالعملة الصعبة إضافة إلى الامتيازات المدوّنة بعقود العمل مثل  التأمين الصحي، وتذكرة السفر السنويّة الى بلد الإقامة مع الزوجة وثلاثة من أفراد الأسرة على حساب الجامعة، وغيرها من الأمتازات الأخرى، حتّى وجود مادّة في العقد تنصّ على تحمّل نفقات نقل جثمان مَنْ يموت إلى بلد إقامته.

شعرت أنّه يريد فرصة كي يبادر في مساعدتهم...هكذا هو برغم أنّه يعيش حياة الغربة وهو بأمسّ الحاجة الى المال ليعيش حياة أفضل، هكذا هو يحتقر المال ، فقد سمعته مرّات عدّة يقول: خلقنا عراة وسنموت عراة. 

والنواب يكره البخل بشكل كبير، وكأنّه مؤمن بالقول الشائع (أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب). وفي يوم من أيام عام 1994 وبحضوره كان الحديث عن البخل والبخلاء فذكر بخل الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهريّ بالرغم من أنّه كان يرتبط بالشاعر الجواهريّ بعلاقة صداقة تاريخية حميمة، وغالبا ما يستشهد النواب  في أحاديثه بأبيات من شعره، فقد قال عن بخله: (الجواهري يحبّ المادّة إلى حدّ كبير، وعند زيارته طهران رثى الخميني بقصيدة طويلة نقش الإيرانيون بيتين منها على قبره، فأعطوه 120 دولاراً وإلى السائق الذي اصطحبه 80 دولاراً، وعند الخروج منهم أخذ ينقنق لعدم رضاه بما كسب، والتفت الى السائق وقال له : ما  دورك في الموضوع؟ هات الثمانين دولارا، وأخذها منه).

وأتذكر في إحدى زياراته، بينما كان ينشد من قصائده الثورية التمرديّة وهو يهجو الحكّام العرب قاطبة، لم يستثنِ منهم أحدا، قاطعته، ابنتي رغد (15 عاماً - كانت تصوّر جلساتنا) عمو  مو كلّهم، خلي في الأقل واحد منهم تتكىء عليه؟ فأجابها على الفور: لا عمو، أنا "أطيّح" حظهم كلّهم.

لاحظته عن قرب عيانيّ أنّه كان متقشفاً تقشف المتصوفة, وقنوعاً حتّى النخاع، وهو صادق في قوله:

إذا كان بعض يفكّر في النّيل منِّي 

هذا أنا ..

لست أملك إلاّ القميصَ الذي فوق جلدي

  وقلبي وراء القميص يلوّح !

   عاش زمناً طويلاً في ليبيا، يتنقل بجواز سفر ليبيّ، ووفر له  الليبيّون فيلا جميلة يسكنها في منطقة راقية من طرابلس (منطقة بن عاشور) التي تعجّ بها مقرّات السفارات الأجنبية، على الرغم من كلّ هذه الخدمات الليبية الكبيرة لم ينظم النواب بيتاً واحداُ في مدح العقيد القذافي بل على العكس، في إحدى الأمسيات كان يلقي قصيدة وتريات ليلية، و كانت بحضور العقيد القذافي و عندما وصل الى المقطع "لا أستثني أحد .. " ظل يرددها كثيرآ، وكما نرى في قصيدته (قمم) التي كتبها في طرابلس و التي يقول فيها:

قمم ...قمم

معزى على غنم

جلالة الكبش



على سمو نعجة

على حمار بالقدم.


ومن الواضح أنّه وصف الحكام العرب قاطبة بالماعز والأغنام بلا استثناء .

وفي إحدى الجلسات مع النواب ذكر لنا بأنه ألقى قصيدة أخرى في دمشق يذمّ بها الحكام العرب وفيها بيت يقول فيه:

ورئيس عربيّ 

رأسه كرأس البصل النـي

قال في اليوم التالي عاتبني على ذلك عدد من رجال المخابرات السوريّة، فقلت لهم: أنا لم أذكر اسم أحد من الرؤساء، فردّوا عليَّ ردّاً مضحكاً: 

يا أستاذ مظفر نحن نظرنا إلى صور كلّ الرؤساء العرب فلم نرَ رأس واحد منهم يشبه رأس البصل سوى السيد الرئيس  حافظ الأسد.

النوّاب سمو نفس وحفظ كرامة:

لم يطمع مظفر النوّاب، على الاطلاق،  بمال من سلطان حاكم، أو حتّى بمنصب وزير خصوصاً عند مقابلته صدام حسين، بل على العكس طرح صدام عليه أن يشغل منصباً فرفض بكلّ جرأة، ويوجد تسجيل مصور على اليوتوب يؤكّد ذلك. في حين أنّ غيره من الشعراء "الكبار" ارتضوا أنْ يكسبوا منصب ملحق صحفيّ في مدريد كما فعل البياتي!  وبعد احتلال بغداد رفض عرض رئيس الوزراء نوري المالكي بنقله بطائرة خاصّة لزيارة العراق. 

آخر لقائنا بالشاعر الكبير كان في الزاوية بداية العام 2006 حيث قلت له: سنقضي (أنا وعائلتي) اجازة الصيف المقبل في دمشق، وبيروت، فكيف أصل إليك؟  قال: إذهب لمقهى الروضة وسترى (أبو حالوب) وهو الذي يوصلك إليّ. وكان أبو عادل قد تحدّث لنا يوماً  أنّ شخصاً  يُدعى أبو حالوب، اسمه الحقيقي منسي (لبيد)، هو بمنزلة سفير العراق الشعبيّ، ويتّخذ من مقهى الروضة مقراً له دائماً له منذ ثلاثين عاماً يجلس على كرسي واحد يقع في يسار مقدمة المقهى دون أنْ يغيّر مكانه طوال الثلاثة عقود الماضية. يبدأ دوامه وجلوسه على كرسيه المعلوم من الساعة السابعة صباحاً ممسكاً بيده الجريدة الصباحية، يستقبل هذا ويودّع ذاك من "المراجعين" ويستمرّ حتّى الساعة الثالثة بعد الظهر، يخرج من المقهى مدّة ساعة واحدة ليتناول غداءه ويعود إلى المقهى الساعة الرابعة عصراً ,ولكن كرسيّه في الدوام المسائي على اليسار من مدخل القسم الثاني من المقهى، ويستمرّ حتى وقت انصرافه في الساعة العاشرة والربع ليلاً.           

 فكلّ مَنْ يأتي إلى دمشق سواء القادم من العراق أو من المنافي لا بُدّ أنْ يبدأ بــ (أبو حالوب) ليرشده ويسعفه ويجد له حلاً لطلبه. فهذا يسأل عن قريب، أو صديق له يجهل محلّ إقامته، وذاك يريد أنْ يستأجر بيتاً، وآخر عنده وثائق شخصيّة يرغب أن يوصلها باليد إلى أهله في العراق، أو شخص وصلته أمانة من خارج سوريا جاء لتسلّمها من (أبو حاوب)، وباختصار شديد (أبو حالوب) هو (چفچير) البلد على حد تعبير (أبو عادل)... ما زال الحديث مستمرّاً لمظفر النواب، وهو يُعرِّف لنا شخصية (أبو حالوب)، والنوّاب من روّاد مقهى الروضة ذكرها عدة مرّات في قصائده الشعريّة، فذكر موقفاً طريفاً حصل له معه، فيقول: لقد أسمعني أبو حالوب ثلاثة أبيات من الشعر قالها الجواهريّ الكبير في عيد ميلاده، إذ كان أبوه  صديقاً  للجواهريّ، ذات مرة في لقاء مع الجواهريّ كان والده قد اصطحبه معه يوم عيد ميلاده، فنظر الشاعر الكبير الى الطفل وسأله: ما اسمك ؟ فأجاب الطفل: اسمي لبيد. فأنشد الجواهريّ ثلاثة أبيات من الشعر بحق لبيد ( أبو حالوب فيما بعد) في عيد ميلاده:

لبيد عشت الدهر عمر لبيد                                غض الصبا ألقاً  طري العود

أهديك من شعري عز وليدة                              زفت إليك وأنت خير وليد

ألبيد نحن الأسبقون معابر لممر                      جيل من ذويك جديد

وبمناسبة ثانية، وثالثة كرّر لبيد هذه القصّة على النوّاب، يقول أبو عادل: عرفت ما هو مغزاه، فقلت له: يا أبو حالوب، لقد قال الجواهريّ فيك ثلاثة أبيات شعر في عيد ميلادك، مُتْ الآن لأرثيك بستّة أبيات.

لقاؤنا مع النوّاب في دمشق:

وصلنا وعائلتي إلى دمشق قادمين من طرابلس لقضاء عطلة الصيف في دمشق وبيروت، فتوجّهت وحدي الى مقهى الروضة صباحاً لأرى (أبو حالوب) على الكرسي نفسه الذي وصفه لنا النوّاب، عرّفته بنفسي أوّلاً وقلت له: أريد رقم هاتف (أبو عادل )، أو أيّة وسيلة لألتقيه؟. فأجابني: تعال الساعة الخامسة مساءً لتجد عندي الجواب. رجعت الى البيت فوجدت فيه عائلة زوجتي (أمها وأخيها وأختها وأطفالهم، إنّهم قادمون من العراق لزيارتنا). 

ذهبت الى مقهى الروضة على الموعد الساعة الخامسة مساءً فوجدت أبا عادل جالساً في المقهى مع (أبو حالوب). بعد المعانقة والسلام المتبادل قال لي: غداً أدعوك أنت وعائلتك على الغداء في مطعم (أبوكمال) قرب مقهى هافانا. قلت له: ربما يعتذر الأهل من الحضور لوصول ذوي الدكتورة من العراق، ولكن بالتأكيد سيكون حضوري مؤكّداً، ونحن لا نريد أنْ نكلّفك يا أبا عادل. فردّ عليَّ: لقد كلّفتكم مرّات ومرّات في مدينة الزاوية. في اليوم التالي ذهبت ومعي ابنتي رغد ( 15 عاماً) تناولنا الغداء معاً في المطعم، وفي أثناء تناولنا الطعام ( وجبة فولكلورية سورية لذيذة من اختياره).  وقف رجل ملتحي على طاولتنا، ونزع نظارته، وسلّم على النوّاب سلاماً حارّاً، وأتّفقا على لقاء بينهما، هو الفنان الكويتي المحبوب (عبد الحسين عبد الرضا).

مظفر النوّاب يصل إلى الخرطوم:

في إحدى جلساتنا في مجلس الخميس في بيتنا بمدينة الزاوية قصّ علينا أبو عادل مفارقة حصلت له في السودان فقال:

 وصلت إلى الخرطوم خلال مدّة الحرب العراقيّة الإيرانيّة تلبية لدعوة وُجّهت لي من  اتّحاد الأدباء في السودان لإحياء أمسيّة شعريّة هناك. 

قبل إقامة الأمسية الثانية بيومين انبرى أحد الشعراء السودانيين ويدعى (أبو قرون) في مقالة يقول فيها، وصلنا شاعر عراقيّ يتغزل بالخمرة وبلاده تخوض حرباً ضدّ أعداء الأمة. نقول له ارجعْ لبلادك تعيش فيها حرّاً ، أو تموت شهيداً.

في الأمسيّة قرأت عدة قصائد منها قديمة طلبها الجمهور وأخرى قصائد جديدة من ضمنها رباعيات طويلة خصّصت فيها مقطعين بحقّ (أبو قرون) قلت فيها:

"ما لبعض الناس يرميني بسكري في هواه

وهو سكران عمارات يسميها رضاك

يأبن جيبين حراماً أنني أسكر .. كي

 أحتمل الدنيا التي فيها  أراك

++++++++++++++++

تم يا رب غنائي إنما عتب صغير

لما لِمَ تجعل لبعض الناس أشكال الحمير؟

لتريح الناس منهم.. 

 أم أنّ المطايا سوف تحتج على هذا المصير؟"

هذا ما أسعفتنا به ذاكرتنا المتعبة في عقدنا السابع من العمر، ولعل نتذكر شيئا عن الراحل النوّاب الكبير مستقبلاً فنكتب للحديث تتمّة.

وختاماً تذكّرنا بيتاً من الشعر قاله ابن الزاوية الليبيّة المرحوم الدكتور حسين خليفة وهو يرثي زميلنا العراقي المرحوم الدكتور حسن الحكيم :

فكم من جاهل يحيى دفيناً

وكم من ميت بالعلم حي

وفي الذكرى الأولى لرحيل الشاعر مظفر النوّاب نقول: لروحك السلام والطمأنينة يا أبا عادل وستبقى بيننا بالشعر حيّاً.

 


أ . د. جعفر عبد المهدي صاحب


التعليقات




5000