.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة نقدية تحليلية لقصة زكريا تامر " النمور في اليوم العاشر"

رجاء محمد بيطار

دراسة نقدية تحليلية  لقصة زكريا تامر  

" النمور في اليوم العاشر"  

وفقاً لرؤية "بيار زيما" الاجتماعية 

 


 السنة الأولى ماستر بحثي أدبي في اللغة العربية وآدابها

 

اسم المادة: مناهج نقدية  

دكتور المادة: الدكتور صالح ابراهيم  

نص القصة

"النمور في اليوم العاشر"

لزكريا تامر (2002)


رحلت الغابات بعيداً عن النمر السجين في قفص، ولكنه لم يستطع نسيانه، وحدق غاضباً إلى رجال يتحلقون حول قفصه وأعينهم تتأمله بفضول ودونما خوف وكان أحدهم يتكلم بصوت هادئ ذي نبرة آمرة: إذا أردتم حقاً أن تتعلموا مهنتي، مهنة الترويض، عليكم ألا تنسوا في أي لحظة أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهمة صعبة وسهلة في آن واحد.

انظروا الآن إلى هذا النمر: إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير ويصبح وديعاً ومطيعاً كطفل صغير.. فراقبوا ماسيجري بين من يملك الطعام وبين من لا يملكه، وتعلموا.

فبادر الرجال إلى القول إنهم سيكونون التلاميذ المخلصين لمهنة الترويض.

فابتسم المروض مبتهجا، ثم خاطب النمر متسائلا بلهجة ساخرة: كيف حال ضيفنا العزيز؟ قال النمر: أحضر لي ما آكله، فقد حان وقت طعامي.

فقال المروض بدهشة مصطنعة: أتأمرني وأنت سجيني؟ يالك من نمر مضحك!! عليك أن تدرك أني الوحيد الذي يحق له هنا إصدار الأوامر. قال النمر: لا أحد يأمر النمور.

قال المروض: ولكنك الآن لست نمراً.

أنت في الغابات نمر، وقد صرت في القفص، فأنت الآن مجرد عبد تمتثل للأوامر وتفعل ما أشاء.

قال النمر بنزق: لن أكون عبداً لأحد.

قال المروض: أنت مرغم على إطاعتي؛ لأني أنا الذي أملك الطعام.

قال النمر: لا أريد طعامك.

قال المروض: إذن جع كما تشاء، فلن أرغمك على فعل ما لا ترغب فيه.

وأضاف مخاطباً تلاميذه: سترون كيف سيتبدل؛ فالرأس المرفوع لا يشبع معدة جائعة.

وجاع النمر، وتذكر بأسى أيامًا كان فيها ينطلق كريح دون قيود مطارداً فرائسه.

وفي اليوم الثاني أحاط المروض وتلاميذه بقفص النمر، وقال المروض: ألست جائعاً؟ أنت بالتأكيد جائع جوعاً يعذب ويؤلم.. قل إنك جائع فتحصل على ما تبغي من اللحم.

ظل النمر ساكتاً، فقال المروض له: افعل ما أقول ولا تكن أحمق.

اعترف بأنك جائع فتشبع فوراً.

قال النمر: أنا جائع.

فضحك المروض وقال لتلاميذه :ها هو ذا قد سقط في فخ لن ينجو منه.

وأصدر أوامره، فظفر النمر بلحم كثير.

وفي اليوم الثالث قال المروض للنمر: إذا أردت اليوم أن تنال طعاماً، فنفذ ما سأطلب منك.

قال النمر: لن أطيعك.

قال المروض: لا تكن متسرعاً، فطلبي بسيط جداً .

أنت الآن تحوم في قفصك، وحين أقول لك: قف، فعليك أن تقف.

قال النمر لنفسه: إنه فعلاً طلب تافه، ولا يستحق أن أكون عنيداً وأجوع.

وصاح المروض بلهجة قاسية آمرة: قف.

فتجمد النمر تواً، وقال المروض بصوت مرح: أحسنت.

فسر النمر، وأكل بنهم، بينما كان المروض يقول لتلاميذه: سيصبح بعد أيام نمراً من ورق.

وفي اليوم الرابع، قال النمر للمروض: أنا جائع فاطلب مني أن أقف.

فقال المروض لتلاميذه: ها هو ذا قد بدأ يحب أوامري.

ثم تابع موجهاً كلامه إلى النمر: لن تأكل اليوم إلا إذا قلدت مواء القطط.

وقلد مواء القطط، فعبس المروض، وقال باستنكار: تقليدك فاشل.

هل تعد الزمجرة مواء. فقلد النمر ثانية مواء القطط، ولكن المروض ظل متهجم الوجه، وقال بازدراء: اسكت.. اسكت.. تقليدك ما زال فاشلاً.

سأتركك اليوم تتدرب على مواء القطط، وغداً سأمتحنك.

فإذا نجحت أكلت أما إذا لم تنجح فلن تأكل. وابتعد المروض عن قفص النمر وهو يمشي بخطى متباطئة، وتبعه تلاميذه وهم يتهامسون متضاحكين.

ونادى النمر الغابات بضراعة، ولكنها كانت نائية.

وفي اليوم الخامس، قال المروض للنمر: هيا، إذا قلدت مواء القطط بنجاح نلت قطعة كبيرة من اللحم الطازج.

قلد النمر مواء القطط، فصفق المروض، وقال بغبطة: عظيم! أنت تموء كقط في شباط.

ورمى إليه بقطعة كبيرة من اللحم.

وفي اليوم السادس، وما إن اقترب المروض من النمر حتى سارع النمر إلى تقليد مواء القطط، ولكن المروض ظل واجمًا مقطب الجبين، فقال النمر: ها أنا قد قلدت مواء القطط.

قال المروض: قلد نهيق الحمار.

قال النمر باستياء: أنا النمر الذي تخشاه حيوانات الغابات، أُقلد الحمار؟ سأموت ولن أنفذ طلبك!

فابتعد المروض عن قفص النمر دون أن يتفوه بكلمة.

وفي اليوم السابع، أقبل المروض نحو قفص النمر باسم الوجه وديعا، وقال للنمر: ألا تريد أن تأكل؟

قال النمر: أُريد أن آكل.

قال المروض: اللحم الذي ستأكله له ثمن، انهق كالحمار تحصل على الطعام.

فحاول النمر أن يتذكر الغابات، فأخفق، واندفع ينهق مغمض العينين، فقال المروض: نهيقك ليس ناجحاً، ولكني سأعطيك قطعة من اللحم إشفاقاً عليك.

وفي اليوم الثامن، قال المروض: سألقي مطلع خطبة، وحين سأنتهي صفق إعجاباً.

قال النمر: سأصفق.

فابتدأ المروض إلقاء خطبته، فقال: "أيها المواطنون.. سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية، وبالإيمان سننتصر"

قال النمر: لم أفهم ما قلت.

قال المروض: عليك أن تعجب بكل ما أقول، وأن تصفق إعجاباً به.

قال النمر: سامحني أنا جاهل أُميٌّ وكلامك رائع وسأصفق كما تبغي.

وصفق النمر فقال المروض: أنا لا أحب النفاق والمنافقين ستحرم اليوم من الطعام عقاباً لك. وفي اليوم التاسع جاء المروض حاملاً حزمة من الحشائش، وألقى بها للنمر، وقال: كل، قال النمر: ما هذا؟ أنا من آكلي اللحوم.

قال المروض: منذ اليوم لن تأكل سوى الحشائش.

ولما اشتد جوع النمر حاول أن يأكل الحشائش فصدمه طعمها، وابتعد عنها مشمئزاً، ولكنه عاد إليها ثانية، وابتدأ يستسيغ طعمها رويداً رويداً.

وفي اليوم العاشر اختفى المروض وتلاميذه والنمر والقفص؛ فصار النمر مواطناً، والقفص مدينة.


 

نقد اجتماعي للقصة وفقاً لمنهج "بيار زيما":

   إن البنية الاجتماعية لهذا النص يمكن الوصول إليها عبر البنية اللغوية، وذلك من خلال اللغة التداولية  التي تشير إلى الفضاء الاجتماعي للناطقين بها.

   ونحن إذ نبدأ في نقد القصة نبدأ بتحديد المكان والزمان والحدث الأبرز، والشخصيات.   

   فأما المكان فهو حسب ما يظهر في بداية القصة، قفص ترويض النمور، أي حديقة حيواناتٍ ربما، مع أن السرد القصصي يبدأ في إطلاق رموز تشعرنا أن المكان ليس محدداً حقاً بل هو أي مكانٍ لنمر، قد استبعد عن غابته، أو لإنسانٍ احتُجزت حريته.

وأما الزمان فهو غير محدد، ولكنه فنياً يتوالى من وقت أسر النمر إلى ما بعد ذلك بعشرة أيام.

وأما الحدث الأبرز، فهو عملية ترويض النمر، التي ترمز إلى استعباد حرية الشعب.

وتتفرع عنه أحداثٌ ثانوية تخدم سير القصة، وتتدرّج نحو النهاية المتوقّعة. 

وأما الشخصيتان الرئيستان فهما النمر والمروّض، وما يرمزان إليه من معانٍ يأتي تفصيلها في سياق النقد.

   أول ما يطالعنا في النص هو العنوان: " النمور في اليوم العاشر"، والنمور هي لفظةٌ تحملنا إلى عالم الغابات وروح الوحشية والتوحش المتمثّلة بها، ولكن القصة هي عن نمر واحد، فما معنى أن يعمم الكاتب العنوان؟! .. إنه المعنى الذي يهدف إليه ويبرزه بوضوحٍ في نهاية القصة.. 

   وإن غوصنا أكثر في سياق النص يسلط الضوء على بعدٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ للقصة، ونميّز بين مجموعات من الألفاظ والعبارات  ترمز إلى تدرّجٍ اجتماعي لقضيةٍ سياسيةٍ يقدمها لنا الكاتب عبر اختيار أحداثٍ وتعابير متناسقةٍ تماماً للوصول إليها.

على المستوى الاجتماعي:

   النمور في عنوان القصة هي رمزٌ للشعوب المقهورة، والنمر هو رمز للإنسان الذي تُسلب حريته، ويُساوَم على لقمة عيشه.

   وتبدأ العبارات المجسّدة لشخصية النمر بإعطائه صفة العناد والإصرار على عدم الرضوخ للقهر والذل، فالنمر "السجين"، "حدّق غاضباً"، "لا أحد يأمر النمور"، "لن أكون عبداً لأحد"، " لا أريد طعامك"، " لن أطيعك"، سأموت ولن أنفّذ طلبك" ...كلها تعابير تؤكد على البعد الاجتماعي لشخصية العنيد المصرّ على حريته وعدم استسلامه.

   ولكن العبارة الأولى في النص ذات رمزٍ ذكي، يؤكد أن  الغابات هي التي " رحلت بعيداً عن النمر المسجون في قفص"، وليس العكس.. وكأن الكاتب يرمز إلى شعور النمر بأنه مغلوبٌ على أمره، لا حول له ولا قوة في تغيير واقعه، فالغابات هي التي رحلت وليس هو، ويوافق هذا الواقع ما يتدرج به الكاتب من تغيّر نظرة النمر إلى تلك الغابات، فهو في بداية القصة يتذكرها "بغضب" ثم يتحوّل الغضب بعد تجويعه ورضوخه خطوةً بعد أخرى إلى "أسى" ، ثم هو يبتعد عن مصدر إلهامه نهائياً حينما يصبح الطعام ذو أولوية عنده، حتى يعجز في النهاية عن مجرد "تذكرها"، والطعام رمزٌ للحاجات الأساسية للبشر، والتي يُرضخ بها الحكام شعوبهم ليُحكموا سيطرتهم على رقابهم، ولترويضهم.

   وتتغير الألفاظ المعبّرة عن شخصية النمر العنيد القوي، إلى ألفاظ أخرى توحي بالخضوع والاستسلام التدريجي، في توافقٍ مع الحالة الاجتماعية التي وصل إليها النمر بعدما صار أسير شهوته وحبه للطعام وحاجته له؛ " إنه فعلاً طلب تافه، ولا يستحق أن أكون عنيداً وأجوع"، " أنا جائع فاطلب مني أن أقف"، " سارع النمر إلى تقليد مواء القطط"، " اندفع ينهق مغمض العينين"، " سامحني أنا جاهل أمي، وكلامك رائع وسأصفق كما تبغي" ... إنه منتهى الذل الذي وصل إليه النمر حينما خطا الخطوة الأولى في طريق التذلل. 

   أما العبارات المجسدة لشخصية المروض فهي  تعبر عن صلافةٍ وحنكةٍ ودهاء، وخبرةٍ في إذلال النمور، أي الشعوب، وتطويعها، حتى صار أستاذاً في ذلك المجال، وله" تلامذته".

والعبارة الأولى التي يطلقها المروّض على مسامع تلاميذه، والنمر نفسه، تفتح آفاقاً واسعةً لإيضاح المقصود من النص، فهي تمهّد للأحداث التالية: "..عليكم أن لا تنسوا أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهمة صعبة وسهلة في آن واحد.."

وحينما يبدأ في وصف النمر من وجهة نظره، نلاحظ شدة وثوقه برأيه، تلك الثقة التي وصل إليها بسبب ترويضه وتطويعه لكل أولئك النمور السابقين الذين لا تذكرهم القصة، إلا في العنوان.؛ " إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، لكنه سيتغير.."

إن المروّض يعرف كيف يُضعف النمر، عبر إذلاله بحاجته للطعام.

   واللغة التداولية في القصة منسجمة تمام الانسجام مع القيم التي تعبر عنها، فالقصة تتدرج تدرجا منطقياً عبر هذه اللغة للوصول إلى الهدف المرسوم الذي وضعه المروّض، فهو يعلم أن الحرية لا تُسلب دفعةً واحدة، ولا يمكن أن يطلب من الحمار أن ينهق، وهو لما يستدرجه للمواء.. ولا يمكن أن يستدرجه للمواء وهو لم يضمن أنه صار مطيعاً لأمره، ولا يمكن أن يصبح مطيعاً لأمره إلا بعدما يقنعه بأن الاعتراف بالجوع يكفي ليقدم له الطعام...

إن النمر وقع في فخ المروض، فهو استخف بالتنازل الأول، ثم بدأ المروض يزيد من استبداده، فيزداد هو خنوعا، حتى غدت الغابات عنده حلماً لم يعد يستطيع حتى مجرد تصوره.

   واللغة التداولية للمروّض تناسب جداً صيغة الأمر والنهي والسخرية والقسوة؛ " أنت مرغم على إطاعتي"، افعل ما أقول ولا تكن أحمقا"، " اعترف بأنك جائع فتشبع فورا"، وهو أيضاً مراوغ؛ " " لن أرغمك على فعل ما لا ترغب فيه"، " لا تكن متسرّعاً فطلبي بسيطٌ جداً"، " ابتعد دون أن يتفوّه بكلمة"، " أنا لا أحب النفاق"..

   إن الألفاظ والعبارات التي استخدمها الكاتب ليعبر عن شخصيتي النمر والمروض، تتكاتف وتتناغم لتؤدي الصورة الواضحة لذلك الصراع الأبدي بين الحاكم ومحكوميه، بين السلطة الظالمة والشعب المقهور، بين القوي والضعيف.


المستوى السياسي:

   إن القصة تحمل لنا رسالةً رمزية يصرّح بها الكاتب في نهايتها، فهي تحكي حكاية الشعوب المغلوبة على أمرها، وكيف يتم استدراجها واستعبادها وإقناعها بالتخلي عن حريتها بملء إرادتها، باستخدام سياستي الترغيب والترهيب ، حتى يصبح الفرد في النهاية "مواطناً" "والقفص مدينة"!

   إن الكاتب يرسم أمامنا خطواتٍ مدروسةٍ يقوم بها المروّض، أي الحاكم المستبد، ليتمكن من قهر إرادة النمر، أي الإنسان المراد تطويعه واستغلاله.

   فالمروض يتّبع سياسة الإذلال والتخويف ووضع النقاط على الحروف منذ اليوم الأول، وذلك بوقوفه موقف الساخر من النمر ومن حريته وقوته الزائفة، وقوله: " عليك أن تدرك أني الوحيد الذي يحق له إصدار الأوامر" فهو قد وضع الأمور في نصابها بالنسبة للنمر، وهو يعرّفه بحدوده، وعندما يعترض النمر بقوله: " لا أحد يأمر النمور"، يجيبه: " ولكنك الآن لست نمراً."

أن تكون نمراً قوياً يعني أن تكون حراً، فالعبودية تنفي صفة القوة، والقفص يصنع العبيد، ومع اعتراض النمر يؤكد المروض لتلاميذه: " سترون كيف يتبدل، فالرأس المرفوع لا يشبع معدة جائعة".. إنها القاعدة السياسية المتّبعة لخفض الرؤوس المرفوعة، ألا وهي التجويع.

   ويطلّ علينا الكاتب  بعباراتٍ متعدّدة تصرّح تصريحاً، ولا تلمّح تلميحاً،بالقواعد السياسية لاستغلال الشعوب؛ " راقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام ومن لا يملكه! "في القفص.. أنت مجرد عبدٍ تمتثل للأوامر وتفعل ما أشاء"، " أنت مرغمٌ على إطاعتي لأنني أنا الذي أملك الطعام." " سيصبح بعد أيام نمراً من ورق." " ها هوذا قد بدأ يحبّ أوامري".

   أما الخطبة التي يطلقها المروض طالباً من النمر أن يصفق له بعدها، فهي نموذج لخطبة حاكم سياسي يحاول ان يستقطب الشعب بوعوده الجوفاء وإنجازاته الفارغة: " أيها المواطنون.. سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدّل مهما تآمرت القوى المعادية، وبالإيمان سننتصر."

   ويأتي ردّ النمر بألفاظٍ توحي بالغباء والجهل: " لم أفهم ما قلت" ، " أنا جاهل أمي وكلامك رائع وسأصفق كما تبغي."، ليؤكد لنا الكاتب أن الجهل والطاعة العمياء هي التي قادت هذا النمر للانصياع لأوامر المروض وبالتالي مهّدت له سبيل استعباده.

   إن التسلسل الذي قاد المروّض للسيطرة التامة على النمر، هو بعينه ذاك التسلسل الذي تتبعه السلطة المستبدة تجاه الشعب، فهو يبدأ بتهديده لإخافته، ثم يخفف له من أهمية التنازل الذي يطلبه، هو فقط يريد منه أن يعترف بأنه جائع، والنمر الجاهل لا يدرك أن مجرد اعترافه بجوعه أمام سجاّنه، هو اعتراف بضعفه وحاجته له ولطعامه، وبالتالي فهو الخطوة الأولى التي ستقوده نحو هاوية الذل.

وهذا ما جرى فعلاً، فتفاهة الطلب الأول، لحقت بها بساطة الطلب الثاني، "أن يقف"، والنمر ينفّذ الأمر متغاضياً عن أنه بدأ ينفذ الأوامر من حيث لا يشعر، ثم ها هو يطلب من المروض في اليوم التالي أن يأمره!.. لقد بدأ يحب الأوامر ويتلذذ بتنفيذها، فبدأ الاستبداد يزداد، ليصل بالمروّض في النهاية إلى أن يطلب منه تارة أن يموء، وأخرى أن ينهق... وتزداد الهوة عمقاً واتساعاً، ويزداد المروّض قسوة وفظاظة، و"ينادي النمر الغابات بضراعة"، فتختفي، و"ينهق مغمض العينين".

والغابات في النص رمز للحرية، أما إغماض العينين فهو دلالة على الاستسلام المطلق.

أما التصفيق الذي طلبه المروّض ثم رفضه قائلا: " أنا لا أحب النفاق والمنافقين" ، فهو الثمن الأبهظ الذي دفعه النمر مقابل حريته، فهو قد فقد كامل كرامته بعده، وصار ما يفعله مرفوضاً من أسياده حتى ولو كان أصلاً مأموراً به من قبلهم.

وانتهى الأمر بآكل اللحوم أن يأكل العشب!...

ليست القضية هي نوع الأكل الذي يأكله النمر، بل هي قضية التنازل عن كافة حقوقه، فطالما أنه رضي أن ينهق وأن يصفق لما لا يفقه، فطعامه قد أصبح طعام الحمير، ومصيره مصير الأسير.

   وفقاً لـ" بيار زيما"، فإن الكاتب في قصة " النمور في اليوم العاشر"، لم يعتمد فقط على البنية اللغوية والرمز لإرسال إشاراته والوصول إلى هدفه، ولم يتوسل اللغة التداولية فحسب، التي تبادلها المروض مع تلاميذه تارة ومع النمر أخرى، فأتت موافقة لواقع حال كل منهم ولموقفه، بل هو صرّح في النهاية بنتيجة القصة، معلناً تحوّل النمر إلى مواطن بامتياز، والقفص إلى مدينة.. إنه المواطن المسلوب الإرادة، المحبوس في فضاء المكان الذي ارتضاه لنفسه بعيداً عن أحلامه وآماله العريضة، فالخاتمة في هذه القصة لا تحمل حلاً، بل تحمل ذروة الأزمة الاجتماعية والسياسية، فالمواطن الذي يتنازل عن حريته، يتنازل عن كرامته وحياته ويعيش خانعاً يأتمر بأمر من يشبع حاجاته المادية فحسب، وتتبدد كل طموحاته في الحرية، لأنه أصلاً ليس أهلاً لها.

 

 


رجاء محمد بيطار


التعليقات




5000