.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


دراسة تحليلية أدبية / "لي حكمة المحكوم بالإعدام"

رجاء محمد بيطار

"لي حكمة المحكوم بالإعدام" 

للشاعر الفلسطيني محمود درويش 


دراسة تحليلية أدبية

تتناول أسلوبية النص


بقلم رجاء محمد بيطار 



اسم المادة: قضايا أسلوبية

أستاذ المادة: الدكتور صالح ابراهيم



نص القصيدة

لي حكمة المحكوم بالإعدام

محمود درويش - فلسطين


ليَ حكمةُ المحكوم بالإعدامِ: 

لا أشياءَ أملكُها لتملكني، 

كتبتُ وصيَّتي بدمي: 

"ثِقُوا بالماء يا سُكّان أُغنيتي!" 

ونِمْتُ مُضرّجاً ومتوَّجاً بغدي...

حلِمْتُ بأنّ قلب الأرض أكبرُ

من خريطتها،

وأوضحُ من مراياها ومِشْنَقتي.

وهِمْتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني

الى أعلى

كأنني هُدْهُدٌ، والريحُ أجنحتي.

وعند الفجر، أَيقظني

نداءُ الحارس الليليِّ

من حُلْمي ومن لغتي:

ستحيا ميتةً أخرى،

فعدِّلْ في وصيّتك الأخيرة،

قد تأجَّل موعدُ الإعدام ثانيةً

سألت: الى متى؟

قال: أنتظر لتموت أكثر

قلتُ: لا أشياء أملكها لتملكني

كتبتُ وصيّتي بدمي:

"ثِقُوا بالماء

يا سُكّان أغنيتي!"

وأنا، وإن كنت الأخير

وأنا، وإن كُنْتُ الأخيرَ،

وجدْتُ ما يكفي من الكلماتِ...

كلُّ قصيدةٍ رسمٌ

سأرسم للسنونو الآن خارطةَ الربيعِ

وللمُشاة على الرصيف الزيزفون

وللنساء اللازوردْ...

وأنا، سيحمِلُني الطريقُ

وسوف أحملُهُ على كتفي

الى أن يستعيدَ الشيءُ صورتَهُ،

كما هي،

واسمَه الأصليّ في ما بعد/

كلُّ قصيدة أُمٌّ

تفتش للسحابة عن أخيها

قرب بئر الماء:

"يا ولدي! سأعطيك البديلَ

فإنني حُبْلى..."/

وكُلُّ قصيدة حُلمٌ:

"حَلِمْتُ بأنّ لي حلماً"

سيحملني وأحملُهُ

الى أن أكتب السطر الأخيرَ

على رخام القبرِ:

"نِمْتُ... لكي أطير"

... وسوف أحمل للمسيح حذاءَهُ الشتويَّ

كي يمشي، ككُلِّ الناس،

من أعلى الجبال... الى البحيرة 


مقدمة

   نحاول من خلال هذه الدراسة التحليلية أن نلقي الضوء على المباني الأسلوبية في قصيدة الشاعر محمود درويش

" لي حكمة المحكوم بالإعدام"

 والتصوير والإحصاء والانزياح، رابطين دلالات هذه الأبعاد الجزئية، بالدلالة الكبرى الكلية التي يتمحور حولها موضوع القصيدة.

   وبدءاً بالموضوع، نجده يطلّ علينا عبر استقراءٍ أوليٍّ للعنوان، "لي حكمة المحكوم بالإعدام"، ثم عبر استقراءٍ عميقٍ شاملٍ للنص ككلّ، مما يؤكد لنا الفكرة الأولى، وهي أن موضوع الكلام الذي يريد أن ينقله إلينا الشاعر، يتمحور حول قيمة الحياة، وأن الحياة الحقيقية هي الحرية، بمعناها الواسع الشامل، الذي يحاول الشاعر أن يقدمه لنا من منظور الإنسان الفاقد لكل مغريات العيش، والذي يتمكن أن يحكم على الأمور بتجرّدٍ مطلق، كونه "لا يملك شيئاً ولذلك فإن لا شيء يملكه". إنها وصيةٌ وحكمةٌ خالصةٌ يطلقها الشاعر متقمّصاً حالة " المحكوم بالإعدام"، سواءً كان هذا الإعدام جسدياً أم فكرياً ونفسياً، فالشاعر يعيش هذه المعاناة وينقلها إلينا بدقةٍ وحكمةٍ بالغتين.

   من هنا يمكننا أن نخوض غمار الدراسة الأسلوبية للنص، علّنا نجد المفاتيح التي استطاع الشاعر أن يستخدمها لفك رموز أحجية الحياة والموت والحرية، وفتح الأقفال الموصدة في وجه بني الإنسان، الخاضعين دائماً وأبداً لذلك القيد المدعو بالجسد، يرسمون من خلاله آمالهم وتطلعاتهم، فيغفلون عن الحقيقة التي تتسرّب من بين أصابعهم تسرّب الماء من كف عطشانٍ يحسبه سرابا.

    ونقارب دراستنا عبر الأبعاد الثلاثة المذكورة آنفاً، وما تتضمنه من مستوياتٍ تمكّننا م

أولاً: البعد اللغوي:

ويتضمن مستويات ثلاثة:

أ- المستوى اللفظي: نلاحظ في القصيدة سيطرة حقلين معجميين يتناوبان ويتكاتفان ليؤديا دلالةً موحّدةً تنسجم مع موضوع النص، وهما: حقل الموت وحقل الحياة.

   ولئن كان الموت والحياة ضدّين، إلا أن الشاعر استطاع أن يوظّفهما ليؤدّيا غرضاً واحداً ويعبّرا عن حقيقة مفردة.

   فأما الحقل المعجميّ للموت، فهو يتمثّل بألفاظٍ متعدّدة؛ الإعدام، وصيتي، بدمي، مضرّجاً، مشنقتي، ميتةً أخرى، لتموت أكثر، الأخير، القبر...، هي ألفاظٌ يوحي ظاهرها بنهايةٍ وخيمةٍ لصاحبها، ولكن معالجتها عبر التعابير الغنية التي استخدمها الشاعر، جعلت منها نافذةً لحياةٍ من نوعٍ آخر، وأملٍ لا يعتريه اليأس، وحكمةٍ ولدت من رحم الموت لتحلّق في سماء الحرية، المحكوم بالإعدام شاعرٌ حكيمٌ يعلم أنه إن مات حراً سيعيش أكثر، ولا يسمح ل" الحارس الليلي" أن يقتله بالحياة، وأن ينتظره "ليموت أكثر"، مؤكداً له أن " لا أشياء أملكها لتملكني"، ولذا فهو لن يتمكّن من الضغط عليه بالوسائل المعروفة، من ترهيبٍ وترغيب، بل هو مصرٌّ على أن يكتب "وصيته بدمه"، وعلى أن "ينام مضرّجاً ومتوّجاً بغده" الذي سيمهّده ل"سكان أغنيته" بكلماتٍ تكفي ليكتب منها كل قصائده.

   وأما الحقل المعجميّ للحياة، فهو يبرز عبر ألفاظٍ متعدّدةٍ ترمز إلى التفاؤل والتجدّد؛ الماء، غدي، قلب الأرض، غيمةٌ بيضاء، الفجر، ستحيا، الربيع، الزيزفون، أطير، حبلى، أعلى الجبال، البحيرة...، وكلّها ألفاظٌ ترسم لهذا الإنسان المقبل على الموت فاتحاً ذراعيه للحلم والمستقبل، بل لكل إنسانٍ يخاطبه، ترسم لوحةً مفعمةً بالأمل والحياة، فالشاعر يخاطب "سكان أغنيته" تارة، و"الحارس الليلي" اخرى، أنه مصرٌّ على وصيته، لن يغير منها حرفاً، لأنها هي حكمة حياته التي عاشها ولن  يعيش سواها، ولأنها دستور الحرية التي لا يمكن أن تتحقق خلف القضبان،  وهي بشرى لكل من استطاع أن يحلّق عالياً " كأنني هدهدٌ والريح أجنحتي".. ولذا فهو " وإن كان الأخير"، "سيرسم خارطة الربيع"، ... إنه التداخل بين ألفاظ الموت والحياة، في تناغمٍ مكّن الشاعر من إيصال رسالته التي لم ولن يتنازل عنها قط، رسالة الحرية والحياة الحقيقية.

   كما نلاحظ وجود حقلٍ معجميّ آخر لا غنى عنه للشاعر في قصيدته، هو حقل الإبداع، والذي يتجلّى في ألفاظٍ مثل: أغنيتي، حلمتُ، مراياها، هِمتُ، حلمي، لغتي، قصيدة، سأرسم، حلم، كتبتُ، الكلمات...، وهي ألفاظٌ كان لا بد للشاعر من توسّلها للخروج من قمقم الموت الذي سجنته فيه أطماع المستعمر، فـ"الحلم" هو المواكب للشاعر منذ بداية القصيدة، وهو الذي يرفعه من حضيض بؤسه، ويرفع معه كلماته وأفكاره، فهو يحمّله بطاقةٍ لا حدود لها على العطاء والتحليق، والتبشير كما " المسيح"، ليرشد كل "سكان أغنيته" إلى "طريق" الحياة والحرية، ورفض الموت الفكري والنفسي الذي يراد بهم، والذي لن يستطيعوا الفرار منه بالرضوخ والاستسلام لواقع الاحتلال المرير.

   ويطالعنا حقلٌ معجميٌّ آخر للأمومة، حيث تبرز ألفاظٌ مثل: أم، أخيها، يا ولدي، حبلى، ..، وهي ألفاظٌ تصبّ في نفس دلالات الحقل المعجميّ للحياة، فالأمومة هي حياةٌ من نوعٍ خاص، وهي صورة استمرار الكائنات عبر توالدها، وهي للإنسان دلالةٌ على العطاء المطلق والغنى والتضحية والفناء من أجل الآخر، وهذه عناصر أخرى تنسجم مع الموضوع الرئيس للنص، أي الحياة الحقيقية التي لا تتأتى إلا بالموت، أو ربما بالشهادة، ومن ثم الحرية.

ب- المستوى النحوي: يبدأ الشاعر قصيدته بشبه جملة، هي عبارةٌ عن جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف يليهما مبتدأ مؤخر، " لي حكمة.."، ثم يُتبِعها بجملةٍ اسميةٍ يبدؤها بـ " لا النافية للجنس"، " لا أشياء أملكها.."

   وفي هذه البداية ما يلفت نظر القارئ وسمعه إلى خصوصيةٍ معيّنةٍ في القصيدة، وخروجٍ عن المألوف، فهو يكتب كلماته عفو الخاطر، ولا يتصنّع لها المفردات الرنانة، وهذا بحد ذاته ما يجعلها تدخل تواً إلى قلب القارئ ووجدانه، لأنه يفاجئه بها ويربطه بشخصية بطل الحكاية المروية من خلال القصيدة، ربطاً عاطفياً وفكرياً، فالشاعر يبثّ آلامه وفكره بلا مقدمات، ويصارحنا بها، فهو محكوم بالإعدام، مادياً أو معنوياً، وهو يعيش حالته بوعيٍ كافٍ ليجعلنا نتنفّسها معه، وليس لديه ما يخسره، ولذا فهو يطرح  قلبه بين أيدينا ويشرّح مشاعره أمامنا، ويطلق حريّته المقيّدة خلف قضبان تلك الحدود المصطنعة، تارةً على جناح الحلم، وأخرى في سياق وصيةٍ يريدها أن تترجم على أرض الواقع.

   ويستخدم الشاعر في قصيدته الأفعال الماضية، وهذا اختيارٌ يناسب الحكاية التي ارتأى أن يرويها على مسامعنا، ليصف بها حالته، في جملٍ معظمها خبرية، تبرز فيها ضمائر المتكلّم المتصلة، تاء الرفع المتحركة وياء المتكلم، والمنفصلة، أنا، بشكلٍ واضح، كقوله: كتبتُ، نمتُ،  حلمتُ، هِمتُ، أيقظني...، وفي هذا دلالةٌ على اكتمال عنصر الرواية عنده، فقد وضع الحكاية في مسارها الصحيح، وحدّد لها الزمان والمكان والوضع الأولي، ثم هو ينتقل إلى حوارٍ جدليٍّ بينه وبين " الحارس الليلي"، ثم يطلق بعده وصيته الخالدة التي لن يغيرها مهما كانت الأسباب، وإذا بالزمن يتحوّل من الماضي إلى المستقبل، عبر استخدام فعل الأمر والمضارع المسبوق بسين الاستقبال وسوف، كقوله: ستحيا، فعدِّل، ثقوا، سأرسم، سيحملني، سأعطيك، سوف أحمل...،وهذا كله من متطلبات الحكاية حينما تنتقل من السرد إلى الحوار، فالوصية أيضاً يمكن أن نعتبرها حواراً مع الآخرين، الذين يدعوهم" سكان أغنيتي"، ويوجه رسالته من بداية القصيدة لنهايتها إليهم.

   إن هذا الانتقال من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، هو ارتفاعٌ لمنسوب الشعرية في القصيدة، من قعر الحالة الراهنة، إلى مستوى الأمل المنشود والمرجوّ للإصرار على الحياة الحرة، فالشاعر يستأنف رسم خطوط حلمه المقبل، ويسترسل في نسج خيوط آماله، مؤكداً لسجّانه ولأحبّته على حدٍّ سواء، أن الموت أو الإعدام لن يقتل فيه ماء الحياة.

   كما أن تكرار حرفي النصب "كي" و"اللام" في عدة مواضع تؤكّد أيضاً إصرار الشاعر على فكرته، التي يلخّصها بأن الموت حراً هو الحياة،" نمت لكي أطير"، وأن الأشياء لا تملكه ولا تتحكم فيه، لأنه لا يملكها ولا يرغب فيها، " لا أشياء أملكها لتملكني"، وهذه هي عبرة القصيدة.

ج- المستوى التركيبي: تتنوّع التراكيب في النص بين جملٍ خبريةٍ تقريرية، يستثمر بها الشاعر الخبر ببراعةٍ وعفويةٍ، ليؤدي وقع الإنشاء في النفس، فالنفي في " لا أشياء أملكها لتملكني" هو أبلغ من النهي، لأنه يحدّد موقف الشاعر من الأشياء ومن الحياة برمّتها، والاستقبال في قول " الحارس الليلي": "ستحيا لتموت أكثر"، يرفع الخبر إلى حيّز الاستنكار، أما ضمير الأنا المتكرّر في القصيدة فهو للتأكيد، وهومتناغمٌ مع إصرار الشاعر على التعبير عن أمله في الحياة المقبلة، رغم أن الموت قد أصبح قاب قوسين أو أدنى إليه، وأن لا شيء ولا أحد سيستطيع حرمانه من الحياة، لأنه يرى الحياة في حريته، والموت مستشهداً على يد جلاده هو الطريق إليها، لأنه سيستطيع من خلال موته أن يرسم حدود حياة الذين يحبهم، وأن يحرر مستقبلهم: " إلى أن يستعيد الشيء صورته كما هي"، " نمتُ لكي أطير".

   ويستخدم الشاعر تراكيب فنية لجملٍ تتبادل فيها الضمائر مواقعها، فالفاعل يصبح مفعولاً به، وهذه التراكيب هي ذات وقع كبير في أداء المعنى المطلوب، وليس هدفها جمالياً بقدر ما هو وظيفي، فهي تعبّر تماماً عن ذات الشاعر ومراده، فهو إذ يقول: 

" لا أشياء أملكها لتملكني"

 يتبادل فعل الملكية بينه وبين الأشياء، ليؤكد أنه ليس شيئاً مثلها، بل هو متحرّرٌ من كل الأشياء، وأما قوله:

 "وأنا،  سيحملني الطريق

وسوف أحمله على كتفي"

فهو للدلالة على أن الطريق الذي اختاره، أي طريق الحياة الحرة الكريمة التي ترفض ذلّ الأشياء والأشخاص، هو الذي سيحدد له مساره ورسالته في الوقت عينه، فالدرب الذي يحملنا والذي نلتزم به في حياتنا هو الرسالة التي نؤديها في هذه الحياة، ويتكرر التعبير في موردٍ آخر بقوله:

" حلمتُ بأن لي حلما

سيحملني وأحمله"

فهو تأكيد على المعنى السابق، ولكن الطريق هنا هو الحلم، والحلم إصرارٌ وحياة.

   كما يحتلّ أفعل التفضيل مكاناً مفضلا في بدايات القصيدة، في قوله: " أكبر، أوضح، أعلى ،  أكثر.." وفي هذه الصفات ما يشير إلى نزوع الشاعر للتخلص من واقعٍ يرفضه وهو العبودية والاستعباد، والبحث عن واقعٍ أفضل.

   كما أننا نلاحظ أن القصيدة تنقسم تركيبياً إلى خمسة مقاطع، فالمقطع الأول يبدأ من مطلعها ليسرد لنا حلم الشاعر الذي يعيشه متخلصاً من كابوس زنزانته المظلمة، وينتهي عند حدود الريح التي يحلّق الهدهد بجناحها، بينما يبدأ المقطع الثاني مع الفجر لينتهي بتمهيدٍ للمقاطع الثلاث الأخيرة في قوله: " وجدت ما يكفي من الكلمات" لتتصدّر كل مقطعٍ من المقاطع التالية عبارةٌ توازي رفيقتها، " كل قصيدةٍ رسم"، و" كل قصيدة أم" و " كل قصيدةٍ حلم". وكل هذه المقاطع عبر تراكيبها الفنية تخدم الدلالة الكبرى للنص، حيثث تتناغم معاً وتتدرّج لتعزف سيمفونية الحلم بالحياة والحرية، الذي يعيشه الشاعر عبر وصيته من مطلع القصيدة إلى نهايتها.  

ثانياً: البعد البلاغي:

   قصيدة" لي حكمة المحكوم بالإعدام" ترفعنا إلى عالمٍ من الصور البيانية والرموز الشعرية التي تنسج حلم الحرية.

   فعنوان القصيدة ومطلعها هو بحد ذاته رمز، فحكمة المحكوم بالإعدام هي كنايةٌ عن حكمةٍ منزّهةٍ عن الطمع بالأشياء، وليس المحكوم بالإعدام هو المهدّد بالموت قانونياً، بل هو الذي قد أحيط به حتى أُريدَ له أن يفقد حريته وكرامته وبالتالي حياته، إذ لا حياة بلا حريةٍ وكرامة.

   وتتنوّع الصور البيانية بين رموزٍ وكنايات، وتشابيه واستعارات، فالماء رمز الحياة، و"سكان أغنيتي" هم أهل وطنه الذي سلبت حريته، وهم يسكنون قلب الشاعر ووطنه، ، وأما "قلب الأرض" فهو جوهرها وعنصر الحياة فيها، وهو" أكبر من خريطتها، وأوضح من مراياها ومشنقتي"، فالخريطة تحدد الرسم المادي للأرض، والمرايا تعكس صورتها المادية في عيون الآخرين، والمشنقة رمزٌ لموت الشاعر الذي رضي بكل شيء حتى بالموت مقابل حلمه بالحرية، فقلب الأرض إذاً هو معناها العميق وروحها الصافية التي تتجاوز حدود الموت والحياة وانعكاساتها، والشاعر يرفض أن يحجّم حلمه بحجم أرضه المسلوبة، لأنه ، وإن كان في منفاه، فهو يعيش في قلب أرضه رغم أن الحارس الليلي الذي يرمز للمحتل بقسماته المظلمة المبهمة.

   وتتوالى الصور المشرقة، من "غيمةٍ بيضاء" يرمز بها الشاعر للحرية التي لا تعترف إلا بحدود اللانهائية السماوية، ويأتي تشبيه " كأنني هدهدٌ والريح أجنحتي، فيتداخل وجه الشبه في صورةٍ جديدةٍ تعمّق الصورة الأولى وتوضحها، لتعطي لقطةً ثلاثية الأبعاد للحرية. بينما يأتي طباق " ستحيا ميتةً أخرى" ليؤدي معنى انزياحياً فريداً، فالحياة في السجن موت، وما السجن إلا تلك الحياة الرازحة تحت نير الاحتلال، وتتكرر ميتاته بقدر ما يعيش الألم والإذلال، ولكن الحلم عند الشاعر هو أكثر من مجرد خيال، .. إنه الأمل بالآتي، والوصية التي يرفعها "متوّجاً بها غده"، أي معنوناً بها المستقبل الموعود، وقد "كتبها بدمه"، والدم يرمز للألم الممزوج بالتضحيات، والذي يخط للموتى سبيل الحياة.

   كما أن هناك عدداً من المقابلات اللفظية والمعنوية التي تشير إلى تداخل واضح بين الشاعر وحلمه، وبين الشاعر وطريقه، فهو "يحملني وأحمله" حتى يصبحا شيئاً واحدا.

   ويختتم الشاعر قصيدته بطباقٍ آخر: " نمت لكي أطير"، وذلك في صورةٍ مبدعةٍ تحكي قصة الحياة الحقيقية التي لا تنتهي بالموت، بل إن الموت الشريف هو الطريق إليها، فهو يرسم من خلاله، كشهيد، دروب الحياة والربيع والزيزفون واللازورد للجميع.

   كما أنه في إعطائه صفاتٍ متعددة للقصيدة في مقاطعها الثلاث الأخيرة، فهو يخطّ نهج وصيته، عبر تشابيه بليغة حذف منها وجه الشبه وأداة التشبيه حتى بلغ المشبه والمشبه به حد التطابق، فهو أولا يصفها بأنها رسم، لأنها لوحةٌ تضجّ بألوان الحياة الموعودة في ظل الحرية، وهي " أم"، وذلك دلالة على التجدد والاستمرار، ويدعم هذا المعنى دخول عنصر الأمومة في صورة تفصيلية، إذ "تفتّش للسحابة عن أخيها قرب بئر الماء"، كنايةً عن البحث عن عائلةٍ من السحب المتسامية التي ترفض الخنوع، وهي " حبلى.. سأعطيك البديل" إذ لا نهاية ولا استسلام، وأما بئر الماء فهو كنايةٌ عن مصدر الحياة الذي يبحث عنه الشاعر، فالحياة لن تنتهي عند السحابة، التي هي الشاعر كما وصف نفسه في حلمه الأول، وهو "وإن كان الأخير"، إلا أن البديل موجودٌ دائماً لأن الحياة حبلى بالأمل والتجدد.

  وتبرز أيضا صورةٌ فريدة، إذ يقول الشاعر " حلمت بأن لي حلما"، فالأحلام المتداخلة هنا دلالةٌ على حلمٍ لا يتوقف، لأنه نابع من الإيمان بالوصول إلى الحرية، مهما كانت العقبات، فهو حلم لا يعترف حتى بحدود الأحلام.

ويختم الشاعر قصيدته بصورةٍ مستوحاةٍ من واقع الحياة الدينية والروحية لبلاده، وهي صورة "المسيح"، الذي يريد الشاعر أن يحمل له " حذاءه الشتوي" " كي يمشي ككل الناس من أعلى الجبال إلى البحيرة".. هذه الصورة تحمل دلالات غنية ومتنوعة، فالمسيح يرمز للسلام والمحبة، وحذاؤه الشتوي الذي يحمله الشاعر كناية عن رغبة الشاعر في مساعدة هذا الكائن السماوي الذي دعا إلى كل المعاني السامية في الوجود، رغم كل ما لحق به من ظلمٍ واضطهاد، واختيار المسيح ليس عبثاً فظالموه هم نفسهم ظالمو وغاصبو أرض الشاعر، فلسطين، وهو نبي من أنبياء الجليل، وحديث الشاعر عنه هو حديثه عن أرضه، أرض الأنبياء ومهد الديانات السماوية، ومسقط رأس المسيح ومكان قيامته، فالصورة متطابقةٌ مكانياً وتاريخياً مع ما يريده الشاعر، وهي تذكير بأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بطريقة جديدة، والحذاء الشتوي يرمز إلى الوقاية من عثرات الطريق والبرد الذي ينتاب السائر على درب الحق والحرية المغروسة بالأشواك،وهو بانتقاله من أعلى الجبال إلى البحيرة، ينتقل ليكون جزءاً من الناس وواحداً منهم، والتشبيه المباشر"ككل الناس" يؤكد هذه النقطة، لتتكامل الصورة وتعطي البعد الحضاري والإنساني للقصيدة.

ثالثاً: البعد الإيقاعي:

   من الطبيعي أن يسيطر جو الموسيقى الداخلية والخارجية على القصيدة، فهي وإن كانت شعراً حديثاً لا يخضع لقانون البحر والتفعيلة، لكنها لا تخلو من إيقاعٍ محببٍ يأتي عفوياً هنا وهناك، لتلامس نغماته شغاف القلب، وتعزف على أوتار الوجدان، ما يدفع القارئ إلى ذلك الأفق الشفاف الذي أراده الشاعر، وبث من خلاله عنصر الحياة في قصيدته المعنوَنة بالموت. ونلاحظ أن للهمزة وياء المتكلم، المتصلة تارةً بالاسم وأخرى بالفعل، النصيب الأوفى في الإيقاع الشعري، " لتملكني، بدمي، أغنيتي، بِغدي، مشنقتي، تأخذني، أجنحتي، أيقظني...، التي تتمحور حولها القصيدة، والتي هي مركز الإبداع الذي ينطلق منه الشاعر في مبادئه وأفكاره.

   كما نلاحظ تكرار إيقاعٍ آخر متباعدٍ نوعاً ما، وهو الميم الساكنة في  " كل قصيدةٍ رسم" و" كل قصيدةٍ أم" و" كل قصيدةٍ حلم"، .. ولكن هذا التباعد المكاني بين العبارات لم ينفِ عنها صفة الموسيقية، فتكرار الكلمات الأولى من العبارة مع اختلاف الأخيرة، التي تحمل إيقاعاً مشابهاً، قد وظّف شاعرية العبارة بشكلٍ يخدم هدف القصيدة، حيث أن الكلمات الإيقاعية" رسم" و" أم" و" حلم" هي جميعاً متفرقةً ومجتمعة، مبنىً ومعنى، تصب في وصية الشاعر وتؤكد نهجه الداعي إلى الحرية، كما أن التكرار الإيقاعي لضمير المتكلم" أنا" وعبارة" وإن كنت الأخير، فهي قد خلقت نغماً متوافقاً مع موضوع القصيدة الأساس المتمحورة حول أنا الشاعر الحرة.

  على أن موسيقى القصيدة أتت بمعظمها داخلية، فالشاعر لم يأتِ بإيقاعٍ مقصودٍ ومحدد، بل هو أطلق لشاعريته العنان، لتنطق وتبوح بحريته المرتجاة وترفرف في سمائها الرحبة الطليقة، دونما قيدٍ أو شرطٍ من قافيةٍ أو وزن.

الخاتمة: 

إن محمود درويش في قصيدته، قد عاش حالة المحكوم بالإعدام، إذ هو فعلاً يعيشها في نفسه وفكره في منفاه، ويواجه قيد الروح بعيداً عن وطنه كما يواجه وطنه قيد المحتل، ولذا فإن تعابيره أتت بليغة وصادقة، واستطاع من خلال أسلوبٍ شعري جزل وجاذب، أن يستقطب فكر قارئه وأن يحمل رسالته ووصيته المكتوبة بدماء قلبه، لا إلى سكان أغنيته فحسب، بل إلى سكان كل العالم، فهي رسالةٌ أوسع من أن يحيط بها بلد محدود، لأن حدودها الإنسان والإنسانية.  


رجاء محمد بيطار


التعليقات




5000