.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


النجــــار..(حكاية عربية)

نبيل عودة

في عصر ما وفي سلطنة من سلطنات الارضالتي لا عد لها، عاش نجار بارع، كسب قوته وقوت أهله من صنعته التي تعلمها على ايديأمهر نجاري عصره واكثرهم مهنية وبراعة في التصميم والانتاج.


كان لشدة حبه لمهنته، كلما سمع عننجار مشهور، يتبعه ويخدمه حتى يتعلم منه أفضل ما عنده من فنون النجارة والتصميم. يقال،حسب ما جاء في السجلات القديمة، ان صاحبنا النجار جمع خبرة العصور، اكتسب مهاراتلم يسبقه اليها أحد من قبله وفاق الجميع براعة واتقانا وفنا مما جعل الناس

يضربون به المثل كنموذج للجودةوالاتقان.

 

كان نجارنا الشاطر شديد الذكاءكما سجل عيون النظام المنتشرين في ارجاء السلطنة من فوق الارض ومن تحتها، حتى يبقىالمواطن سعيدا بنظامه. سجل العيون انه تطورت على يد النجار اشكال عدة من الكراسي،صنع كراسي مع مساند للظهر، بعد الفحص الامني واخضاع النماذج الاولى للفحص المختبريفي اروقة السلطة، ثم تجربتها على المسجونين من عامة الشعب، صُرح للنجار بإنتاجهاوتسويقها .. كذلك فاجأهم النجار بصناعة الكراسي بلا مساند للظهر وهذه لم يستغرقفحصها غير أشهر قليلة قبل التصريح بإنتاجها، ما هي الا سنة او اقل، حتى صنع كراسيمع مساند للظهر والذراعين. مما أحدث ضجة شعبية اقلقت النظام. لكن للحقيقة لم يتبينللسلطة اي خلل يسمح بتسرب اعداء الوطن واعداء السلطان عبر مساند الكراسي للعبث بأمنالنظام.

 النجار حير العيون المنتشرة فوق الأرض وتحتها، اقلقحاشية الملك بسرعة خاطره، إذ لم تمض غير اسابيع من التصريح بإنتاج الكراسي ذواتمساند الظهر والذراعين حتى بدأ ينتج اشكالا لا تخطر على بال انس او جن في المملكة العظمى،فغير في اشكال الكراسي واحجامها، هذا المدور الظهر، ذلك المدور المقعد، آخر مستطيل،أشكال مربعة الشكل وأشكال نصف دائرية ... تفنن في زخرفتها ونقشها، صنع الخزائنبأحجام عدة، تفنن في اشكالها، برع في تجميلها، كأنها تحفة فنية وليست مجرد وسيلةلحفظ الثياب. صنع النجار الكنبات، الطاولات ومشابك الملابس. جن جنون الحكومة منهذه البدع الانتاجية .. فضاعفت العيون حوله.

امتلأ ت الشوارع المحيطة ببيتالنجار ومنجرته بمئات الباعة المتجولين، الزوار الاجانب وجلساء المطاعم مما نشطالحركة التجارية، تحسن البيع والشراء وارتفعت مداخيل الناس، بل ازداد عددالمواطنين الذين تركوا احيائهم الفقيرة واستقروا في اماكن قريبة من سكن النجار ومنزله.

نزل الخير على جيران النجار فارتفتاسعار المنازل وايجاراتها، لكن السر الذي لم يعرفه أحد ان مئات الباعة المتجولينوالزوار الاجانب وجلساء المطاعم، ما هم الا عيون السلطة الساهرين على امن المواطن،وان هذه النهضة الاقتصادية ما هي الا عملية تجسس كبرى ورقابة لا تفوت اي حركة اوهمسة تصدر عن النجار وزبائنه.

النظام العادل لم يجد الدليلعلى خيانة النجار. لم يعرف ما الدافع لهذا النشاط غير المعروف سابقا في المملكة.

هل مسه الشيطان؟

هل مسخه ابليس شيطانا على شكل انسان؟

الاحتياط اذن واجب حتى لا تحدثالمفاجئات غير المحسوبة سلفا.

كان لا بد من ابقاء العيونتراقب وتسجل. أقيم مجلسا للأمن القومي ليبقى ساهرا على أمن المواطنين وحبهمواخلاصهم للسلطان.

دائرة التخطيط الاستراتيجي فيالمملكة لم تصل، بعد بحثها ودراساتها الطويلة وتبويب المعلومات الواصلة من الميدانمباشرة، الى اي استنتاج حول نوايا شغب مبيته لدى النجار، او اشكال متوقعة لاستغلالمنتوجاته في اثارة الفتنة وتعريض أمن المواطنين للخطر.

لاحظ العيون ايضا انه إذا مابنى أحدهم بيتا وقصد النجار، يحصل على ابواب تصبح قبلة للزائرين، الذين يفدونبمئاتهم لرؤية الأبواب الرائعة، ليست مجرد ابواب تؤمن مداخل البيت وتفصل بينالليوان والغرف، انما تحف فنية مزخرفة بالنقوش، الأقوال الحكيمة وتسبيح الخالق ...

أصبح النجار من أشهر مواطنيالمملكة واكثرهم بعد الملك ورب العالمين ذكرا على الشفاه، مما اثار حفيظة رئيس الشرطة.فزرع المزيد من العيون يراقبون النجار ويتصيدون أخباره ويبلغون عن حركاته اثناء عملهوشكل استعماله لعدة النجارة.

 اقيمت غرفة عمليات أمنية خاصة لدراسة المعلوماتفور وصولها وابقاء الموضوع مطروحا كخطر متوقع يجب الاحتياط الدائم له. بل وكثيرا مااقترح رئيس الشرطة نفي النجار، هدم المنجرة والتخلص من القلق الدائم على امنالمواطنين والمملكة الشاسعة الاطراف ... فلعل وعسى الشيطان يهمس له ويهون له الامور،فيطمع من قلة عقله بما هو ابعد من طاولة النجارة والمشغل، ان يصبح مثلا رئيسا للشرطة،او ربما وزيرا، او ربما، استغفر الله .. ان يصير السلطان نفسه ؟!

 من يعلم ماذا يهمس الشيطان لابن آدم ؟!

مجلس الأمن القومي اعترض علىطلب رئيس الشرطة، اكتفى بإقرار تشديد الرقابة ورفع اليقظة المخابراتية، خوفا منأزمة دولية حول حقوق الانسان المضمونة بقانون الدولة بنص واضح لا يفسر على وجهين.

صاحبنا النجار فكان غارقا في صنعته،مستلهما آيات الحسن والجمال، ناشدا الروعة والجودة وكأن ما يجري حول منجرته لايخصه!!

فاتني الاشارة الهامة، الى ان أفضلما اشتهر به نجارنا، هو صناعة الأسرة.  كانالناس، أكثر الناس في ذلك العصر القديم، يفترشون الارض، ينامون عليها، الاكثريةالمطلقة من الناس لم تفكر انه يمكن ان يوضع شيء ما بين الفرشة والارض بحيث تتلين النومةويسرح النائم في طراوة الفراش وتمتلئ نفسه بهجة وشلوانا.

عندما سؤل رئيس الشرطة عنالفائدة الأمنية للوطن من استعمال الاسرة، لم يجد جوابا يرضي السلطان وحاشيته. لميقبل أحد من عظماء النظام ادعاء رئيس الشرطة بان الاسرة تهدف الجمع بين المتآمرين للتخطيطويجب منع انتاجها. تساءل الوزير الاول ان كان قائد الشرطة يعتقد بان سرير السلطانايضا بات لنفس الغرض؟ وأضاف: إذا الغينا الاسرة اين ينام سلطاننا المفدى ؟! فنزلالصمت على رئيس الشرطة وندم على تسرع لسانه!!

 .

بدأ النجار ينتج الاسرة، فقلدهبقية النجارين، لم يكن في ذلك الزمن مكتب سلطاني متخصص في تسجيل براءة الاختراعات،لذا استغل النجارون الفوضى وقلدوا اسرة نجارنا.

 الحق يقال ان النجار كان كريم الاخلاق، سخيا، لايطمع في دنياه ويبني لآخرته. كثيرا ما أرشد بنفسه النجارين على اصول السنعةواساليبها وفنها، لكن معرفة الفن شيء وصنع وانتاج الفن شيء آخر. لذا بقي نجارنا أفضلالصناع في مهنته، أشهرهم في انتاج الأسرة، خاصة للعرسان الجدد، كثيري الحركة،كثيري النط وكثيري الغلبة والشقلبة.

ازدادت شهرة نجارنا حتى لم يعد أحديعرف ان يحدد نطاقها، مما زاد من قلق كبار الوزراء وكبار الاتباع، جندوا المزيد منالعيون من خريجي الجامعات واتبعوهم بالضباط المتقاعدين اصحاب الخبرات المؤكدة فيقمع اعداء الوطن والمتطاولين على مصلحة الشعب وأمن النظام. جند ايضا رجال الدينلصد الافكار الهدامة التي قد يتجرأ النجار على التفوه بها، لكنه ابن حرام مصفى لاتبدر منه بادرة لتنقض عليه جحافل القوى الامنية، يتصرف بشكل مشروع ظاهريا، مضللاجيوش المجندين لرقابته.

 لم تسفر رقابته وعد حركاته وانفاسه وتفسير كلامهوصمته على امكانية اتهامه بتهديد المجتمع وامن السلطان والدولة، ليتم التخلص منهمرة والى الابد وراء قضبان لا ينفذ منها حتى الجن الازرق.

انشغلت الدولة بجمع ما يتفوه بهالنجار، ما يقال عنه بين الناس، ومراقبة حركاته في عمله واعادة تمثيلها في دائرةالتخطيط الاستراتيجي، لفهم مراميها والاستعداد لما هو اسوأ.

 هل في حركاته اثناء انتاجه للكراسي والخزائنوالأسرة ما يهدد امن الجمهور واخلاصهم للسلطان؟

 

وضع اهل بيته وكل من يمت اليهبصلة الصداقة او القرابة او حتى تبادل التحيات، بأمر سلطاني تحت الرقابة. حتىمشترياته من الفواكه، الخضار، اللحوم والطعام عموما، وضعت تحت الفحص والتحاليل،هناك معلومات غير مؤكدة سربها عين من العيون، تقول ان الدولة تجمع زبالة النجاروما يتدفق من مجاريه، ليفحص مخبريا، لعل وعسى تنكشف حقيقته المتخفية. كانت صعوبةفي فحص ما يجمع وتحديد صفته، بسبب تبدل ما يلتهمه النجار واهل بيته، مما يثيرالنقاشات العاصفة في مختلف اجهزة العيون التي تكاثرت حتى أصبح لكل دستة مواطنينعينا يراقب ويسجل.

كثرت حملات الاعتقال بين ضعافالنفوس المستهترين بالوطن، والمتعاونين على اخفاء المعلومات التي تدين النجاربالتآمر والخيانة العظمى. تراكمت المعلومات ورتبت حسب اهميتها الامنية، احتلت كلالرفوف الفارغة في مكاتب الوزارات، التي كان من المتوقع ان تخدم الدولة عقدين منالسنين على الاقل حسب الخطة الخماسية الأخيرة.

حقا طرحت افكارا كثيرة، بعضهايدعو لطرد النجار من المملكة، نظرا لتكتمه الشديد وصعوبة فهم ما يفكر به. واقترحالوزير الأول تشريع قانون يمنع التفكير ويعتبره ضمن المحظورات التي يعاقب عليهاالقانون بتهمة التكتم على اسرار خطيرة ضد الدولة وسلطانها وان يكون عقاب ذلكبالطرد من السلطنة. لكن بعض الدول التي تسيطر على البحار، ستجد بمثل هذه الخطوةعملا عدائيا لها. وهي غير مستعدة على تحمل رجل بالغ الخطورة مثل النجار، ليعيشمنفيا في بلادها. حتى الخبراء السياسيين والعسكريين والاقتصاديين ورجال الدينوضاربي المندل والنبلاء على اشكالهم ومراتبهم المتعددة، من راكبي الخيل حتى راكبي الحمير،حتى مستعملي المركوب الخشبي، لم يصلوا الى نتيجة ترضي النظام ، فجرى الاستعانةبفتاحات القهوة ، اللواتي سربت اليهم الفناجين التي شرب منها النجار بعد ان اخرجتمن منزله على ايدي امهر حرامية في النظام .. وظلوا حائرين في تأويل ما يجري وكشفالغامض في سيرة النجار  ان كان يفكر اويبيت امرا مريبا ؟؟ لا بد ان اضيف ما هو هام للغاية، اذ دفعت هذه التجربة السلطانالمحبوب لإصدار امر سلطاني، بإنشاء علم جديد يسمى "نجار لوجيا"، يبدأبتدريسه لأصحاب أحسن المعدلات العلمية من الطلاب في بداية الفصل الدراسي الجديد،جرى اعداد كادر كبير من الخبراء الامنيين والمنجمين قراء المستقبل لتدريس الموضوعوان خريجي هذا القسم العلمي الجديد سيكون توظيفهم مضمون بلا وساطة وبراطيل.

صحيح ان العيون والشرطةبأجهزتها المتعددة القديمة والحديثة والاحدث وما بعد الحداثة وما بعد بعد .. اشاعتجوا من الرعب حول النجار واهل بيته، لكن صاحبنا قوي الاعصاب، كان يتصرف كأنه يعيشفي عالم آخر، غير مكترث ولا ملتفت لما يدور حوله، كأنه ليس هو المقصود بهذه الحملةالتي كلفت صاحب الجلالة واهل المملكة اموالا طائلة حتى الآن، لا تبدو بعد نهايةلهذا الصرف الهائل من اجل سلامة المواطن وحقه الحر في الدعاء لله والسلطان.

حتى الاموال التي تلقتها السلطنةمن الاشقاء، من الضرائب على سكان المملكة، من التهريبات الشرعية لضمان قوة الدولة وعزتهاواستمرار اخلاص حاشية السلطان لسيدهم، لم تعد تفي بالصرف المتزايد، وخلقت عجزاكبيرا في ميزان المدفوعات...

كان النجار يواصل صناعة التحف، باتلقبه الجديد في الشارع صانع التحف يهز اركان الدولة والقابضين على مفاتيح الاموال والنظام.بل وبات يقلق حتى صغار العيون ويثير غيرتهم، اذ يعتقدون انهم اولى بلقب يرفع منقيمتهم ويقدمهم في سلك النظام وامواله.

برودة اعصاب النجار واستمرارهبعمله رغم ما يحيط به من عيون ومحللين، حيرت الجميع وادخلتهم في متاهات من التأويلات.الم يستوعب بعد، هذا الحقير، انه المقصود ؟! تساءل صاحب الشرطة، وأضاف: كأن سمعانمش هون مع انه هون ونص !!

جاء في السجلات المحفوظة حتىاليوم في ارشيفات النظام، التي لسريتها لا يسمح بالاطلاع عليها الا بإذن سلطاني... جاء ان بعض الغيورين على سلامة السلطان ورفعته ومداخيلهم من الوظائف المتعددةالتي يشغلونها في الهرم الاداري للملكة، نبهوا جلالته ان لقب صانع التحف، توازي منحيث القيمة اللغوية والاسمية، لقب صاحب الجلالة. قالوا: هذا دليل الخيانة وفسادالخلق والالحاد والفسق والكفر بالمسلمات التي ورثناها عن الأجداد، وخروجا عنالسراط المستقيم للملك والدولة والدين.  حثواصاحب الجلالة ان يحفظ هيبة النظام .. برفع شأن المقربين الأوفياء وإطلاق يدهم فيخزائن الدولة وجيوب المواطنين.

جمع السلطان حوله كل الاقطاب الكبار،قضوا اسبوعين يتدارسون المشكلة وايجاد حل لا يعرض الدولة للتشنيع في الخارج، الامرالذي ينعكس بالتأكيد سلبا على السياحة، بامتناع سكان الدول الاخرى من زيارةالمملكة والانفاق فيها، فتختل الميزانية وتنخفض اجور الوزراء والحاشية ورجال الدينوضاربي المندل والعسكريين. الأهم عدم اعطاء الدول المعادية حجة للاعتداء والدولةمشغولة بأمنها الداخلي. الاجهزة الامنية مشغولة بالرقابة والملاحقة والتجسس علىالنجار وتسجيل حركاته وفحص قمامته ومخلفاته في المجاري.

انذارا للمغامرين الاعداء أعلن الناطقالعسكري للسلطنة انه يحذر كل من تخول له نفسه الطماعة ويوهمه الشيطان ان اللقمةسائغة سهلة بالعقاب الوخيم المدمر.

البلية ان صاحبنا النجار لايبدو ان الامر يخصه او يتعلق به. نقلت هذه المعلومة مباشرة لصاحب الجلالة من وزيرهالاول، حار في القرار الواجب اتخاذه واوجعه رأسه. اشار حكماء مجلسه عليه بالخروجالى رحلة صيد للراحة والتفكير وهذا ما كان بالفعل.

خرج على رأس حاشية ترفل بأجملالملابس والسراويل وبنادق الصيد، يحيط بجلالته أشرس الحراس. وما هي الا ساعات حتىتحرك تفكير السلطان وعرف من اين تؤكل الكتف.

قرار السلطان لم ينشر على كلالمرافقين من الحاشية، خوفا من تسريب النبأ وافشال الخطة السلطانية. ما عدا الوزيرالاول وقائد الجيش وصاحب الشرطة ورؤساء اجهزة الرقابة والملاحقة والتسجيلوالمخططين الاستراتيجيين وكبار رجال الدين لم يعرف بفحوى القرار أحد.

 أثني من علم بالقرار على عبقرية السلطان ورحابةصدره وخطته لإيجاد حل لهذه الازمة التي طالت وافقرت الوزراء والحاشية.

كان قرار الملك ان يكلف النجاربصنع سرير له. يقضي الامر بإرسال العساكر الى النجار بأمر سلطاني بصناعة السريروجاء في الامر السامي: يبدأ بصنع السرير فورا وتحت المراقبة الشديدة المتواصلة،حتى ينتهي من صنعه وكلف خبراء المملكة بفحص كل ما يستعمل بصناعة السرير السلطانيمن مواد وآلات، خوفا من ان تسول له نفسه الكافرة ان يضع ما يدنس طهارة السلطانونسائه الشرعيات والممتلكات. او يهدد امنه الشخصي عند القيلولة او النوم او الجماع.وان يدفع ثمن السرير بخصم من ميزانية كل الوزارات بالتساوي، بمبلغ يزيد عن ثمن ايسرير حتى من الانتاج الاجنبي. حتى لا يقال ان السلطان يستغل سلطته للحصول علىمبتغاه مجانا، ليعلم الوزراء ويعلنوا ذلك دائما في أحاديثهم، ان ملكهم كريم جدا،رحوم جدا، شفوق جدا جدا وانه لا يمل من ارهاق نفسه في سبيل اكثار السكان من النوعالملكي الراقي، ليجد الورثاء في تحمل هم السلطنة ومشاغلها ومتاعبها المرهقة.فاضحكوا وانبسطوا يا سكان السلطنة على ما وهبكم اياه العلي القدير.

صحيح ان النجار أرهقه العمل بإنتاجسرير سلطاني، خاصة وانهم لم يعطوه وقتا للراحة او للتنفس. لكن هذا لا يهم، كانراضيا سعيدا بعمله، يهمه ان يكسب رضا السلطان واستحسانه لما يصنع. أجهد نفسهوذكائه في تصميم السرير وانتاجه كتحفة فنية لم يسبق لاحد ان رأى مثلها. حفر علىمقدمة السرير صورة مكبرة لوجه حبيب الشعب، حبيب الوطن وحارسه، السلطان وريث سلالة السلاطين،لولا المعلومات التي واصل العيون نقلها عن النجار، لقربه السلطان اليه وجعله نجار السلطنةوربما أنشأ له وزارة لمهنة النجارة. لم يستطع ان يفهم السلطان ما الذي يدفع نجاراواطئا مثل هذا، للعمل ضده وضد سلطنته العظيمة وهو يعلم ان الذراع التي تتطاول علىالذات السلطانية تقطع وتطول حتى الهاربين الى آخر الدنيا. تفو على الشيطان. تفوعلى الوسواس الخناس، مورط الناس .. مثير المشاكل. تفو مرة ومثنى وثلاث ...

سعد النجار كثيرا بالمبلغ الضخمالذي قبضه، احتار ما يفعل به، اشترى عدة نجارة جديدة، فرش بيته بأثاث جديد، وزعقسما من المال على الفقراء. قرر ان يستغل المبلغ المتبقي بجولة في دولة فتياتها شقراوات،فهو الأسمر يود ان يمتع انظاره، على آخر العمر.. بالشقراوات وان يسمح لنفسه بشم الهواءوالراحة بعد اجهاد وتعب. لم ينتبه النجار كعادته الى ان ما فعله ويخطط له قد اثاربقوة ومن جديد العيون التي تراقبه.

العدة الجديدة التي اشتراهاسجلت عند كبير رؤساء الشرطة بانها تخطيط لمؤامرة، فرش بيته. لتخبئة زمرة المتآمرين،توزيع المال على الفقراء لشراء الذمم ليكسبها الى جانب المؤامرة ... ويزور بلادالخارج ...؟ أكيد لنقل المعلومات لأعداء الوطن والسلطان وحبك التآمر مع المنشقينوالقوى الاجنبية.

اعلنت حالة الطوارئ من جديد. تدفقتالعيون الى الشوارع تعد حتى انفاس الناس. تحرك الجيش هذه المرة في استعراض قوة لميعهدها أحد من قبل مارا من امام مشغل النجارة، فوقف النجار يحييهم وكأنه بريء مندم الصديق.

قال الجنرالات المتقاعدين يمثلعلينا ابن الزانية وقال الوزير الاول: يتظاهر بالغباء وقدرت دائرة التخطيط الاستراتيجي:ان قدرته على الصمت وضبط الاعصاب لا تقل عن مهارته بصنعته. انعقد مجلس الأمنالقومي بجلسة طارئة غير محددة بالوقت ... في أفخر فندق في السلطنة.

يوم سافر النجار لتحقيق امنية حياته،تمنوا ان تكون رحلته سفر في اتجاه واحد. رحلة بلا عودة، علهم يتخلصون مرة والىالابد من هذا الخطير القدير.

أبحرت الباخرة من ميناء المملكةوعلى متنها النجار وعدد كبير من العيون، ورست بعد اسبوعين في ميناء حتى الرجال فيهشقر مما اثار التعجب في نفس النجار وخاطب نفسه: رجال شقر ؟؟ ماذا ستقول ام حسن ؟؟اكيد ستظن أنى اخرف .. نساء شقراوات شاهدناهم في حدائق القصر.. اما رجال وشقر؟!..رحمتك يا رب.. اكيد الدنيا في آخر وقت.

سار النجار تراقبه العيونمراقبة شديدة في شوارع المدينة الغريبة التي وصلها، منذهل من كل ما تراه عيناه،حتى اعياه السير، شد ما اقلقته اخلاق الناس، يطرح عليهم السلام فلا يردون ولا يلتفتون.بعضهم تأملوه بنظرات غريبة، مما اشعره بالغضب ولكنه غريب في بلادهم فآثر الصمت علىمضض.

أعياه التعب عند مغيب الشمس ولميكن قد دخل شيء في حلقه منذ الصبح. التفت حوله يبحث عن بائع متجول فلم يجد، نظرعبر احدى النوافذ المضاءة، فشاهد اناسا يجلسون الى طاولات مكسوة بقماش أحمر باهر اللونيضفي على المكان جوا اخاذا، يأكلون اشياء لم يستطع تمييزها، وضعت في اوان امام كلواحد منهم وليس في اناء مشترك. يحتسون شرابا احمر اللون. يستعملون السكاكين لتقطيعما في الاواني. كلهم مسلحون بالسكاكين، الا هو غادر بلاده بلا سكين. ترى هل يعطوهسكينا إذا دخل؟، كيف يسمى هذا السكين بلغتهم التي لا يعرف منها حرفا؟

الجوع القاتل جعله يتوكل ويدفعالباب داخلا المكان الفسيح المليء بالطاولات وجلسائها، استقبله أحدهم وهو يرطن ويبتسم،القى علية اطيب السلامات والتحيات، سأله عن احواله واحوال ام الاولاد والاولاد، ردعليه برطانة وبكلمات تشبه تغريد العصافير.

ترى كيف يفهموا على بعض؟

لوهلة شعر بالندم، استعود باللهوتمنى لو بقي في منجرته. . وبدأت تشتد عليه الحيرة وهو في منتصف القاعة الرحبة لايدري ما يفعل. حين وجد نفسه فجأة امام قد ممشوق، صدر طافح ممتلئ مكشوف حتى النصف،يترك بلا مقدمات وبلا تفكير رغبة مجنونة بكشف ما خفي. رفع رأسه قليلا ليرى اي جنالم به وتأبط ذراعه، كاد يصعق امام العينين الزرقاوين الواسعتين الجذلتين والشفتينالمليئتين الملونتين بطلاء احمر. أذهلته البشرة البيضاء الناعمة الحريرية الملمسورائحة العطر الأخاذة، فالتبس عليه الامر: هل هي الجنة؟ هل يكون قد مات. وكرجلصالح لم يؤذ احدا او يتعدى على أحد ارسله الله الى الجنة؟

دغدغته ضحكاتها العذبة، قادتهواجلسته الى مقعد وجلست قبالته كأنها تعرفه منذ ولدته امه. انطلقت ترطن بلغةالعصافير التي لا يفهمها. صوتها يخترق احاسيسه مثيرا ارتعاشات لم يعهدها منذ ليلة زفافهعلى ام حسن. هل يعرف حقا ما هو به وماذا عليه ان يفعل حتى لا يقع بالمحظور ؟!

العيون التي تراقبه اصيبوا بالدهشة،لكنهم حافظوا على رباطة جأشهم وسجلوا تفاصيل هذا اللقاء مع عميلة الاستعمارالاجنبي الذي يجري بالعلن. ركض أحدهم الى السفينة لنقل المعلومات الاولية حتى تصلالبلاد بلا تعويق. بدأ النجار يضرب اخماسا في اسداس، متخبطا لا يعرف ما يلم به،مأسورا مذهولا من هذا الجمال الناطق والفتنة التي شلت كل تفكيره، مستسلما بلاارادة لهذه الدغدغة المجنونة التي اغرقته بسحر لا فكاك منه.

أكلته بعينيها وأكلها بعينيه. رطنبلغته ورطنت بلغتها. لم تفهمه ولم يفهمها. عبثا حاول العيون تفسير هذا المشهدالسريالي للخيانة العظمى التي ترتكب على مشهد من الناس. ضحكت بمتعة وبريق عينيهايشل قدرته على التفكير بما هو مسموح شرعا وما هو ممنوع. قال العين الكبير لمساعده:هذه اول اشارات الاتفاق على التآمر. تمايلت امامه بغنج نادر. رسمت على الطاولة شكلقنينة. لم يسعفه عقله المسطول بالوجد والشبق على فهم ما ترمي اليه، رغم انه نجاربارع يصمم ويرسم أبدع الاثاث. قلق شديد اصاب العيون لرؤية رسمة القنينة على الطاولة،أيقنوا ان السم دس بقناني المياه المستوردة خصيصا لجلالته، أطلقوا بلا تمهل عيناآخر للباخرة ليرسل انذارا لا يقبل التأجيل بعدم تقديم المياه المستوردة لجلالتهحرصا على سلامة الوطن والمواطنين.

النجار قطع حيرته بهز راسهففهمت بنت ابليس انه يوافقها على ما رسمته فاتسعت ابتسامتها وشبكت اصابعها بأصابعهفي عناق جعله لا يعرف ان كان حيا ام ميتا. يجلس ام يطير محلقا في الفضاء .. ماذا ستقولام حسن؟ هل ظلت في دماغه قدرة للتفكير بأم حسن؟

قال العين الكبير مذهولا: باعالنجار نفسه نهائيا لأعداء الوطن. لم تتأخر الملعونة التي سحرته فأومأت الى شابيرطن بلغتها ان يقترب واسرت له بضع كلمات، ابتسم لها مما اثار الدم في عروقه وودلو يقطع رقبة هذا المعتدي على خصوصياته. قال عين لرئيسه: اظن ان المؤامرة يشتركفيها أكثر من استعمار واحد. ربما هي مؤامرة عالمية؟ خبط الرئيس اخماسا بأسداسشاعرا ان امن السلطان والوطن يثقل كاهليه وعليه ان يكون بقدر المسؤولية التي انيطتبه، أرسل عين آخر ليوصل آخر التفاصيل المسجلة حتى يلحق الباخرة قبل خروجها من الميناء.

عاد الشاب الوقح بقنينة فيهامشروب احمر، مذاقه يزيد المرء حماسة وانبساطا. هل هي من المحرمات؟  هل يكون الفرح من المحرمات؟ ازال هذا التفكيرالعقيم من دماغه الغارق بسحر العيون البراقة والنهدين المتوثبين.  قال العين الكبير لنفسه: انه يشرب سموم التمرد. اسرله مساعده: سيادتك بعد اذنك، الا توافقني ان النجار يشرب المحرمات ويزني؟ زجرهرئيسه على قلة عقله: ما يجري اتمام لتفاصيل المؤامرة. لم نصل هنا لنعيد النجار الىالسراط المستقيم. أو لنراقب حسن اخلاقه. نحن من دوائر المخابرات ومهامنا لا علاقةلها بالخمر والزنى. مهمتنا صيانة امن مواطني السلطنة وسلطانها العظيم من المؤامرات.إذا انتهت المؤامرات تبطل الضرورة لنا ونحال الى التقاعد، فلا تتفوه بكلام مجنون!!

شرب النجار مستمتعا وشربتساحرته متمايلة والسعادة ترتسم على محياها الصبوح، تخاطبه بعينيها خطاب مليءبالوجد والصبابة. تحرر من رهبته بعد الكأس الثانية وتحررت من آخر تردد في نفسها.

هل تكون هذه هي الخمر التي وعدالله بها المؤمنين يوم يلجون الجنة؟ ارتفعت معنوياته وتسامت روحه. هل من جنة أعظممما هو به؟ شرب وشربت، رطن بلهفة ورطنت بعشق هيج كل اطرافه. لمست يده بأطرافاصابعها فدبت الرعدة الكهربائية في كل جسمه. تجرا ومد اصابعه فالتقت بيدها فيمنتصف الطريق، تمالك نفسه بصعوبة، ضغط على اصابعها وضغطت على اصابعه بالمثل. رطنبلغته بكلمات غزل ورطنت بلغتها وعيناها تضحكان وتشعان رغبة مجنونة تسكره. تمايل منرغبته المجنونة وتمايلت من عفرتتها. شرب وشربت. ارادها وارادته. العيون تتعلق ببعض.يتحدث وتتحدث. لا يفهمها ولا تفهمه. مرة اخرى رسمت له صورة قنينة، اثارت الرعب فيوسط العيون المراقبة وعبثا حاولوا تأويل الهدف من رسمها للقنينة الثانية. هل يكونالجواسيس الاجانب قد وصلوا لمصادر المياه في المملكة؟ يا لهول ما ينكشف امامهم ...احضر الشاب الوقح قنينة اخرى وهو يبتسم بوقاحة لصاحبته. فكاد الشرر يطير من عينية،لولا يقينه انه في بلاد غريبة لشوه ابتسامته ووجهه كله. زجر غضبه وسرعان ما عادلسحر الشهوة التي تتفجر داخله. ربي يسر ولا تعسر. وهبنا من لدنك صبرا وقوة.

شرب وشربت. طابت نفسه وطابت نفسها.تحدثت اليه برطانة لم يفهمها وتحدث اليها بفصحى تكاد تخلو من الاخطاء فلم تفهمه. بسطفي لغته وكسرها لتفهمه فلم يتغير الحال. سجل العيون انه يجري حديث حميم من الصعبمعرفة تفاصيله، لكن المؤامرة واضحة جلية على محيا النجار والعميلة الجيم بولندية للاستعماروان الاتفاق بينهما يبدو واضحا جليا وتاما.

تبادلا اللمس وتغازلا بأطراف الاصابع.رمانتاها تكادان تقفزان نحوه. مد يده فما مانعت رغم امتلاء المكان بالناس. ماذا لورأت ام حسن ما يجري بين بعلها وهذه الشقراء شبه العارية؟ رئيس العيون أيقن ان فيالصدر رسائل سرية يجري تسليمها، ربما عملات صعبة لتجنيد العملاء والخونة ضد الوطن والسلطان.قال لنفسه انه يجب التفكير بخطة مستعجلة لمصادرة الاموال من النجار قبل العودة بهاواستعمالها فيما يبيت من خطط، بالتأكيد سيعترف النظام بفضله ويهبه الملك ما يستحقهمقابل المهمة الوطنية الخطيرة التي اوليت له ونفذها بالتمام والكمال.

ارتفعت حرارته وارتفعت حرارتها.شرب وشربت. تعانقت الانفاس الولهانة العاشقة التي تنبض بحرارة الوجد والرغبة. يتكلموتتكلم لا تفهمنه ولا يفهمها، ترسم له صورة قنينة اخرى على الطاولة، فيكتمل وجدانهويضحك بحرية معبرا عن فهم مرادها اخيرا. يشرد وراء رغبته المجنونة ويشرد العيونوراء تفاصيل الخطر القومي الطارئ الذي يجري امامهم على المكشوف. بنت الشيطان سطلته.هذه ارادة الخالق. هذا قدره المكتوب. تمايل رأسه المثقل برغباته المتفجرة. قبض علىفخذها شبه العاري بقوة ووله لم يعرفه منذ دخل على ام حسن. انتشرت ابتسامتها الجذلىفازداد سعاره وغب من الخمر علها تطفئ غليله الملتهب. تكلم وتكلمت. شرب وشربت.تعانقت الاصابع وتوحدت في ضمة طويلة. انبهرت نظرات العيون ودقت نواقيس الخطر في قلوبهم.غمرته سعادة لم يعهدها حتى في ليلة دخلته. ازداد توهج لحظها وعينيها. رطن بكلماتهورطنت بكلماتها. لم تفهم ولم يفهم. اقتربت منه بأنفاسها اللاهبة وطبعت قبلة فوقشفتيه فتفجر الشرر. أغمض عينيه ليستعيد توازنه او بعض يقينه. رائحة العطر لا تقلروعة عن جمالها. رائحة ام حسن مثل التبن المنقوع. شرب وشربت والرقابة حوله متوترةمتيقظة لتفاصيل المؤامرة على الوطن والشعب. اقتربت بكرسيها حتى لامسته بكتفيهافالتهبت احاسيسه وتتضايق من ضيق سرواله. ركنت رأسها على كتفه ورسمت له، يا للهول:صورة سرير !!

اقسم بالله صورة سرير. نظر حولهغير مصدق. كاد السكر يطير من دماغه والرعب دب في العيون، باتوا على يقين ان السريكمن في سرير السلطان الذي صنعه النجار. هذا خطر غير متوقع، ضربة لم تحسب. قالرئيس العيون منزعجا وحائرا في طريقة انقاذ الوطن والسلطان والشعب من هذ ه الخيانة.

الرغبة المجنونة تضرب في كل أطرافالنجار، رسمت له صورة سرير؟

من يصدق ذلك. لم يعرفها من قبلولم تعرفه. التقاها منذ وقت قصير. لا يصدق ما تراه عيناه؟ صورة سرير ؟!

اصابه شطط واختلط المبتدأ والخبر.

رسمت له صورة سرير. بنت الشيطان،جمالها ساحر والرغبة بها وصلت قمتها. هي تريده كما يريدها. من اين لها هذا الذكاءالخارق وهذه الفراسة المذهلة؟ بنت الشيطان. فتح عينية المخبولتين من الخمرة غيرمصدق ما يجري معه. رسمت له صورة سرير. بالتأكيد صورة سرير!

كيف عرفت انه يشتغل نجارا ؟!

 

نبيل عودة


التعليقات




5000