.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الهدرة الخامسة: المترو رقم 5... يوميات

سونيا عبد اللطيف

مللت الانتظار وملّني الانتظار، الوقت يمرّ هباء في هباء، وأنا لابدّ أن أعود إلى بيتي في أقلّ وقت ممكن، لديّ أعمال كثيرة تترقّبني، المطبخ، الموقد، إعداد العشاء، تنظيف البيت، التّرتيب، اللّوم، التّوبيخ، الزّوج، الأبناء، الكرّاسات والإصلاح... 

هكذا دائما تضيع من عمري ساعات وساعات في الانتظار لا شيء غير الانتظار أين نحن من الدّول المتقدّمة أمثال اليابان وألمانيا وسويسرا... في حرصهم على الوقت والمواعيد... حرام والله حرام...كم نحن نتعذّب... الوقوف أيضا أرهقنا ويصاحبه أحيانا شدّة القرّ أو شدّة الحرّ...


أنتظر القطار


أتشاغل بمسح ما علق بنظّارتي


من غبار


أعدّد مشاغل النّهار


أعدّد ساعات الضّياع


ووقفات السّراب


أتصفّح الذّكريات...


هذه لابدّ أن يُردّ لها الاعتبار


تلك تركتْ في القلب ثقوبا وأسى


أخرى غشاها الاصفرار


ملّتْ الكائنات وملّها الانتظار


كيف يخفّف عصفور من روعه


حين فقد الأشجار


كمْ مرّة وقع خلف القضبان


كم مرّة عبثت بريشه الصّبيان


كم مرّة أغوته الحبّات والدّيدان


كيف سيقشّر العصفور عتامة السّماء؟


وكيف سيُنزل منها الماء الزّلال؟


ركبت الميترو رقم خمسة كما ركبه الآخرون المنتظرون الكثيرون... امتلأ الميترو حتّى عجّ وضجّ وصاح من وقع الزّحام وشدّة الظّلام ورفس ودوس الأقدام للأقدام والتّدافع بالأيادي والمناكب وحكّ الأكتاف بالأكتاف...


كلّ راكب سارح مع خياله، في خياله، مع حاله،في حاله غارق في مشاغله مثلما أنا غارقة، وفي كلّ محطّة يزداد الزّحام أكثر ويحمى الكلام أكثر فيطول اللّسان وتضجر الأذان...


في الأثناء كنت أنظر إلى الوجوه... أتأمّلها: هذه مُسفرة، هذه مصفرّة، هذه ترهقها قطرة، هذا شيخ يلهث يفتّش بعينيه العجوزتين عن مقعد وقد تلتقي عيناه بعينيْ إنسان كريم فيخجل ويتنازل عن كرسيّه ليجود به عليه رأفة بحاله وسنّه لا غير في النّهاية هو كرسيّ للجلوس عليه وليس كرسيّا للخلافة... وتلك سيّدة جاءتْ تعرج لا نعرف إذا كان ذلك بسبب الثّقل الذي تحمله أم هو عرج ربّانيّ، حذو العمود الحديديّ فتاة تتصفّح صورا على شاشة جوّالها رغم الاكتظاظ، وذاك شابّ شعره أشعث وجهه أغبر يتفرّس الوجوه كأنّه يبحث عن شيء أضاعه...وهنالك مجموعة تلاميذ تقف حذو الباب، نعم هم تلاميذ لأنّهم يحملون محافظهم ويرتدون ميداعاتهم، توقّف بصري عندهم، قمت بعدّهم: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة... و... ستّة... نعم ستّة لكن رغم التّشابه هم مختلفون، يختلفون في الشّكل والطّول والقصر والمنظر ولون البشرة والهندام و" اللّوك" وتسريحة الشّعر"المودارنْ " إلخ...


الشّيء الوحيد الذي يجمع هؤلاء التّلاميذ ويوحّدهم هو بذاءة ألسنتهم، طولها وقبحها وسوء أخلاقهم وقلّة أدبهم...


نعم، هكذا بدوا لي من أوّل وهلة ونظرة ومن خلال الفوضى التي أحدثوها في الميترو حالما صعدوه، فقد كثر ضحكهم وهرجهم ومناوشاتهم وكلامهم المدوّي الشّبيه بنهيق الحمير ووقفتهم العشوائيّة الغير المحترمة، واتّكاء أحدهم على أحد الرّكاب في لامبالاة، كانوا حذو الباب والنّافذة، كنت أبعدهم بثلاثة صفوف ما يقارب الثّلاثة أمتار، كنت أتابع حركاتهم وسكناتهم، أحدهم أخرج سيجارة، وضعها بين السّبابة والإبهام وثبّتها بين شفتيه القذرتين، الثّاني سحب من جيبه ولاّعة وأشعل لصديقه السّيجارة، شهق الشّاب نفسا عميقا، ليته ما استرجعه، خزّن الدّخان في أعماقه لحظة لحظتين أوأكثر ثمّ التفت يمنة ويسرة واختار له الفضاء المناسب لينفث دخانه... ظننت أنّه سيطلقه عبر النّافذة ليدع الدّخان يتصاعد إلى الخارج خصوصا أنّ التّدخين ممنوع في وسائل النّقل والأماكن العموميّة... لكن، ومع الأسف الشّديد تغيّرت النّاس بعد الثّورة من الأسوء إلى الأشدّ سوءا فبإسم الفهم الخاطئ للحريّة والدّيمقراطيّة أصبح كلّ واحد يعيش على هواه وعمّت الفوضى وقلّة الحياء في البلاد وتطبيق القانون واحترامه صار بدعة... حقيقة صدمتُ بما شاهدتْه عيناي... لقد اختار الفتى رأس امرأة في الخمسين كانت تجلس في مقعد بالقرب منه حيث هو يقف وكان ظهرها قبالته ووجهها عكس اتّجاهه كانت تضع على رأسها حجابا، إلى جانبها تجلس فتاة في الثّلاثين، وقبالتها سيّدتان في الأربعينيّات... قبالة الجميع شابّ ذو لحية كثيفة أسمر البشرة برفقة فتاة تضع الخمار ويمسكان بالعمود الحديديّ للميترو...


التفت الجميع إلى الشّاب المراهق المتهوّر الذي يدخّن لكن لا أحد نطق أو تكلّم أو حرّك رأسه أو تزحزح رغم استيائهم لما اقترف... تناول صديق ثالث من فم رفيقه السّيجارة ووضعها بسرعة في فمه دون حتّى أن يمسح طرفها وسحب بدوره كتلة من الأكسيجين عبر السّيجارة لكن ليست بنفس العمق مثلما فعل رفيقهم ثمّ نفث الدّخان جانبا جهة الباب وأعاد السّيجارة لفم صديقه الأوّل فأعاد هذا الكرّة بنفس الوقاحة وقلّة الحياء وكأنّ شيئا لم يحدث بل كان يتعمّد ذلك إذ كان يردّد على مسامع صديقه وكلّ من بجانبه يسمعه: "أنظر إليّ كيف أنفث الدّخان، أنفثه دوائر... دوائر، شيئا فشيئا...كأنّ بدايته إعصار ونهايته نار ونقطة انطلاقه رأس المرأة .."


أحسست بالغيظ ورغبة في التّقيّؤ على وجهه لقلّة أدبه ووقاحته من ناحية ولأنّ لا أحد من الرّكاب كلّمه أوعاتبه من ناحية أخرى... حدّقت في أعين المتواجدين، قرأت فيها الاستياء تجاه هذا التصرّف اللاّواعي والسّلوك المثير الشّنيع ولاحظت انزعاج المرأة وتقلّقها ليس استياء من تصرّفاتهم فقط بل وأيضا بسبب الاختناق من الدّخان، كذلك الرّاكبات حذوها، غير أنّهنّ استمررن في الصّمت... نظرت إلى رجل يقف غير بعيد عن الأولاد رفقة زوجته على ما أظنّ إلاّ أنّه سرعان ما غيّر موقعه وابتعد... في الطّرف الآخر يوجد رجل وثان وثالث ورابع... كلّهم ينظرون ولا يبالون...


هيّا تكلّم أيّها الرّجل... تكلّم... قل شيئا... افعل شيئا... لماذا تسكت... تكلّم... فأنت رجل يسمح لك بالتّدخّل وربّما يهابونك... فنحن مازلنا رغم تحرّر المرأة في مجتمع ذكوريّ، دافع عن حقّك في الهواء النّقيّ... دافع عن حقّك وحقّنا.. أليس التّدخين ممنوع...؟ أم أنّه أصبح ردع المخطئين والمخالفين في هذه البلاد هو الممنوع؟


مضى أكثر من ثلاثين عاما وأنا امتـطي القطارات والميتروهات والحافلات وما رأيت أحدا يوما يدخّن في ميترو ولا بهذه الطّريقة الوقحة وما فاتك أغرب من قبل فتيان يافعين لا تقدّر ولا تحترم الكبار... صبيّ في سنّ الأربعة عشرة يتجرّأ على هذا الفعل والأسوأ أنّه يتعمّد ما يفعله وعن وعي تامّ، زيادة على ذلك كان ينظر إلى الوجوه في الوجوه ويتفرّس في العيون كأنّه يريد استفزاز الجميع بوقاحته فهو يدرك جيّدا أنّه مخطئ ومذنب وكأنّي بعينيه تخاطبان الحضور: "الجريء منكم ينطق ويتكلّم، ليجرّب حظّه، سيرى الشّتم والسّب منّي ألوانا، أنا قادر على فعل ما لا يخطر على بال أحدكم... "


هكذا، كنت أنظر في الوجوه، أحلّل الشّخصيّات، أقرأ ما تضمره النّفوس وما تخبئه الرّؤوس... وفي ذات الوقت أهذي مع نفسي... لقد قرّرت أن أتكلّم وليحدث ما يحدث... سأنتظر فقط لو أعاد فعلته الشّنيعة ثالثة ونفخ دخانه على رأس تلك المرأة أو في وجه أخرى...لن أسكت، ليسبّني... ليتهجّم عليّ بالألفاظ البذيئة... ليهدّدني إن شاء... لكنّي سأكلّمه، هذا العاق، هذا الجاهل، هذا الحيوان... لابدّ أن أجد العبارات التي تلائمه... لا لن أفعل... أعرف هذه الوجوه وهذه الخلائق، قد رأيتها من قبل... أجل رأيتها ذات صباح لمّا كنت أنتظر الميترو لأقصد عملي كانوا يتعلّقون بالأبواب ويزعجون الرّكاب بالصّراخ والبصاق والكلام الغير المباح ولا يدعون الباب ينغلق ولا الميترو ينطلق... الغريب أنّه لا أحد من المنتظرين يتدخّل أو يمنعهم ممّا هم عليه ممّا يجعل السّائق يلجأ إلى النّداء بمضخّم الصّوت متوسّلا المشاغبين بترك الباب حتى لا يتأخّر النّاس عن مواعيد أعمالهم والتّلاميذ عن وقت دراستهم ...


سأتكلّم ... سأتكلّم... لا يهمّ.... حتى إذا كانوا مجرمين... ليفعلوا ما يريدون، مهاجمتي ضربي، دفعي، افتكاك شيء ثمين بحوزتي، اختلاسي...لا يهمّ... للعلم أنّه وقع سرقة حافظة أوراقي ونقودي بكلّ ما فيها وكذلك جوّالي أكثر من مرّة من حقيبتي اليدويّة وفي حضرة هذه الميتروهات الخضراء الجميلة ووسط الزّحام الشّديد العتيد...


هيّا أيّها اللّعين أعد فعلتك الشّنيعة... دخّن... أنفث الدّخان كما فعلت على رأس المرأة وفي وجوه النّساء... سألعنك ستّين لعنة...


توقّف الميترو في محطّة باب سعدون... نزل من نزل وبقي من بقي...


وبقي الباب مفتوحا لفترة وكذلك بقيت العيون مفتوحة فقط الأفواه كانت مغلقة...


هيّا أغلق الباب أيّها السّائق وانطلق.. واصل رحلتك لم نصل بعد...


وأنت أيّها المراهق الوقح اسحب نفسا من سيجارتك وانفثها ثالثة... أنا بدوري سأنفجر، إنّي أختنق... والكلام في حنجرتي أيضا يختنق...


-انزلوا جميعكم هنا، في هذه المحطّة... حدث عطب في الميترو...


هكذا صاح سائق الميترو فجأة...


أين اختفى الصّبيان... بسرعة نزلوا واختفوا... كأنّ الأرض انشقّت وابتلعتهم... كذلك الرّكاب لا أثر لهم... سريعا تناثروا كالفراش المبثوث هنا وهناك... بمفردي بقيت في الميترو، أنتظر متى يعيد الفتى الكرّة ثالثة ولكن لم يبق سوى عجاجه ورائحة دخانه....

 

 

 

سونيا عبد اللطيف

تونس

من كتاب ميتروهات... وهدرات

يوميات من الأدب التسجيلي 

 

 

 

سونيا عبد اللطيف


التعليقات




5000