.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هكذا يأتي الجبل !!

محمد علوش

قراءة غير منهجيّة في ديوان ( خطى الجبل )* للشاعر الفلسطيني محمد علوش 


د. خليل إبراهيم حسونة * 

الشعر غليان صارخ يقول الأشياء ، ويخرج باللغة من مشتركاتها المألوفة ، إلى خصوصية في الكثير من الأحيان غير مألوفة للجميع ،عبر توترات صاخبة تدفع للنظر بدقة في كامل المحتوي. ما يؤكد أن كلمات القصيدة هي دم الشاعر، وعصير روحه ، الدافع إلى الإستنفار، وذوبان الذات في ذاتها، ما يجعل القصيدة ( أي قصيدة ) عصية علي الموت ، كونها تعاني ولادات متكررة رغم إختلاف بنيتها. 

وبصفته قراءة لمجرى حياة الزمن ، فان الشعر ذاكرة تشكل أبدية الفعل ، وهاجس التغير، لأن القصيدة ليست أكثر من أبجدية عارية كالضوء ، وهو ما يشي به ديوان " خطى الجبل " للشاعر محمد علوش المحمل بهاجس الإبداع والتشظي ، الضارب في وجع الذات والمجموع والمشكل لجدل الأسئلة التي لم تزل تقرع أذاننا ، ما يجعلنا نصنفه ضمن منظومة " شعراء الرفض الفلسطيني "  فهو شاعر ومناضل لم يزل يحمل هم الأرض الغائبة الحاضرة والالتصاق بالهم الوطني الجمعي القومي ، وكذلك الإنساني ويتمحور كل كذلك حول الهم الرئيس ، أعني قضيته الوطنية بكل أبعادها ، تلك التي آمن بها دون تراجع وهو ما أكده منذ البداية في قصيدته " أحمل أوجاعي " حيث يتقدم الشاعر في فضاء نصوصه بهذا المدخل الجميل كشرارة دفع بها الليل أن يرحل كما في " مليكة الماء والوجه ، حيث جاء فيها :

" أتيت أحمل روحي وريحاني 

أرفع قامتي نخلةً 

في عريني ملاذ لصوفيّ

في أرض أحلامي الصغيرة  

            أبوح بأشواقي " ( ص 27 ) 

...

" يا ليل فارحل / دعك مني / 

أنا لست وحيداً / معي حلمي / ومعي رفاقي / 

ومعي سمائي / 

ومعي من سبقوا .. " ( ص 139 ) 

هنا مزجٌ بين الشعر والمشاعر يحمل بعض التفرد الحسي وتجلياته ، عبر حالات من التمدد اللافت ، الشاعر في هاتين اللوحتين يؤكد انحيازه للتناغم الكوني داخل الذات وخارجها رغم سطوة التداخلات ومركزيات الأنساق المعرفية ، مدلول الهوية فيها تمثل في صوت الحضور اللافت / أنا لست وحيداً / عبر التواجد بتلك اللحظة التي يشرق فيها الصوت المبدع الذي تجلى ، كأنموذج روحي متعالٍ / في عريني ملاذ لصوفيّ / ينبع من اللاوعي ، لكنه يقبل التفاعل مع الأنا ( روحي / ريحاني / أحلامي / أشواقي / سمائي ) ، ومن ذلك التفاعل الإيحائي / ووحي رفاقي / ، ما جعل القصيدة حاملة للاتساع دون غموض ، وكأنه يقدم الغاية الجمالية والفعل المرجو دون تراجع ، بل وبثقة مطلقة ، إذ يوحي بذوبان المادي ( الحركة ) في المعنوي ( الأخيلة ) " الأحلام والبوح " وطاقته الروحية المتحفزة لفعل الكتابة ، ورغم أنني أميل إلى القصيدة بالنثر / كما يطلق عليها شاعرنا " محمد حلمي الريشة " على القاعدة المعرفية ، إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة / حيث التمايز والتجاور ، إلا أنني أؤمن بأن الشعر لا يهم أن يكون قد كتب بالطريقة الحديثة ، أو نحى المنحى التقليدي التراثي ، كون الأصل فيه يكون شعراً ليس إلاّ .

ولأن " يوتوبيا " الشاعر ، هي مملكة البشر ، فالإنسان الحقيقي يتخلص من كامل المعيقات ، لذا يعانق الرفض ، ويعانقه الرفض ، فهو وقصيدته كيانٌ واحد ، لذا يجب أن نفهمه على أساس النموذج الذي تسعى قصائده لتكونه ، ونموذج شاعرنا هنا هي الوطن / فلسطين / الحلم ، بطل ما يخالج روحه العطشى من احتراق ، فرغم الظروف القاسية التي تحاصره والتي لا تريد ، إلا انه يريد وبقوة وشغف بهدف أن يمسح عن جدائلها الهزائم ، لذلك يبوح بأسراره / طموحاته للسماوات / الأفراس / وظلال الروح ، كي يبلور هويته كما في " جئتك وفرسي بلا أجنحة " :

" أتيتك أحمل روحي ،

ودفتر أشعاري الصغير

أنبش بجمري المتوقد ، وخمرة شوقي لنهرٍ طليق " ( ص 29/30 ) 

" أبوح بأسراري للسماوات العالية 

لأفراسها الواعدة / وأبراجها ظلال الروح / 

فلا تتركيني وحيداً / باسماً / شقي الهوى / وبلا هوية " ( ص 56 ) 

لقد اعتصر الشاعر البوح الذي يجب أن يكون ويقال ، وهنا علاقة جدلية بين ( الفعل والمفعول / الحلم والواقع / الحضور والغياب / الهوية وانتفائها )  ، حيث تمازج الأنا مع أناها مشكلةً لسيمفونية تحتوي تناقض الأضداد .

هذا الوعي الشخصي ليس مجرد وجهة نظر يستند إلى شرط الحرية ، بقدر ما هو وعي شامل ، أي وعي يربط بين الظواهر بمجملها في وحدة واحدة ، إذ أن المعنى المقصود هنا ليس غامضاً ، وسيبقى الأقرب إلى ذهن المتلقي ، ما دام يرتبط بقضية الوطن .

في مجملها العام ، نصوص الشاعر تحاول أن تمسك لحظتها في لحظة محاولتها أن تمسك بالأبد عبر جملة من التحولات التي تؤكد بثبات وجود كل نص ، وعن طريق تطلعاتها ومراميها تنعش الصور الفارغة وتتملك من جديد حدسا بالمعنى الكامن في مفاصلها ، حيث تؤسس آفاقاً من الدلالات المصادمة ، إذ عبر تحولاته يؤكد لنا هذا الديوان ضرورة التفاعل بين ( الحلم والصحو ) لنفي ( الغياب المطلق في الزمن المطلق ) ، لأن كل إنتاج / إبداع ، ما هو سوى تساؤل  عن الواقع ، حيث تزول الأجوبة ويبقى التساؤل ، فكل شيء يرتبط بكل شيء ، والكل كماً ونوعاً ، وهنا تبرز فاعلية الزاوية الرؤيوية التي تؤدي إلى كشف متاهات الخلق المعتمة عبر تحولات متداخلة تقول مالا يقال .

لقد تمثل التحول الأول في ارتفاع صوت المتكلم واتساعها اتساعاً كثير التعدد لأصوات الرؤيا ، هذه الأنا هي الرائي الذي يتوحد برؤياه / أي بالحادث الآني / لا بالحاضر السالف ، ومن هنا كان لانشطار الصورة فاعلية ترتبط بين الموت والحياة ، كما جاء في قصائد " سيدة البحر / أريحا / اليرموك " كبعدٍ وطني يمتزج بالأفق القومي " الشام / مصر / الجزائر / العراق " وهذا ليس بالغريب عن شاعرنا المناضل العروبي الاشتراكي ، فـ " عكا " هي حكاية الزمان التي دحرت نابليون عن أسوارها ، في إشارة منطقية أن التاريخ لا بد وأن يعيد نفسه من جديد ، كما هو حال مدينة القمر / أريحا / وحتى اليرموك الصامد :

" تستيقظ عكا من نومها السرمدي 

تغمد سيف الوداع / هزمت نابليون / وظلت أسوارها منيعة /

عصية السقوط / وستلفظ عنها الغرباء " ( ص 54 ) 

" وأوقدت أحلام من يأتون بعدي / يلامسون أرض الحلم / ويضيئون قناديل وصولهم / 

بوحاً لمدينة القمر " ( ص 162 ) 

" سيعود اليرموك حصيناً / رمزاً للثورة والثوار / عنوان كرامة شعب ينتظر العودة /

فاصمد في وجه المحنة / ارجمهم بالإصرار " ( ص 177 )

هكذا ارتبط محمد علوش بالهم الجمعي بقوة لافتة مطلقاً نصّه الذي يحتفي بالذات الفردية ، الأنا / ممزوجة بالأنا الجمعية ، الراغبة للتجذر بالأرض ، ومسح الهزائم العربية من تاريخ الأمة ، لذا ناجى الأمة بكل وطنياتها التي تشكل أوتاداً أصلية حيث التوثب والاستعداد الذي يطفئ الغياب :

" وأطفئ الغياب 

وأمسح عن جدائلك الهزائم 

وأسرج أحلامي المعذّبة 

وانبض فيك ملحاً وماءً " ( ص 31 ) 

هنا لغة التحدي واضحة يحتويها موقف رافض للهزائم يرتبط بالحلم والماء كمصدر للحياة والاستمرار ، ورفض النكوص .

قد يرى البعض أن هناك بعض التناقض في موقف الشاعر الذي راوح بين / الصمود والتراجع / أيضاً / الاستمرار والنكوص / كما يعتقد هؤلاء ، حيث يقول :

" الكل سراب 

وسرابٌ اقناع الليل بأن يرحل " ( ص 34 ) 

لكن المدقق الحصيف وهو يستحلب باطن النص يستطيع التأكد والتأكيد على أن شاعرنا مصرٌ على الثورة واستمراريتها ، فالليل لا يرحل ببساطة ، كما هي الحقوق لا تعطي ، بل تؤخذ أخذاً ، لنؤكد لنا نصوصه أنها صوت رافض قوي في دلالات موحية تؤكد معجزة الصمود الفلسطيني الثابت والمستمر .

لقد حاولت النصوص هنا أن تمسك باللحظة وهي تحاول أن تمسك بالأبد ، ما يعني أن معادل النص الشعري ليس هو الشخص المتكلم ، بل هو الذات الغنائية التي تمتلك قدراً ثرياً من العلاقات بالفرد القائل من ناحية ، وبالنموذج الذي تسعى لتكونه من ناحية أخرى ، الذات هنا وكأنها في حالة انتشاء باحتراقها ، كالنار التي تصهر التبر ليصبح ذهباً خالصاً ، تشع منه أقماراً لشوق الأرض ، رغم الاغتراب والتشرد ، وحصار اللجوء .

الأدب وعبره الشعر لا يسعى إلى نقل المعاني والصور المحددة وإنما يسعى إلى نشر العدوى ونقل حالات نفسية من الكاتب إلى القارئ أو على الأصح الإيحاء بها ، بهذا يصبح الشعري ضرب معرفي خاص لمعرفة الواقع وما يمور به وخلاله ، ولتحرير هذا الواقع من الجمود وذلك بالكشف عما يجيش به من مقابلات وتناقضات تداخلها واختلافاتها ، ما يجعل الذات هنا وكأنها في حالة انتشاء رغم وجع الخيام :

" أتيتك وقد غربتني الحدود ،

وقست عليً الخيام / وشردتني الفصول " ( ص 30 ) 

أليس هنا اندغام بيّن واضح بين أنا الذات / وأنا الأرض التي تعبر عن هوية الشاعر؟

وهل هذا الارتباط بغدٍ فجائعي ، أم حالة فرح ؟

إذا دققنا النظر في الأرض نرى ذراتها تدخل خلايا الشاعر وان لا فعلها الانتفاض اللافت ولسمائها دفق الصهيل ما يعني انه يعانق حالة فرح قادم ، كفلسفة يؤمن بها ، وتخلق المعجزات :

" في بلادي للسماء صهيلها ..

وللنجوم بريقها الأخاذ 

للانتفاضات الصغيرة فلسفةٌ ،

تأخذنا إلى عالم الأبجدية ، والمعجزات " ( ص 35 ) 

ولتأكيد فكرته التي يروم الوصول إليها يعتمد شاعرنا القناع ليصل عبره ومن خلفه إلى ما يريد عبر ما يبقى الأقرب إلى ذهن المتلقي ما دام يرتبط بالجرح والأوجاع المعتقة ، مستخدماً الشرط التاريخي ، التحدي / والسعي للتحكم المعرفي ، وتفعيل الفعل ، بدل الهروب بالتجاهل ، إن دوال النص وإشاراته بعيدة عن التقويم ، فالمحيط الدال هنا في حالة تصالح مع النص يؤكد أن الحسم يتمثل في ذلك الذي يبثه لكل العيون التي لا تنام ، فحنظله ، هو الفلسطيني المشرد / المعذب والرافض لمل ما لا يرضى عنه التاريخ الحق / والعدل ، وانه باقٍ رغم أنهم غيبوه :

" قتلوني بعيداً / ولكني لم أمت / أدرت ظهري لهم "

" أنا حنظلة / لم تمت فيّ المدن / ولم تسترح فرشاتي منذ غرست أناملي في مقلة الجرح "

" حنظلة أنا / وحي أوجاعي المعتقة / عيوني لا تنام ../ وهي سماءٌ للسماء " ( ص 41/43 ) 

ولان الوعي لا ينهض لمجرد الفكر والتصور ، وإنما ينهض باكتشاف خصائص / موضوع / المعرفة ، جاء التحول الثاني والثالث في الرؤيا حيث تقدمت بنية الذاكرة نحو أفقها المفترض نتيجة لنظام التأويل الذي يفترضه التعاقب الزمني والذي يشير الى اختراق زمن القصيد الفذ ، فالقائد  سمير غوشة ، رمز نضالي له بصمته اللافتة في الفعل الوطني الفلسطيني ، كما هو حال غسان كنفاني وخالدة جرار ، وخضر عدنان ، وغيرهم كثر ، على التوالي .

يقول في قصيدته " حفظنا الوصايا " :

" باقٍ فينا شمس ظهيرة / وحلماً كنورس فوق قافية الشاعر الأخيرة / شراعاً في وجه ضوضاء الريح / قائداً ملهماً / عفيف النفس / بهياً كنجم سماء " ( ص 36 ) 

" حفظنا الوصايا / وعلى دربك باقون " ( ص 39 ) 

ولأن للمرأة دورها في الثورة الفلسطينية كونها النجمة / الشجرة/ أم الشهيد / القابضة على الجمر والتي لم تزل ترضع أبناءها حليب الأرض وحلم المستقبل كانت قصيدة " خالدة " :

" تسامرين مساء الصمود / وتعزفين ألحان البقاء / من وحي قهرك / من وجع الانفرادي / من قلب الزنزانة / وتحطمين قيد الخشونة في معصميك / فأنت الشرارة يا نزف الثائرين / أنت الحكاية والبداية / أيتها الخالدة " ( ص 44 ) 

بهذا الفهم عرف الشاعر كيف يستفيد من ثوريته ، حيث استطاع أن يحولها تحويلاً لائقاً يتدفق في نص عارم دون تكلف وبما ينسجم مع الجو النفسي للقصيد ، وفي نفس الوقت كجزء من تجربته النضالية / والنفسية / ، الأمر الذي يؤكد طبائع عمليات الإبداع عند شعراء الرفض الفلسطيني / وشاعرنا منهم / توضح مدى اختزاله للعواطف الفائرة ، وازدحام لا شعورهم بالأحداث المكتنزة المعقدة ، والإرادة المكتملة بكونه تكتيكاً للتكتيك حيث الاستاتيكا والصخب في أن يعتمد كل ذلك على قوة الدراما ، الأمر الذي أسعف شاعرنا وجعله ينفس عن مكنوناته بصورة صاخبة ، وبطرق فوضوية أحيانا بهدف استحضار طاقات تحطم التقاليد وترنو إلى التفجير ، طاقات مرسومة سلفاً ، لكن عبر أداء هائج ، كما في قصيدة " ظل الفجيعة " التي تصفع الظلام وأهله :

" يكشف الظلاميون أنيابهم / ويلتهمون لحوم الأوادم / يسرقون صدى الأغنيات / ويقتلون الحلم / ويوقدون نار الحرب بيننا " ( ص 76 ) 

ولأن الشعر يكتبه الجنون فان جنون شاعرنا هنا هو محاولة كتابة الوجع / الحلم / الأمل / شعراً ، وذلك عندما يتكامل حدود المطلق في القصيدة ، ما يدفعنا للتساؤل : أليست ملامح الشعر الأولى تتمثل في النفي الشاسع بين الأزمنة التي تربط بين الماضي والحاضر ، وحتى الوصول إلى المستقبل !؟ وبالتالي فعل التلاحم مع المجهول ( الغياب / الضياع ) لنفيه واخصاؤه !؟

للإجابة على ذلك نقول :

الكتابة في ابرز معانيها / خاصة الشعر / هي ممارسة الحرية ، إنها معنى سياسي بالمعنى النبيل للكلمة ، أي فعل سياسي شرس يدفع لاستقلالية الشعراء عن السلطة من جانب ومقارعة الآخر / البديل ، من جانب آخر وهو ما يتنافى مع المراوغة حيث التناظر والتضاد ، ثم التجاهل والتبعثر للوصول إلى التلاحم ، وانجاز الحلم المرجو دون ليونة أو اعتماد على الصدفة رغم آليات النفي والحصار والنسيان :

" فأنا المنفي / سمائي تحاصرني / وأحلامي مقيدة بالسلاسل / خانتني المواعيد / وتركتني وحيداً على حافة حلم / يغتالني النسيان / وينعاني شهيد المرحلة " ( ص 190 ) 

لذلك يظل صامداً حتى حيفا كما جاء في قصيدته المهداة إلى غسان كنفاني ، والموسومة بـ " باقٍ كما أنت " حيث جاء فيها :

" ترسم طيراً / ترسم برتقالةً / وتعطي فقيراً هناك كسرة خبز / وتعويذة لـ " حيفا " ك / عكا تحرسها أسوارها وقامتك الوارفة " ( ص 187 ) 

من جانب آخر ، فان القراءة الأيديولوجية للشعر تفترض بالضرورة كشف العلاقة بين المستويين ( الفني والاجتماعي ) داخل التجربة الشعرية نفسها ، لذلك يستعين شاعرنا باللغة من اجل محاولة التجاوز عبر ألوان من الكلام غير العصي على التفكيك ، موقف الشاعر في هذه اللوحة نقطة انطلاق للسيرورة الإبداعية كضرورة نفسية للتعبير عن الانفعال ونقله للآخرين ، فعلى الرغم من سطحية هذه الفقرة ومباشرتها ، إلا أنها لم تلغي فكرتها الجبارة المتمثلة في تحقيق الحلم .

القراءة في سياقها الفيزيائي هنا تحمل تقاطعات اللحظة ( الزمان / الثورة / المكان ) فالمكان هو جغرافيا السحر / الوطن / فلسطين / زمانه عمق الإدراك بالحدث الذي تشكله الثورة ، وهنا يكون الإحساس بعمق / العمق / ودوره في التحريك .

هذا البعد الصوفي الدافئ الذي تحكمه المشاعر اللاهبة ساعد على تحويل المفهومات وانتقالها من ميدان إلى آخر / وهو نوع من التبعثر الرؤيوي الحامل / والدافع لرغبة دفينة في التبلور ، فالمقاومة / العنف الثوري / والفقر المسلح وحده القادر على قلب ميزان القوى وتأكيد الهوية والمستقبل كما جاء في قصيدته " أن تكون فقيراً " :

" ليس عيباً أن تقاتل / وتنتزع الحق / وتملأ روحك حباً / وطقوس حياة / العيب بأن تحترف الجبن / وأن ترضخ للبهتان / أن تقبل عار الجوع الكافر " ( ص 178 ) 

فكرة الثورة والتمرد هنا تبدو واضحة ، إذ تشكل علامات ابستمولوجية فاعلة لعبت دوراً هاماً في صياغة منظمة للدورات العلائقية التي تصبح فيها فكرة التمرد أكثر رحابة كونها تنطوي تحت لواء الفكرة التكميلية للثورة المرجوة ، حيث تجذير لكيانية رؤيوية مفترضة أقحمها الشاعر في حلمه ، مستحلباً إياها من وعيه الخاص بها وهو وعي وطني / طبقي / تقدمي ، فامتزج بها إلى درجة الانسكاب ، لتتبلور رؤيته إلى تمذهب فلسفي خاص به ، الأمر الذي جعل للقصيدة عنده سبكاً خاصاً أكد قدرته على امتلاك صوته بقوة ، كما في قصيدتيه " صراع طبقي " و" مرحى للرايات " :

" أنتم روح مهجتي / وتراتيل نشيدي الاممي / ولىّ عصر الرق / أنتم سواعد البناء والعطاء / حانت ثورتي / فتحالفوا يا عمال العالم " ( ص 67 ) 

" أول أيار ما زال يلوح / يحتضن الذكرى / ويحث على الثورة / يدعونا أن نسخط / أول أيار جاء وفي جعبته أملاً / بشرى للعمال المقهورين " ( ص 125 ) 

تطويع الفكرة الماركسية القائلة ( يا عمال العالم اتحدوا ) ، والدعوة للاحتفاء بعيد العمال العالمي يؤكد بجلاء المعنى المقصود ، والذي سيبقى الأقرب إلى ذهن المتلقي ما دام يرتبط بالجوع والتمرد ، وآلية الصراع الاجتماعي ، هذا الوعي بلحظة تاريخية محددة شكل أتمتة الفكرة المقصودة ، وجمودها شيّأ هذا الطرح الأيديولوجي الحلم وبالتالي بتداخل العقلي مع الروحي والذي ما كان في الحالة الفلسطينية يجب أن يكون لأن الثورة الفلسطينية حركة تحرر وطني شمولي ، جمعي غير مؤدلج .

إن التداخل الذي أخذته النصوص جعلنا نختلف مع شاعرنا هنا ، وذلك من منظور الفكرة العامة ، فالماركسية تراجعت إلى الخلف أكثر ، بعد تداخل الأيديولوجيات ، حتى أصحابها في الصين / الثورة الثقافية / يأسفون لها ، بحيث لم يتبق منها سوى الاسم فقط ، ورغم ذلك لم يزل شاعرنا يؤمن بقدرتها الفاعلة ، حتى اختراق الحدود ، ها هو يقول :

" أقف في السّاحة 

وماو تسى تونغ شامخاً 

تعانقه العيون والقلوب / ينتصب زعيماً تخلّده الذّاكرة /

يبعث في الصّين الوعود / تعبر كل الحدود " ( ص145 ) 

ارتبط ما سبق بتحول أخير ، تحول من المتكلم إلى المخاطب ، ما يعني الاستئناس بصحبة النفس ، والثقة المطلقة التي تعارض المعتقد المفترض للغير ، وان تناقض الشاعر / وهو محق في ذلك / مع أطروحات " فوكوياما " الكاتب الأمريكي الياباني الأصل القائل في كتابه " نهاية التاريخ " بأبدية الهيمنة الأمريكية الداعمة لحلفائها ومنهم الظالم / المغتصب ، لأن التاريخ يرفض ذلك وهنا إشارة إلى إمكانية الانتصار لفلسطين ، بل وحتمية ذلك الانتصار ، ففي الوقت الذي حفر فيه الكنعانيون بأظافرهم تاريخاً للأرض وللأجيال ، برز جلياً زيف الهولوكوست ، يؤكد ذلك حرق الرضيع ، علي دوابشة ، حيث المحرقة الحقيقية البائنة :

" دمي ليس رخيصاً / طفولتي المسفوحة ليست قرباناً لرب الهولوكوست / 

وأسطورة الكذب الأبدي " ( ص113 ) 

" صلاة أخيرة / تنثر وردتها الجريحة / مهجة لملاك صغير/ 

صلبوه على أعواد نار / في ملكوت المحرقة " ( ص 165 ) 

الشعر الحقيقي هو الذي يظهر انتصار الإرادة على العقبات لكونه تراجيديا في بعض مواقفه ، فانه يظهر الألم الإنساني الناشئ من تعارض المواقف والطباع ، حيث تبرز حالات انفجار مطلقة في الصيرورة والفكرة ، تحملها تعاويذ الكلمات التي تعمل جاهدة على إبراز ما يقال وما لا يقال ، كما في قصيدته " السنديان " المهداة إلى صديقه الشاعر " محمد دلة "  ، والتي يقول فيها :

" يا قيس مريم / كن جريحاً أو عزيزاً أو شهيدا /

كن شقياً أو سجيناً أو عقيدا / كن رفيقاً لا تبالي / 

كن ما تريد / فما نسيناكم ولكن حرقنا شاهداً /

لنقدم الأقداح للجثث العتيقة / لا ما نسيناكم /

ولكنّا نعلّقكم على أكتافنا رتباً

وصغناكم نشيداً " ( ص 134 ) 

انه الخروج من الجلد ، والتلاحم بالمألوف عبر التجلي لحركة النفس الهاربة ، الأمر الذي يؤكد ضرورة الالتجاء إليها لأنها هي الكينونة وهي التي تصوغ الأسئلة بهدف الدفع الى معرفة ما يجب أن يكون من ثبات يقهر القهر ، يقول الشاعر :

" فلا السرطان يثنينا /

ولا الأيام تقهرنا / سنمضي في عرين الشمس /

نملأ أرضنا نورا " ( ص 99 ) 

" فلا هانت عزائمنا /

ولا السرطان يقهرنا / سنقهره / ونهزمه 

ونرفع راية النصر " ( ص 99 ) 

هكذا رأينا كيف تعانقت النصوص داخل مشاعر الشاعر وأفكاره إلى حد أنها جعلت من الاثنين كلاً واحداً ، يؤكد ذلك ما حملته النصوص في ثناياها من أشكال الانفعال المتداخلة بغنائية مأساوية وواقعية شفافة بشكلها السيلاني المتقطع عبر ردائها البديع حيث توحدت الروح بالفكر والمشاعر ، حيث أكدت نصوص الشاعر رؤيته الثاقبة في أن الجبل لا بد له أن يأتي .



" خطى الجبل " صدر عن وزارة الثقافة الفلسطينية 2016 



محمد علوش


التعليقات




5000