هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ابن المدينة

فؤاد يحيى الجبوري

في مدينة انهكتها الحرب ولد أحمد.. ترعرع يتيماً بعد وفاة والده وهو صغير يجوب سوقها المتشعب يحمل بين يديه صندوق صغير يحوي صنوفاً من البضائع الرخيصة الثمن يبيعها للمارة. وما أكثر زبائنه من النساء فقد كان يتفنن في جذبهن للشراء، داخلاً معهن في ثرثرة طويلة من أجل بيع قطعة واحدة .. كان دأبه منذ الطفولة هذا، يستيقظ مع أذان الفجر فيصلي ويوضب حاجاته ينتظر متى تشرق الشمس ليخرج نحو رحلة جديدة ويوم ممتلئ بالمفاجئات والأحزان والضحكات، يبيع هنا ويخط أسمه على الجدران هناك وهو أمرٌ تعلمه من رجل في المدينة أسمه رشيد يقول عنه البعض بأنه مختل عقلياً وقد يكون هو الوحيد من بقى فكل من على شاكلته رحل على أكتاف الرجال نحو مقبرة الشهداء، كان رشيد معروفاً بكونه لم يترك جداراً في المدينة إلا وكتب عليه أسمه بخط كبير وواضح. أحمد أراد أن لا تنساه المدينة في أيام يطرق فيها الموت الأبواب ليل نهار فكتب أسمه كبيراً على الجدران وأحياناً كان يرسم وجهاً مبتسماً مع أسمه. هي هكذا حياته أصبحت خليطاً من هم المعيشة والعبث مع رفاقه وملاطفة أصحاب المحال التجارية له بطيش طفولي وصراع مع النسوة من أجل ديناراً أو دينارين. لا يعبأ لما يدور حوله من أحداث قادت إلى حرب ما سأل عنها يوماً، بين الحين والأخر يهزه انفجار هنا ورشقات من الرصاص هناك وركض متواصل هرباً من معارك تشتعل في أي لحظة، وكل يوم كان يودع عزيزاً أو أكثر من أهل مدينته، حتى أصبح كلما سار خلف جنازة يتفرس الوجوه التي يعلوها الغضب، فيهمس في نفسه .. كثر فينا القتل؟ لما لا نقتلهم؟ كانت همسات تنبع محملة بألم الواقع وفقد الأحبة رغم أنه لم يتجاوز ربيعه الثاني عشر بعد. 

يعود بعدها نحو عمق المدينة التي كانت تدمر يوماً بعد يوم، هي الحرب إذاً .. قالها أخيراً كمن يحدث شخصاً قريباً منه وهو يسير ببطء نحو بيته، ناظراً إلى الخراب والدمار وكلما رأى أسمه على الجدران أبتسم بمرارة.. بين الفينة والأخرى كان يبصر الرجال يحملون السلاح يسيرون حذرين تعلوهم همة عالية وفرح ليس له حدود يقرأه في عيونهم التي لم يكن يرى من الوجه غيرها، كان قلبه الصغير مفعم بالغيرة التي أضحت كبركان يغلي يوماً بعد يوم حتى فاض في تلك اللحظات فوقف أمام أحدهم وقد خمن من نظراته أنه يعرفه وقال:

- أريد أن أكون معكم.

- ولكنك صغير على هذا.

أنزعج أحمد من كلامة فوضع صندوقه على الأرض ووقف شاخصاً أمامه يرمقه بنظرات معاتبه وغاضبه وقال له:

- ومتى كان الجهاد فقط للكبار؟

أبتسم الرجل ومسح على رأس أحمد بيده وهو يكلمه بصوت منخفض:

- تتكلم كرجل!لكن لأمك حق عليك .. أذهب الآن ..

تركه الرجال وغادروا .. في ذلك اليوم لم يهدأ فكر وقلب أحمد يصول ويجول به واقع ما آلت إليه المدينة، قضى الساعات الطوال يحصي من أستشهد ممن يعرف ويمني نفسه بالثأر لهم، أيقضه مما فيه صوت انفجار هز المدينة كان قريباً من بيته الذي كاد يتصدع من شدته.. ركض نحو النافذة كانت عربة عسكرية مدمرة تحترق وقد تناثر حولها بضع جنود قطعت أوصال سكون الليل صرخات البعض منهم الجنود والبعض الأخر لا يدري كيف يسكن ألم النار التي سرت في أجسادهم، نادته أمه بعد أن أشتد القتال وهو كمن غاب عن الوجود قلبه ينبض فرحاً بما يرى..

- أمي لقد قتلوهم..

هزه بعد قليل انفجار أخر أصاب عربة مصفحة حاولت التقدم وسط وابل من الرصاص، أصبحت كل الدور الآن مهددة بالتفتيش والتنكيل والاعتقال، هذا ما جال في رأس أمه التي سارعت نحوه وجذبته بقوة إليها وضمته إلى صدرها ..

- بني سيأتون .. 

- لا تقلقي أمي سيقتلوهم قبل أن يأتوا إلينا..

أخذ القتال يشتد في الخارج وعلى أسطح المنازل كان أحمد وأخته يراقبان ما يحدث غير مكترثين لولولة أمهم التي كانت تجذبهم عنوة من أمام النوافذ خوفاً عليهم من الرصاص.. ترقب عيونهم الرجال يصولوا بكل جرأة وشجاعة حتى أصبحت المعركة بالسلاح الأبيض .. في تلك الليلة تحولت الطرق والمنازل إلى ساحة معركة تحدثت عنها المدينة طويلاً. خوف والدة أحمد كان في محله فبعد ساعات هدأت المعركة وأخذ الجنود يصبون جام غضبهم على المنازل المجاورة .. لم ينم أحد وعند الفجر أقتحم عدد من الجنود المنزل بعد أن كسروا الباب وعاثوا فيه تحطيماً وأحمد ينظر إليهم وقد امتلأ قلبه بالغضب والشفقة على أمه التي لم ترفع ذراعيها عنه وهي تحتضنه بقوة حتى خرجوا من المنزل.. 

في صباح اليوم التالي كانت قد تراكمت على أحمد هموم لا تنجلي إلا بما جال في صدره، سار بين حطام العجلات المدمرة وتوجه إلى رجل يعرفه كان يبيع السلاح واشترى منه سلاحاً مما كان يجمعه من محصوله اليومي وأودعها في مكان آمن وعندما حل الظلام انسل بهدوء من بيته بهدوء بعد أن نامت أمه كان الشيء الوحيد الذي لم يشعر به هو أن أخته الكبرى كانت يقظة وهو لا يعلم.

- إلى أين؟ أحمد ..

كان صوتها يأتيه نعساً من خلف الباب المفتوح قليلاً.. أجابها بهدوء:

- عودي إلى النوم لن أغيب طويلاً..

- عدني أن ترفع رأس أمي..

- أمي؟ لا تخبريها حتى أعود لأنها ستحزن..

- أذهب أخي لطالما قالت أمي لا يخرج في هذهِ الأيام في الليل إلا المجاهد، كنت أعلم بأنك ستخرج يوماً ما.

دمعت عيناه وهو يسير بحذر في الأحياء النائمة وقد احتضن سلاحه ممتلئ القلب بعزيمة كبيرة، عند أحد المحال جلس ووضع يديه داخل كمه فالبرد اصبح يزداد مع تقدم ساعات الليل ثم نهض بعد أن رأى مجموعة تتقدم نحوه، رفع أحدهم يده فسار إليه أحمد خافضاً رأسه .. حدق به ذلك الرجل ملياً قبل أن يسأله: 

- ماذا تفعل هنا؟ 

لم يجبه أحمد .. وبقى واقفاً واضعاً سلاحه على كتفه.. 

- لم تجبني.. من أرسلك؟ مع من تعمل؟ أنت تثير شكوكي..

- لا أعمل مع أحد خرجت لأقاتل فحسب.

- ليس هكذا يكون الأمر وليس من السهل الدخول في معركة.. تحتاج إلى التدريب الكثيف.

- لا تصعب عليّ المسألة كل ما أفعله هو أن أضغط على زناد سلاحي هذا وأقتل عدوي.

أبتسم الرجل وهو ينظر إلى أحمد كيف يتكلم وهو يلوح بسلاحه وقال له:

- بني هذا المكان خطر جداً في سينشب قتال هنا، عد إلى البيت وغداً صباحاً سيكون لنا  كلاماً أخر.

صمت أحمد قليلاً وقال: 

- خرجت لأقاتل.. ولن أعود إلى البيت أبداً ..

خيم على الجميع صمت مطبق أفضى بهم إلى حالة من الشعور بالفخر لشجاعة أحمد، الذي عاد فقال:

- نعم أنا صغير على هذا ولكن تلك مدينتي أعرفها وتعرفني.. أفتقد شهدائها وزهو شوارعها وأسواقها.. 

وأمام إلحاح أحمد أخذ أحدهم سلاحه وأعطاه سلاح جديد وتفرقوا في ظلام الليل الحالك تاركيه مع ثلاثة مقاتلين تداعب خصلات شعره النسائم الباردة.

مر وقت ليس بالطويل حين كلم أحمد أحد الجالسين معه:

- ماذا سنفعل هنا؟

- ستمر بعد قليل دورية راجلة .. مهمتنا أن لا نترك هذا المكان أبداً لأنهم قد ينسحبوا منه إذا نشب القتال..

نهضت أخته مع قرب الفجر من فراشها رغم أنها لم تكن نائمة وركضت صوب سطح دارها عندما سمعت طلقات الرصاص التي أعقبت دوي انفجار كانت تنادي بصوت منخفض حزين .. أحمد .. أحمد .. لم تنفك تتمتم بها وقد سالت دموعها .. أعلم انك لن تعود يا أحمد .. ولكني اليوم وضبت أغراضك وحاجاتك .. سيكون في هذهِ المدينة المئات مثلك .. وجلست على الأرض تبكي.

كان أحمد ورفيقه يرقب عن كثب دورية راجلة من الجنود تتقدم نحو الكمين فأمسك سلاحه بقوة وهمس في أذن رفيقه:

- متى تبدأ المعركة؟

أجابه بصوت منخفض:

- لا تتكلم .. أذكر الله .. أمامك لحظات صعبة..

كان سكوناً عاصفاً شديداً على قلب أحمد لم يعهده من قبل قطعه تكبيرة مدوية لأمر المجموعة بعد أن تأكد من دخول الدورية في الكمين من مجموعة الرصد.. لتشتد المعركة بضراوة وأحمد منذهل لبسالة الرجال، يكاد قلبه ينفجر فرحاً حتى كاد أن يخرج من مخبئه لولا أن أمسك به من معه وقال له أحدهم بغضب:

- لا تتعجل.. سيأتي الصيد إليك فليس لهم إلا هذا الطريق. ثم ستبقى أنت هنا منخفض الرأس وإياك والخروج.

أخذ الرصاص ينهمر بغزارة باتجاه مخبأهم ..

- أنهم يمشطون للانسحاب لقد خسروا الجولة استعدوا..

لحظات أنتظرها أحمد بقلق.. لم يعبأ لكلمات هذا المقاتل الذي حذره من ترك مكانه وشعر من حوله بعشرات الشهداء دمائهم عطرة تفوح منها رائحة المسك، وتراءت له مدينته بشوارعها الصاخبة وأسواقها العامرة وأزقتها التي حوته وربته وفيها قضى لحظات من حياته لم ينساها يوماً.

أخذ الجنود بالانسحاب باتجاه أحمد ورفيقيه فلا منفذ لهم إلا هذا الطريق بعد أن قطع المقاتلين طريق العودة عليهم .. كان ينتظرهم غضب أحمد أخذ أحد رفيقيه يرميهم بالقنابل اليدوية وسط زخات الرصاص التي كان يطلقها رفيقه الأخر .. لم ينتبهوا وهم هذا الموقف إلى أن أحمد وقف يرمي بسلاحه ينظر إليهم يتساقطون وقد تبعثروا يميناً ويساراً .. حاول أحدهم ثنيه وسحبه من ساقه إلا أن عزمه كان أكبر والوقت قد فات.. كانت لحظات أخيرة من عمره القصير عاشها كأنها سنين طويلة كان يأتيه الرصاص وهو يرمي ويكبر .. لم يعبأ لجراحه فقد ذاقت المدينة جراحاً أقسى منها .. 

هذا ما كان يجول في خاطره حتى سقط وهو يسمع تكبير كل أولائك الشهداء الذين أحبهم ومن بين دور المدينة كان نداء أخته يأتيه تحمله النسائم الباردة. كانت تنظر من حولها وهي باكية تقرأ (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

في الصباح كانت المدينة على موعد مع رحلة جديدة نحو مقبرة الشهداء .. أغلقت المحال أبوابها وتعالت أصوات التكبيرات من المآذن .. رحل أحمد بجراحه في أعنف معركة شهدتها المدينة . 

دخل الرجال يحملون جسده الدافئ وأمه واقفه تنظر إليهم تقاوم دموعها بينما جلست أخته تحتضن صندوقه في إحدى زوايا البيت وهي باكية.. وضعوه على الأرض بصمت فانحنت عليه وجلست عند رأسه تمسد شعره وتقبله ثم أخذت تمسح وجهها بدمه حتى اختلط بدموعها وطلبت من الرجال أن يكشفوا عن باقي جسده الذي غطته الدماء وحدثت نفسها بصوت منخفض:

- كم كنتَ تملأ عليّ البيت. تخرج في الصباح ولا تعود إلا متأخراً فتقبل رأسي و ...

صمتت.. وانساقت لقلب الأم تبكي بكاءً مزق قلوب كل من كان في بيتها، ثم اتجهت تنظر صوب ابنتها وقالت لها:

- تعالي شمي مسك أخوكِ.. 

وتعود تحتضنه وهي تقبل رأسه قائلة:

- والله أني افتقدك يا أحمد .. كل المدينة ستفتقدك .. وكل من أحبك فيها.. أذهب أني عنك راضيه.

حمله الرجال وساروا في طرقات المدينة .. هي نفس الطرقات التي كان يقطعها معهم يومياً يودع فيها عزيزاً عليه .. اليوم ُيحمل عليها بأيدي طالما أحبته ومازحته .. أنه أحمد ابن المدينة.. 

فؤاد يحيى الجبوري


التعليقات




5000