.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في رواية ( من أنت إيها الملاك؟ ) للكاتب إبراهيم الكوني

حيدر عبد الرضا

قراءة في رواية ( من أنت إيها الملاك؟ ) للكاتب إبراهيم الكوني 

 أسطرة وثيقة الميلاد وأسطورة التصوف الصحراوي  

 

توطئة :

تتمحور آليات الحكي السردي في فضاء موضوعة و رؤية ودلالة رواية (من أنت إيها الملاك؟ ) للكاتب العربي الكبير الأستاذ إبراهيم الكوني ، ضمن أفق إشتغالية تقانة الترميز و الرمز و التورية ، دخولا إلى ذلك المنحى الأولى من كشوفية حكاية علاقة هي من فقد هوية انتمائه إلى ذلك الجنس من تفاصيل روح المواطنة وحقوق مرتكزات دال التوطين للفرد داخل حيز سجلات تدوين وثيقة الميلاد لوليد ذلك المواطن المدعو ب( مسي ) . الروائي إبراهيم الكوني أراد من وراء القيمة الدلالية الموصوفة لروايته، الكشف عن مدى التفارقية الساحقة ما بين من هم يسكنون الصحراء و بين سكان أهل المدينة ، وكيفية صعوبة استيعاب جملة العاملين في تلك الدائرة ، احتواء و تفهم طبيعة أسماء و أوضاع أولاد الأسلاف من رحم الأم الصحراء ، و عن طبيعة مرحلة الفرد في مكونات المدينة و أحوالها . إن الإشكالية الكبرى في دلالات و فكرة هذه الرواية ، تكمن في افتقاد المواطن مسي إلى سبل تدوين و إخراج وثيقة الميلاد لعمر وليده ـ يوجرتن ـ و تكمن صعوبة حالة إخراج تلك الوثيقة من رحم دائرة الاحوال المدنية ، بالموقف المحرج في مسمى هذا الأسم الذي لا ينتمي بدوره إلى قائمة شروط الأسماء المنزلة و المنصوص عليها من قبل لائحة الدائرة التسجيلية . وعلى هذا الأساس يبقى المواطن مسي في دوامة زمنية و مكانية و نفسية غاية في التضخيم الإشكالي و الاعتباري ، حيث تكمن مصدر المشكلة في كيفية إقناع و ترويض العاملين مبنى الدائرة بتسجيل أسم الوليد في شهادة الميلاد الخاصة به ، وهذا الأمر ما يدفع الشخصية إلى خلق أعظم المبررات الاقناعية و التبريرية بشرعية هذا الأسم ، خاصة و أنه المعني في لائحة دستور الأسلاف ب ( بطل الأبطال ) و لكن محاولات الشخصية مسي ، أخذت في إدراج الإخفاق و الانتظار عمرا طويلا ، سلخها جالسا أو واقفا في صفوف طوابير الترقب و التوسل و الأمل و الخيبة المؤكدة .


ـ جدلية شهادة الميلاد و حجب مخلوقات التسجيل المدني .

تنقلنا أحداث مشاهد النص الأولية ، المتمثلة بدلالة مراجعة الشخصية مسي لدى دائرة التسجيل المدني ، فهو دوما أمام نافذة الموظف المدني في أول مراجعة له بدءا ، لغرض تسجيل و إخراج لوليده وثيقة الميلاد : ( وضع مسي شهادة الولادة أمام موظف السجل المدني ، و قال : ـ يوجرتن ؟ حدجه الموظف بإستفهام ، فأضاف : يوجرتن ! أسم المولود يوجرتن ! أنحنى موظف السجل على القرطاس المتوج بشعار مستشفى الولادة ، قبل أن يستنكر : يوجرتن ؟! أجاب مسي بغمغمة مبهمة ، وليبدو أن موظف السجل المدني قرأ في الجواب استهتارا بالأعراف أو إستهانة بهيبة الدولة . / ص17 الرواية) هكذا بدءا نستطيع إلماح الفجوة الحاصلة ما بين نمو إشكالية غرائبية الاسم من قبل موظف السجل ، و تلك المتعلقات الدلالية المعمقة لمحمول هذا الأسم من قبل الشخصية مسي ، خاصة و أن مدلول هذا الأسم يحفر في ذاكرة مسي ذلك الحيز الزمني الساحر من التأطير و التكوين المقدس لمرجعية الكائن الصحراوي في كل مواطن حياته ، فما كان من موقف موظف السجل سوى التهويل و الشجب و معاينة غرائبية هذا الأسم ، على محمل من محامل الرفض و الشكوكية المريبة : ( ما معنى يوجرتن ؟ برطم مسي بلهجة كالاستكبار : ـ أسم ! الجواب لم يقنع موظف السجل ، لأن سيماء الوعيد في عينيه تحولت إيماء كالاشمئزاز ، فأوضح مسي : ـ يوجرتن أسم ككل الأسماء ! . / ص17 الرواية ) .


1 ـ الفضاء المكاني بين كوابيس المسمى و أصفاد الانتظار :

عالجت الرواية موضع بحثنا ، مرحلة سياسية غريبة من قانون الدولة الليبية ، و الذي ينص في فقراته عزل سكان المدينة عن أهل الصحراء ، كما و العمل بقانون التمييز بنزع حقوق ممن كانوا يسكنون في بلدان خارج الوطن في ظروفه العصيبة ، إي قبل عملية اكتشاف النفط في صحراء ليبية ، فهذه الدائرة المدنية في الرواية مثالا ، كانت توطن مواطني دولة ليبيا إلى من لم يغادروا البلاد تماما ، حتى و في أرذل و أحلك مراح انتكاستها الاقتصادية الكبرى . أراد الكوني تدوين مواقف و حالات دولة ليبيا التي تعود إلى ما قبل اكتشاف النفط  و ما بعد ظهور ذلك النفط ، كحقيقة قد أضافت إلى نظام البلاد كل الجور و الإحتكام و الاستكبار إلى قوانين خاصة من اعتناق الاحتكارية و العرقية و الأغلبية المتمايزة ، لذا فإنه أراد في دلالات روايته هذه ، العرض لأهم صور غرائبية و تميزية واقع ضحية المواطن مسي ، داخل طابور دائرة التسجيل المدني ، فضلا عن هذا تخبرنا أحداث الرواية ، عن مدى نفاد صبر الشخصية مسي ، الذي كان يحاول أن يتظاهر بالصبر و التصبر إزاء تساؤلات و مطاردات نظرات موظف التسجيل : ( ـ لم أسمع بأسم كهذا من قبل ! هنا أضاف الشقي مسي خطيئة أخرى إلى خطاياه الأخرى عندما أباح لنفسه أن يقول بلهجة الشتم منها موظف السجل نبرة إستخفاف : ـ الجهل بالشيء لا يعني عدم وجود الشيء ! سدد إليه الرجل نظرة أمتزج فيها الاستنكار بالاحتقار ، ثم كز على أسنانه قبل أن يتساءل : ـ ماذا تعني . / ص19 .ص20 الرواية ) .


2 ـ منظور تماثل التبئير :

تبدو عملية السرد في أولى فقرات الرواية ، قد بدأت ضمن مستوى خاص من الحوارية الواقعة ما بين الشخصية مسي و موظف السجل المدني ، و هذا التدرج في نمو الحوار ضدا ، راح ينمي عكسية التعامل ما بين موقع الشخصية و تلك العصبة الملثمة بأقنعة التمييز و العرقية المخصوصة . و من خلال نقطة الحوار تتبين لنا علامات الإشكالية تمييزا من داخل بنية الأحداث السردية تبئيرا ، فمن خلال الشخصية مسي نعاين موجهات الناظم الداخلي كمبئر و مبأر في آن ، حيث يجد المتلقي ذاته إزاء رؤية ذلك الناظم الشاهدي ـ الراوي ، وهو يديم جوانية الحكي بين فقرة و أخرى ، ولكن رغم خفوت ( صوت الراوي ) في مسار أحداث النص ، غير أننا نعاين انطباعاته و تأملاته في شأن علاقات منظور التبئير السردي ، استكمالا لحوادث قيام الشخصية في الإدلاء بوجهة أو الكلام جدلا مع قرينه في الانتظار عند طابور السجل المدني : ( تنحى الساعي جانبا .. دار حول أريكة الخشب ، حتى أدرك الجدار ، أسند ظهره إلى الحائط ليقول : ـ لا يجب أن يدهشك قولي إذا قلت أن الملل هو آفة هذه الدائرة ـ الملل؟ بلى الملل داء ينهش قلب كل مخلوق تراه وراء هذا الحاجز ، فلا يجد الأشقياء لمداواته ترياقا سوى الإيقاع بالضحايا : ـ الغريب أن يسود هذا الوباء في دائرة تستخرج شهادات الميلاد للأحياء ، و يغيب في الدائرة المجاورة المخولة بإستخراج شهادات الوفاة ! . / ص31  الرواية ) و يظهر في أحداث منظور التبئير علاقات ذلك الشخص العاملي في سياق من ( الفاعل الذاتي ـ المتكلم ) مما يجعله أحيانا مبئرا ساردا ينوب عن وظيفة الراوي ، بمعناه الزمني و الوظيفي المرتب وفق موقعه الشخوصي النسبي في السرد ، ومن خلال هذه الوظيفة البرانية نلمس حوارات و تأملات من ( الحكي الجواني ) و بمقتضى ممارسة الشخصية في بث هواجسها الاستيطانية إلى جهة موازية لها في مستوى التبئير ، كما الحال في هذه الفقرات : ( تطلع إليه مسي بفضول ولكن سيماء الرجل ظلت صارمة ، قال : بلى ! هذه رسالة تقول أن الشقوة تبدأ بشهادة ميلاد ، ولكن الخلاص في شهادة الوفاة ! . / ص31 ) .


3 ـ الراوي الخارجي و تقانة التبئير من الخارج :

قلنا سابقا أن وظيفة ( صوت الراوي ) في أحداث التبئير الروائي ، تبدو أقرب إلى علاقة المسافة الفاصلة بين راوي و بين عالمه المروي ، وهذه العلاقة الفاصلة تحكمها إلتفاتات ذات تعليقات إشارية أو إحالية في مجرى تحاور الشخوص أو مواقفهم ، تكون كما أوضحنا سلفا محفزات التبئير الخارجي ، أكثر تعاملا و حدود معرفة الراوي ، و ليس للراوي في أحداث النص ، أية علاقة داخلية في مستوى أفكار و أحاسيس الشخوص . تحديدا تعتمد وظيفة الراوي على ما يدركه من أفعال المشاهد و أفعال الشخوص في الأماكن البينة من قنوات الفعل الخارجي لها : (ساد سكون انتهكته جعجعة المواطنين المنهمكين في محاورة الموظفين ، أو تبادل عبارات شكوى فيما بينهم ، أو مخاطبة أنفسهم بألفاظ تعبر عن تذمر تفلت منهم رغما عنهم ، قال مسي : لا تظن أنك أقنعتني على رغم ذلك ! أنت واهم إذا كنت تظن أني أريد أن أقنع بهذه القناعة أحدا . كل ما أردت أن أقوله لك هو قدرة أخيار هؤلاء على أن يمدوا لك يد العون ! قال مسي بلهجة يأس : لا أرى ظلا لإخيار في هذا المحفل ؟ . / ص35 ) على هذا النوع من المنحى وجدنا أفعال الراوي في أحداث الرواية ، يشكل بذاته علامة شاهدية خاصة ، و في أكثر الأحيان لا تتعدى هذه العلامة وظيفة طابعية المتكلم على هامش تواصل الأحداث و الحوارات في الرواية .كما سنلاحظ من هنا هيمنة الحوار الداخلي على مساحة مقام صوت الراوي ، و في إطار من الزمنية الخطية المتوحدة في تتابعية الأحداث الروائية اللاحقة .


ـ الأسماء المنزلة و زبانية أشباح رجال المحفل .

من خلال رؤية الحكي في تمفصلات مواضع الرواية ، نلاحظ ذلك الإسراف الذي وظفه الكوني في محددات مكانية و زمنية دائرة التسجيل المدني ، و لدرجة وصول الأمر بما عاد يوهمنا بأن العاملين داخل حجرها ، ما هم إلا مرموزات لمحاور السلطة الجائرة في البلاد ، كما أننا قد يتبين لنا بأن الكوني قد أراد من وراء تلك الزبانية المتمثلة في شخوص دائرة التسجيل و القامعة لحقوق المواطن الصحراوي في تسجيل مسميات ولادات أبنائهم ، ما هي إلا تلك السلطة بصيغة لسان العام من قوانين و دستور الدولة ، أي بمعنى ما من جهتنا نفترض جزفا ، إن تلك الدائرة صورة للدولة بذاتها ، أما الناس المراجعين لقضاء شؤونهم فيها ، هم عامة الشعب ، ولكن هذا الإفتراض منا ، قد لا يكون راجحا خصوصا و أن الأحداث المقبلة في الرواية ، تخبرنا بأسرار غريبة حول دستور هذه الدائرة في وجودها الكياني المستقل عن باقي دوائر الدولة الأخرى ، فعلى سبيل المثال ، تخبرنا أحداث الرواية على لسان حال الشخصية المسمى ب ( الساعي ) بمثال هذا القول : ( في تلك الدواليب تنام قائمة الأسماء المنزلة ، قائمة بالأسماء السرية ، قائمة بالأسماء الربوبية كما يسمونها ، فإذا لم يرد فيها أسم الوليد المزمع تسجيله خضع رب الوليد للمساءلة . / ص38  الرواية ) و بهذا الحجم من الغرائبية نتعرف على قوانين سوداوية و وحشية و هستيرية محافل دائرة التسجيل ، وعلى النحو الذي يجعل منها على حال لسان ذلك الشخصية الساعي وصفا ، وكأنها كينونة جحيمية من شأنها محسوبية معايير الأسماء المنصوص عليها من جهة عليا تتعدى الحدود الدنيوية جدلا . 


1ـ العاملية الوظيفية في محفل الزبانية : 

تعرفنا أحداث الرواية ، على جملة من المكونات النادرة في شخوص زبانية ذلك المحفل من الدائرة ، حيث نعلم من خلال ذلك الحوار الدائر بين الشخصية مسي و شخصية الساعي ، بأن أصحاب الزبانية أولئك ، قد يتم تغييرهم و غيابهم عن المكان بمجرد ارتكابهم تلك الآثام المنصوص عليها من قبل أرباب تلك الغرف المظلمة من غبار تسجيل و تدقيق تلك الأسماء المنزلة : ( أقترفوا آثاما ؟ إذا ارتكبوا أخطاء ، كما تقولون في لغتكم ، هنا يسمون ارتكاب الأخطاء آثاما لأن الخطأ قد يغفر ، ولكن الأثم في معجم هذا المكان هو ما لا يغتفر ! . / ص39) و قد يوحي الأحساس بهذا الأثم لدى القارىء إلى حالة استيعابية من فهم صوفية ما عائدة بطبيعتها إلى مرجعية شرعية ما ، ولكننا بعد التقدم في متابعة مستحدثات السرد ، نكتشف أن أحكام هذه الآثام ، قد زرعتها السلطة الحتمية من قبل رؤساء هذا المحفل ، بشرائط هي بعيدة كل البعد عن الله و الناموس الديني . أردنا أن نقول بأن إبراهيم الكوني كان يتقصد بهذا المحفل ، ثمة دلالات معارضة و انتقادية للرموز السياسية للنظام الحكومي أولا و أخيرا ، اعتمادا على فكرة ذلك الزمن الجبار لدى مصدر تلك السلطة الباطشة في البلاد قهرا . و لكن الغريب في أمر أحداث و دلالات الرواية ، هو أن موضوعتها تتحدث أخيرا بإمتيازية التفاعل الشخوصي مع بيئة الصحراء بعيدا عن التصادم مع لغة السلطة ، بل إنها تكشف لنا أخيرا عن قتل الشخصية مسي لولده لأنه كان طرفا في صفقة تهريب الحجر المقدس من الصحراء إلى خارج البلاد : ( في ذلك اليوم حدث الأب مسي خليفة عهده يوجرتن ، كيف كانت القبائل تنحر قربانا في أزمنة المحنة ، ثم تذهب لتستجير بالحجر بدهن الصلد بشحم القربان ، فلا تلبث البلية أن تنقشع .. لكن الأب اكتأب فجأة و هو ينهي روايته للأبن قائلا إن البلاء سيعم ، و الصحراء لم تعود في ذلك اليوم الذي سيقع فيه الحجر المقدس في يد الدخلاء . / ص173 الرواية ) الحقيقة أن الحجر قد وقع فعلا في يد الدخلاء قد صدقت نبوءة الشخصية مسي ، في ذلك اليوم الذي أبرم فيه الشخصية المحتال ـ الباي ـ اتفاقا بإعادة أسم الوالد المفقود و أسم الأبن في سجل محفل دائرة الأحوال المدنية ، شريطة عمله مع فريقه التنقيبي عن النفط في عمق الصحراء و لكن الأمر لم يكن تنقيبا مزعوما عن النفط ، بل أنه كانا بحثا عن ذلك الحجر المقدس الذي تم العثور عليه بمساعدة و إرشاد ولده يوجرتن ، خيانة لوالده و إلى ناموس الدستور الصحراوي الخاص بالأسلاف القدامى . 


ـ الصوفية الصحراوية و طقوس القربان الأسطوري .

إن الخطاب الروائي في دلالات رواية ( من أنت إيها الملاك ؟ ) تساعدنا على فهم مرجعية صوفية الانسان المتصحر و علاقته الاسطورية بالأم الصحراء ، وصولا منها إلى فهم ذلك المعنى المضمر في مغاليق حكاية دائرة التسجيل ، و أسباب رفضها إلى تدوين أسما لولد الشخصية مسي في سجلاتها ، بل و حتى الشخصية مسي نفسه غدا بلا هوية مواطنة في مرابع هذه المدينة و سجلاتها السوداوية . تخبرنا الرواية بأن مسي ، هو من أولاد أسلاف الصحراء سابقا ، لذا يحضر عليه ضمن التشريع القانوني في دائرة الأحوال المدنية ، إخراج بطاقة مدنية له و لولده ، كونهما ليسا من سكان المدينة أصلا : ( لو كانت هذه المدينة تعترف بك ، ما بخلت عليك بالأسم ! : ـ و لكني أبن هذه المدينة يا أبت ، ولم أكن يوما أبن صحراء ! : ـ بل أنت أبن صحراء شئت أم أبيت ، لأن الدم الذي يجري في عروقك دم صحراء مهما أنكرته ! / ص200 ) تتبين لنا مسافة وحجم الفجوة ما بين الوالد و أبنه ، في مشروع كل منهما ، وعلى تفاوت رغبة الأثنان ، تضعنا المحاور الروائية على حافة خطيرة من المفارقة الكبرى ، فقد باع الأبن حجر الصحراء المقدس مع عصبة فريق الباي وكيل الشركة للتنقيب المزيفة ، وقد تم تهريب هذا الحجر خارج البلاد ، فقد أستغفل الابن طموحات و زهد الأب بصوفية عشقه بهذا الحجر و بأسلافه القدامى في الصحراء ، وعندما علم الأب مسي بهذا الأمر ، قرر مغادرة المدينة مهاجرا إلى عمق منبعه الصحراوي بعيدا ، بعد أن قام بنحر ولده قربانا لملكوت آلهة الصحراء : ( أستل صاحب الاغتراب نصل المدية المثبت في ذراعه في اللحظة التي بدأ فيها الإله المسربل بالدم يتوارى تلبية لنداء ناموسه الخالد . لوح الأب بالمدية في الفراغ ، فأغتسل النصل النهم بشعاع الدم قبل أن يستقر في النحر .. أستقر النصل المغسول بروح الإله الأبدي في نحر السليل فخر الأبن أرضا أنبثق الدم غزيرا من النحر ليسيل عبر الحضيض ، تسلله عبر الأرض الضمأى يروي شجرة الرتم ، فحشرجت الضحية . / ص254 ) .


ـ تعليق القراءة :

هكذا ختاما يمنح ( إبراهيم الكوني ) إلى آلهة الصحراء موطن أسلافه القدامى  ، الخصوصية القرابانية في منظومة خصائص أنشودته الصحراوية الكونية المشدودة إلى استقلالية الأنا المتوحدة في صوفية ابعاد المكان و الزمن و في ضمير أسطورة الصحراء الكبرى ..  في الحقيقة حاولنا في دراستنا هذه الربط  ما بين علاقات وحدات النص ، وصولا منها إلى ذروة الكون الروائي لدى الكبير إبراهيم الكوني ، و إذا ما تفحصنا البنيات الدلالية في حكاية الرواية ، لوجدنا مادتها السردية توحي لنا بالضد من السلطات و الرموز السياسية ، اقترابا كاشفا نحو أسطرة وثيقة الميلاد بمواجهة قربان أسطورة الأبدية الصحراوية في مضمر قلبها المحفوف بأسرار ذاتية رحلة الأنا الصوفية نحو ملكوت معبودها الأوحد .      


حيدر عبد الرضا


التعليقات




5000