هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


مرآة الواقع ومتاهات الوهم في مجموعة ليلة نام فيها الأرق

د. عبير يحيي

 مرآة الواقع ومتاهات الوهم 

في مجموعة ليلة نام فيها الأرق  

للكاتبة السورية 

د.عبير خالد يحيي 

بقلم الروائي والناقد المصري 


محمد عباس علي 


...... 


لا يستطيع الكاتب أن يبتعد عن بيئته مهما تناءت به المسافات ومهما أغرته الظروف بمعايشات أخرى مختلفة عما يدور في وطنه.


فالوطن في نهاية الأمر ليس مجرد أرض وبناء وجو محيط به, لكنه بالدرجة الأولى روح تسري في العروق وتفيض في الوجدان وتشعل الإحساس, ولايمكن مهما كانت درجة الغربة ودفئها أن تجعله ينسى ما كان يوما .


الوطن طقوس يعتادها الكاتب عبر يومه, ووجوه يراها في حياته, وهواء له مذاقه وروعته يتنفّسه، الوطن أفئدة تشدّك إليها هي بمثابة خيوط حريرية لا مرئية تشدّك إلى قلب كبير مهما رأيت منه فسوف يظل ساريًا في روحك, نابضًا في عروقك, متأججًا في زوايا نفسك بكل كينونته وعنفوان ارتباطك به.


ومن هذا المنطلق ننظر إلى ما بين أيدينا من آخر أعمال الأديبة الطبيبة السورية الدكتورة عبير خالد  يحيي, وهو مجموعة قصصية بعنوان ( ليلة نام فيها الأرق) التي  تقع في 95 صفحة من القطع المتوسط تضمّ  بين  طياتها عشرين قصة قصيرة, تتراوح صفحاتها ما بين صفحتين إلى ست صفحات ونصف، تنقسم حسب  مضمونها إلى مايلي:


-         الحديث عن الحرب وويلاتها


-         والحديث عن الخوف وآثاره, ثم محاولة مواجهته


-         والفقد بأنواعه والعجز الذي يسيطر على الإنسان, وهل يستطيع أن ينتصر عليه أم يستسلم له فى نهاية الأمر ويخضع له.


موضوعات كما نرى تسيطر على عقل الكاتبة ربما بوعي منها وربما لاشعوريًّا,  تعبر عمّا في نفسها لكونها كاتبة سورية والكاتب ضمير أمته وهو القادر فى كل الظروف أن يعبر عن روح هذا الوطن وكيانه , وإذا نظرنا إلى ماكتب عن الحرب السورية سنجد روايات عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر


-         غائب عن العشاء الأخير أيمن مارديني الاصدار عن دار رياض الريس


-         القنفذ رواية الكاتب إسلام أبو شكير عن دار فضاءات


-         أيام في بابا عمرو  للكاتب عبد الله مكسور


-         طبول الحرب للكاتبة مها حسن


وكل منهم وغيرهم يكتب من منظوره ورؤيته للمأساة السورية وانتمائه لأحد أطراف النزاع, أو محاولة الوصول إلى أسباب النزاع ذاتها، أما كاتبنا الدكتورة عبير يحيي فلأنها امرأة أولًا, وأديبة ثانيا فسوف نرى مذاقًا آخر للحرب  يموج بالإحساس  المتدفّق مع السرد, والذي يحمل روح الأنثى بحميمية مشاعرها وخطوط حروفها ومذاق عباراتها  التي تبدع وسط الدموع تارة ونظرات الإصرار أخرى في, دقة طبيبة تعرف جيدًا أين تضع المشرط, ومتى تجرح ولماذا, وكيف تداوي الجرح بالكلمات  والانتماء الحقيقي لأرض نحلم جميعًا أن تعود كما كانت من قبل روضة غنّاء بناسها وأنهارها وبدائع زينتها


فإذا أردنا  الحديث عن مضمون القصص فسوف نجد أن جزءًا أول من  القصص  تتحدث عن الحرب تمثل مايقرب من نصف عدد  تلك المجموعة تقريبًا,  وكلها بضمير الغائب, ماعدا القصة رقم 6  وهي بعنوان براغماتي, إذ أنها  حوار بين طرفين, والقصة رقم  9  بعنوان نذور الوطن وهي بضمير المتكلم, أما قصص الحرب فهي :


الصفعة   - أبناء قابيل – نهاية الانتظار – براغماتي  - المنتصر في الحرب مهزوم – نذور الوطن -  مركب الغرب


و قصص الجزء الثاني  تتحدث عن الفقد, فقد الابن كما في قصة نذوور الوطن وصفعة وأبناء قابيل  ومركب الغرب, وفقد الأب كما في  قصة المنتصر في الحرب مهزوم وفقد الأخ والحبيب كما في قصة نهاية الانتظار, أو فقد الزوج كما في قصة أبناء قابيل  والأفئدة الراحلة  وليلة نام فيها الأرق


أما في الجزء الثالث من المجموعة علمًا بأن هذا التقسيم الجزئي يأتي في المضمون قسّمته بمعرفتي وليس تقسيمًا فعليا  قامت به الكاتبة, نجد  قصص هذا الجزء الثالث  تتحدث عن الخوف كشريك لا يترك النفوس الخائفة ولا يغادرها, مثل قصة ( يوم مت) وقصة ( سيرة ذاتية )وقصة (ويبقى الولد ولد).


ثم نأتي   رابعًا إلى قصص  تدعو إلى الرفض والمقاومة وعدم التسليم للأمر الواقع مثل قصة ( نام فيها الأرق)  وقصة (رحلة) و(اللعب مع الكبار)


فإذا بدأنا  بقصص الحرب سوف نجد  في القصة الأولى (صفعة) تأخذنا الكاتبة مباشرة إلى أثر من آثار الحرب وذلك من خلال امرأة خرجت على المعاش حديثا وحيدة إلا من زوج لايخرج من البيت إلا لمامًا تصفه أنه جزء متحرك من أثاث البيت, بينما أولادها قد هاجروا بعيدًا، تذهب لتأخذ معاشها وتقرّر العودة سريعًا قبل الغروب لأن وجه النهار آمن نوعًا ما بينما الليل والحواجز خطر داهم لاتطمئن إليه، تركب عربة أجرة يغالي سائقها فى الأجر فتوافق مضطرة لكنه لايسير فى طريقه المعتاد بل في طريق آخر تستشعر معه الخطر فتتوسل إليه أن يأخذ كل مالديها من مال هو أملها فى البقاء حيّة ويتركها دون أن يمسّها بسوء، يقف بها أمام دار غريبة فى مكان لاتعرفه ويطلب منها النزول, لاتمتلك المقدرة على الحركة فيدفعها دفعًا ويضطرها للنزول, وحينما يفتح الباب وتشهد بعينيها الغرف والفوضى والقذارة التي فيها, يفاجئها بآخر ماكان  يمكنها ان تفكر فيه قائلًا:


لاتخشي شيئا لن امسك بسوء ولن آخذ منك مالًا، كل ما أريده منك أن تنظّفي المكان


قصة لم تتحدث عن الحرب وويلاتها مباشرة, ورغم هذا تدخلنا في عمق المأساة مابين أم وزوجة واهنة بحكم السن وبحكم فقد الأبناء المهاجرين وحكم قلّة المال والشعور الداهم بالخطر في كل خطوة تخطوها وبين شاب فى الثلاثينات من العمر رغم اختطافه لها لم يفكر فى الاعتداء عليها أو سرقة مالها, بل تنظيف المكان وهنا تركت لنا الكاتبة الباب مفتوحًا على مصراعيه للتأويل فهل هذا الشاب فقد زوجته وربما هي أمه أو هي أخته ولماذا صار البيت ضربًا من فوضى وجحيمًا من قذارة وإهمال....؟!


ولانمتلك إلا القول بأنها الحرب....


ثم نرى وجهًا آخر للحرب في القصة التالية (أبناء قابيل ) فنرى امرأة هجرها زوجها وعاشت لولدها الوحيد ترعاه وتأتنس بوجوده لكنه غاب وانتظرته طويلًا وفجأة يدقّ الباب بعنف, تهرول نحوه ظنّا أنه ولدها فإذا به آخر يدفعه شباب المنطقة بالركلات والصفعات ويلقونه  بين يديها: قتل ابنك  ياخاله


تصف الكاتبة في آخر القصة الحدث فتقول :


صمت قاتل جثم على صدور الجميع, حرّكه صفعة ضعيفة من كفّها الهزيل باتجاه وجه قابيل, وسؤال بقي بلا جواب لماذا قتلته ؟


وهكذا تصرخ الكاتبة بكل حواسها قائلة:


قابيل ماذا تفعل بأخيك؟


ثم نجد آثار الحرب جلية واضحة في قصص (نهاية الانتظار) و(نذور الوطن)  و(مركب  الغرب ) وهم متشابهون  في ذات الدلالة. فإذا أخذنا  قصة (نهاية الانتظار)  مثلا  فسوف نجد سارة ولمى صديقتين  متخرّجتين حديثًا من كلية الطب, وتباشران العمل في إنقاذ المجروحين وتفقد الموتي  تنتظران شخصًا واحدًا هو حسن شقيق الأولى وحبيب الثانية, وكل أملهما أن يعود سالمًا, لكن آلة الحرب اللعينة لاترحم ويبقي السؤال قائمًا لماذا يقتل قابيل أخاه ولايكف عن جريمته....؟!


أيضا في قصة (المنتصر في الحرب مهزوم) نجد أسرة اشتد أوار الحرب في مدينتها, مما اضطرها إلى المغادرة على عجل, ولم يتحمل الأب ماجرى, فمات وبقيت الفتاة الضعيفة الواهنة وحدها, وكان عليها أن تعول أمها المريضة واختها الصغيرة, فعملت خادمة بأحد البيوت, وإذا بها تجد أثاث الصالة هو أثاث بيتهم الذي تم سرقته وبيعه في سوق الحرامية, وفي إحدى كنباته مصاغها الذي خبأته, والذي أهداها إياه خطيبها, وختام هذه القصة يضعنا في حيرة فتقول الكاتبة فيه  ص 38


"كيس الخام الذي حوى مصاغ ندى أخرجته ريم  من حشوة الكنبة بعد أن بقرت قماشها من الأسفل بسكين حادة".


فهل اعطته ريم لندى ثانية أم احتفظت به ؟


لم تجب الكاتبة عن هذا وتركت الأمر للقارئ, وكأنها تقول له الأمر ليس أمر صاغ مهما غلا, فثمنه قليل أمام فقد الأحبة والأهل والأمان والسكن.


وأيضا كان لاستخدام سكين حادة هنا وقع ملائم لطبيعة القص, فالحرب سكّينتها كانت فى منتهى الحدّة على الجميع, وبخاصة أسرة ندى وأسر كثيرة مثلها, وبطبيعة الحال إذا كانت الحرب قد طالت مدينتها فمدينة ريم من المؤكد لن تنجو من آثار تلك الحرب.


نأتي الى قصة براغماتي وفيها يعلو صوت الكاتبة  برفض قائلة في ص 31


"مايحدث في أوطاننا من حروب ونزاعات حمقاء إن دلت على شيء تدل على أننا شعوب غافلة بكل طبقاتها, ندمر أوطاننا بأيدينا, وبأسلحة نشتريها من أعدائنا, والعدو الحقيقي يتربّص بنا فرحًا بما يراه منّا من فرقة وشتات واقتتال".


وقد أفاضت هنا فى الحديث عن قصص الحرب لأهميتها النفسية من ناحية, والتكتيكية في المجموعة من ناحية أخرى.


نأتي الى القصص التي تتحدث عن الفقد وهي قصص المجموعة الثانية التى تحدثنا عنها من قبل, ونأخذ مثالًا لها  قصة ليلة نام فيها الأرق وهي القصة التي أخذت المجموعة عنوانها, وهي تتحدث عن امرأة وحيدة يرافقها الأرق  تتساءل الكاتبة بلسان بطلتها :


-         لماذا تبرد الأماكن عندما يغادرها أصحابها ؟


فسريرها تلسعه لسعات باردة منذ أكثر من ثلاث سنوات, يوم غادرها زوجها إلى مثواه الأخير, فتذكّرت فكرة قديمة كانت المرحومة أمها تلجأ إليها لجعلها تنام, وهي ارتداء ثوب جديد وحذاء جديد, فمضت بطلة القصة إلى فستان زفافها  الدانتيلا الأبيض, أخرجته ووضعته على جسدها, الناحل نظرت إلى المرآة ص 64 قائلة :


-         لقد اصفر لونه قليلًا, سبحان الله حتى الملابس يجب أن تتنفس هواء الحرية بين الحين والآخر حتى لاتتبدل خامتها.


تنزع ثوبها القاتم وترتدي ثوب العرس قائلة نعم مايزال مناسبًا, ثم ارتدت حذاء الخطوبة الخاص بابنتها ووجدته مناسبًا,  سارت جيئة وذهابًا مرّات ثم رفعت إبهامها  مضمومة بقية الأصابع مع كلمة نعم نعم, ثمّ تخلعهما  وترقد  وهي تحتضنهما وتغطّ في نوم عميق, وهكذا نرى المغزى واضحًا والرؤية جلية, فلابد أن تسير الحياة وأن تتبدل الأحوال ولابد أن يولد الأمل من جديد وتعود الحياة الى رونقها, ولن يتم هذا إلّا بخلع السواد والعيش مع أمل يمنح حياتها معنى.


ولأن الكاتبة تعي تمامًا ماتكتبه, فقد كانت موفقة فى اختيار هذه القصة عنوانًا لمجموعتها, فالحرب مهما طالت ومهما كانت نتائجها فلابد أن تنتهي, وتفسح مجالا لأمل جديد يولد,  تشير إليه هنا بثوب الزفاف وحذاء الخطوبة وهما إشارة لحياة جديدة  وبشارة بميلاد جديد .


وهنا أيضا لايغيب عن بالنا أن الفقد بلا مقاومة موت, أما الفقد الذى يحاديه الأمل فهو بعث لحياة جديدة لابد أن نتمسك بها مادمنا نتنفس ونعيش.


والقصص التي تتحدث عن الخوف


الصفعة – يوم مت – قرناء  السوء – ويبقي الولد ولد - سيرة ذاتية


فإذا اخذنا قصة (قرناء السوء) كمثال سنجدها تتحدث عن أم  تزوجت ابنتها حديثًا ومرّ عليها عامان دون أن تنجب ولما جاء زوجها يشكو ويؤكد أنه سليم معافى, وأن العيب في ابنتها, قرّرت أن تعالجها  بعد أن ضاق صدرها من شكوى زوج ابنتها, فلجأت إلى دجال يدعى الشيخ حسن الذي أخبرها رغم أنه لم يكشف على ابنتها ولم يرها حتى, قائلًا إن عليها عفريتًا قابعًا فى جسدها لن يخرجه إلا خوض غمار بحر هائج متلاطم الأمواج ص  18 لايجرؤ عل خوض غماره  إلا من تريد طرد  ذاك القرين القابع  في جسد ابنتها , ولكن المشكلة أن البنت متعلمة  وسترفض حديث أمها فكانت الخدعة التى قالتها الأم أنها ستزور شقيقتها المريضة جدًّا فى جزيرة مجاورة, وطلبت من ابنتها مرافقتها فى ركوب البحر الذي كان يخشاه فى ذلك اليوم حتى البحار ذاته الذي رافقهما في رحلتهما, وحدث ماكان متوقعًا من انقلاب المركب وتعرض الجميع للغرق ونجت الأم لكنها حينما أفاقت تذكرت قول ابنتها لها حينما حادثتها عن شكوى زوجها من عدم انجابها :"انا مازلت عذراء يا أمي" وكانت النهاية الحتمية للخوف المرتبط بالجهل هو موت الابنة, لتعيش الأم فى جهلها نادمة أبد الدهر على ضياع ابنتها بسببها.


ثم  نأتي إلى القصص التي تؤيد  فكرة التمرد على الخوف ومحاولة التغلب عليه بمواجهته, وسوف نأخذ مثالا  لها هنا قصة (رحلة )وهي تحكي عن أم وابنتها تبدآن رحلتهما في مركب تجمع غيرهما من المسافرين وتبدأ بسؤال واضح وصريح تسأله الأم لابنتها :خائفة ؟


تلتفت البنت محاولة رسم بسمة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع قائلة: لا أبدًا


بعدها أخذت كل منهما مكانها, وامتلأ المركب بالناس, خليط بين نساء ورجال وأطفال وفجأة تحدث حركة هبوط مباغتة للمركب, مما يستدعي صراخ الأم: هذا جنون ما أقدمنا عليه ضرب من الجنون


ثم يسير المركب متأرجحًا بين هبوط وصعود, بين صراخ الركاب وهلعهم إلى أن أُعلن: وصلنا هيا انزلوا


وهنا تواجه المرأة ابنتها بسؤال يلح عليها, فالبنت طيلة الرحلة كانت تمسك بيد سيدة غير أمها تتشبث بها وتطمئن إليها, سألتها أمها: لماذا لم تتشبثي بي؟!  فترد البنت: خشيت أن تشعري بخووفي فتحجمي عن المحاولة.


إذن نحن أمام حالة خوف مستقر فى الوجدان, نهرب منه بأقصى مالدينا من مقدرة, ورغم الصراخ والهلع نصرّ على استمرار التجربة التى تكتمل بركوب القطار الذي تبطأت سرعته تدريجيًّا حتى توقف نهائيًّا أمام نفق مغلق, وعلى ضوء القطار المبهر رأت الأم شبح إنسان التصق بفوهة النفق, دققت النظر فيه فإذا هي شابة اقتربت وجلست  أمام الأم, وإذا بها فتاة عشرينية ثيابها مهترئة, تدل أنها منسية منذ عقدين من الزمن, وعليها مساحيق ترابية باهتة, سألتها الأم: منذ متى وأنت هنا وماذا تفعلين ومن أنت؟


أشارت الفتاة بإصبعها إلى الأم كأنها تقول باتهام صريح :أنتِ.


لنصل هنا إلى لب الموضوع التي تعرضه الكاتبة علينا, ففي النفق المعنوي التى تعيشه الأم بطلة القصة تعيش منذ زمن  ناسية أن العمر يمر والزمن يتغير ,لكن الأمر لايخرج فى حقيقته عن لعبة هي  لعبة الحياة ذاتها بكل مافيها من خوف وهلع, لكنه لن يدوم بحال فلكل شيء انتهاء لذا نجد البنت تقول لأمها فى النهاية  ص 59


هيا أمي ، game is overخبرنا الخوف وواجهناه


.....


وقبل أن نختم هذه الاطلاله على مجموعة   ليلة نام فيها الأرق  للكاتبة السورية عبير يحيي نتكلم عن عدة ملاحظات سريعة  منها مايلي :


-         1- الحوار يشكل أداة طيعة في يد الكاتبة بلا ترهل ولا إسهاب, ويشكّل ملمحًا  من ملامح تكوين القصص والتعبير عن ذات أبطالها بدقة فنراها تستنطق أبطالها بلغة تكاد تقرب من اللغة اليومية فنجد مثلًا في القصة الأولى صفعة تقول السيدة العجوز لسائق التاكس:


-         كفر سوسة إذا بتريد


-         2000 ليرة  


تشهق شهقة لا تكاد تتمها ليعترضها مساوما


-         آخذك بطريق مافيه حواجز


وفي قصة قرناء السوء  نجد الحوار التالي:


تقول المرأة التي تم إنقاذها من الغرق حينما أفاقت من إغمائها:


-         أين أنا


يرد الطبيب المعالج :


-         لاتخافي ، أنت بخير ،أنت في المشفى وقد أنقذناك بعون الله من غرق مقدّر


وهكذا في حوارات القصص نجدها كما قلت تستخدم لغة طيعة سلسة بعيدة عن التعقيد تفيد بمعلومة وتقدم الشخصيات بفهم وإدراك لأبعادها,


2- تيار الوعي    والمقصود به استنباط النفوس واجترار المشاعر في تداعيات نفسية لارابط بينها وقد استخدمته الكاتبة في أكثر من قصة, نجدها في القصة الأولى يوم مت تبدأ القصة على لسان شاب معاق  كالتالي :


-         وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة


لتستمر بعدها في رصد نفس هذا الشاب من الداخل والخارج شرحًا للأبعاد الجسمانية والنفسية معًا لتعطي للقارئ أخيرًا الرؤية من زوايا مختلفة, معبرة عن موضوعها التى تريد التحدث عنه.


-         3- الواقعية التحليلية  وهي تتوسط الواقعية التسجيلية وتيار الوعي, فبينما الواقعية التسجيلية تقوم على السرد المباشر والوصف الخارجي, وبينما تيار الوعي يقوم على استنباط النفوس من الداخل والتنقل بين الداخل والخارج, نجد أن الواقعية التحليلية تقوم على رصد الحركات الإنسانية وتصوير الصراع النفسي الحاد, مع وصف الشخصيات وتحليلها وتفسير أحلامها عن طريق استدعاء الماضي


-         وهنا أيضًا نجد الكاتبة قد  لجأت لهذا الاسلوب في أكثر من قصة, ومثال على هذا قصة رحلة التى بدأتها بسؤال صادم للأم تسأل ابنتها :


-         خائفة؟


سألتها باذلة جهدا كبيرًا لأخفي رجفان لساني كيلا يفضح رعبًا ملأ نفسي    ص55


-         4- روح القص  الحالة العامة هنا لروح القص فيها حزن داهم وألم جارف تأثرًا بما يجري في سوريا الوطن, فنجد فى معظم القصص كلمات مثل:


-          قطعته صرخة مارقة أعقبها صوت ارتطام حاد بالأرض   ص  28


-         مايحدث في اوطاننا من نزاعات حمقاء؟ إن دلت على شيء فلا تدل إلا على أننا شعوب غافلة    ص 31


-         أخيرًا بين أزرقين, فوق مركب متهالك لا يكاد سطحه يبين, قد زرع برؤوس بشرية متراصة .....خوفًا من  مباغتة خفر السواحل لهم ومنعهم من ركوب  مراكب الموت ص 68


5-  الأسلوب يتميز أسلوب الكاتبة باستخدام  الصور الجمالية لتوضيح أفكارها, فهي تعتمد عليها كثيرًا فى حالاتها الشعورية المختلفة,  مابين سرور وغضب وضعف وقوة وخوف وهلع ومن أمثلة هذا  الجمل التالية :


-         تلفتت الي محاولة رسم ابتسامة بدا واضحًا أنها قناع تخفي به أعراض الهلع ، أنا اصلًا أخاف من الأقنعة مهما كانت منمّقه   ص 55


-          صار الصمت هو الصراخ الذي يصمّ مسمعي، احتل الذهول تقاطيع وجهي المنمنمة وتسلل الخوف الى جنباتي المظلمة   ص 70


 


أخيرًا.. أقول أن تلك كانت إطلالة على مجموعة متخمة بمشاعر صادقة حيّة, تفيض بروح الانتماء لوطن ندعو الله جميعًا أن يعود لسابق عهده بلدًا للياسمين.


شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


محمد عباس علي


....14 أبريل 2019.........................................


 


 

د. عبير يحيي


التعليقات




5000