هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ملامح الحكايات العجيبة في رواية "الحديقة " لدولسي ماريا لويناس

أحمد الزاهر لكحل

ملامح الحكايات العجيبة في رواية "الحديقة " لدولسي ماريا لويناس 

الكاتبة: كرستينا مايا  

ترجمة: أحمد الزاهر لكحل،   مترجم وباحث في أدب الأطفال  

 

السيرة الذاتية لدولسي ماريا لويناس :   

توجد شخصيات قليلة ذات جاذبية كبيرة لكنها في الوقت نفسه غير معروفة كثيرًا في الأدب الكوبي  مثل (دولسي ماريا لويناس) (Dulce María Loynaz ) ، ويرجع هذا إلى الظروف السياسية السائدة في هافانا، على مدى خمسين عاماً، والتي فرضت معيارها حتى في الثقافة والتي جعلتها مهمشة نوعاً ما منذ عام 1958 مع بزوغ الثورة، وهنا  لا بد من أن نوجه شكرنا إلى كل من عبر عن احترامه وتقديره لأعمالها رغم أنها لم تكن متفقة مع إيديولوجية النظام، واليوم  تحول منزلها الذي ألهم جزءًا كبيرًا من أعمالها إلى فضاء ثقافي. 

كان أول ظهور لعائلة لويناس( Loynaz ) في منتصف عام 1550 وكان ذلك في إقليم  بياسيان (Beasian ) في غيبوثكوا (Guipúzcoa). منذ الأسلاف، كان الناس يتحدثون عن كاهن يدعى  القديس (مارتن دي لا أسونسيون) من لويناس. كانوا لا يعرفون الكثير عنه، فقط كونه درس في جامعة (قلعة هيناريس) (Alcalá de Henares ) وأنه قام ببعض المعجزات ، وهذا من شأنه أن يفسر ولو جزئياً الاهتمامات الدينية للشاعرة والتي لم تستطع التهرب منها، رغم أنها ، في الوقت نفسه ، كانت تنفي اعتبار جزء من شعرها كونه ذا طابع ديني.

ولدت دولسي ماريا لويناس في هافانا، عام 1902، في منزل الجنرال إنريكي لويناس (Enrique Loynaz) ، بطل الاستقلال الكوبي ووالدتها مرسيدس سانيودو (Mercedes Sañudo ) التي كانت تنتمي  إلى واحدة من أغنى العائلات في كوبا من محبي الثقافة والفن.  وقد اهتما الزوجان بتربية وتعليم أبنائهما بعناية ورعاية كبيرتين إلى درجة أنهم منعوا من مغادرة المنزل لذا كان من الضروري الاستعانة بمدرسين خصوصيين، ويروى أن هذا الخوف والعناية المفرطين كانا نتيجة تجربة طفولية مؤلمة عندما وجدت الفتاة مرسيديس آنذاك والديها مقتولين  على يد لصوص.

 كانت عائلة لويناس تتكون من أربعة أشقاء كلهم شعراء ومثقفون. وكان بينهم مانويل، صديق فيديريكو غارثيا لوركا، الذي كان يتردد على إحدى الدردشات الأسبوعية التي كانت تنظم  كل يوم خميس . هناك مقولة شهيرة للوركا يقول فيها:  "إن تهت، فابحث عني  في هافانا". ومن بين الحاضرين، كانت هناك شخصيات مثل (أليخو كاربنتيير) (Alejo Carpentier) ، وهو جار للإخوة، كان يسكن في الشارع نفسه المسمى  "بيدادو" ( Vedado) ،وكذلك الشخصية الشهيرة (مانويل تشاكون إ كالفو)(Manuel   Chacón y Calvo ) و(غابرييلا ميسترال) (Gabriela Mistral )   و كتاب كبار آخرون. وهناك آراء متضاربة حول شخصية مانويل العصبية التي دفعته ، إثر نوبة من الجنون، لحرق ليس فقط عمله وإنما أيضا النسخة الأصلية لمسرحية  لوركا  تدعى " الجمهور"،  بينما تنازلت دولسي ماريا عن  مسرحية " ييرما" Yerma إلى المكتبة الوطنية وتم بذلك إنقاذها والحفاظ عليها.  وعن تلك الصداقة الشخصية التي كانت تجمع بين شقيقتها (فلور) (Flor ) و(انريكي)  ( Enrique  ) نسجت أسطورة كاملة، إذ يقال على سبيل المثال، إن أليخو كاربنتيير استوحى  روايته " عصر الأنوار" من قصة  الإخوة لويناس...

ومن جهة أخرى ، فإن موضوع وأسلوب الإنتاجات الأدبية لدولسي ماريا مثل روايتها "الحديقة"، يرى فيها البعض العمل الأدبي الذي ينبئ بما يعرف ب "الواقعية السحرية" عند (غابرييل غارسيا ماركيز) وبعبارة أخرى كان لها السبق في ذلك. طبعت رواية "الحديقة" سنة 1951، ولكن احتفظت بها لمدة سبع سنوات دون أن يكون في علم أحد سبب تأخر المؤلفة عن نشرها. وبالنظر إلى موضوعها،  فهي أقرب إلى رواية أمريكا اللاتينية الجديدة من الرواية المعروفة بطابع السكان الأصليين مثل تلك الرواية التي كتبها كل من الكولومبي (خوسيه إوستاسيو ريفيرا) (José Eustasio Rivera)  والفنزويلي )رومولو غاييغو)      (Rómulo Gallego) . فهي، إذن، كانت تمثل تطورا فيما يتعلق بهذه الروايات وذلك بالانفتاح  على المفاهيم التي  على الرغم من كونها  تتمحور حول علاقة الإنسان و الطبيعة ، إلا أنها كانت  تحتوي على عنصر سحري كمنصة أساسية لتفسير العالم.

ومع ذلك، فقد كانت هذه الظروف مثيرة للجدل ونقطة خلاف بين مختلف الدارسين، إلى درجة أن هذه الرواية، التي كُتبت في أوج الثورة الكوبية  كانت تتناقض مع مصالح الرؤية الواقعية الاشتراكية، التي كان يراد تمثيلها ونشرها مثل الصراع الطبقي و الروايات التي تسلط الضوء حول علاقات استغلال طبقة اجتماعية معينة من لدن أخرى، وأكثر من ذلك فإن(لويناس) ، كانت تسير بخطى حثيثة  لتبلور موقفها السياسي  من خلال الرواية الجديدة.  وتأتى ذلك  بفضل اعتراف إسبانيا بأعمالها بعد الجوائز المتعددة التي منحت لها، خاصة (جائزة سيرفانتس) التي حصلت عليها في "سن 92 "والتي بفضلها أصبحت معروفة. وكما هو معلوم  فإن عائلة لويناس العريقة لم يكن أفرادها يشعرون أبدا أنهم في حاجة إلى الشهرة أو ينتظرون الاعتراف من أي طرف. بالنسبة إليهم، يعتبر الغوص في الثقافة أمرًا طبعيًا إلى درجة أنهم ربما لم يدركوا تمامًا أنه في الخارج كانت هناك عوالم أخرى مختلفة تمامًا عن عالمهم.


بدأت دولسي ماريا الكتابة في سن مبكرة ، وفي سن السابعة عشر كانت تكتب وتنشر بعض القصائد، إلا أنها كانت في بدايتها ذات طابع حداثي، وهو الأسلوب الذي لم تتوافق كليا معه، لذا لم تقم بنشرها أبدا، وحسب شهادتها الشخصية فقد صار هذا العمل مقتضباً ببساطة لأن العديد من الأعمال أُحرقت وكانت تلك ممارسة متداولة بين الأشقاء.

في عدة مرات، تمت  الإشارة  إلى الشعور بالعزلة في أعمال الشاعرة  وهذا صحيح.  فحياتها كانت غارقة  بطريقة ما  في  العزلة التي اختارتها طواعية ، على الرغم من أن ظروفها الشخصية أدت بها أيضا إلى تلك  الأقدار. فقد تزوجت في سن جد مبكرة  بابن عمها (انريكي ديل كاستيلو لويناس) (Enrique del Castillo Loinaz)  وكان ذلك الزواج  قد فرض عليها  تقريبا  من قبل عائلتها،  لكن سرعان ما انفصلت عنه  دون أن تلد منه وتزوجت من (بابلو ألبارو كانياس) (Pablo Álvaro Cañas )  حب حياتها و أكبر محفز لها ثقافيا  وهو من سكان جزر الكناري،  ويبدو أن جل قصائد الحب الساخنة التي كتبتها في شبابها كانت موجهة إليه. كان لتشجيع زوجها إياها ورحلاتها المتكررة إلى الجزيرة الإسبانية الفضل نسبياً في نشر عملها على نطاق واسع ، وكان على وشك أن يعرفه كبار جيل 97 و 27. وقد كتب (خوان رامون خيمينيز) الكلمات التمهيدية لمؤلفها ''الحديقة". في شبابها  سافرت دولسي  إلى عدة بلدان في أمريكا والولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط، وقد نتجت عن رحلتها إلى مصر واحدة من أشهر قصائدها: "رسالة حب إلى  توت عنخ آمون" والتي نالت الكثير من الإشادة، وخلال رحلتها إلى  جزر الكناري وإلى " تينيريفي"  ، كتبت روايتها "صيف في تينيريفي"  التي اعتبرتها  من أفضل الأعمال التي ألفتها. 

من أشهر قصائد سيرتها الذاتية نجد "الأيام الأخيرة للمنزل" حيث يحضر موضوع الحديقة و "أغنية المرأة العقيمة" التي تأتي لتضاهي "ييرما" لغارسيا لوركا. بالنسبة للويناس  وفي محاكاة ساخرة لباشلار  يمثل فضاء المنزل حالة روح ومنه تنبثق خصوصية وقوة الروح المتوقعة في أماكن معينة: الحديقة  والأشياء المنزلية  والشخصيات التي كانت تسكن ذلك البيت والوحدة التي هي شكل أصيل لا ينفصل عن شخصية لويناس و يكشف عن طابع و علامة لا لبس فيها من حيث كتاباتها. كل هذه القصائد لها بالطبع معنى رمزيا ومجازيا: الفناء ، الخراب و الموت  كمواضيع مفضلة. لقد أراد البعض أن يرى في الأيام الأخيرة... نهاية الطبقة الاجتماعية التي تستسلم من أجل الثورة الكوبية ، أو خصوصية نفس ترفض قبول التغييرات وتتشبث بالتقاليد أو ببساطة حياة متوارية إلى الداخل بالكامل  مع من لا يجد  فيها إلا جنته الحقيقية. رغبة البقاء في "الداخل" قادتها إلى اتخاد قرارات غيرعادية مثل السماح لزوجها بالسفر وحده إلى الولايات المتحدة وعندما نجحت الثورة سُئلت يوما ما عن  خشىية العيش منعزلة، فأجابت: "تذكر ،إني ابنة جنرال لا تعرف الخوف". لذلك فإن عمل دولسي ماريا لا يخرج عن حياتها الغنية بتجارب في المجال الفكري والوجداني.

"الحديقة":

       رواية غنائية  كما أسمتها دولسي ماريا  لويناس و بفضلها حصلت مؤلفتها على نصيب وافر من الشهرة لأنها إلى جانب اللغة الغنائية التي تعرضها، لديها رمزية ضمنية واضحة في العلاقة بين المرأة والطبيعة وخصوصا في المواجهة الدائمة، ذات الطابع الوجودي  بين الحياة والموت والشعور بالوحدة. لكن في المقابل  هناك من يعتبر الرواية حكاية عجيبة وفي حالات أخرى  كعمل ذو طابع نسوي يتجاوز الحدود ويظهر موقفًا متقدمًا من جانب لويناس في ذلك الوقت.

وقد أدى إلى هذا النوع من التفسير وجود خصائص معينة مثل إقحام مظاهر خاصة من قصص الأطفال في شخصيات التنين والأمير المسحور وبصفة عامة وجود تلك الفتاة التي تعيش في البداية مغامراتها في عالم سحري يهيمن عليه منزل وحديقة وبحر بعيد، وإذا اعتبرنا وجود هذه العناصر أمرا لا غنى عنه وإذا أردنا أن نفهم تاريخ رواية "الحديقة" علينا أن نستهل من بداية طفولة البطل  إلى أن يصل إلى النضج،  وأن نبرز بعض الأحداث التي تتطور بطريقة دورية زمنيا. 

من ناحية أخرى، فإن حضور الهوس من الموت ليس فقط كتجربة وجودية، بل كعنصر أساسي في مغامرات بطل القصص العجيبة حيث تتمركز نواة الرواية.

لرواية "الحديقة" بنية تقليدية  مع حضور ضمير الغائب الذي يميز السرد بأكمله ومع ذلك تضمنت بعض المكونات المتطورة مثل التناص الحاضر في الإشارة إلى قصة "الجميلة النائمة" وغيرها من الصفات التي تضعها بين الرومانسية و الوجودية ثم السريالية.

الصور:

تجري أحداث الرواية في منزل قديم بداخله حديقة شاسعة حيث تتطور تقريبًا جميع أحداث حياة باربرا  والتي بقيت غارقة في عزلتها "المتوارثة" وهي جاهزة لاستعادة مأساتها من خلال الذكريات و محاطة  بصور أقاربها المفقودين ، تتعايش معها وتتأمل فيها كأنها ظلال تصاحبها  وليست كائنات حقيقية. توجد هناك صور أخيها الميت و أعمامها و أجدادها وخصوصا أمها التي تسيطر على هواجسها:

"من بين جميع الأشباح التي كانت تسكن تلك الطفولة المزيفة، لا توجد تفاهة أكثر من تلك الأم غير الحقيقية، سراب أم، ظل مبهم، هروب أبيض ، شخص هارب من أحد كتبها القصصية "(1).

هذا الصراع مع الأم نتجت عنه صعوبة في عملية تحديد هويتها لأنه: 

"لكي تكتشف المرأة هويتها عليها استعادة الحب البدائي للأم: أول رابطة ما قبل أوديب التي أسست الطفل. في رواية "الحديقة" ، الشيء الوحيد الذي  تستطيعه الفتاة بعد اختفاء والدتها هو البحث عن هويتها من خلال التدقيق في صور طفولتها. لكن هذه التمثيلات لا تستوعب واقع التجربة الأنثوية لأنها تنتمي إلى النظام الرمزي الذكوري  وهو انطباع يؤكده هذا الوصف في صورة باربرا التي تظهر فيها مع اثنين من أعمامها: "تظهر شخصية الأطفال دائمًا بين شخصيتين طويلتين ورماديتين ، مثل شارع صغير  دون شمس تفصل جدارين خرسانيين". تظهر هذه الصور، بصرف النظر عن كونها صورا ثابتة أو مجتمعاً من العادات الصارمة لا يتصل بالطبيعة ". (2)

يوجد فقط كائن حي و غير دقيق أيضا يتظاهر بمرافقتها:  الخادمة (لورا) التي  هي أيضا شخصية عدوانية إلى حد ما. في هذه القصة الخرافية أو الخيالية التي تختلط فيها الأحداث الحقيقية مع الأحلام لتصبح "الحياة أحيانا غير واعية مثل حلم. ربما يكون حلما طويلا أو  الحلم الذي سنحلم به الليلة لنعيشه في الحياة المستقبلية."(3)

باربرا هي أيضا فتاة مريضة  وما يزيد من طابعها الانفرادي والغامض كونها كائنا معرضا لخطر الموت بشكل دائم إذ يشكل الموت بالنسبة إليها كما هو الحال في جل الرواية عاملا أساسيا وهيكليا. فبالإضافة إلى كونه عنصرا  له جذور رومانسية وهو  أساسي بلا شك في رؤية دولسي ماريا للعالم في ذلك الوقت مع بداية العشرينيات ، فحينما بدأت كتابة  العمل  لم يحدد النقاد بعد الحركة الرومانسية  في تلك الفترة، أي في منتصف القرن التاسع عشر. وفي السياق ذاته، تمت  الإشارة إلى الكتب التي قرأتها باربرا في مراهقتها ، حيث ذكرت "ماريا" الرواية الرومانسية بامتياز والتي تموت بطلتها في شكل من أشكال الحب:  

بالإضافة إلى ذلك تكتشف أيضًا في "الحديقة" ملامح السيرة الذاتية لمؤلفتها خاصة على مستوى سيكولوجيتها العميقة والتي ربما هي معزولة عن محيطها كما هو شأن المعتقدات والعادات التي تحيط بها ورفضها للمفهوم التقليدي والبورجوازي للعالم. 

تعيش باربارا في هذا المنزل لأنها  بطريقة ما  غير قادرة على العيش في الخارج. تستحضر ذكريات الموتى إذ يسري الموت في كل شيء: في الكتب ، في الصور الشخصية و في الذكريات ،صور تتم مشاهدتها بإمعان وتمتع كأنها تريد إرجاعها إلى الحاضر. ولكن تظهر أيضاً في الحديقة شخصية رئيسة للعمل ومكوِّنا لفضاءً مؤنسن حيث توجد باربارا بالمرصاد مع أزهارها وكرماتها العملاقة،  بحشراتها، و رطوبتها في مكان يتحدث و يبصر ويتحول كل يوم... تلك الأرض التي أتت منها وستعود إليها باربرا لتندمج معها في تفاعل دائم. هي والحديقة  كينونة واحدة، إلى درجة أنهما شكلا نوعا من تعايش النباتات حيث يتقاسمان الشمس والمطر و الكائنات الطبيعية  عموما.  

وبعيدًا عن وجود مفهوم حيوي في رواية "الحديقة"، فإن "غزو المملكة النباتية" يفترض فناء نهائيا للحياة حيث الظرف الطارئ الذي يوجد فيه الإنسان قبل الخيار الوشيك للموت. هكذا تنشأ الحياة على أنها سخافة. ويتعلق الأمر بحديقة مضطهدة تعيد التأكيد على الفناء المستمر الذي يتجنبه الوجود.

"أنت لا تشعر بالحديقة التي تقوض أسس العالم، الحديقة التي تحفر الأرضية التي تسير عليها و التي ترفع سجاد القصور تدريجيا و لوحات الصلب في مصانع الحضارة؟ (4).

الإنسان مصيره الوشيك  هو الموت ، والحديقة هي رمز ذلك.

إنها حديقة الموت التي تبحث عنك وتجدك دائمًا... إنها الحديقة التي دون علمك تسقيها بدمائك. تتحول الأرض إلى القبر الذي نمتلكه جميعًا منذ بداية الوجود دون علمنا، لأنه يستغرق وقتًا لتحقيق ذلك. "نحن أسرى الأرض فهي تجعلنا نخرج لنستنشق القليل من الهواء و نتشمس... لكنها تلتقطنا مرة أخرى ، تنقذنا قريباً كما لو كنا نستطيع الهروب. لهذا السبب "نحن ننتمي إلى الأرض، فهي الأم الفظيعة، الأم المشبعة بالحيوية، والتي من المستحيل أن تشبع من التهام أطفالها.

علاقة باربرا مع الأرض دائمة  كما هو حال الارتباط المستمر للإنسان بالموت. "من الحديقة إلى المنزل ومن المنزل إلى الحديقة".  تبرز من هذا النضال ضد الموت والمرض جدلية تغلّف الرواية. بعد التأمل في صور الموتى لساعات، يتأخر الوقت، و يبدو التدهور واضحا لأنه من خلال الصورة تحكى قصص لم تنشر بعد.  الإحساس بالوقت يعكر المزاج بحيث "يمضي الزمن كالسنوات لا كالساعات". المغامرات في الحديقة تبدو مرهقة دائما ومن الضروري محاربة عناصر الطبيعة مثل الطين والأرض التي تنمو بعد هطول الأمطار وتتحول إلى غابة شرسة لا يمكن اختراقها. باربرا تشعر وكأنها منفصلة عن جسمها وتسقط على الأرض. "... وجسدها هناك. عرفت أنها ملقاة على الأرض  مثل شيء على وجه الأرض... كانت تخاف من فقدانها لتبقى وحيدة مع جسم بارد ملطخ بالتراب." (5)  كما هو حال  الجميلة (ريميديوس) ، أو جنية الخرافة ، "التي كانت ترتفع ببطء  مثل بخار الماء ، مثل انبثاق المياه الراكدة".  اقتباس هذا العنصر السحري سماه كاربنتيير بالعجائبية  بينما استعمل غارسيا ماركيز الواقعية السحرية. 

الرسائل :

تماما مثلما تنادي الصور الشخصية الموتى كذلك تفعل الرسائل. قرأت باربرا رسائل الحب التي كان من المفترض أنها تنتمي إلى إحدى  أسلافها، كانت تحمل الاسم نفسه، لكن يقف خلف باربرا وسلفها عشيق، كائن حي، أحب وترك حياته فيهما كشهادة خالدة.  و هاهو الآن يصل إلى أيدي باربرا الأخرى  ليتحاور معها و ليجعلها تعيش الأحداث  الموصوفة هناك. ترافقها هذه الرسائل المتعبة في عزلتها وتجري معها نوعًا من الحوار الذي يجعلها تغادر لحظة الصمت لتتجاوز أيضًا الوقت الحقيقي وتندمج في آخر مثالي وخيالي: 

باربرا صاحبة العيون المائية  وذات عيون كمياه البركة العميقة... باربرا الهادئة والمهابة مثل سفينة يونانية في بحر لاتيني... باربرا: يكفي ذكر اسمك لتشعرك بسكر نبيذ  اليونان  أو النبيذ البلوري المستخرج  من كروم  (إلوسيس) Eleusis المقدسة...(6).

لكن من الآن فصاعدا يبدو أن الخيال بدأ يتجاوز الواقع.  يبدو أن باربرا  التي كانت في وقت سابق تتلقى  تلك الرسائل أصبحت تتماهى مع الشابة وهي  على وشك بلوغ سن العشرين. "باربرا ، من هي باربرا؟ كانت دائما تعتقد أنها هي باربرا... ولكن على الرغم من أنها على وعي بأنها أخرى إلا أنها تؤكد: "لقد ماتت ، ماتت ،هي لم تعد هي ..." إنها إذن، اللحظة التي يتشابك فيها الواقع بالخيال. فتبدأ باربارا في عيش حياة سلفها الميت وإعادة بناء تاريخها.

في هذا الفصل  تتجلى بقوة علاقة باربارا مع الحب. ولكن ، ما إن تظهر تلك الرسائل بصوت الضمير الغائب  الذي ينتمي إلى الراوية بلا شك ، حتى تخلق مواجهة لإزالة الغموض عن الغرام العاطفي الذي يحيط بباربرا.

...أحببتك أن تكوني أمة لي ، مربوطةً بي ، في حاجة إلي مع هذه الحاجة ، مع هذا الجوع ، مع هذا البؤس الذي أحتاجه منك. بائسة وفقيرة أريدك مجردة من كل جدارتك وهيبتك لكي لا يكون لديك أي شيء. أنت تعرف وتتوقع أشياء أكثر مني... أنا لن أشاركك حتى مع ملائكة السماء... الحياة والموت إذا كان عليك إعطائهما فليكونا لي لا أن يكونا لأحد سواي، لأن لا أحد لديه الحق في حبك أو كراهيتك ولا حتى أنا... لكني أنا فقط من يستطيع الحصول عليه... لا تبحثي عن أي شيء في الخارج لأنني سأقدم لك كل شيء: ما هو جيد وما دون ذلك في داخلي. ومنهم يوجد الكثير... " (7) 

هناك حاجة واضحة في هذه التصريحات لإخضاع المرأة إلى الرجل. " بائسة وفقيرة أريدك مجردة من كل جدارتك وهيبتك..." كما لو أن المرأة مجرد تابع للرجل لأن عليها أن تنكر هيبتها وإنجازاتها الاجتماعية و نجاحاتها. يجب عليها التضحية بكل شيء من أجل الرجل حتى تفقد هويتها.

رسائل المرض تذكر أيضًا ببطولة باربرا الغامضة أمام الرجل الذي يدعي المودة في خضم العجز. يتعلق بها كتشبثه بكائن سماوي  و يتحدث باستمرار عن الحاجة إلى بقائها قربه والحصول على تعاطفها. يحضر هنا مرة أخرى هذا الصوت النقدي:

"لكنه لم يتحدث عن حقوق أو واجبات بل عن حاجته إليها وعندما يتحدث عنها فإنه يفعل ذلك بنبرة تحدٍ وتهديد تقريبًا... ولكي يكون التهديد أفضل يلبسه كلمات متواضعة وبما أنها لا تستطيع فعل شيء خوفا من الشخص الضعيف، من ذاك الذي سيموت،لذلك تقترب مفزوعة.. (8) 

هذا الغناء المرتجل هو مرة أخرى صوت متجاوز للحدود والذي يتمرد على خضوع المرأة. وهو صوت دولسي ماريا نفسها.

الحكاية العجيبة، قراءة أخرى لرواية "الحديقة" :

في العديد من الشهادات حول عملها وإشعاعها في الأدب الأسباني الأمريكي اللاحق ، تصر لويناس في مراسلتها على كونها من كانت وراء إخراج الواقعية السحرية إلى الوجود رغما عن مؤلف رواية "مائة عام من العزلة":

 "4 يونيو 1983: صديقي العزيز ألدو ، من المثير للاهتمام للغاية ما يكتب حول الواقعية السحرية لـغابرييل غارسيا ماركيز. إذا كنت تفترض أنه قرأ "الحديقة" (الرواية) التي كانت لها تداعيات كبيرة في إسبانيا وقت نشرها عام 1951 ، فلا شك أنها كانت مصدر إلهام له. على أية حال، سواء كان قرأها أم لم يفعل فقد كنت أول من جمع بين هذين العنصرين اللذين أكسباه جائزة نوبل. لكني اعتدت النسيان  وإذا كان هذا الأمر من قبل مواطني بلدي  لم يعد يؤثر علي فلا يمكنه أن يؤثر علي من قبل أحد الأجانب (9).  

وهكذا  تتطور أحداث "الحديقة" في منطقة حيث الأسطورة والخيال لهما أهمية قصوى كما الحال في القصص العجيبة  حيث تتتابع التنانين والأمراء والمخلوقات العاجزة والمغامرات  غير المحسوبة على طول السرد من أجل خلق قصة تتمركز حول بطل للرواية: البطل الذي ينتصر في الحياة رغم الظروف المعاكسة التي تحيط به. من هذا المحور المركزي تأتي القصص الأكثر تنوعا التي يجب أن تجتمع فيها سعادة الشخصيات وانتصاراتها، على عكس الخرافة التي غالباً ما تكون نهايتها غير سعيدة  فإن القصة العجيبة تأتي بنهاية سعيدة. 

ولكن كما هو الحال في أي قصة عجيبة، يبحث بطل الرواية عن هويته الخاصة لأن يكون منفصلا عن شخصية عائلية قوية (الأب أو الأم) التي تدعمه. هكذا تبحث "باربارا"  عن هويتها من خلال صور أقاربها وخاصةً صور جدتها الأولى التي تتماهى معها. من المفترض أنها تنتمي إلى زمن غابر وأن عزلتها وشخصيتها تنتميان إلى زمن ماض تقريبًا وغير واقعي. أفضل من درس معنى هذه القصص الخيالية هو (برونو بتيلهايم) في كتابه "التحليل النفسي للحكايات العجيبة" حين قدم تصورا مفاده بأنها دائما تقدم رسالة تفاؤل  مع العلم رغم الظروف فإن مصير بطل الرواية  محتوم بتحقيق أمنياته. يروي بتيلهايم كيف استخدمت قصة في الطب الصيني لتمثيل مشكلة ، وخلال عرض الأحداث ، يمكن للمريض أن يفهم "طبيعة الصراع ويجد الحل الخاص به".  كما يلاحظ هنا مفهوم التطهير اليوناني والذي بموجبه حين يرى المرء الأوضاع المأساوية المتجسدة في المسرح سيتطهر عن ذنوبه وآلامه. وحسب المحلل النفسي فإن الخرافات والحكايات العجيبة تؤخذ من الحياة الحقيقية. "إنها تتوافق مع أحلام وخيال الكبار وتحقيق الرغبات  والفوز على المنافسين  وتدمير الأعداء ..." (10) لهذا فإن الحكاية العجيبة يجب أن تسعى دائما لتخفيف الآلام. 

كما يعتبر أن المراهق يعيش نوعا من السبات ويحتاج إلى النوم بسبب حدوث تغيرات هائلة داخله. بعد ذلك تحدث فترة من نشاط أكبر من النضال والمغامرات فيتحقق اللقاء مع الذات. هذا يحدث أيضا في حالة باربرا ليس فقط من خلال الصور  ولكن أيضا من خلال تلك الرسائل المنسوبة إلى جدتها التي تتذكر فيها الحب القديم الذي بواسطته تعرف نفسها. بنفس طريقة اللقاء في ذلك المكان السري لمنزلها الموجود بالقرب من الحديقة حيث تحفظ أشياء تعود لأزمنة غابرة الواحدة تلو الأخرى مما يسمح لها بالتعرف أكثر على تاريخها. وانطلاقا من كلمة "حرية" التي تظهر مكتوبة على جدرانه تمكنت من فهم أفضل لمصيرها أيضا.  رحيل باربرا من منزلها  وهروبها من هذا الخمول الذي يأخذها من المنزل إلى الحديقة والعكس يدل على نضجها واكتشاف هويتها الخاصة. وعند خروجها بحثاً عن حبيبها في نهاية الرواية وعدم انتظار وصوله إليها تكون قد قطعت مع البنية البطريركية للمرأة السلبية والخاضعة (11). 

توجد الكثير من عناصر قصة "الجميلة النائمة" في "الحديقة" ، ربما تستند لويناس على رؤية متدرجة ومُتحوّلة إلى حد ما من أجل خلق تناص في عملها. هكذا تتماهى باربارا بطريقة معينة مع البطلة التي يجب أن تمر بسلسلة من الانكسارات التي تعكر مزاجها منذ الطفولة  وبهذا فهي دائما شخصية انفرادية منفصلة عن العالم  وعن العائلة  وعن والديها وأشقائها. إضافة إلى كونها معرضة دائما لاحتمال الموت في تلك الحديقة المفترسة. ومن ناحية أخرى  فهي كائن يبحث دوما عن هويته  وعن عملية تطوره التي ستقوده إلى نهاية مصيره. 

نعلم جميعنا الكثير أو القليل عن قصة "الجميلة النائمة": 

يتعلق اللأمر بملوك لديهم ابنة دعوا جميع الجنيات بمناسبة ازديادها باستثناء واحدة التي حضرت في النهاية. مرت الجنيات الجيدة بمهد الطفلة وجميعهن قدمن لها أجمل الأماني. في تلك اللحظة حضرت الجنية العجوز وأخبرتها أنها عندما تصبح في سن الخامسة عشر، فإن مغزل عجلة الغزل سيقوم بوخز إصبعها وسيغشى عليها لمدة مائة عام.

كبرت الفتاة و تحققت جميع الأماني التي تمنتها لها الجنيات الطيبة وقد نما في الأبوين الخوف من اللعنة القديمة لذا منعوا جميع المغازل في المملكة. ولكن عندما بلغت الخامسة عشرة صعدت الفتاة إلى برج القصر واكتشفت غرفة صغيرة فدخلت إليها. كانت مظلمة ومليئة بأنسجة العنكبوت، في عمقها اكتشفت امرأة عجوز تنسج   وبدافع الفضول أخذت الفتاة المغزل في يديها فاخترق إصبعها. سقطت على الفور في نوم عميق عند أقدام المرأة العجوز. 

ونتيجة لما سبق سقط جميع سكان القصر بما فيهم حتى الحيوانات والنباتات مغشيا عليهم في ذلك الحلم الذي قضى على حياتهم وأدخلهم في نوع من الموت. إلا أن ولي العهد الذي كان قد سمع بالشابة الجميلة قرر الذهاب للبحث عنها رغم كل التحذيرات من خطورة تلك المغامرة. استغرقت الرحلة أربعين يومًا وليلة وفي النهاية تمكن الشاب من الوصول إلى حائط الشوك الذي يحيط بالقلعة المسحورة.

عندما وصل الأمير إلى الغرفة التي كانت تنام فيها الشابة مستسلمة أعجب بجمالها فانحنى إليها و قبلها. فاستيقظت الأميرة فورا ومعها جميع سكان وحيوانات ونباتات القصر. في ذلك اليوم تم الاحتفال بالأعراس، وحكم الأمراء بكل سعادة مائة سنة أخرى. 

تملك دولسي ماريا لويناس رؤية مزدوجة حول القصص العجيبة وخاصة  قصة "الجميلة النائمة" La Bella Durmiente التي تستحضرها هنا. فمن ناحية ، تجادل بأن هذه القصص عفا عليها الزمن و لن يأخذها أحد في الحسبان  وأنها ستكون مقتصرة إلى الأبد على الأطفال. وهذا يعني  أنها تزيل الغموض عن القصة   كما يفعل (بيرو)  Perrault نفسه  بقوله  على سبيل المثال  أن فستان الجميلة النائمة كان قد "عفا عليه الزمن" ولكن  من ناحية أخرى  يعي أنه "على الرغم من كل شيء" ستستمر هذه القصص في عقلية الأطفال  مما يمنحها طابع الخلود الذي يعتبره (بيتلهايم) ضروريًا في هذه القصص. 

حقيقة أن أباء الأميرة قد أزالوا من القصر كل أداة حادة أو مغزل يمكن أن يجرح ابنتهما وحمايتها المبالغ فيها يمثل  حسب المحلل النفسي الرغبة في أن لا تخرج ابنتهما عن السلطة الأبوية  و ألا تنضج.

على الرغم من الاختلافات الهائلة في التفاصيل فإن الحجة الأساسية لكل اختلافات "الجميلة النائمة" هي أنه حتى إذا حاول الآباء منع الإزهار الجنسي لابنتهم  فإن ذلك سيحدث بلا هوادة. بالإضافة إلى ذلك  فإن الجهود المضنية للوالدين لن تنجح في تفادي بلوغ النضج في اللحظة المحددة. يرمز هذا التأخر في النضج إلى مائة عام من النوم العميق لـلجميلة النائمة والذي يفصل بين استيقاظها الجنسي واتحادها مع عشيقها. هناك جانب آخر هام وثيق الصلة هو أن الاضطرار إلى الانتظار لفترة طويلة للوصول إلى الرضا الجنسي الكامل لا يقلل إطلاقا من جاذبيته (12). 

 لكن بتيلهايم يذهب إلى أبعد من ذلك عندما أشار إلى أن عمر الأميرة حين وخزها المغزل ، أي خمسة عشر عاما ، يمثل العمر نفسه الذي حاضت فيه الفتاة لأول مرة  وتشير هذه اللعنة بالضبط إلى هذا الحدث. وفقا لبتيلهايم فإن الترجمة الانجليزية لكلمة " curse" تعني في الوقت نفسه الحيض واللعنة. بشكل عام  فإن قصة "الجميلة النائمة" مليئة برموز فرويد. على سبيل المثال ، يرمز تسلق الفتاة سلالم البرج على شكل حلزون، حيث العجوز تنسج،  إلى التجارب الجنسية  والرمز نفسه بالنسبة لدوران المفتاح لدخول الغرفة. كما توجد حلقات ترمز لفرويد في جوانب أخرى من الرواية:

ومع ذلك  فإن التنين في "الحديقة"  وكذلك المغزل في "الجميلة النائمة"  يرمزان  لولوج العضو الذكري. في طفولتها كانت باربرا  تعاني من الهلوسة عندما تصاب بالحمى وتتخيل أن أحد تنانين الإفريز قد هاجمها مسببا لها جرحا في صدرها.

في الحلقة نفسها  يتحول ترمومتر الطبيب إلى إبرة تهديد: "الوجوه الحزينة تنحني أكثر فأكثر ... ترتجف إبرة الكريستال في أصابعها وتسقط على الأرض  فتنكسر مثل قطرات النجوم ..." يشير تحطم الأداة العلمية إلى الرغبة في تحرير النفس من السيطرة الذكورية التي تظهر أيضًا عندما تحطم الفتاة دمية الخزف الخاصة بها  وترميها خارج نافذة غرفة نومها "(13). 

والحقيقة هي أنه بعد النزيف الناتج عن وخز إصبعها  تغط الأميرة في نوم عميق وتستيقظ منه لاحقاً بقبلة الأمير الذي تبدأ معه الحياة الجنسية والنضج. بعبارات عامة " يمكننا فقط الاستيقاظ من خطر إضاعة حياتنا في النوم إذا كنا قادرين على الحفاظ على علاقات إيجابية مع الآخرين... (14). 

يمكننا التقاط خيوط الرواية في الفصل المعنون  "لقاء" Encuentro   الذي يختم العمل  حيث يستعيد الرجل  الذي كانت تتحدث معه  في رسائلها  كامل عافيته ويأتي لمقابلة باربارا لأخذها معه وإخراجها من منزلها وحديقتها. لقد غامرت مع ذلك البحار وخرجت على يديه إلى العالم في قارب يعبر البحر ليأخذهما إلى أماكن غير مسبوقة. 

هكذا دخلت باربرا إلى العالم  مشدودة إلى ذراع الرجل المفتولة  ومتشبثة به. تقدمت ببطء شديد بقدميها اللتين تعرفان فقط مسارات الحديقة عبر متاهة متعرجة من شوارع ومفترقات طرق ومعابد ومنازل وأماكن مليئة بالناس الأحياء، متحركة بسهولة وصخب. (15)

وأخيراً تزوجت باربرا ولديها أطفال. تعرف العالم بكل مظاهره  وتبدأ العمل في الشركات. تصبح مواطنة في العالم وتعرف القرن العشرين بكل تقدمه وتطوره. ولكن كل هذا يتم من خلال هذا الزوج الذي في نهاية المطاف يشكلها حسب رغبته ويخرجها من عالم الخيال ويغير وجهها وأزياءها وإشاراتها:

"اهتم الزوج شخصيا بدرجة اللون الأحمر من أحمر الشفاه وزينها بالبدلات التي صممها صانعو الأزياء الراقية  الموجهة للفنانين المشهورين. لقد جعل أساورها الخيالية تبدو أكثر عصرية وأغلى من نظيرتها المشروعة  في الموسيقى الخفيفة للكازينوهات الليلية. لم تحصل فقط  على الكثير من الرضا عن النفس  بل استخدمت مهاراتها الرائعة في السباحة على شواطئ الاصطياف و الاستمتاع بلعب الأوراق الفرنسية" (16) 

إن دخول العالم الحديث ينطوي على سلوك جديد و موقف جديد تجاه الحياة يصحح طبعاً العادات القديمة.

هي  من ناحيتها  كانت تفكر قليلا. لم يكن لديها وقت ... كانت في عجلة من أمرها في الأكل والشرب والنوم والاستيقاظ و الضحك و الحب. كانا يذهبان مسرعين إلى الرقص والمكاتب العمومية. (17)

بعد ذلك ، استحضرت باربارا بشكل مبهج الأيام البطيئة للزمن البعيد  وتذكرت أنها قضت أيامها كاملة في تجديل سلة الحلفاء لاختيار أول حبات مشمش الخريف... كم هي زكية رائحة ذلك المشمش الخريفي... (18).

لكن لم يرضها أي شيء إطلاقا وفي نهاية الأمر لم تعثر على  أي شيء يمكنها التماهي معه. فقد افترقت مع الرجل الذي سعت إليه بنفسها والذي كان يوجهها بطريقة أبوية. لم تعد تود الاستمرار في عيش تلك "القصة العجيبة". بهذا المعنى  يصبح موقفها متجاوزا للحدود. تقرر بعد ذلك العودة عبر البحر إلى حديقتها و منزلها اللذان ينتظرانها. ولكن عند رؤيتهما من بعيد أدركت أن تلك الحديقة قد نمت مثل دوامة حقيقية أو "غابة بدائية". يذكر هذا المقطع بطريقة ما بعودة عالم الموسيقى إلى الغابة بعد أن بقي لفترة من الوقت في المدينة كما جاء في "الخطوات المفقودة"  los pasos perdidos لكاربونتير.Carpentier  عندما تجد هذه الشخصية أن سبل الوصول إلى حبيبته (روزاريو)  أغلقت لأن الغابة نمت بشكل هائل.  تجد باربرا أيضًا الطريق مسدودا إلى الحديقة بسبب كثافة النباتات الضارة التي تغزو كل شيء. على الرغم من أن المدينة المحيطة بها قد تغيرت وأحرزت تقدما في الوقت نفسه كانتصار فاق انتصارات الحضارة. لكن باربرا وصلت إلى منزلها وبحركة تجمع بين الاحتضار والمودة ، "ألصقت وجهها الشاحب إلى القضبان الحديدية." 

ومع ذلك ، نعتقد أنه رواية "الحديقة"   تسعى إلى إعادة إحياء جوانب حياة المرأة مثل تبعيتها وتحررها من السلطة الأبوية  بالاستناد إلى قصة "الجميلة النائمة"  فقد واصلت دولسي ماريا  بوضوح و بطريقة معينة تقاليد رواية أمريكا اللاتينية واستكشافها للطبيعة على غرار روايات مثل "السيدة باربرا" Doña Bárbara و "الدوامة "  La Vorágine. و قد حاولت المؤلفة من خلالها معالجة البيئة الغابوية الكبيرة في عالم صغير يكمن في مساحة منزل  وسط فضاء داخلي. وهي ملاحظة لم تؤخذ في الاعتبار لأن حجم الغابة دائمًا كان يعني فضاء جغرافيا محددا يقع في منطقة صريحة من الخريطة. و قد وجد بديل مع دولسي ماريا  إذ لم تعد تُروى لا السهول الشرقية ولا غابات الأمازون أو نهر (أورينوكو). بل أصبحت الحديقة تمتلك خصائص تلك الغابة الفظيعة نفسها التي تهدد وتروع الإنسان.  فقط أن غابة-حديقة  لويناس ليست مجرد مكان مادي وجغرافي بل هي رمز للموت والفناء. الغابة والحديقة تحولا إلى الموت نفسه. تنبهنا الكاتبة بأننا لسنا فقط جزءًا من الطبيعة  بل عائدون إليها بعد موتنا. علاوة على ذلك  فإن الطبيعة تتربص بنا كل ساعة  وتريدنا أن نعود إلى حضنها الذي سننبت منه يومًا ما،  حيث سيحدث انتصار الغابة القديم على وجه العالم وهو انتصار الغابة البدائية التي تسترد أرضها بالكامل وستكون خصبة نتيجة عرق ودم وبكاء الرجال الذين بنوا عليها  ومن أجلها تحاربوا وأحبوا ومروا ... (19)

في وقت لاحق تخبرنا: "ها هي الحديقة المظلمة. إنها مياه متراكمة في عينيك. أرض في تفكيرك. شوكة في قلبك. مما تهرب إذا؟  إذا كنت تفر من نفسك وإذا كانت الحديقة هي أنت؟" (20)

ستكون كذلك شكوى ضد العالم الحضري الذي أراد القضاء على الطبيعة وبنى وعاش فيها وعلى ظهرها؟ إنها رسالة متشائمة حول مصير الإنسان. بهذا المعنى  تواصل لويناس تقاليد الأجداد في رؤية أمريكا  التي وضعت منذ (روسو) ، مثل الطبيعة الحية والخصبة في حالة شاعرية. بالمقابل نجد المدينة والحضارة تتناقضان ولكن في الوقت نفسه تعملان على تخليق هذا الكون المتناقض والضروري بالقدر نفسه. وهكذا تشكلت جدلية دائمة لمقارنة مماثلة لتلك التي طرحها (فاوستينو ساراميينطو) Faustino Sarmiento بين الحضارة والبربرية. 

على أية حال ، فإن الحديقة ، أي الطبيعة ، ستكون ضرورية لشرح وجهة نظر باربرا.

في "الدوامة"   La Vorágine شخصية (صوريا أيرام) Soraya Ayram ، التي طردت مثل آدم وحواء من الجنة نجدها تتوق دائمًا للعودة إلى ذلك الموقع المفقود... ولأن باربرا لا تشارك المثل أو الأذواق مع سكان العالم فقد اختارت العودة إلى حديقتها  وهي حرة في القيام بذلك لكونها غريبة عن هذا العالم " أطروحة 58 (20) 

في نهاية الرواية تقول الكاتبة في إحدى رسائلها:

بطبيعة الحال ، عادت باربرا لتكون كما شوهدت  مسجونة بين القضبان الحديدية. لكن  هل كانت حرة يوما ما في الواقع ؟  نعم. بالطبع إن الأمر يتعلق بشكل رهيب لمعنى الأبدية. هل يتذكر ألدو ، تلك الرسالة التي أخبرته فيها أنني تلقيتها من شخص مجهول يتوسلني  كي أشرح له ما إذا ماتت باربرا أخيرا في الرواية كي يطمئن ؟

أجبته أني لا أعرف.  وقد أجبته بإخلاص . على الرغم من أنه يبدو لي الآن أن باربارا محكوم عليها بالعيش إلى الأبد.  ربما لأن فيها تندمج جميع نساء العالم  الأحياء منهن والأموات واللائي  لم تولد بعد. ليس عبثا أن تكون خطيئتها هي الخطيئة الأولى: الفضول. "(21)


                               












هوامش

1-  Loynaz, Dulce María.   Jardín (Novela lírica).  España –Seix Barral, Biblioteca básica S.A, 1993. P 29

2-  Smith, Verity .Eva sin paraíso: una lectura feminista de Jardín de Dulce María Loynaz. Página web 270

3- Jardín   P. 26

4- Ibidem   P. 64

5- Ibidem   P

6-  Ibidem P.129

7- Ibidem P.150

8- Ibidem   P.164

9-Loynaz Dulce María .Cartas que no se extraviaron .Cuba, Ediciones Loynaz, 1997.P 162

10-Bettelhem, Bruno .Psicoanálisis de los cuentos de hadas .España, colección Booket, 2014 .P 200

11-Mondragón, Blanca Aurora.”La bella durmiente del bosque” Una historia revisitada. Intertextualidad en Jardín de Dulce María Loynaz .RI UAE Mex.

12-  Bettelheim     P 310

13-Verity Smith  P 270

14- Bettelheim     P 315

15 - Jardín           P 270   

16-  Ibidem          P 271

17-  Ibidem          P 272

18-  Ibidem          P 273

19   Ibidem  P 65

20    Ibidem

21    Loynaz, Cartas que no se extraviaron,   P 157

                                                      بيبليوغرافيا

1-Loynaz, Dulce María.   Jardín (Novela lírica).  España –Seix Barral, Biblioteca básica S.A, 

2-Loynaz Dulce María .Cartas que no se extraviaron .Cuba, Ediciones Loynaz.

3- Bettelhem, Bruno .Psicoanálisis de los cuentos de hadas .España, colección Booket  

4-Smith, Verity .Eva sin paraíso: una lectura feminista de Jardín de Dulce María Loynaz. Página web 

 5- Mondragón, Blanca Aurora.”La bella durmiente del bosque” Una historia revisitada. Intertextualidad en Jardín de Dulce María Loynaz .RI UAE Mex.

6- Campuzano, Luisa (1995), "Últimos textos de una dama: crónicas y memorias    de Dulce María Loynaz", Casa de las Américas, Cuba, núm. 201, octubre-dici 7-Perrault, Charles (1985), Cuentos de Perrault, México, Porrúa 




أحمد الزاهر لكحل


التعليقات




5000