.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رؤيه في الدوله والنظام السياسي الأسلامي- الجزء الثالث

أياد الزهيري

 رؤيه في الدوله والنظام السياسي الأسلامي 

الأمام علي (ع) نموذجاً - 

كشف  الأنسان عن كثير من الرؤى والأفكار والفلسفات السياسيه عبر مسيرة حياته , منذ أن بدأ في بناء نظام الدوله , وليومنا هذا, وقد شكل في خياله نماذج متنوعه تعبر عن حلمه بأقامتها على أرض الواقع, وهي رؤى يحلم بها الأنسان أن تجسد واقع عادل , ونظام يسوده الأستقرار والأنسجام , ويوفر للناس أسباب العيش الكريم , وكل العوامل التي تدفع بالمجتمع الى الأمام . هناك الكثير من الفلاسفه من قدم نماذج نظريه لفلسفتهم في بناء النظام السياسي , ومنهم الفيلسوف الأغريقي أفلاطون , الذي صب تصورات فلسفته السياسيه في كتابه الجمهوريه , كما نحى نحوه في عالمنا العربي أبن طفيل في كتابه (حي بن يقظان ), كما كتب الفيلسوف الأيطالي كامبانيلا كتابه (مدينة الشمس) , أيضاً ساهم الفيلسوف المسلم أبو نصر الفارابي في هذا المجال عبر كتابه (المدينه الفاضله) , وكانت كل هذه المؤلفات تعبر عن أحلام , ونظرات , وتأملات هؤلاء الفلاسفه والكتاب عن حياة يحكمها نظام سياسي يهندس للعلاقات بين الحاكم والمحكوم وبين رعاياه أنفسهم . طبعاً منذ صدور كتاب الجمهوريه لأفلاطون عام 380 قبل الميلاد , وليومنا هذا لم يرى كل من هذه النماذج النور في الواقع , وبقيت عباره عن ضرب من ضروب اليوتوبيا , وأن النموذج الذي هيمن على الحياة السياسيه هو النموذج الدكتاتوري , الا في القرون الأخيره أنبثقت نماذج ذات نمط ديمقراطي في العالم الغربي , ولكن بقيت الأكثريه من الدول لازالت تحكم بنظم ألغارشيه أستبداديه . 

الأسلام جاء بدين يكون النظام السياسي فيه  أحد أبعاده , وقد أرتأينا أن نأخذ من تجربة الأمام علي (ع) كنمزذج لهذا النظام , وأردنا أن نبين الجانب العملي في الأسلام بعد أن بينا في الحلقات السابقه الجانب النظري فيه , كما أن هذه التجربه تبين الجانب العملي للرساله المحمديه , وأن نظهر المباديء والأفكار التي يرتكز عليها النظام الأسلامي , ومدى قابليته على التطبيق في أرض الواقع , وقد أخترنا رجل كما يصفه النبي محمد (ص) بالقرآن الناطق , وهو بالحقيقه خير من يمثل الأسلام في مبادئه , وأفضل من أستوعبه في أحكامه ومبادئه , وهذه الصفات هي من جعلته الأنسب في أختيار تجربته بالحكم , وهو خير مثال للتطبيق .

عندما أصبح الأمام علي (ع) أمام مسؤولياته بعمليه معروفه , جاء على أثر طلب الجماهير الغاضبه والثائره على مجموعة المترفين , والطبقه الأرستقراطيه المستأثره بالحكم , والتي كان رمزها عثمان بن عفان , فكان طلب الأمام حينها واضحاً  مقابل القبول بتولي المسؤوليه , الا وهو القبول بالأنتخاب الجماهيري له , لكي تكون له شرعيه من صاحب السياده الحقيقيه , وهو الشعب , فقال قولته المشهوره ( أنما الشورى للمهاجرين والأنصار, فأن أجتمعوا على رجل وسموه اماماً ,كان ذلك لله رضى) . هذا المبدأ الذي دعى اليه الأمام هو مبدأ عُمل به في القرون الأخيره في أوربا , والأمام قد سبقهم في ذلك كثيراً , كما سجل الأمام أمتعاضه وأعتراضه على الأسلوب الفوضوي التي رافقت أزاحة عثمان بن عفان بالطريقه العنيفه والفوضويه , حيث له قول مشهور في عثمان ومن قتله (أستأثر فأساء الأثره, وجزعتم فأسئتم الجزع, ولله حكم واقع في المستأثر والجازع). فالأمام كان معترضاً على الأستخدام السيء للنفوذ من قبل عثمان , وغاضباً على الطريقه الدمويه بالتغير . فالأمام ما كان طامعاً ولا راغباً بالسلطه , أنطلاقاً من فلسفته أتجاهها بأعتبارها وسيله وليس هدف. كما كان شرطه أن يكون قبوله بالمهمه بالعلن وعلى مرأى ومسمع الجماهير وقبولها فقال ( أن بيعتي لا تكون خفياً الا عن رضا الناس). هذا المنط السياسي الذي جاء به الأمام لم يكن مألوفاً في ذلك الحين ولم تعهده الناس من قبل , ولكن الأسلام جاء ليؤسس حياة ونظام جديد للناس , وكان يريد أن يحدث طفره نوعيه في حياة البشريه, ولكن قد يتسائل البعض عن سر حصر عملية الأنتخاب في حينه بالأنصار والمهاجرين , طبعاً السبب قد وضحه الأمام الا وهو أن وسائل الأتصال لم تكن متقدمه , ولم تكن هناك تقنيات تسهل حصول عملية الأقتراع في وقت واحد , فقال ( لأن كانت الأمامه لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس , فما الى ذلك من سبيل , ولكن أهلها يحكمون على من غاب , ثم ليس للشاهد أن يرجع , ولا للغائب أن يختار) , كما أرجح أن الأمام ركز في عملية الأختيار على أكثر الناس وعياً وألتزاماً , خاصتاً والأسلام حديث عهد , ولم يضرب جذوره في نفوس الناس , وهناك من المزاج القبائلي ما لو أتيح له لأختار شخصيات ذات ميول جاهليه مما يساهم في رجوع عقرب الساعه للوراء , مما يؤدي الى حصول أنتكاسه لا تحمد عواقبها , وهذا ما أشار اليه عالم الأجتماع الفرنسي (غوستاف لوبون) حيث يقول أن الأنتخابات في المجتمعات الجاهله تعني أن يحكمك الجاهلون , وهذا ما جعل الأمام أن يتحاشى هذا الأمر , وأعتمد على الطبقه الواعيه والأكثر تجذراً في فهم الأسلام . وهذا أجراء أحتياطي مهم يمنع حدوث أي عملية ألتفاف أو أنحراف في عملية التحول الجديد. المهم بالعمليه أن الأمام ثبت أرادة الجماهير وأنهم  هم من يمثلون السياده الحقيقيه . عندما تمت البيعه للأمام وأُنتخب كقائد للدوله , رفض البعض بيعة الأمام , ولكن الأمام لم يجبرهم على بيعته وأعطاهم كامل الحريه في أختياراتهم , في حين  من سبقوه الى هذا الموقع , كانوا يجبرون من يمتنع عن البيعه , كما أختلف عمن جاءوا من بعده , حيث حولوها الى ملك عضوض , حتى أصبحت الدوله ذات طراز ملكي ,بل أتخذت هذه الأخيره من النموذج الذي يعتمد نظرية الحق الألهي في الحكم, وللأسف يحسبها البعض كنموذج أسلامي , يحسبوها على تاريخه , في حين هي أبعد ما تكون عن الأسلام في كل أبعاده وأنساقه. وكان ممن رفض بيعة الأمام هو عبد الله بن عمر, وسعد بن أبي وقاص, وأسامه بن زيد , ولم يذكر التاريخ أن الأمام قد تعرض لهم بشيء من الأذى أو المضايقه . هناك ملاحظه جديره بالأهتمام , الا وهي عندما تعرض الأمام الى عملية أغتيال من قِبل بن ملجم , وعندما شارف على الموت , سأله أصحابه , ما رأيه أذا مات , هل يبايعوا الحسن (ع) فقال لهم ( لا أمركم و لا أنهاكم , أنتم أبصر), وهذا العرف السياسي لا أحد له قِبلاً به , بل المجتمع يعيش في جو أجتماعي خانق , وضيق , ولا كلمه فيه الا لرئيس القبيله , والعرف والتقاليد الأجتماعيه هي من تحكم , وأن الآثار والقيم الجاهليه لا زالت جذورها ضاربه أطنابها في المجتمع , كما يمكن الأشاره الى أن الأمام أشترط شرطاً غايه في الأهميه الا وهو أن تولى الحكم , فأنه يحكم على كتاب الله وسنة رسوله ورأيه , وهو غير معني بما سار عليه الخلفاء الذين سبقوه في الحكم , أي أن الأمام لا يقبل أن يُفرض عليه رأي , كما لا يقبل بالقوالب الجاهزه , لأن الأوضاع متغيره , والظروف متحوله , والحياة متطوره , والسياسه فن الممكن , وكل وله أجتهاده في فهم النص, وهذه الرؤيه تعبر عن حيوية فكر الأمام , وما يملك من نظره مرنه للسياسه. فكما أن الأمام أعطى الحريه الكامله للجمهور في أختيار من ينتخب , وهو من قال (بايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين , بل طائعين مخيرين) , كذلك هو له الحق فيما يجتهد وما يتخذ من قرارات في دائرة أختصاصه. فهو لم يقبل بالقوالب الجاهزه التي تفرض عليه. فكانت فلسفة الأمام المستمده من قيم الأسلام أن الأنسان حر في أختياراته , وهو القائل( لا تكن عبد غيرك , وقد خلقك الله حراً) . فالأمام لا يقبل أن يستعبد الأنسان أنسان أخر , ولا يقبل بنفس الوقت أن تستعبده نزواته , وشهواته , فيكون عبداً لها , بل أراد له أن يكون حراً , وأن يكون العقل والأراده الخيره هي من تقرر أختياراته , وهو القائل (من ترك الشهوات كان حراً) , وهذا هو بالضبط عين ما أتجه له الكثير من فلاسفة أوربا العقليين ومنهم عمانوئيل كانط , حيث أكدوا على المقولات العقليه وعدم التأثر بالمشاعر النزويه .

عدالة القضاء: 

من المهم الأشاره الى أستقلالية القضاء في النظام الأسلامي , وحادثة خلافه على الدرع مع اليهودي ووقوفه على حد سواء معه أمام القاضي لدليل واضح على هذا المبدأ , كما بنفس الوقت لم يعطي الأمام الحريه المطلقه للمحاكم في معاملة الأخرين , بل تحت ضوابط وتعليمات  لا ينبغي للقاضي تجاوزها , هذا المبدأ تعززه حادثة أغتياله على يد بن ملجم , فعند اليأس من حياته أشاره أليه بني طالب فيما هم فاعلين بالمجرم , فكان موقف الأمام هو موقف القانون , فقال(  أضربوه ضربه بضربه , ولا تمثلوا بالرجل , فأني سمعت رسول الله يقول أياكم والمثله ولو بالكلب العقور) . وهناك قول له مع مالك الأشتر يحدد له المنهج في ذلك فيوصيه  ( اياك والدماء وسفكها بغير حلها, فانه ليس شيئاً أدعى لنقمه ولا أعظم لتبعه..) . كما أن الأمام لم يؤسس لحكم أكليروسي , كهنوتي يحتكر فيه الأيمان , وتفسير النص المقدس , وله في هذا كلام ( أنتم أعلم بالحلال والحرام , فأستغنوا بما علمتم) . كما أن النظام السياسي الذي أراد تأسيسه الأمام , هو نظام قائم على الوضوح في الرؤيا للحاكم والمحكوم , وأن الذي بينهم هو عقد قائم على رضا الطرفين , كما هناك ألتزام من الطرفين , وهنا يبين في كلمه له في واجبات الطرفين المتعاقدين , حيث يقول ( أيها الناس أن لي عليكم حق ولكم عليٍّ حق , فأما حقكم عليّ فالنصيحه لكم , وتوفير فيئكم , وتعليمكم كيلا تجهلوا , وتأديبكم كيما تعلموا, وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعه والنصيحه في المشهد والمغيب , والأجابه حين أدعوكم , والطاعه حين أمركم), فالأمام بين ما على الحاكم وما عليه من واجبات , وكذلك الأمر مع المواطن ما عليه وما له , في حين كان الحاكم في تلك الأزمان وما بعدها وماقبلها سائل غير مسؤول , وحاكم غير محكوم .

البعد الأخلاقي في السياسه: 

هناك عامل مهم , وأساسي  في النظام السياسي الذي بناه الأمام وفق الرؤيه الأسلاميه , الا وهو العامل الأخلاقي , وهو عامل لم تألفه السياسه لا في الماضي ولا بالحاضر , وهو عامل أستبعدته الأنظمه بكل أنواعها , ومستوياتها , قديماً وحديثاً , ولكن كان هذا العامل يمثل حجر الأساس في النظام الأسلامي الذي بناه وأشرف عليه الأمام (ع) , بعد نده أنذاك معاويه حيث كان شعاره ( الغايه تبرر الوسيله) . فالسياسه في الأسلام لم تكن سائبة المواقف , بل مؤطره بالقيم والأخلاق الأسلاميه , وقد صرح بهذا الفرق بين السياستين , بينه وبين معاويه , فقال ( والله ما معاويه بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر...) . فالحكم في نظر الأمام مسؤوليه وخدمه للأمه , ومن يخدم الأمه لا يكذب عليها , ولا يمارس عليها الخداع , لأن الأخلاص للأمه يتناقض مع خداعها أو أستغلالها تحت أي سبب , وأن نوايا من يتوسل بالسلطه لأجل السلطه , لا كمن يتوسل بها لغرض الأصلاح والخدمه , لذلك , كان للأمام كلام في ذلك , حيث يقول ( والله ما كانت لي في الخلافه رغبه, ولا في الولايه أربه, ولكنكم دعوتموني اليها , وحملتموني عليها) , وهذا واضح في سلوك من تكون السلطه غايته , تراه يستخدم كل الأساليب المشروعه وغير المشروعه في الوصول أليها , وقد شهدنا وسمعنا الكثير من المؤامرات والأنقلابات التي سالت بها دماء , وذهبت بها أرواح من أجل وصول شخص أو حزب للحكم , في حين لم يسعى أليها من يخلص النيه لخدمة شعبه وأمته , ومنهم الأمام (ع) . لقد قلنا أن الأسلام يعطي السياده في أختيار الحاكم للشعب كمبدأ , وحدد مسؤولية ومهمة الحاكم  الا وهي خدمة الأمه , وهذا المبدأ عمل به الأمام , ومسيرته تثبت ذلك , في حين مسيرة من أسس لتجربه مغايره , بل قبيحة السمعه , يحسبها البعض جزء من الموروث الأسلامي بالحكم , وهذا خطأ فضيع لا يغتفر , وهو بالحقيقه أنحراف وتشويه للأسلام , بل وأساءه له , وهنا نذكر ماقاله معاويه في تبيان هدفه من الحكم , حيث قال ( أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج , وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم , وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون) . هذا هو منطق المتكبرين, والمتجبرين , والمستبدين , وهو من أستخدم منطق التفويض الألهي كشرعيه لسلطته , وتبرير لجرائمه , وهو منطق فرعوني قديم . أن ألاهية مباديء النظام السياسي في الأسلام توضحه بما يحمل من مباديء عاليه والذي يتمثل بأولوية الأنسان , وأنه الغايه والوسيله , فهو الغايه لأن الله قال في محكم كتابه (ولقد كرمنا بني آدم), كما أن الأنسان هو وسيله لتعمير الأرض وأقامة الحضاره الأنسانيه عليها ( وأذ قال ربك للملائكه أني جاعل في الأرض خليفه..) . يتضح من ذلك النظره المتساويه للأنسان , أي أنسان , والدليل أن الله يقول بلسان حال النبي ص (أنما انا بشر مثلكم يوحى أليّ) , وأن الحاكم ليس أكثر من وظيفه , في حين في أوربا وفي وقت ليس ببعيد كثيراً يصرح البابا غريغوري ( لايمكن للبابا أن يكون موضع محاسبه من أي كان ) , في حين يقف علي (ع) مع اليهودي أمام القاضي على حد سواء. هذه هي حكومة العدل الألهي التي بناها علي ع بعد أن أسس لها نبي الأسلام محمد (ص) . كما أن علي بنى هذا الكيان السياسي , على نظام يعتمد القرآن دستوراً له , ويؤسس لتعليمات وأنظمه تسري قراراته على الجميع , لا تعطي للحاكم حصانه , ولا تجعله فوق القانون , بل هو يشاركهم كل شيء , وهو القائل ( أأقنع من نفسي أن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر, أو أكون لهم أسوه بجشوبة العيش...) . أن الأمام لم يؤسس للطبقيه والأمتيازات بين الحاكم والمحكوم ,بل  يدعو نفسه وولاته أن يعيشوا بمستوى الناس , وأن يتخذوا قرارات بما لا يحمل الناس أكثر من طاقتهم , وللأمام قول في هذا الصدد ( أيها الناس أني لم  أحثكم على طاعه الا وأسبقكم اليها , ولا أنهاكم عن معصيه الا وأتناهى قبلكم عنها) . فالأمام لم يحط نفسه بهاله تحجبه عن رعيته , ولا يجعل له موقعاً فوق الناس , فالحاكم الذي يعيش ظروف الناس تكون قراراته واقعيه , ولا تحمل الناس مالا تطيق , وهذا ما يذكرنا بقرارات الطغاة من أمثال صدام حسين الذي أدخل الشعب العراقي بحروب لا طاقه له بها , فلم يجلب له بها الا الموت والحصار , والفقر والتشرد في البلدان , وارجع العراق الى عصر ما قبل التاريخ نتيجه لقراراته التي تكشف حاله من الأنعزال عن شعبه وعدم معرفته بأحواله وقدراته , مما أوقعه في تهلكه.

البعد الرقابي: 

من الأمور التي تُحسب للأمام هو أهتمامه بالجانب الرقابي , وهذا يكشف لنا نَفس الدوله في تفكير الأمام علي (ع) , وهو جانب جدير بالأهتمام , وله من الأهميه يوازي أهمية القرارات والتشريعات التي تقررها الدوله لخدمة الناس , لأن التشريعات التي تصدر من دون تتابع في تنفيذها , ومراقبة سيرها , يجعلها حبراً على ورق , كما ينخفض مستوى روح العمل في مؤسسات الدوله , مما يؤدي الى أنخفاض أنتاجيتها وأداءها في تقديم الخدمه العامه للمواطنين. من هذا المنطلق شدد الأمام في تعليماته وأوامره الى ولاته بضرورة أداء مهمة المراقبه والتشديد عليها ,فهو يحث الولاة على متابعة من يعهدوا أليهم المهام , فيقول ( ( ثم تفقد أعمالهم, وأبعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم) , وهذا ما نلاحظه في كلامه لمالك الأشتر عند توليه أمارة مصر ( وأما بعد , فلا تطولن أحتجابك عن رعيتك , فأن أحتجاب الولاة عن الرعيه شعبه من الضيق , وقله علم بالأمور, والأحتجاب منهم يقطع عنهم ما علم ما أحتجبوا دونه .... وأنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس من الأمور...). الأمام هنا يدعو الى أقامة حكومه شعبيه أذا صح التعبير لكي تعيش هموم الناس ومعاناتهم , وطموحهم وآمالهم , كما أن معايشة الحاكم لجمهوره يجعله يعيش الواقع مما ينعكس أيجاباً على طبيعة قراراته , لتكون أكثر توافقاً من ظروفهم , وأكثر أستجابه لحاجاتهم . كما أن هذا النوع من الحكم هو الأقرب الى قلوب الناس , ويشعرهم بأنه لهم ومنهم , وهو من الوحيد القادر على بناء الوحده بين الحاكم والمحكوم , وتقوية الجبهه الداخليه أزاء أي عدوان , أو تهديد خارجي تتعرض له الدوله. هذه الرقابه التي حرص عليها الأمام تسمى اليوم بالرقابه الحكوميه ولها مؤسساتها الكبيره من أمثال ديوان الرقابه الماليه فيما يخص مراقبة حركة أموال الدوله , والرقابه البلديه فيما يخص الخدمات البلديه , والرقابه القضائيه , والكثير من المؤسسات التي تعمل بالجانب الرقابي . طبعاً لم تكن الرقابه في النظام الأسلامي فقط من جانب الحكومه أتجاه مؤسساتها , ولكن هناك رقابه شعبيه من الناس أتجاه مؤسسات الدوله , وهذا مانجده بالحديث النبوي ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) , وفي قول الأمام علي (ع) ( لا تكفوا عن مقاله بحق أو مشوره بعدل, فأني بنفسي لست فوق أن أخطأ, ولا آمن ذلك من نفسي ما هو أملك به مني). فالأمام يسعى ليكون الحاكم على درايه تامه فيما يحدث في دولته , وأن تتحسس مؤسسات الدوله ظروف الناس الأقتصاديه والأجتماعيه , وكل ما يهم المواطن , حتى لا تترك الأمور على عواهنها , ويُرمى الحبل على غاربه , وتسيب الدوله , وبالتالي يضيع المجتمع . فعدم معرفة الحاكم بشؤون شعبه أكبر خطيئه يقترفها الحاكم بحق شعبه , وأخطر تقصير يمكن أن يقترفه الحاكم بحق دولته , لأن وجود الأزمات بالبلد , وعدم معرفة الحاكم بها وأهمالها , ستكون البوابه التي يدخل من خلالها أعداء الدوله للأطاحه بها , وستكون عرضه للتدخلات , وساحه للصراعات , وهذا ما حدث في زمن الدوله العباسيه في زمن خلفائها المتأخرين الذين أستغرقوا في ملذاتهم , وتركوا الأمه وشؤونها تترنح تحت ضربات الواقع الفاسد, مما ترك الباب مفتوح لتدخل الطامعين من قادة الجيش والسياسين من الترك والأيرانيين وأستولوا على مقدرات الدوله العباسيه والذي قاد الى سقوطها بفعل المؤامرات والصراعات بين المتصارعين على النفوذ , ويحدث الأمر نفسه الآن في بلدنا العراق , حيث أدى غياب الرقابه الى فساد أداري ومالي كبير في الدوله مما أدى الى ضعف أدائها , ونهب ثرواتها من قبل الفاسدين والسراق العاملين في أجهزة الدوله. فالسلطه في نظر الأمام كما يقول الدكتور قاسم شُعيب في كتابه ( العقل السياسي الأسلامي) ذلك الجهاز المنظم للجماعه والموفر لحاجياتها والمرسخ لقيم العداله والمساواة بين أفرادها) .

رعاية الأقليات :

كان نعيش في الدوله التي حكمها الأمام علي أقليات تدين بالديانه المسيحيه وأخرى باليهوديه , ومن الملاحظ أن هؤلاء لم يعيشوا على هامش المجتمع , بل كانوا يعيشون حياتهم بكل حريه , لهم حقوقهم كما عليهم واجباتهم , يعني مواطنين كاملي المواطنه , وللدلاله على هذه الرعايه لهم من قِبل الأمام , ننقل حادثه وقعت في زمن حكمه , وذلك بينما هو يسير يتفقد مهامه وأذا يرى رجل عجوز رث الحال , ويبدو  ليس هناك ما يعيله , فسأل الأمام عنه , فقال أحد المرافقين للأمام أنه رجل مسيحي , فقال له الأمام ( أستعملتموه شاباً , ورميتموه كهلاً , فأمر أن يُكفل من بيت المال . هذا موقف الأمام من الأنسان , وله موقف من العقيده الأخرى , حيث مر وهو في طريقه الى صفين شاهد خربه , ترمى فيها القاذورات , وتكون مكان للتغوط من قِبل الماره , فسأل عن المكان , فقالوا له هذه كنيسه قديمه ياأمير المؤمنين , وهو مكان كان يعصى فيه الله , فقال لهم الأمام وطالما عُبد فيها الله . يتبين من خلال ذلك الموقف الحقيقي في الدوله الأسلاميه من الأنسان كأي أنسان مهما كانت ديانته , ومن الأديان الأخرى الغير أسلاميه , وهو موقف الأحترام والتبجيل , وهذا ماسجلته الدوله الأسلاميه في عهده , في وقت لم يكن معهوداً في سياسات الدول من تحترم ديانات مخالفه لدياناتها الرسميه . هنا يتضح أن التعدد الديني حاله معترف بها , ولا ضير منها , ويتمتع أبناءها بكامل حقوقهم , وهذا ليس بالأمر الغريب لدوله تنطبع بطابع أنسانوي يتساوى فيها الجميع بالقيمه الأنسانيه, وقائدها الأول محمد (ص) يقول  (الناس سواسيه كأسنان المشط).

الكفاءه والمهنيه:

أن الوله ليست حقل تجارب في الأداره , بل حقل في غاية الأهميه والخطوره , وأي خلل ينعكس على الأمه بكاملها , وفيه من الحساسيه الأمر الخطير , مما يجعل للعاملين في هذا الحقل على مستوى عالي من الكفائه والنزاهه . أن موقف الأمام علي ع من أبعاد المجموعه المروانيه التي بوءها عثمان بالحكم , كانت على هذا الأساس , وأعتماداً على هذه النظره التي تتطلب الكفاءه والمهنيه , لا المحسوبيه والمنسوبيه , والتي هي علة الكثير من الحكومات , لذلك رفض الأمام أن تكون القرابه والصحابه معياراً لتبوء المناصب في الدوله , وله قول مشهور في ذلك ( واعجباه أتكون الخلافه بالقرابه والصحابه) . فالأمام لا يريد أن تكون مصلحة الأمه بيد من لا خبره لهم بها , وعهد لهم فيها , لذلك قال ( وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وأمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته, ولا الجاهل فيظلمهم بجهله, ولا الجافي فيقطعهم بجفائه.... ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع, ولا المعطل للسنه فيهلك الأمه). يتضح أن الأمام يولي أمر الكفاءه أهميه كبيره , ويجعلها بعيداً عن الميول والأتجاهات والعواطف والأنتماءات , بل يؤكد على الجداره والنزاهه , وممن خضعوا للتجربه وأثبتوا جداره في أعمالهم , وللأمام قول في ذلك ( ثم أنظر في أمور عمالك فأستعملهم أختباراً, ولا تولهم محاباة زأثره, فأنها جماع من شعب الجور والخيانه , وتوخ منهم أهل التجربه والحياء من أهل البيوتات الصالحه والقدم بالأسلام المتقدمه, فأنهم أكرم أخلاقاً, وأصح أعراضاً , وأقل في المطامع اشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً) . من كل ذلك , فهل هناك من حجه بأن الأسلام والسياسه خطان لا يلتقيان , وأن السياسه لم تمثل بعداً من أبعاد الدين العديده , بل أثبت ما تقدم العكس , وأنما هي مهمه من مهمات الدين , وأنا أعجب كيف لدين يمثل مشروع حياة , وليس له بصمه في أهم نسق من أنساق الحياة , وهي السياسه , ولكن معرفتنا بالأسباب والدوافع التي أرادت أبعاد الدين عن السياسه , وهي أسباب منها ما هو بفعل من توالى أمر الدين المسيحي وهم طبقة الكهنوت الذين أستخدمه لمصالحهم , وحرفوه لصالح نزواتهم , وما سخروه لصالح الأمراء والحكام الذين عملوا لجانبهم , وكرسوا جهودهم لتعزيز مواقعهم , وتبرير أعمالهم الوحشيه أتجاه شعوبهم, وهناك من أنكر هذا الدور لأسباب أيدلوجيه تتخذ من الدين موقفاً عدائياً مقدماً , ومنهم ممن يريد أن يحول السلطه الى مغنم له , يمارس من خلالها ما يحلو له من سلطات , وما يرغب به من أقتناء الثروات , وأن لا يحاسبه أحد فيما تقترفه يده من جرائم بحق شعبه , في حين أن الأسلام لا يتيح للحاكم ولا لغيره العبث بمقدرات الناس (فقفوهم أنهم مسؤولون) , وهذا ما لا يروق لكل المستبدين . 



أياد الزهيري


التعليقات




5000