هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


عن الشعر العربي الفصيح الذي قيل في مدح الانكليز

مهدي شاكر العبيدي

الشعر العربي الفصيح الذي ينسجه الشعراء في القطر العربي الشقيق السودان، يحتفظ قبلاً وبعداً، بسمات وخصائص فنية معينة قد لا تحيط بها الصفة، لكن قد يختص بها الذوق، ولا يبين عنها ، خاصة حين لا يجد صاحبه الألفاظ المناسبة التي تستوعب المعاني المحددة لأحكامه ونظراته النقدية، وحال الشعر هذا هي حال الموسيقى السودانية التي تستطيع تمييزها جيداً من بين ضروب الموسيقى لدى شعوب أخرى لو احتكم إليك في نسبة قطع موسيقية متعددة إلى مبتدعيها الحقيقيين من أبناء الجماعات والأمم، وهي تؤدي معزوفة بآلات النغم، فترهف منك السمع والحس، ويقتضيك المحتكمون أن تفيد بما هو مطلوب من التمييز والترجيح .

نجزم بهذا الرأي بقطع النظر عن الأغراض التي توفر عليها الشعر السوداني وألم بدقائقها، وأربى أعلامه في صياغة ضرب منه على أندادهم شعراء بقية الأقطار العربية، ونعني به الشعر الصوفي المنصرف إلى الفناء في الذات الإلهية والتصريح بكل ما ينزع له رجال التصوّف ويعتقدون به من أحوال وأوراد، في هذا العصر الذي يغري بقطف الثمار اليانعة التي انتجتها حضارته الصناعية المتقدمة، في غير غفلة عما نجم عنها من مساوئ وسلبيات ،لا تجد النفس معها رغبة في زهد وميلاً إلى معاكسة الناس، في ما انتهجوا من عادة ودأبوا عليه من تصرف وراء إشباع حاجاتهم وتطمين رغباتهم. 

هذا ما عنّ لي تسجيله من ملاحظات بعد قراءتي لكتاب الدكتور عبده بدوي، عن الشعر في السودان، المطبوع في الكويت ضمن سلسلة عالم المعرفة (ع41) وقد سبقته إلى الظهور في هذا السياق كتب أخرى منها محاضرات الدكتور محمد إبراهيم الشوش على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة (ط1 1968م) ومنها أيضا كتاب (الشعر والشعراء في السودان) للأستاذ احمد أبو سعد.

كتاب عبده بدوي يرجح على مؤلفات سواه من الباحثين ، في سلامة منهجه، إذ جاء مترسماً المتغيرات التاريخية التي اجتازتها البلاد السودانية، وليست غير الحوادث السياسية ورديفتها الأفكار والميول التي تملأ عقول الناس وينطلقون منها في سلوكهم اليومي، كأن يلحفوا على المسؤولين بضرورة تحسين حالهم وزيادة رفاهيتهم. 

وكذا حدد د. عبده بدوي لكل عهد مرّ به السودان، بحسب تقسيماته، شعراءه المتأثرين بالأحداث المتتابعة، لكنهم يلتقون عند سمة فنية معينة تزين أشعارهم المتوزعة في أغراض واتجاهات شتى، من اجتماع وسياسة ووجدان ووصف، ونعني بها البساطة والوضوح وتحاشي التكلف والاقتراب من أفهام عامة الناس دون أن نلحظ ضعفاً أو ركة، إن لم توح ديباجة بعضهم أن وراء هذه الخشونة البادية في رصف الكلمات ونضدها في النسيج الشعري، ما يدل على أنها نتاج طبع طال عليه الكبت والانحباس، وأحوجه أن ينفلت إلى الدنيا المائجة بما فيها من مفاتن وجمالات فيراض على شيء من رقة وتطربة ودماثة.

لكن الذي هالني وحزّ في نفسي من بعض هذا الشعر الذي قد تضطر الضرورات غير شاعر،في مختلف حقب التاريخ، وفي أي رجأ من هذا المعمور، إلى الجهر بما لا تكمن وراءه عاطفة، أو يلهم به حس، سوى التطلع لجني المغنم الشخصي ومداراة المطالب الوقتية. ولا يوجد ثمة قياس لما تمنى به النفس من خور أو ضعف، تعد بموجبه هذه الأعراض جائزة مغفورة، إلا التورط في امتداح الغاصب الأجنبي والغاشم الذي يدوس باقدامه حرمات البلاد وأقداسها. 

ودونك هذا الشعر الساقط الرذل الذي يخص به شعراء من السودان، في عقود هذا القرن، يسمون بـ ( علي الشامي) و (عبد المجيد وصفي) و ( حمزة الملك طنبل) و ( عبد الله محمد عمر البنا) وغيرهم من الأدوات والأجراء، يخصون الجنرال اللنبي فاتح القدس ومشيع الفساد والاحتلال في أنحاء وادي النيل بالمدائح المتملقة ، ويشكرون لـه سعيه المزعوم في نهضة البلاد وإصلاح شؤونها وانتشالها من وهدة التدهور والتخلف، بقدر ما يعجبون بالنظامات التي درجت عليها بريطانيا في إعداد النابهين من أبنائها لفرض سيادتها على البلاد والعباد،  ويهون الأمر لو كان ذلك مقتصراً على ما أستنه الانجليز في ديارهم نفسها من توفير الفرص أمام الفرد لتنمو مواهبه وتزدهر وتزكو في منفعة نفسه وقومه، وإلا ما حدا أحداً أن يقول:

فاتح القدس قد تغمدك اللـ

ـه بروحٍ من المهيمن قدسي


لك عزم من القضاء وذكر

مشرق في الزمان إشراق شمس


ذ

فاسعدونا فقد شقينا بجهلِ

مطبق كالدجى وفقرٍ وبؤسِ


أقيموا فنحن أحوج منكم 

ليدٍ تعمّر البلاد ورأسِ


وخذونا برأفةٍ وببأسٍ

يثمر الحكم بين لينٍ وباسِ




ولو كان عند هذا الناظم فضلة من عقل لساءل نفسه عن الدوافع التي جاءت بالجنود البريطانيين من ديارهم البعيدة إلى البلاد العربية ولعوّل على الجهود المخلصة المتوقعة من أبناء جلدته في تحقيق منهاجه المقترح في الأعمار والبناء. 

ويسوقنا هذا الحال إلى تلمس النظائر والأشباه، لمثل هذا التردي في الخلق والتوجه، ولنسجل ما قد يعد من صنفه اتهاماً باطلاً أو افتئاتاً وتجريحاً وانسياقاً بعامل التهويل والمبالغة والاختلاق، وتفسير الأشياء، بغير التفسير الصحيح.

من قبيل ذلك ما توهمه د. بدوي طبانة عن جنوح الرصافي لمصافاة الانجليز عبر مرثيته لعبد المحسن السعدون، حين ضمنها أبياته مخاطباً الانجليز الذين تسببوا – حسبما شاع أو انذاك – جراء سياستهم وتسويفهم في الانتهاء بهذا السياسي إلى الانتحار:

هذي البلاد اغرسوا فيها مودتكم 

ثم ا قطفوا من جناها ودّنا ثمراً



نكن لكم حلف صدقٍ في سياستكم

نمشي إلى الموت في أعقابكم زمرا



لسنا بقوم إذا ما عاهدوا نكثوا

ولو جرى الدم حتى أشبه النهرا


وقد جبّ المرحوم مصطفى علي عن الرصافي ما رامه  الدارس المصري به من تغير في موقفه المتشدد منهم، نحو مهادنتهم وقبول مكثهم بين ظهرانينا وتأميل الخير منهم، بحجة أن المرثية تلك لا تعدم تعديد سوءاتهم والتنديد بأطماعهم، وقد غفل طبانة عنها ووسع من حجم ما تتضمنه الأبيات الثلاثة ، فسلكها في قبيل الاستسلام والإذعان، فوجد هذا الصديق المخلص أن تعليق الرصافي المشي إلى الموت زمراً بمعاملة الانجليز بوصفنا أنداداً لهم على حد سواء، هو من الأشياء المقبولة التي لا تنتقص من قدر الشاعر. 

ومن هذا النحو في الارجاف والخطالة في الفهم ، مؤاخذة الباحثين فتحي رضوان وأنيس الخوري المقدسي وعمر الدسوقي، وأخيراً الشيخ محمد مهدي البصير بدرجة أقل." " ذلك لأنهم أطنبوا في استهجانهم قصيدة حافظ إبراهيم بمناسبة رحيل كرومر المعتمد البريطاني ومغادرته مصر عام 1907م، لكن حسبه أن لم تشب عقيدته بدخل أو فساد أو اضطراب، ولم ينكروا هم من جانبهم أيضا إمعان الشاعر في الزراية بالجرائم التي اقترفها المحتلون بحق أبناء الشعب المصري، هذا الإمعان الذي بان معه تناقض الشاعر مع نفسه، أو أنه أنكر عليها أن تزجي المجاملة البسيطة عبر أبيات قليلة: 

فتى الشعر هذا موطن الصدق والهدى

فلا تكذب التاريخ إن كنت منشدا


لقد حان توديع العميد وإنه


حقيق بتشييع المحبين والعدا



سنطري أياديك التي قد أفضتها

علينا فلسنا أمة تجحد اليدا


وكنت رحيم القلب تحمي ضعيفنا

وتدفع عنا حادث الدهر إن عدا


ولولا أسى في دنشواي ولوعة

وفاجعة أدمت قلوبا وأكبدا


ورميك شعباً بالتعصب غافلاً

وتصويرك الشرقيّ غرّا مجرّدا


لذبنا أسى يوم الوداع لأننا 


نرى فيك ذاك المصلح المتوددا


إلى غير ذلك من قارص اللفظ الذي صوّر ما لحق بالمصريين من غبن وإجحاف بحقوقهم، موحياً بذلك أن لا عبرة بما يعزى إلى كرومر من احترام حرية الصحافة وأن لا قيمة ولا صدى في ظل مثل هذه الحرية الموهومة لأي نقد أو احتجاج. 

على أن الشاعر الذي اتسمت حياته بالخلط والتحول من طبع لآخر ضده هو الشاعر ولي الدين يكن، فقد استهوته المظاهر الغربية التي أشاعها كرومر وحسبها نعمة من نعم الاحتلال الذي ينبغي دوامه، وكان يحسن أن يبدعها شعب مستقل بإرادته وجهده، كما قال عنه الراحل رئيف خوري بهذا الخصوص ، وعدّ ذلك منه تفاؤلا أحمق وسذاجة ما بعدها سذاجة. 

وتسألني ما همّك من ذلك وآذاك في حسك وفي شعورك، حتى تنيط به كل هذه الأهمية ولو كان من دلائلها أن يتوجه الشاعر الموهوب بمدائحه حيال الانجليز لا بوصفهم شعباً متحضراً بل كونهم أصحاب تسلط واستعمار فعلاً. 

الذي يشيع القرف في النفس من هذا الحال اعتقادنا بأن الشعر أسير من النثر على عذبات الألسنة ، وأبقى على الأفعال المشرفة والسقطات الشائنة معاً في الذاكرة وفي الوجدان ، فضلاً عن أن نظرة الناس منذ القدم إلى الشاعر تستند إلى اعترافهم بسمو موهبته ، بينما يضنون على الناثر بصفة المبدع، وكذا درجوا على التشدد في محاسبة الشاعر على تورطه في تبذل أو سقاط، في لفظ أو معنى، وقد يتعامون عما ينزلق إليه الناثر من الكلام المتهافت المسف ، من جهة مضمونه ومقصوده، ولا يتوانون في الثناء على صياغته من رشاقة لفظ أو أناقة أسلوب. 



مهدي شاكر العبيدي


التعليقات




5000