.
.
  
.......... 
هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رؤيه في الدوله والنظام السياسي في الأسلام

أياد الزهيري

الجدل حول النظام السياسي , ومفهوم وشكل الدوله ليس وليد اليوم , بل جدل طويل وشائك , تناوله الفلاسفه والحكام والأنبياء والمصلحون , كل ومدرسته ورؤياه في شكل ووظيفة الدوله ونظامها السياسي . منذ ولادة تشكيل الدوله ولحد يومنا هذا , لم يتوقف الجدل عنها , وما أختلفت الأنسانيه جمعاء ولا الشعوب فيما بينها وصولاً لأفراد الأسره الواحده مثل ما أختلفوا في أمر الأنظمه السياسيه التي يجب أن تحكمهم , وتفوز برضاهم , فقد عجزت الأنسانيه من أنتاج نظام سياسي يفوز برضى الجميع , وهذا يرجع بالجوهر الى طبيعة الأنسان نفسه ذو النفسيه المتحوله والعقليه المتطوره . أنها تكشف عن صراع الأنسان مع أخيه الأنسان في سعيه لتنظيم علاقته بالأخر من بني جنسه , وهو لا ينفك عن صراعه من أجل البقاع , ومن السعي لأمتلاك القوه والسطوه والنفوذ على الأخر , كما يكشف محاولات البعض في بناء نظام سياسي يعيش فيه الناس بأمان وسلام وتكافؤ , بدون هيمنة وأستغلال الأنسان لأخيه الأنسان الذي يشاركه بالأنسانيه وحق الجميع بالعيش على هذه الأرض.

نحن في العالم العربي عامه والعراقي خاصه غير بعيدين عن هذا الجدل المزمن , بل نحن في مركزه تماماً , وأكثر من أكتوى بناره , وتأثر به , وأكثر من أختلف عليه , وسالت بسببه دماء , وفقدت أرواح وأنقسمت أراء , وهو أس الصراع في منطقتنا طوال التاريخ , حتى أن ما أختلف عليه المسلمون والعرب والعراقيون سواء في مدارس فكريه أو مذهبيه أساسه سياسي بأمتياز. هذا الأمر هو ما جعلني أن أبحث في حيثيات هذا الموضوع وأدلو بدلوي فيه لعله يساهم في كشف العله ووضع أصبعنا على المشكله , ولعل المعرفه بالشيء يجنبنا الكثير من شروره , وتجاوز مصاعبه , وهي محاوله متواضعه لعلها تساهم بكشف الغموض عن مسأله طالما أتعبت الجميع بكل أنتماءاتهم وأصنافهم .

لا شك أن توالي الأنظمه التي حكمت بنظم سياسيه مختلفه أبتداءاً من الأنظمه الأقطاعيه البسيطه الى نظام الدوله ذات النزعه الدكتاتوريه , وما صاحبها من ردود أفعال تفتقت عنها أنظمه ذات نزعه قوميه وأشتراكيه ورأسماليه , وما تضمنته كل واحده منها من مدارس فكريه مختلفه , كما هناك رؤى قدمها علماء ومفكرين أسلاميين طرحوا وحسب أجتهادهم نظريات يعتقدون بأنها تمثل وجهة نظر الأسلام في الدوله والحكم , وهي نظريات تعبر عن أجتهادهم وما أجادت به عقولهم من أستنباط نظريات حكم تستند الى نصوص أسلاميه أساسيه , وكل هذا في أطار أجتهادي وليس بالضروره أن يعبر عن الوجه الحقيقي للأسلام في هذا المضمار ولأسباب سنذكرها أنفاً تتعلق بالمباديء العامه والقواعد العريضه التي قدمها الأسلام عبر نصوصه تماشياُ وطبيعة الأنسان المتحركه , وتجدد حاجاته وظروفه وتغير أحواله , مما ترك الأسلام مناطق فراغ في منهجه تتيح فرصه للعقل الأنساني من ملئها وسد فراغها بما يمليه عليه الزمان وتقتضيه منه الحاجه , وترفع منه الحرج في معالجة ما يستجد من الأمور والأشكالات. 

هناك وظيفتان للدوله والنظام الأسلامي الذي يمثلها , وظيفه خدميه , تتمثل بتقديم الخدمات العامه للناس , ورعاية شؤونهم , من مثل ضمان حقوق ملكيتهم , وسلامتهم العامه في منع التجاوز على خصوصيتهم وضمان حقوقهم العامه والخاصه , وتوفير متطلبات صحتهم ومتطلبات خدماتهم البلديه من ماء وكهرباء ومواصلات , وغيرها , كما تسهر على توفير وضمان تكافيء الفرص بينهم , بغض النظر عن الدين , واللون والأنتماء السياسي , والقومي والمناطقي, ووظيفه أرشاديه تتعلق بالحفاظ على سلامة المنظومه القيميه والخلقيه للمجتمع , والمساعده على توفير المناخ العام لترسيخ المثل العليل في نفوس الناس , والدفع في أتجاه الخير والفضيله في المجتمع , والعمل على منع كل الأسباب التي تؤدي الى التدهور الأخلاقي والأختراق الثقافي المسيء لحياة الناس . وهذين الوظيفتين تكون ألزاميه في الأولى وهي الخدمات , وغير ألزاميه في الثانيه في مجال الأرشاد عملاً بمبدأ ( فمن يشاء فليؤمن ومن يشاء فليكفر) كذلك آية (لست عليهم بمسيطر) هذين الآيتين توضح بشكل كبير أن لا سيطره للدوله والدين على خصوصية الأنسان بما يشمل فكره وأعتقاده , والأنسان هو حر في أختياراته , وأن لا يمارس عليه ضغط في حمله على تبني سلوك معين هو لا يرغبه , كما فعل عناصر داعش بحكومتهم المزعومه التي أنشؤوها عام٢٠١٤ م في العراق والشام وكما ما يفرضه المذهب الوهابي المدعوم من حكومة ال سعود في المملكه العربيه السعوديه , والذي يمثل الوجه الثاني للحكومه السعوديه ,التي يفرضون فيها النقاب على النساء وتقصير ثياب الرجال وأطالت اللحيه والذهاب الى المساجد قسراً , وغيرها الكثير من الأمور التي ما أتى الله بها من سلطان.

قد يشك البعض في أصل وجود الدوله والنظام السياسي في الأسلام , ولكن لودققنا في النصوص المقدسه له في القرأن كما في أيات ( وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) و(أن الله يأمر بالعدل والأحسان..) وفي الحديث النبوي (سبعه يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله منهم : أمام عادل...) و(العدل أساس الملك) وغيرها الكثير , كل ذلك يعطي رؤيه عن تأكيد وجوب الدوله والنظام السياسي الذي يحول ما تدعوه هذه الآيات والأحاديث الى برنامج عمل , وأن تأخذ تطبيقاتها في الحياة العامه , وهذا لا يمكن الا بوجود أدوات تنفذ ذلك الا وهي الدوله وأدواتها والتي منها النظام السياسي , كما أن التطبيق العملي لأنشاء الدوله في زمن الرسول وأن كانت في شكلها البسيط , وهذا يخضع للتطور التاريخي للمجتمعات وللنسق الأجتماعي في ذلك الوقت , ولكن هذه البساطه لا يلغي وجودها , وكما معروف أن فعل وتقرير الرسول (ص) هو سنه . أن الرسول كان داركاً لأهمية تشكيل الدوله وعارف بضرورتها وخطير مكانتها , لذى سارع الى تشكيلها لأنها هي الأساس للأنطلاق نحو تشكيل كيان الأمه وبناء نسيج أجتماعي منسجم على أسس حديثه وقابله للتطور , وأن تكون أطار منيع لحفظ المجتمع وما معهود منه من بناء حضاري له . فالدوله هو الوعاء الذي تتأمن فيه كل شروط نهضة المجتمع , وحمايته من ما يتربص له من أعداءه .

أن الدوله في الأسلام لا تشترط أن يكون رعاياها من لون ديني واحد , فحرية الأعتقاد مكفوله , والدليل هو أن الدوله التي أسسها محمد (ص) يوجد فيها من الرعايا من هم يهود ونصارى , وفي عاصمته نفسها (المدينه المنوره) كان فيه الكثير من اليهود (بني قريظه) و(بني القينقاع) , فمباديء الأسلام تدعو الى روح الأخوه بين بني البشر على أختلاف مشاربهم , وقول الأمام علي (ع) ( الأنسان أما أخ لك بالدين أو نظير لك بالخلقه) هو من أجمل ما ذُكر في أدبيات الأسلام , وهذا النص هو من النصوص التي أدرجتها منظمة الأمم المتحده في مواثيقها , فمجتمع الأخوه الأنسانيه هو ما يدعو ويأمل على نسجه الأسلام , فهو القائل ( الناس سواسيه كأسنان المشط) لدليل على حرصه الشديد على أقرار العداله في المجتمع الذي يشرف على رعايته وتنظيمه , لأن الأسلام حريص كل الحرص على تقوية الأنسجام المجتمعي حتى جاء في الحديث (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد اذا أشتكى منه عضو تداعى له سائل الجسد بالسهر والحمى) , وهذا هو أختلافه عن الأنظمه الأخرى وخاصه ذات النهج الليبرالي الذي ينحو نحو الفردانيه والذاتيه المفرطه بحجة الخصوصيه وأن وظيفة الدوله في فلسفتهم لا علاقه لها بالأخلاق , وأن وظيفتها فقط تقديم الخدمه , وأن الأخلاق في عرفهم تختص بالشخص نفسه وما تقرره نوازعه الذاتيه ورغباته وغرائزه , وهذا هو السبب فيما نراه من فوضى أخلاقيه , وما نشاهده حتى في مجتمعاتنا المحليه من حالة تكسّر لكل روابط المنظومه الأخلاقيه في مجتمعاتنا وما طرأ عليها من تدهور وأنحلال أخذ يعصف بوجودها ويهدد كيانها ويفرق وحدتها. فالأسلام يسعى لبناء المجتمع ذو النزعه التواصليه , وذلك لأهمية هذا اللون من العلاقه في بناء مجتمع عضوي , تتوفر فيه خاصية التكافل والتكامل في السلم والحرب والأزمات الأقتصاديه والكوارث الطبيعيه , وهي نزعه دعى اليها عالم الأجتماع الألماني هابرماس وهو أتجاه ديناميكي أجتماعي قائم على عنصر التواصل وقد أسمها بنظرية (الفعل التواصلي) بعد أن ظهر مردود السلوك الفرداني الذي قطع أوصال المجتمع وحوله الى جزر متباعده , والرسول (ص) قد أكد في كثير من نصوصه على الفعل التواصلي ك (خالط الناس ودينك لا تكلمنه) و كذلك ما أكدته الآيه (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان) . هذه هي فلسفة الأسلام في النظام الأسلامي الذي يمتزج فيه الجانب العبادي بالجانب السياسي في بناء المجتمع الذي يقوده , وهذا النموذج من العسير تطبيقه في غياب الوعي الجماهيري , لأن وجود النموذج التاريخي للدوله وتوفر الأساس النظري للمنهج السياسي وحده لا يكفي . فالمنهج التواصلي بالنظام الأسلام تتحول فيه المثل العليا الى واجب , وتتلبس بالهيبه والجلال عندما تلبس لباس الأيمان , وينشطها جانب الثواب , وهذا ما أكدته التجارب بأن القيم القائمه على الدين أكثر ثباتاً وأعمق رسوخاً في لا شعور الفرد والذي ينعكس على سلوكه تلقائياً وبدون أي تصنع . فهو مجتمع مؤاخاة كما آخى محمد (ص) بين الآوس والخزرج في المدينه المنوره عند بداية تشكيل الدوله فيها, أن هذا النوع من الأنظمه يتداخل فيها الجانب الشعوري والقانوني معاً , بينما في المجتمع الغربي يكون القانون هو من يحدد العلاقات البينيه بين الأفراد , في العمل , وفي حل المشاكل الحاصله جراء تشابك العلاقات بينهم .

هناك نقطه غاية بالأهميه , وأن دلت على شيء أنما تدل على النظره المرنه للأسلام أتجاه تشكيل الأنظمه السياسيه , فهو يركز على مباديء الحكم , وعلى منهج الحاكم الذي يجب أن يُبنى على العدل والأنصاف وتكافؤ الفرص ( أعدلو هو أقرب للتقوى وأتقوا الله أن الله خبير بما تعملون) .فشكل النظام مثلاً السلطاني والجمهوري والأميري أو الذي يقوده الخليفه , هذه أشكال يساهم في تشكيلها السياق التاريخي والطبيعه الأجتماعيه للمجتمع . فالمهم بالنظام الأسلامي هو أقامة العداله , وهو لا يتدخل في كيفية أجهزة عمل الدوله وبأي شكل , فهذا يعتمد على درجة التطور العلمي الذي يعيش فيه المجتمع , فمثلاً نظام الحكومه الألكترونيه ,وكل ما يخص النظم الأداريه , وآلية العمل , يقررها الزمن وهو كفيل بها ولايتدخل في فرض شكلها لأنها حاله متغيره مع الزمن . هنا يجب الأشاره الى خطأ شائع , أن البعض يعتبر شكل الحكم حاله مقدسه , وحاله تعبديه , وتدخل في صلب المبدأ الأسلامي , وهو عين ما حرصت عليه الحركات المتطرفه التي رفعت الأسلام شعار لها كحركة داعش السلفيه , حيث دعت الى أنشاء دولة الخلافه في الأراضي التي أحتلتها من العراق وسوريا , وهذا تعبير عن الحرفيه في الفهم , من دون أن يفهموا مقاصد الشريعه التي تحرص على المضمون أساساً. هذا هو الجمود والتحجر في الفهم للنص الأسلامي , وهو فهم جعل المسلمون يدفعوا الثمن غالياً نتيجه للتطبيقات الهوجاء والمنحرفه فيه التي قام بها فاقدي الأهليه بتبنيهم بترجمة الأسلام الى الواقع في بناء الدوله , بل بالعكس أصبحت تطبيقاتهم المشوه وبالاً على الدين نفسه . فصيغة الخلافه أختراع بشري لا علاقه له بأي نص مقدس , وأذا يتعلل البعض بقول النبي (ص) للأمام علي (ع) (أن هذا أخي ووصيي و خليفتي من بعدي ..) فهذه تعني أنك أنت من تستلم المهام من بعدي , ولا تشير الى ألزام تسمية المنصب , وبالتالي تسمية نظام الحكم , بل ترك تسمية نظام الحكم كعمليه أختياريه يقررها الناس , وهي تتعلق بالحاله الثقافيه والأجتماعيه التي يعيشها الناس.

أن المحتوى الفكري والعبادي والقيمي للأسلام لا يجعله يستغني عن الدوله والأستعانه بها لنشر مفاهيمه الأخلاقيه , وما يحمل منهج لبناء الأنسان وتأهيله ليكون خليفة الله بالأرض . فالدوله تربي , وتدعم , وتجمع الطاقات وتحمي الجهود , وتعززه . فالدوله في الأسلام وسيله وليس غايه , في حين حولها عبر التاريخ الملوك والسلاطين الذين حكموا بأسم الأسلام الى وسيله لنشر سلطانهم وترسيخ مصالحهم الشخصيه , كما فعلها معاويه في تأسيس دولته الأمويه , والتي حولها الى ملك عضوض يتوارثها أبناءه من بعده, وعلى نفس الطريقه شيد بني العباس دولتهم العباسيه التي بنوها على قاعدة يالثارات الحسين , ولكنهم أستخدموا الأسلام لكسب عواطف الناس , وخدعوهم بمظاهر الرايات السود التي حملوها , وأنهم أبناء عم الرسول (ص) وبعد أن شيدوا مملكتهم العباسه وبنوا حصونهم الملكيه , فأول ما بدأوا بقتل بني عمومتهم الذين جاءوا بأسمهم , وما سجنهم وقتلهم للأمام الكاظم (ع) الا شاهد واحد على جرائمهم وطريقة تعسفهم التي أستخدموا فيها كل أساليب البطش والتعذيب , فأستخدما السم والسيف ودفن الأحياء لكل معارض يعارض حكمهم أو يعترض على طريقة حكمهم . أعتقد أصبح الأمر واضح في مهمة الدوله الأسلاميه والذي جسده الرسول (ص) تاريخياً , والذي يتوزع بين مهمتين, مهمه تبليغيه , يبلغ بها رسالة السماء , وهذا ما عبرت عنه الأيه القرأنيه ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل أليك من ربك وأن لم تفعل فما بلغت رسالته) , وبين المهمه الثانيه وهي القياده والحكم , وهذا ما عبرت عنه الأيه ( وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم). 

من خلال الفهم المذكور أعلاه يتبين لنا أن السياسه هي من تخضع للدين وليس العكس , وأن كل من أخضع الدين للسياسه هو من طلاب السلطه , الذين صنعوا طبقة من رجال الدين تكون مهمتهم شرعنة الحكم لهؤلاء المستبدين , والذين شكلوا للدكتاتوريه جداراً من التشريعات ذات الصبغه المقدسه لتكون قلعة لحمايتهم , وليمارسوا حياة البذخ والليالي الحمراء في قصورهم الفارهه, وأن أول سياسي سن هذه السنه هو معاويه بن أبي سفيان (مكيافيلي العرب) , وقد أمتدت تجربتهم الى يومنا هذا متمثله بحكم ال سعود في المملكه العربيه السعوديه والتي أعتمدت شرعيتهم على فتاوي علماء الوهابيه , وأنهم يمثلون ولاة الأمر الذي لا ينبغي الخروج عليهم تحت منطق صنعته طبقة الكهنوت الوهابي وهو ( من خرج على أمام زمانه فهو كافر) وكما هي أطروحة الدكتور عبد الله الدميجي في رسالته العلميه المسمات ( الأمامه العظمى) يقول بها ( لاشك أن الضرر في الصبر على جور الحكام أقل منه الخروج عليهم) وقد لفقوا أحاديث على الرسول أحاديث ما جاء الله بها من سلطان مثل حديث (من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر , ولا ينزعن يداً من طاعه) , و حديث (تسمع وتطيع للأمير وأن ضرب ظهرك وأخذ مالك) , وهناك الكثير من الأحاديث التي فبركت على يد معاويه وبمساعدة أبي هريره , وعمر بن العاص , وسمره بن جندب, الذين برروا لمعاويه كل خروقاته وتعسفه وتمرده على الحكومه الشرعيه التي كان يحكم بها علي بن أبي طالب (ع). فمعاويه وكل الذين جاءوا من بعده , وعلى طريقته , جاءوا بطريقه مخالفه لتعاليم الأسلام في كيفية تنصيب الحاكم وأختيار النظام السياسي , والذي وضحه الأمام علي (ع) عندما جاءته الجماهير بعد مقتل عثمان بن عفان , فرفض وقال دعوني منها ولما أصروا قال ( أنما الشورى للمهاجرين والأنصار , فمن رضي به المهاجرون والأنصار كان لله رضا) و وكان حينها المهاجرون والأنصار من يمثلون الجمهور , أي أن الأمام أرادها عقداً أجتماعياً بين الحاكم والمحكوم , وهو نفس المفهوم الذي أعتمده النبي في البيعه الأولى والثانيه مع أهل المدينه . أذن فأن الآسلام قد وضح ضرورة الدوله وحدد طبيعة أنتخاب الحاكم , وهو يمتلك دستور , وهو القران الذي تستمد منه الأحكام العامه والقواعد الأساسيه للحكم , وهي عباره عن أطار عام تمثله خطوط عريضه من مباديء عامه يمكن أن تكون تحت عنوان ( قواعد الفقه السياسي) وهي قواعد عديده ليس هنا محل ذكرها , ويمكن الأطلاع عليها في كتب الفقه السياسي من أمثال كتاب (الفقه السياسي الأسلامي ) للدكتور خالد الفهداوي وكتاب (قواعد الفقه السياسي) للمؤلف روح الله شريعتي , وكتاب الدوله الأسلاميه لأية الله الخميني والكثير من الكتب التي تتكلم عن فلسفة الأسلام بالحكم , أي القواعد العامه , وهذا هو السر في مرونة الدين الأسلامي والخصيصه التي أعطته عنصر الديمومه عبر الزمن , كما أن في هذا الفقه توجد مناطق فراغ يملئها الحاكم أو المنظومه الحاكمه , والتي تقررها على ضوء المصلحه العامه , أعتماداً على ما يستنتجوه من فهمهم لمقاصد الأسلام في أستجلاب الخير ودفع المفاسد عن الناس , وهذا يتطلب فهماً عميقاً للأسلام , وأن يمتلك العاملون في السلطه التشريعيه والتنفيذيه أدوات متقدمه في فهم النصوص والعمل بمقتضاها , وعدم الخروج عن أطارها , وهنا تستدعي عملية أقامة النظام السياسي الأسلامي على وجود القياده المؤهله , والمستوعبه لمفاهيم ومقاصد الدين , والقادرين على ترجمة مفاهيمه وأحكامه والتي يتغير بعضها بتغير مواضيعها . وهذا شرط مهم وأساسي لكي لا يستغل الدين من قبل أناس قد يحولوه ويوظفوه لمصالحهم الخاصه , وهذا هو السبب في موقف قسم من علماء الشيعه بأن الحكم لا يمكن الا بوجود أمام معصوم , وهؤلاء هم ممن لا يعمل بنظرية ولاية الفقيه. 

قلنا في البدء أن هناك فلسفه سياسيه أسلاميه تتميز بعنصرالغائيه , وهي فلسفه تربط فيها الأنسان بين الأرض والسماء, وقد أودع الله في الأنسان أمكانيات التكامل , لكن يحتاج الى منهج يستنهض به هذه الأمكانيه , ويثير فيه طاقة الأراده في توجيه الأنسان الى مراحل عاليه في طريق التكامل , وهذا بعكس الفلسفه السياسيه الغربيه التي تهدف فقط الى أشباع رغبات الأنسان الجسديه والنفسيه بعيداً من كل الضوابط الأخلاقيه والدينيه , فقط تتوقف عندما تصطدم بحرية وراحة الآخرين . 

فمما يجدر الأشاره اليه يكون الفرد داخل أطار النظام السياسي الأسلامي مسؤول أمام الله والمجتمع في الصغيره والكبيره , في حين يكون النظام السياسي الغربي في المرحله الهوبزويه , نسبه الى الفيلسوف (هوبز) يعطي الحق للشخص الثالث , الذي هو الحكومه أن تكون الحاكمه المطلقه والغير خاضعه للعقد الأجتماعي ولا ملزمه يأي شيء. أذن فمهمة النظام السياسي في الأسلام ليست مهمه وصايه على الجميع ولكنها مهمة خدمه وأصلاح.

أن فلسفة النهضه وعصر التنوير الأوربي دعت الى فصل الدين عن السياسه , وممن دعى الى ذلك الفيلسوف الأنكليزي هوبز , وكانوا محقين في ذلك , ورأيه فيه وجاهه كبيره بسبب موقف الكنيسه المستبده والسلوك المتغطرس للقساوسه والبابوات , فهذا البابا غريغوري يقول ( البابا هو الأنسان الوحيد الذي يكون للأمراء تقبيل قدمه) , ويقول كذلك ( لا يمكن للبابا أن يكون موضع محاسبه من أي كان) , في حين لا يمكن أن يكون هذا التوجه المتعالي والغير مسؤول في الأسلام فمحمد (ص) يقول (لو سرقت فاطمه لقطعت يدها) , كما أن الرسول (ص) وضح وبشكل قاطع , أنه لا يمكن أن يكون في الأسلام حكم ذات صبغه ملوكيه , دكتاتوريه , وهذا ما عبر عنه الرسول (ص) في حواره مع الأعرابي الذي وقف أمه وهو يرتجف , فقال له (ص) ( هون عليك فأني لست بملك , وأنما أنا أبن أمرأه تأكل القديد) ،والنظام السياسي في الأسلام لايمكن يكون الا سلمياً ،ولا ينحو منحاً أعتداءاً ،كما دأبت عليه الدول لليبراليه ذات المنهج الأستعماري ،والسبب يعود الى قاعده قرآنيه (أن الله لا يحب المعتدين ) ، وكما في الآيه (وأن جنحوا للسلم فجنح لها) وهي قاعده عامه من قواعد الفقه السياسي الأسلامي ، وهناك في موروث الفكر السياسي الأسلامي ما يشير الى عدم قدسية الحاكم ، والى طبيعة العلاقه معه فمثلاً في مجال محاسبة الحاكم فللخليفه أبو بكر الصديق قول في محاسبة الحاكم ( أما بعد أيها الناس فأني قد وليت عليكم ولست بخيركم , فأن أحسنت فأعينوني , وأنى أسأت فقوموني..... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله , فأذا عصيت الله ورسوله فلا طاعه لي عليكم). فالنظام السياسي قبل مرحلة هوبز تكون الكنيسه هي من تعين الحاكم , في حين أن الجمهور هو من يعين الحاكم في الأسلام. 

فالسلطه في الأسلام غير معصومه في حين يدعي البابا كريغوري كما في مقولته ( لا يمكن للبابا أن يكون موضع محاسبه من أحد) , بل الكل سواسيه أمام القانون , ولا أحد فوق القانون , وما حادثة الأمام علي (ع) مع اليهودي الذي أختلف معه على ملكية درع , والذي أقتضى الأمر أن يقف معه على حد سواء أمام القاضي ألا دليل على علية القضاء , وخضوع الراعي والرعيه للقانون بدون أستثناء. 

هناك نقطه مهمه جديره بالأهتمام وينبغي الأشاره أليها , وهو بالوقت الذي يستمد النظام السياسي الأسلامي الكثير من ملامحه من الأسلام مثل الحقوق المدنيه المتمثله ب( الحريات السياسيه والفكريه والأعتقاديه) ,فهو لا يستغني من الأخذ بأسباب العلم والتكنلوجيا , مثل علم الأداره الحديث والصناعات الحديثه التي أنتجتها الدول الأخرى , والحديث النبوي الشريف صريح ( أطلب العلم ولو كان في الصين) هذا دليل على أنفتاح النظام الأسلامي على الأمم والحضارات الأخرى , والدعوه الى التعاون والعلاقات الدوليه .

فالأسلام يركز على المضمون لا على الشكل , فالشكل متغير ويتطور مع التطور التاريخي للأمم والشعوب , فمثلاً مبدأ الشورى ألزم به الحاكم , ولكن لم يلزمه بطريقة الشورى , بل تركها مفتوحه أيماناً بحركة التاريخ وتغير الواقع , وهنا يظهر أن النظام الأسلامي غير ملزم بالأشكال التاريخيه في ممارسة الشورى , ولا أشكال في أقتباس الطرق والأساليب التي تفتق عنها ذهن الأنسان سواء كان غربي أو شرقي في عملية التنظيم السياسي والأداري , فهذه أمور فنيه تجسد المضمون , وهذا هو المهم والأساسي , مادام يحقق الهدف في أقرار العداله .

خلاصة القول أن الدوله والنظام السياسي من وجهة نظر الأسلام هو وسيله وليس بغايه , وبهذه الوسيله يبغي تطبيق المنهج والقيم التي تبني الأنسان بالصوره التي تراها السماء , وهو الرقي بالأنسان الى مصافي الكمال في رحله يشق فيها الأنسان طريقه الى معراج التكامل التي تؤهله لموقع الخليفه في الأرض , وهي مهمه لم يفوضها الله الا للأنسان , وقد تبين من شك الملائكه في قدرة الأنسان على أتمام المهمه , (وأذ قال ربك للملائكه أني جاعل في الأرض خليفه قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال أني أعلم ما لا تعلمون). أن وسيلة الدوله وتشكيل نوع النظام السياسي عملت به الكثير من الأيديولوجيات رغبةً بتنفيذ أفكار وقيم رأتها مهمه وصالحه للتطبيق , فا الأيديولوجيه الأشتراكيه قامت لأجلها ثورة أكتوبر وأسست لنظام أشتراكي تحت رعاية البلاشفه لتحويل مباديء وقيم الأشتراكيه الى واقع , والأمر نفسه مع اليبراليه حيث أقام الغرب معسكره على أساسها , وبنى منظومته الغربيه على منهجها , وحتى الأديان الأخرى , فمثلاً لولا الدوله الرومانيه وتبنيها للمسيحيه كدين رسمي لها في زمن قسطنطين , لما أنتشرت المسيحيه في العالم وخاصه في أوربا. فالدوله ظاهره تاريخيه , وضروره أجتماعيه وأخلاقيه وعلميه , لأنها هي من توفر القاعده والمنطلق للتطور في كل هذه الحقول والمجالات , ولو كان مثلاً هناك طريقه أخرى تحقق المذكور أعلاه لما أصر الأسلام بالسعي الى أقامتها , والجعل منها ضروره لا يمكن الأستغناء عنها .



أياد الزهيري


التعليقات




5000