هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


من الحروف الى الكلمات / 5

حسين عيال

  نص من السيرة الذاتية  

   المسافة بين معامل الطابوق والمدرسة طويلة ، لأن المدارس تكون في المدينة حصرا ، ولم تكن هناك وسائل معدة لنقل الناس بين هذه المعامل والمدينة . هناك السيارات التي تنقل الطابوق الى المدينة ولما كانوا على معرفة بسواق هذه السيارات وعمالها ، بل وفيهم من يكون على صلة قرابة بهم ، ينجحون في أيام كثيرة في الركوب معهم ، فكان حسن لا يعدم من يقدم له الاطراء والتشجيع حتى بين هؤلاء خلال ركوبه معهم . وحميد أحد الذين دأبوا على التربيت على كتفه اعجابا وتشجيعا ، لقد كان يحثه على المدرسة باستمرار . قال له ذات   يوم : 

_ انك تلميذ شاطر وذكي فما عليك الا أن تستمر على الدراسة وتبذل جهودا أكبر لتصبح شيئا مهما في المستقبل .

  فكان يطرب لكلماته ويعدها اقرارا نهائيا بقدراته العلمية ، فما عليه والحالة هذه الا أن يستمر في الدراسة ويبذل مجهودا أكبر فيها ، خاصة اذا أراد لنفسه مستقبلا يختلف عما هو عليه حاضر  ذويه والناس من حوله . والذي جعله يثق بكلمات هذا الشخص ويقيمها بهذا الشكل اعجابه بسيرته والجهود التي يبذلها في تحقيق مستقبل أفضل له ولعائلته . لقد بدأ العمل في المعمل كاتبا _ يدير حسابات المعمل _ من ثم اشترى سيارة أخذ يقودها بنفسه ، ومن يدري ماذا يشتري بعد ذلك ، ان طموحه لا يتوقف عند حد .

   صباحات معمل الطابوق مازالت كما هي ، أصوات ارتطام الطابوق بهياكل السيارات التي ستحمله الى المدينة أو ارتطامه ببعضه وهو يصف على هيئة رباط كبيرة ، تجوب القرية لتوقظ النائمين فيها ، دخان البوجة الطويلة مازال يتصاعد أسودا الى الأعلى ، الا في حال توقف الريح ، فانه في هذه الحال يسقط ثقيلا على القرية ، ليكسوها بطبقة كثيفة من ذراته السوداء الثقيلة .

   الناس تدور بينهم الحكايات نفسها التي دارت على أجدادهم ، بحيرتهم ساكنة تماما . في الأيام الممطرة يتوقف العمل في المعمل ، فيجتمع الناس بعد توقف المطر في الخيط ، الساحة التي تقع عند أطراف القرية يمارسون ألعاب التسلية على أنواعها . يستعير بعضهم الجعاب _ عظمة تقع في مفصل قدم الضأن  _ ثم يلعب بها ، بينما يستخدم البعض الآخر في ألعابه الدعبل _ الكريات الزجاجية . هناك فئة ثالثة تأنف اللعب بمثل هذه الألعاب البريئة فتعمد الى احضار ورق اللعب الذي احتفظوا به لمثل هذه المناسبات . لم تكن مبلغ كبيرة تلك التي يقامرون بها ، الا أنها مع ذلك مبالغ ، وهو ميسر بعد كل اعتبار . 

   يعودون للعمل في المعمل اليوم التالي ، فيهدأ كل شيء من جديد .

     كظوم حين تراه يتجول بين القرية والفرن تظنه لم يعمل في الفرن ، لكنه في الواقع يمارس اصعب عمل فيه . يعمل كاصوصا ، حيث ينتزع الطابوق وهو مازال يلتهب حرارة من الخانة ، يتناوب العمل مع زميل له ، اذ أن عملهما وسط اللهب لا يستطيع أن يؤديه عامل واحد أكثر من نصف ساعة ، فيضطر الى الاستعانة بزميله ليحل محله . فكان كظوم خلال استراحته هذه يهب مسرعا الى القرية ليجلب لزملائه مشترياتهم من التمر والتبغ والسيجاير .

   لقد بدأ كظوم العمل شابا نشيطا موفور الصحة والحيوية ، لكنه بمرور الوقت أخذ يفقد صحته وتفارقه حيويته الى أن بدأ شعر رأسه السبط الناعم يتساقط  ، عندها أخذ الناس من حوله يطلقون عليه لقب ( هلوس ) كناية عن المرض الذي أصاب شعر رأسه . وهلوس روح طبة يتصف بالبراءة ونكران الذات الى حد لا يصدق . لقد كان سخيا معطاء ، لا يتورع عن تقديم خدماته الى كل من يحتاجها . واستمر في البذل والعطاء ، الا أن العمل القاسي الذي يمارسه وسط النار أضعف نشاطه حتى أصيب بمرض عضال لم يمهله طويلا ، حتى أنه لم ينعم بالزواج فيتمتع بحياته كالآخرين من أقرانه الشباب .لقد أفقده المرض بعد فترة ليست بالطويلة من تاريخ اصابته ، القدرة على العمل وحتى الحركة ، فعكف متواريا عن الأنظار في بيته الى أن قضى نحبه . فيما بعد اكتشفت القرية بأن مرضه الذي ظل يحتفظ به كسر من الأسرار هو السل الرئوي ، ويقال أن أخا له يدعي ( سيد ) هو الآخر أصيب بهذا المرض ، لكن سيد لم يستسلم للمرض كأخيه هلوس ، انما راح يصارعه بضراوة حتى تغلب عليه .

   وهكذا ذهب كاظم الذي لقب بكظوم تحببا ومن ثم هلوس استهانة ، ففقدت القرية والمعمل وزملاؤه العمال روحا شفافة كأرواح الأطيار التي تطوف في القرية خلال صباحاتها المعتمة .

   في هذه الأثناء قبض على كمال الذي اغتصب أحد الأطفال وأغرقه في بركة من الماء والطين بعد قتله . وقد نفذ فيه حكم الاعدام شنقا حتى الموت .

   فكان روحا خبيثة تغادر القرية ، بعد أن غادرتها روح هلوس البريئة .


                    الفيضان 

   فجأة اهتزت البركة ، همس مكتوم أول الأمر ، ثم انطلق لغطا على كل لسان : فيضان .. فيضان .. فيضان .. انتبهوا .. انه الطوفان .. سلمان يقول :

_ ان الماء الذي يفيض هذا العام أكثر من طوفان نوح ! .. ألله وحده هو الستار !

   رشكة الطرشة تقف وسط الرجال ، ثم ترفع سيخها الحديدي الطويل لتهتف بصوت عال :

_ الرحيل .. الرحيل ..

   يسألها أحدهم مستفزا :

_ وما الذي أدراك أنه الفيضان ؟

   فتجيبه هازة سيخها بوجهه :

_ روح اسأل مرتك ، عندها الخبر اليقين ! ثم تغادر حشد الرجال غير مبالية .

   صباح ربيعي لكن هواءه أكثر برودة بسبب الرطوبة المحمل بها . هيا وانطلق المسن ، لكنه لم يتوجه هذا اليوم كما هو العادة باتجاه كريق السيارات ، انما سار صوب سكة الحديد ، يتبعه الصبيان الثلاثة مهرولين بسبب السرعة الكبيرة التي بسير بها . لقد غمرت مياه الفيضان التي أعلن عنها قبل يومين طريق السيارات وتجاوزته نحو سكة الحديد ، لقد كانوا وهم يسيرون على السكة يرون التماعات المياه المتدفقة بسرعة عالية ، تهاجم منطقة المجزرة . عندما اقتربوا من منطقة العاصمة وجدوها تزخر بالحركة ، البيوت الطينية تهدم وسيارات الحمل تروح وتجيء محملة بأغراض الناس الذين بدأوا في النزوح من المنطقة على عجل . يتجهون الى مناطق عالية لا تطالها مياه الفيضان أو يدخلون الى المدينة التي احتمت بالسدة الترابية ( سدة ناظم باشا ) التي تحيط  بها . عندما وصلوا الى الجسر الحديدي الذي يحمل السكة الحديدية أذهلتهم المياه الغاضبة وهي تكاد تطيح به ، لقد كان يهتز اهتزازا مخيفا . بدا على الصبيان الرعب عندما هم الشيخ بالعبور ، لكنهم وتحت الحاحه أمسك أحدهم بالآخر وبدأوا مسيرة العبور على أثره ، وتستمر مسيرة العبور يتقافزون من عارضة خشبية الى أخرى ، وفي كل مرة يرفعون رؤوسهم فيها عن أقدامهم مركزين أبصارهم على امتداد الجسر ، يجدون الجسر ما زال في بدايته ، لم يكن بهذا الطول في يوم من الأيام ، وتستمر خطاهم المتقافزة ، متعثرين الى حد السقوط أكثر من مرة ، وفي كل مرة يشعرون فيها بالخطر يكثرون فيها بعفوية من ذكر الأدعية والتوجه الى الله لكي يسهل عبورهم على الجسر ، وأخيرا بعد جهد ومعاناة تنفسوا الصعداء ، لقد وضعوا أرجلهم على آخر عارضة للجسر وهم يكثرون من حمد الله وشكره على السلامة .

   عندما غادروا المدرسة بعد انتهاء الدوام ووصلوا الى الجسر في طريق العودة ، تفاجئوا بأن لم يعد هناك جسر ، ولا سكة للحديد ، لقد جرفت سيول المياه الهادرة كل ما اعترضها ، لقد تحولت العاصمة وكل منطقة خلف السدة الشرقية الى مسطح مائي ينموا الى الأعلى باضطراد مخيف . لقد فجرت سكة الحديد وجسورها للتخفيف من ضغط المياه على السدة الرئيسة التي تحيط ببغداد العاصمة نفسها .

   شعر بخوف شديد وهو يركب أحد الزوارق التي انتشرت في المنطقة لتبدأ رحلاتها على أديم هذا المسطح المائي ، ولم يطمئن الا بعد أن وقع بصره على أبيه وهو يجلس مقرفصا في جو بدأ يجنح نحو البرودة ، جسمه يقطر ماء ، لأنه خرج توا من الماء بعد أن خاض فيه طويلا يحاول انقاذ ما يمكن انقاذه من عفش البيت ومواد بنائه المتكون من العمد  وسعف النخل والبواري ( حصران القصب ) لكي يستخدمها في بناء كوخ جديد على التلة التي التجأوا اليها . لم يكن والده سباحا ماهرا لذلك دهش عندما رآه يسبح في المياه العميقة ، غير مبال بالغرق . تأكد له بعد ذلك وعند اعمال الفكر فيما رآه بأن الانسان يمكن أن يتجاوز خوفه ، بل وفي ظروف معينة يمكن أن يكتسب مهارة في فعالية ما في نفس اللحظة التي يحتاجها فيها .لقد أكسيته جرأة أبيه على قذف نفسه في لجة المياه العميقة ، شجاعة جديدة وأبعدت عنه الخوف الذي أحس به وهو يركب الزورق الذي كانت تتلاعب به تيارات المياه الشديدة . بعد ذلك اصطحبهم الوالد الى القرية الجديدة . 

   تلال صغيرة تناثرت عليها أكوام من العمد والبواري وقطع الصفيح ، وكان الناس في هرج ومرج ، يتحركون ذهابا وايابا ، يحرصون على نقل ما تم لهم انقاذه من أغراضهم التي جرفتها سيول المياه التي اخترقت قريتهم على حين  غرة  .

   وكانت هذه التلال التي يسميها قانوا المنطقة باليشن . تبتعد هذه التلال عن المعمل الذي كانوا يسكنون فيه ما يقرب من عشرة كيلو مترات ، لا يصل اليها الناس الا مرورا عندما يقصدون قرية أبعد من هذه التلال أو عند موت أحد الأطفال الرضع ، حيث يدفنه ذووه فيها . لذلك لا يتذكرها الناس الا في ظروف خاصة ، أو عندما يجمح بهم الخيال فيرونها مقرا لمملكة من الجن ، أو موطنا للسعالي والطناطلة ، والطنطل كما يعتقد ناس القرى تلك هو جني يتلبس بأشكال مختلفة من الهيئات انسانية وحيوانية وما أشبه . وقد أكد الكثيرون ممن اجتازوا هذه التلال في الليالي المظلمة بأنهم سمعوا أصواتا غريبة تنطلق منها ، فكانت تستوقفهم ، الا أنهم يصابون بهلع يجعلهم يسرعون في اجتيازها ، يمنعهم خوفهم  من الالتفات صوب تلك  الأصوات . الشجاع منهم من يلتفت الى الخلف قليلا بدافع حب الاستطلاع والفضول لكي يكتشف طبيعة هذه الأصوات ، وحتى هؤلاء لم يتأكد لديهم أي شيء جديد يرغبون في التأكد  منه . اذ أن ما تجذر في نفوسهم من أحاديث الناس عن المنطقة ، يجعلهم يشككون في الذي سمعوه أو رأوه فعلا .

   هكذا وجد الناس أنفسهم يستقرون على المواطن التي كانوا يخشونها ، موطن الجن والعفاريت ! وهكذا انطلق مروجوا الاشاعات والغرائب ، والمولعون بالسخرية من الناس البسطاء ، تسندهم العجائز وممن يتمسكون بالخزعبلات كأنها مسلمات ثابتة ، يتحدثون عن الجن وأرواح الموتى الذين يتجولون هائمين بين الأكواخ بعد منتصف الليل . ولم ينتفع من هذه الشائعات غير الشباب اللاهي ، راحوا يستغلون البلبلة التي أصابت أفكار الناس وانشغالهم بتصور مخلوقات أثيرية تبدو أشباحا ، بالتجول في القرية الجديدة لوصل حبيباتهم . ان بساطة الناس والمحنة التي حلت بهم أقعدتهم عن الالتفات الى طبيعة هذه الشائعات ومدى انسجامها مع منطق العقل والتفكير السليم .

   انعزلت اليشن عن العالم الا من قوارب أو طبكات _ واحدها هيكل حديدي مربع يطفو على     الماء أكبر من الزورق العادي يمكن استخدامه للحمولة _ أخذت تسير رحلاتها بين القرية والمدينة . القرية الجديدة ما زالت في حالة  تكون ، الناس منشغلة في بناء اكواخها . حركة مستمرة ، فالرجال في ذهاب واياب الى مناق سكناهم القديمة يجلبون ما يحصلون عليه من أغراضهم ، يخرجونها من وسط الماء ليجمعونها على الشاطئ ، بينما النساء والأطفال يتلقفون هذه الأغراض ثم ينقلونها الى أكواخهم الجديدة . ولأن الأغراض اختلطت فأصبحت مشاعا يطفو على سطح الماء ، لم يجد السكان صعوبة في العثور على المواد الأولية التي يبنون بواسطتها بيوتهم . عمد وحصران ومهود أطفال وكراسي متداعية وحتى دواليب وخزانات خشبية ، كلها طافية على سطح الماء يجرفها معه في انطلاقته السريعة تلك .

  بعد ذلك انشغل الناس في الحصول على المواد الغذائية التي قذفتها عليهم طائرات عمودية تحلق على ارتفاعات منخفضة . ولم يتورع المختار عن الاستيلاء على الجزء الأكبر منها وادعائه من أنه الوحيد الذي يعود له الفضل في وصولها اليهم . 

   يوما بعد آخر استكن الناس ثم شرعوا في تدبير أمورهم الجديدة . بعضهم لم يستقر به المكان ، فجمع أغراضه ثم حملها احدى الطبكات وقصد المدينة ليندس في زاوية منها . 

   وفي احدى هذه الطبكات التي مخرت بحيرة المياه التي بدت لا نهاية لها تكدست أغراضهم ، لقد كانت مياه مخيفة تلك التي أبحروا عليها ، لكن هذا لم يمنع سلطانا ابن عمه من أن يصطدم في شجار مع صاحبها ، لقد أراد البلام مستغلا وجودهم وسط المياه المخيفة أن يبعدهم عن المنطقة التي أرادوا الرسو فيها متحججا بوجود تيار هوائي قوي يدفع الطبكة ويمنعه من التحكم فيها ، بينما يصر سلطان على الرسو في المكان الذي يريده . وعندما اعترض صاحب الطبكة مرة أخرى بأسلوب فيه الكثير من الصلافة ، قذفه سلطان بالجسر الكبير لمهد الطفل الخشبي ، راغ قليلا فأخطأته الضربة فيجن جنون سلطان محاولا قذفه بخشبة أكبر لولا اجتماع العائلة عليه ومنعه ، خوفا من أن يؤدي ذلك الى تأرجح الطبكة وغرقها . عند ذلك انكسرت شوكة البلام صاحب الطبكة فخضع لرغباتهم في الرسو والنزول في المنطقة التي تم الاتفاق على الرسو فيها . 

   رست بهم سفينتهم في منطقة كراج مصلحة نقل الركاب رقم ثلاثة ، سارة خاتون ، كما أرادوا لها أن ترسو ، ثم بنوا كوخهم الجديد ، مبتدئين حياة جديدة ، هي استمرار للحياة القلقة التي فرضها الفيضان عليهم ، الا أنها تبدو أكثر استقرارا ، معهم العم وهاب ، وقد بذل جهودا كبيرة في العمل على بناء كوخهم ومن ثم راح يسعى في جد ونشاط من أجل الحصول على المواد الغذائية التي استمرت السلطات المختصة ولجان معونة منكوبي الفيضان على توزيعها . الوالد عاد الى دكانه الذي يبيع فيه القماش . كان قد أغلقه ونقل البضاعة الى منطقة الاسكندرية في محافظة بابل بعيدا عن خطر الفيضان ، لأن بغداد هددت بالغرق طيلة أشهر عديدة . الدوام في المدرسة تعطل بعض الوقت ثم حلت العطلة الصيفية .

   خلال تلك الفترة شعر لأول مرة بأنه محتاج لأن يعتني بنفسه من الناحية الجمالية ، لقد أطال الوقوف أمام المرآة ، لكنه اكتشف أن وقوفه هذا يعد ضربا من العبث ، اذ تأكد لديه بما لا يقبل الشك بأنه ليس وسيما . فد تكون وقفته الجمالية تلك كانت بسبب تغير المكان . فهم بهذا المكان اقتربوا من المدينة ، والمعروف أن ناس المدينة يتمتعون بقسط أوفر من الجمال والوسامة ، تقول أمي في مجال تأكيد هذه الحقيقة : ( لأن النبي من المدينة ) وهو يعلل الأمر بأن الحياة في المدينة أكثر نظافة ، لتوفر وسائلها وأن أهلها يعيشون بمستوى حياتي أعلى منه في القرية ، من ناحية الغذاء والملبس وحتى الرعاية الصحية . وهذا الترف في العيش يؤدي يوما بعد آخر وعلى مدار حقب طويلة من الزمن الى تقدم في الناحية الجمالية ، اذ يتطور النسل بتوليد أجيال جديدة ، تكتسب رقة ونضارة جديدتين .

   لقد لمس الجمال النسائي  واستوقفه في كل مكان . جمال لم يجد له مثيلا في القرية التي كانوا يسكنونها في معامل الطابوق ، اذ تتلفع النساء هناك بالعبي السود ، ويتلطخن بدخان الفرن يوما بعد يوم الى أن تصبح لهن وجوها لا تختلف عن العباءة السوداء التي يتلفعن بها ، الا القليل النادر منهن ، واللاتي يبذلن مجهودا جبارا في الحفاظ على مسحة من جمالهن ، خاصة اذا علمنا بأن المتسخات كثيرة ومياه التنظيف قليلة .

   وهنا في هذه المنطقة شعر بفرح وسعادة لم يشعر بهما هناك ، فالحدائق والسيارات والجمال ، ثم هذه الحياة التي تعمل بكل قوتها ، تشعر بتجدد دائم . شيء ما جديد يقف باستمرار على الأبواب . الضجر الذي تثيره حياة القرية الساكنة ذهب معها . لقد كان ينظر الى الحياة المهووسة ، والصخب الذي أثاره الفيضان دوما على أنها نوع من الكرنفال أو المهرجان ، نعمة من السماء خلفت له طقوسا من الفرح ظل يجترها سنين عديدة . فالفيضان على حد قول بعضهم " ليس عملية مراقبة من بعيد ، و لا طفح غريزي للطبيعة ، كالمطر يفيض زمنا ثم لا يلبث حتى تشربه الأرض الحنون دون أن  تتشوه أو تتسمم أو تثور ، وانما هو هزة اجتماعية تضع الناس أمام الحد الفاصل بين الموت والحياة ، تبصرهم بأنفسهم ، تجعلهم يفكرون بها ، تمزق كل الأقنعة التي غزلها لها مغزل الحياة فوق وجوههم ، وجعلهم يعيشون حياة مستعارة " .

   ومكوثهم هنا في هذه المنطقة كان سببا في عودتهم لها مرة أخرى ، اذ ابتنوا لهم بيتا فيها وسكنوه مدة تزيد على العشرين عاما .

   استمرت حياتهم هنا مدة ليست بالقصيرة ، أهم ما في هذه الفترة ، أنهم اجتمعوا بأخواله من جديد بعد فرقة دامت سنوات عديدة . لقد وجد أخواله يضربون أطنابهم في بيوت من الشعر احتفظوا بها من بقايا حياة الرعي المتنقلة التي كانوا يمارسونها قبل هذا الوقت ، يهربون من نفس المياه التي هرب منها أهله ، مياه   الفيضان .

   فيما عدا الشعور المتزايد بأنه ليس وسيما ، لم يفكر في شيء ، كان ينسى نفسه بزجها مع رفاق جدد من الصبيان ، في ألعاب الطفولة التي يلعبونها . تعرف على صديق كان أبوه معرفة قديمة ، هناك علاقة جورة أو ما أشبه تربط العائلتين في وقت سابق . اسمه صفاء لفتة . الغريب في الأمر أنه نسيه حلما افترق عنه ، فلم يعد يتذكر ملامحه أو أين حل به الدهر أو ماذا حل به ، واذا ما تذكره فإنها ذكرى باهتة أشبه بالحلم . 

   عمره في هذه الفترة يقدر بثلاث عشرة سنة ، ولم يصطدم بعتبة الوعي بعد ، نعم ، كان هناك شعور بالاضطهاد والظلم ، خوف شديد أشبه بالهستيريا من العقاب في الدنيا والآخرة خلفه الجو الديني المكثف الذي وجد نفسه يعيش فيه .

فوالداه وأخواله يحرصون حرصا مبالغا فيه على أداء واجباتهم الدينية ، وكذلك أعمامه ، الا أن هؤلاء أقل تزمتا من أخواله وأبويه . ثم القرآن ، لقد بدأت رحلته مع التعليم به ومن خلاله . تلا ذلك ولوج العالم الديني من خلال قراءة الاسراء والمعراج ، وهو كراس صغير مما تنشره الهيئات الدينية والأدبية الشعبية . لقد اصطدم من خلال هذا الكتيب بذلك الوصف المخيف لعالم العقاب ، هذا الجحيم الذي تقشعر منه الأبدان وتنخلع عند سماعه الأفئدة ، عند ذلك تبدأ مشكلته وعذابه ، الشعور بالذنب ، عالم الخطيئة الذي صار يترصده ، الخوف الذي نجم عن كل ذلك لازمه طيلة حياته . أما المجالس الحسينية التي ينقطعون فيها نهائيا للدين ، فهي طقس ثابت ظل يعيشه في كل سني حياته . 

            

                 بعد الفيضان

   تقول أمه ، اننا حسدنا في يوم من الأيام وبقي الحسد يترصدنا طيلة حياتنا . لقد كان الحسد سببا مهما في موت أخويك الذي وصلا الحياة على رأسك ، ثم تستدرك وقد تكون أنت الذي كسحتهم ، لقد كنت تغار منهم حد الموت . والحسد هو الذي منع أخواتك من من الزواج كما يرغبن ، وهو الذي جعل أباك يترك القنطرات _ تقصد المقاولات _ ليدفن نفسه في دكان القماش الذي فتحه مؤخرا ، وهو الذي أصابني بالعقم فلم أنجب لك أخا يحمي ظهرك ، وهو الذي .. وتسترسل الى ما لا نهاية .. أما عن الحاسد من هو ، فتقول ، الجواب سهل ، لأن زوجات أعمامك ، حمواتي ، هن اللائي حسدننا . ف ( عنب ) امرأت وهاب جبستني فقطعت نسلي و ( غيداء ) امرأت فالح قطعت رزقنا و فاطمة امرأت عداي عملت عملا لأخواتك فمنعت عنهن الزواج . وسوف تستمر في الكلام دون انقطاع الى أن يبلغ الغضب بأبيه حدا يرغمها على السكوت بطريقة عنيفة .

   تقول أمه في يوم آخر :

_ انك عندما سقطت من بطني على الأرض أثر دهشة جميع النسوة اللواتي حضرن لحظة ولادتك . ما هذا ؟ صحن جميعهن ، لم نر طفلا بهذا الحجم الكبير يوم ولادته . وخرجن مسرعات لكي ينشرن الخبر السعيد .

   ثم فكر بالعناء الذي لقيتاه ، أخاه وهما تحملانه وهو بهذا الحجم الكبير . ذلك لأن حمله والسير به عند بكائه قبل أن يهدأ وينام أمرا كان مقررا عليهما .

   لقد كان ذكرا ، وأكثر من ذلك أنه جاء بعد مجموعة من البنات . والغريب أن أمه كلما تغضب تصيح بوجه ابنتيها رافعة أصبع الاتهام ، انتما اللتان قتلتما عليا وحسنا فإياكما اياكما وتشير اليه ، لم يبق الا حسنا لنا في هذه الدنيا .

   ولم يجد مهما عمل الفكر تفسيرا لاتهام الأختين . لكن شجار الوالدين لم يلبث أن ينشب من جديد ، ومرة أخرى يستخدم الوالد العنف في انهاءه . 

   انتهى الفيضان وعاد الناس الى بناء بيوتهم الطينية من جديد ، فكان القادم من المدينة على طريق السيارات الذي أعيد فتحه من جديد ، يرى طريقا متعرجا يمر من خلال مستنقعات مائية خلفها الفيضان بدأت تجف رويدا ،  ينحني ينحني هذا الطريق الى اليمين فينتهي بسدة ترابية كسرتها مياه الفيضان في مواقع عديدة ثم يبدأ الطريق مرة أخرى بعد عبورها ، بعد ذلك ينحني انحناءة خفيفة الى اليمين ، ثم ينكسر الطريق انكسارة حادة ليدخل القرية . لكن الطريق الرئيس ما زال على انحنائته تلك الى أن يصل المعمل . 

    بعد أمتار من انكسار الطريق نحو القرية ينتصب بيت عداي ، تحيط به بيوت الجماعة الذين يعملون معه . بيت خلف وكظوم وفرحان ومحمود وآخرين ، يفصلهم عن قسم القرية الآخر طريق عربة شيري الذي ينطلق من المعمل باتجاه محطة القطار مارا ببيت بخيت أخو الخياطة وبيت ملا محسن الرادود _ يقرأ في المجالس الحسينية _ وبيت جبار الذي يلقب بالجرسي _ بالجيم الفارسية ويعني السكران ، لأنه أدمن على شرب الخمر _ ثم تصعد العربة طريقا مرتفعا ، تربعت على قمته زريبة وحيدة ، تفصل بين معمل محمود الأسود القريب من قريتهم وبين معمل ساوي الذي يعمل فيه فرج عباس وأصحابه ، وهي مقهى القرية وملتقى الشباب فيها . بعد ذلك تصل العربة الى خزان النفط الذي تتزود منه بالنفط الأسود داخل محطة القطار . أما في الجهة الأخرى من طريقها فيقع بيت جبر أبو الخضرة وملا مهدي وبيت العم وهاب وسلطان وبيت هدهد . بيتهم  يقع على حافة مقلع عميقة ، أمامه بيت سلمان القصاب ن بجانبه بيت العم فالح ، لا يقصل بين البيتين سوى جدار طيني هو جدار الحوش . في الجهة القريبة من المعمل يقع بيت غزاي الشاعول _ وقاد المعمل _ الذي أصيب بداء الكلب ثم أخذ يهجر بصوت عال ، تسمعه القرية فيصيب الذعر أطفالها ونساءها . بيت أم حامد يقع في جهة القرية المقابلة للسكة الحديدية من الجهة المقابلة للمعمل . وحينما تعبر السكة الحديدية   من الجهة المقابلة للمعمل يقع بصرك على قرية أخرى هي القرية التي يسكنها مختار المنطقة وجماعته المقربين .

   والقرية بشكلها هذا لم يختلف كثيرا عما كانت عليه قبل الفيضان سوى أن بيت عداي انتقل من مكانه القريب من بيت أخيه أبي حسن الى موقعه الجديد في مواجهة المعمل عند بداية القرية من طريق السيارات ، وقد تبعه جماعته الذين يعملون معه فانتقلوا قريبا منه . كما حدثت هنا وهناك تنقلات غير محسوسة ولم تشكل تغييرا كبيرا . فبيت رشكة الطرشة ما زال وسط القرية ، كذلك عائلة مانع الطويل ، أما بيت كمال ، فيقع في زاوية تقع بين السدة الترابية التي تفصل بين المعملين قريبا من المقهى . وقد أثيرت ضجة كبيرة عندما وجد ضحيته ملقى في حفرة كبيرة . لكن التحقيق ما لبث أن توصل اليه ، فألقي القبض عليه ونفذ فيه حكم الاعدام شنقا حتى الموت .

   وقد لعب عريف المنطقة حمدان الشرطي دورا كبيرا في هذه القضية استحق عليه ثناء رؤسائه .

   ثناء آخر حصل عليه هذا الشرطي النشيط من أبيه واعمامه ، اذ وقف موقفا ايجابيا من سلطان ابن عمه عندما تعرض لملاحقة الشرطة بسبب دهسه لرجل يسير في الطريق بسيارته المحملة بالطابوق وقتله ، لقد استطاع بمهارته المعروفة توجيه التحقيق وافادات الشهود وجهة تخدم سلطان ، واثبات أن الحادث وقع دون قصد وأنه قضاء وقدرا . 

   وبالطبع لم يخلو هذا الثناء من دهن البلعوم _ أي الرشوة _ كما يقال .

   عذافة لم يزل يتردد على هدهد ، يغزوا بقراتها بإيعاز منها كلما أراد ذلك ، وقد أثار نشاطه هذا ريبة أهل القرية ، بل وأتهموه بالسرقات التي تحدث في القرية بين آونة وأخرى .

   كظوم ما زال يطير كالفراشة بين المعمل والقرية يحمل التمر والسيجاير لأصحابه تارة وتارة يساعد الناس في حمل ما يعجزون عن حمله تارة أخرى الى المعمل كي تنقله السيارات الى المدينة ، وقد يحمل ما ثقل على الناس من المعمل الى القرية ، حين تأتي السيارات بهذه الأثقال من المدينة الى القرية . يقوم بكل ذلك رغم تفاقم المرض عليه ، اذ لم يعد له وجهه الذي يضج بالعافية ولا شعر رأس السبط الناعم ، لقد صار هلوس اسما وحيدا له .




حسين عيال


التعليقات




5000