هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصيدة النثر.. تاريخ من الصراع والتجديد

يونس ناصـر

لا يزال مصطلح  (قصيدة النثر) ينطوي على اشتباك تنظيري، ما أدى استمرار، وتكريس انقسام الآراء بشأنه من حيث الرفض والقبول، والمعارضة والتأييد، بين القراء، والنقاد، والشعراء، وكل فريق له تبريراته الفنية، والتاريخية التي يتحصن بها، بلغت أحياناً حدّ التعصّب والانغلاق، ونظراً لعدم الدقة في استخدامه بحيث يبدو ليس شفافاً بما يكفي، فإنه يظل بحاجة ماسة إلى تأطير مفاهيمي يبعده عن منطقة الغموض، أو الإبهام أحياناً، الذي يكتنف استخدامه، ويخرجه من تهمة "التباس القصد" في المزج وليس الصهر بين الشعر والنثر، إلى وضوح الدلالة، ودقة الاستعمال.

ومن المبررات التي قيلت في مناصرة "قصيدة النثر" أن بناء قصيدة النثر الفني أنسحب من الإيقاع الخارجي المسبق إلى الإيقاع الداخلي للغة، واكتشاف مكنوناتها الأدائية، وخلق علاقات لغوية جديدة، لعوالم بكر جديدة، وغير محروثة، بينما واقع الحال أن بحور الشعر العربي "قُننت" بعد اكتشافها (وليس اختراعها)، على يد الفراهيدي. وعلى الرغم من جانب الدقة في هذا الطرح إلا أننا يمكننا هنا أن نؤكد بوضوح أن الشاعر العربي في الجاهلية لم يكن يستخدم إيقاعات موضوعة ومعترفاً بها سابقة عليه، ما يؤكد أيضاً أن الشعر هو إيقاع نفسي داخلي، وليس إيقاعاً مسبقاً وجاهزاً يستخدمه الشاعر ليبني قصيدته وفق ذلك.

 إن العرب لم يكونوا يعرفون بحور الشعر عندما (قالوا) قصائدهم، سواء ما هو من نتاج لحظته الموجبة وأثره الآني، أو القصائد المعروفة بالحوليات، ذلك ان الشاعر العربي لم يكن يكتب: مستفعلن فاعن، أو فعولن مفاعيلن، إلخ.. بل لم يكن يعرفها قط، ولم ترد في حسبانه بتاتاً، ولم نقرأ في ما وصلنا من آراء نقدية التي كانت تفاضل بين مستويات الشعراء وشعريتهم، أن أحدهم اعتمد هذا المعيار الفني في المفاضلة، وإنما ذهبوا إلى المخيلة والصورة واللغة، والقيم والمعاني التي كان متفقاً عليها في المجتمع العربي آنذاك، حتى بين القبائل المتحاربة.

وليس من النافلة القول إن العرب قد فرقوا بين الشعر والنثر، بل لقد فعلوا ذلك بمنتهى الدقة والموضوعية، وليس المزاجية، فقد استخدموا السجع بكونه نوعاً من النثر معروفاً بخصائصه وأنواعه، وهو جمل مقفاة سميت بهذا الاسم تشبيهاً لسجع الحمام.. وكذلك الرجز، وهو إيقاع يحاكي مشي الناقة، وعرف المجتمع العربي فن الخطابة، وهو فن يتميز بالجزالة وقوة البيان يقترب أحياناً من الأداء الشعري، كما فرّق العرب بين أنواع الشعر، فمنه الغنائي، والقصصي، والتمثيلي، ولاحقاً التعليمي، كألفية ابن مالك، كما فرقوا بين البحور من حيث تعبيرها عن الحالة النفسية، ونوع الحدث والمؤثر أو الدافع، فكان للغزل إيقاع، وللحماسة، إيقاع وللحزن إيقاع، وللفرح إيقاع، إلخ..

 وفي العصور اللاحقة كان بعض النقاد، بل حتى الخلفاء، يمتحنون الشاعر في أن يطلبوا منه أن يعبّر أمامهم ارتجالاً عن المعنى نفسه على "بحر" وقافية مختلفين، وهذا اختبار صعب جداً، ومحك حقيقي صارم لموهبة الشاعر. وهذا ينقلنا طبعاً إلى مستوى آخر من المقاربة، وهو أن من المعروف أن الأخفش "اكتشف" بحراً جديداً سمي بالـ"متدارك"، وجاء الاسم لتداركه على بحور الفراهيدي.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا لو لم يكتشف الأخفش إيقاع بحر المتدارك؟ أما كان أدى ذلك إلى تحييد كل القصائد العربية التي هي على هذا البحر.. ولما وصلنا منها شيء على اعتبار أنها ليست من الشعر العربي، أو خارجة عنه؟ أو لم يكتشفه الفراهيدي؟

وقصة أبي العتاهية مشهورة عندما نظم قصيدة خارجة عن بحور الشعر العربي، فقيل له: خرجت عنلى العروض، فقال أنا سبقت العروض، بمعنى أنه شاعر له إيقاعه الخاص قبل أن يكتشف الفراهيدي ويضع (قوانينه) الشعرية هذه، رغم أن أبا العتاهية عاصر الفراهيدي، وتوفي بعده بقليل. 

وهذا يؤكد أن "القريحة" العربية كانت تميل إلى التجديد، والإضافة، خاصة في العصر العباسي، وما بعده، وشاهدها بديع أبي تمام ومحسناته اللفظية التي لقيت رفضاً في بادئ الأمر، ما أدى إلى نشوء "معارك أدبية" ليس مجالها في هذه المقاربة، وهي معروفة بما يكفي لدى المثقفين، والنقاد، خاصة إذا أقررنا بأن التجديد كان من الصعوبة بمكان نظراً لضيق المجتمع، وسيادة البداوة بمفهومها في ذلك الوقت، وبساطة الحياة بمفهومها العام، وبطء التقدم المدني، المديني، الذي يشكل بيئة وآفاقاً للتطور، والتغيير، نظراً لنشوء انشغالات تستدعي مساحات جديدة للتقدم، والنمو..

 وإذا كان التاريخ لا يتطابق، فإنه يتشابه من حيث المنطلقات الأساسية التي تروم الانطلاق، والانفتاح، والابتكار، وهذا ما حدث لجيل الرواد في الأربعينات، الذين تصدوا للتجديد في الشعر العربي، وكسر البناء التقليدي لعمود الشعر كما جاء في بحور الفراهيدي، وهنا يأتي الرفض، والمواجهة أيضاً، لتنشأ معارك أدبية أخرى بين التجديد والتقليد، ولتجد قصيدة التفعيلة مكانتها في مسيرة تطور الشعر العربي، وتأخذ صيرورتها إلى جانب استمرار القصيدة العمودية.. 

بعد هذه التوطئة التي نجد أنها ضرورية في هذا المقام، والمقال، نفتح صفحة من التراث الشعري المعاصر، لنجد أن مصطلح "قصيدة النثر" جاء بعد أكثر من عقد من قيام السياب، وجيل الرواد، بالتمرد على الشكل الكلاسيكي للقصيدة العربية، ما أعطى حرية للشاعر لتجاوز "الحشو"، وتجاوز الأداء "البندولي"، وكسر الرتابة في عدد تفعيلات البيت الشعري، وفتح الفضاءات للانطلاق نحو ريادة عوالم لم يكن الشكل القديم يسمح بها أبداً، رغم "تكرارية" بناء القصائد العمودية بأن يكون كل بيت قائماً بذاته، ولكن ليس لذاته، من حيث المبنى، والمعنى، ويكون متصلاً بما قبله، مهيئاً لما بعده، معنى ومبنى، كذلك، مع اختلاف الشعراء في المستويات، وذلك يرتكز على موهبة الشاعر، وقدرته، وثقافته. 

وكان من أبرز رواد قصيدة النثر العرب أنسي الحاج، ومحمد الماغوط، ومحمد عفيفي مطر، وأدونيس، وفي تجربة الأخير مفارقتان، الأولى أنه ترجم مجموع شعرية لسان جون بيرس وبناها على التفعيلة العربية، والأخرى أن الناقد والشاعر العراقي علي جعفر العلاق قام بإعادة ترتيب إحدى قصائد أدونيس تتكون من ثمانية أبيات ووجد أنها موزونة على البحر البسيط..


وفي العراق، تبرز ما أطلق عليها "جماعة كركوك" التي تكوّنت في الستينيات، ومن أهم اسمائها جليل القيسي، وسركون بولص، وفاضل العزاوي، وجان دمو، وأنور الغساني، ومؤيد الراوي، وصلاح فائق، ويوسف الحيدري، ويوسف سعيد، ومعهم حسين مردان ورفائيل بطي، وآخرون. ولكنها كانت تجارب تأخذ مسارها من دون الصدام مع التجارب الأخرى، واستطاعت أن تشكل حضورها في مسيرة الشعر العراقي، رغم مجايلتها لجيل الستينات من شعراء التفعيلة، أو ما اصطلح عليه "الشعر الحر"، الذين لهم حضور كبير ومؤثر في الساحتين الإبداعية والإعلامية، امتداداً للسبعينات وبداية نضوج تجربة شعراء السبعينات، أو ما كانوا يعرفون بجيل الشباب..   

وبالتشكل نفسه، يأتي دور جيل السبعينات الذي كتب قصيدة النثر تأثراً بالشعر الغربي، أداءً، وشكلاً،  ومضامين، خاصة خزعل الذي وضع مقدمة لكل أجزاء قصيدته الطويلة (خزائيل)، في ثمانينات القرن العشرين، هي عبارة عن مقطع لرامبو يقول فيه: استفاق النحاس فوجد نفسه بوقاً، وكذلك الشاعر زاهر الجيزاني، اللذين تصدّيا لما شكّله جيل الستينات من مصدّات أمام طروحاتهما "الشعرية التجديدية"، ولحق بهما الشاعر كما سبتي من الجيل نفسه، وآخرون أقل تأثيراً. 

لقد شكلت "خزائيل" موضوعاً ثراً للنقاشات والحوارات الفكرية والفلسفية والموضوعية، التي كانت تشتد في الكثير من الأحيان لتصل حد المعارك الأدبية الساخنة، على صفحات المجلات الأدبية، والصفحات الثقافية الأخرى، وأذكر أن الشاعر الماجدي قال ذات مرة إن مجلة "الطليعة الأدبية"، وهي مجلة معروفة آنذاك تعنى بنتاجات الشباب،  اعتذرت عن عدم نشر القسم الثاني من قصيدة "خزائيل"، وكنت حينها مسؤول القسم الثقافي في جريدة "القادسية"، فعرضت عليه استعدادي لنشرها، فاستدرك بأنها طويلة، فقلت سننشرها على حلقات، وهكذا كان، ما أثار الكثير من ردود الأفعال من بعض جيل الستينات، حتى أكملنا نشرها.. 

وفي منتصف الثمانينات، قدمنا محوراً خاصاً عن قصيدة النثر في العراق، استغرق عدة أشهر، بمعدل صفحة كاملة كل أسبوع، شارك فيه كل من له علاقة أو اهتمام بقصيدة النثر، ناقداً، أو كاتباً، أو شاعراً، ولقي هذا المحور رفضاً من بعض أهم الأسماء الشعرية من الجيل الستيني، وكان في النية بعد الانتهاء من المقالات والمتابعات أن ننشر قصائد لشعراء قصيدة النثر، ولكن المشروع لقي موقفاً مماثلاً متشدداً جداً، وقف حائلاً دون المضي في إكمال الصورة التي كانت عليها قصيدة النثر آنذاك، واستقطاب أفضل المشاركات في هذا المجال، ما جعلنا نغض النظر عن الاستمرار فيه، وآثرنا تأجيله حتى تكون الفرصة مواتية.. وقد ساعدت على ذلك ظروف الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك لم تقم المجلات أو الصفحات الثقافية بنشر قصائد نثر، للظروف نفسها، ثم بعد ذلك ظروف الحصار القاسي على العراق في تسعينات القرن الماضي، الذي طال كل شيء حتى ورق الكتابة، والدفاتر، وأقلام الرصاص.

 ورغم ذلك، ظل شعراء قصيدة النثر أمناء على نهجهم، مخلصين لتجاربهم، ويجتهدون في مشروعهم من دون ضجيج، سواء من داخل العراق، أو خارجه، وأثبتوا حضورهم في الساحة الأدبية، ويضيق المجال بذكر أسمائهم، ولكنهم شكلوا تياراً متدفقاً تناول النقاد تجاربهم في كتب منفصلة، أو رسائل الماجستير في عدد من الجامعات العراقية، ومن تلك الأسماء داخل العراق الشاعر رعد فاضل، الذي صدرت له العديد من المجاميع الشعرية منها "فليتقدم الدهاء إلى المكيدة"، و"شذرات حكمة ضالة"، وغيرهما، وتناول تجربته الناقد الدكتور محمد صابر عبيد في كتاب بعنوان "القصيدة الرائية: قراءة في شعرية رعد فاضل"، عن دار تموز- دمشق 2011.  كما صدر كتاب نقدي بعنوان (محفَّةُ النَّار) عن دار نون للنشر للناقد ياسين النصير، تناول فيه تجربة الشاعر رعد فاضل، عام 2018 ، إضافة إلى العديد من رسائل الماجستير..

ومن الأسماء من خارج العراق الشاعرة العراقية أمل الجبوري، التي أصدرت العديد من الدواوين الشعرية، واختير ديوانها (هاجر قبل الاحتلال، هاجر بعد الاحتلال) من أفضل خمسة دواوين شعرية في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2011  بنسخته الإنجليزية الصادرة عن دار اليس جميس، كما تناول تجربتها الناقد الدكتور محمد صابر عبيد في كتاب مستقل بعنوان "شعرية الحجب في خطاب الجسد: تموجات الرؤية التشكيلية في شعر أمل الجبوري".

وقد آثرنا في هذه المقاربة ذكر هاتين التجربتين على سبيل المثل لا الحصر، كنموذجين لأهمية حراك شعراء قصيدة النثر، وحضورها، وتأثيرها في الحراك الإبداعي والثقافي في العراق، وأنها استطاعت أن تؤسس أركانها وتستقطب قراءها ومتابعيها إلى هذا المستوى من الرسوخ والاستمرار. وثمة أسماء أخرى يمكن أن تذكر في هذا السياق لايمكن الإحاطة بها، كما أنها تحتاج إلى جهد نقدي لمتابعتها، نظراً لنضوج تجاربها، واختلاف وتنوع مواهبها.. وهناك العشرات من الشعراء والشاعرات العراقيين المبدعين يكتبون قصيدة النثر، سواء منهم الذين ظلوا داخل العراق، أو خارجه، جنباً إلى جنب مع شعراء التفعيلة، والقصيدة العمودية، ببناء وأداء جديدين، بحيث يصعب معه التفضيل من الناحية النقدية الموضوعية بين هذه الأشكال الشعرية الثلاثة، إلا بالقدر الذي تسمح به كل شاعر. 


يونس ناصـر


التعليقات




5000