هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سرير في سويداء القلب - قصة قصيرة

موسى غافل الشطري

قبل حضوره مراسيم العزاء هذه ، و منذ خمسون عام و نيف ، كان يوسف قد انقطع عن زيارة المدينة التي هي مسقط رأسه ، و هي روضته التي تفتحت بها أكمامَهُ . 

  كانت زيارته السريعة ،عادة ما تختصرُعلى قضاء بعض الأعمال الرسمية ثم يقفل عائدا على أعقابه . 

زيارة لا يتجاوز مداها ساعات النهار ، دون أن يمر على أقرباء أو أحبة . 

مدينة تضاءل معارفه فيها إلاّ ما ندر . و قد اعتادت عيناه  في كل مرة أن تلاحق الرؤوس التي اشتعلت شيبا .عله يجد من يعرفه من جيله السابق . و لكن .. حتى اولئك الذين تركهم أطفالاً هم أيضا ابيضت رؤوسهم ولحاهم . و من ضمنهم إبنَيْ الفقيد الذَيْن تعرف عليهما وواساهما في مأتم والدهما.

كانت مراسيم العزاء قد عمروا لها خيمتين كبيرتين . على بعد أمتار من قصر منيف مكسو بالسيراميك الجذاب . يتماثل للرائي بخُيلائه ، بواجهة شملت باباً مطرزاً بالنقوش الجميلة . يرتقى إليه بأربع درجات . و من الجهة اليمنى ، وُضِع باب ( سلايد) لدخول و خروج السيارات .

كان يدور بباله .. متخيلاً أن ( وَفِيَّة) سيدة الدار التي ترفل بحياة باذخة . بان يوسف لم يخطر ببالها ، سوى ذلك السؤال العابرٍ ، تساءلت به ، ذات مرة، أمام أقربائه عن أحواله . و كم خلف من أولاد .

 أكيد .. عندما ازدهت لها الدنيا ، نسيت أيام زمان من ذكريات تراكم عليها غبارالزمن . نسيت عندما عزموا أهلُها على مغادرة المدينة إلى مدينة أخرى ، تبعد مسار نهار كامل بالعربات ، فطالبته بصورته لكي لا يغيب عن عينيها .

أيام أن كان لم يختط شارباه بعد . فهامت بملامحه الجميلة . وقد بدأ تعلقها به منذ صغرها . 

 و كانت لا يحلو لها اللهو إلاّ معه . و كانت الابتسامة لا تفارق ذلك الثغر الجميل و الغمازتين . و العينين الباسمتين على طول ، ما يضفي على الوجه الخمري المكلثم سحرا آسرا .

و تذكر ذات يوم ، و هما مندمجان بالمزاح ، عندما عبثت بشعره المسترسل الجميل ، الذي طالما امعنت نظرها بإعجاب فيه ، فشدّته من الخلف إلى صدرها ، شداً موجعاً ، و أطبقت شفتيها عليه ، ثم حررته و هربت .

 لا حقها وقد أضفى مسحة غضب على محيّاه ، و هي تدلف لأحدى الغرف ، كانت تلوذ بالزاوية ، و هي تكتم ضحكتها .فأمسك بكتفيها من الأمام . فجأة انبعث من عينيها بريقٌ ، سرعان ما استجابت له عيناه  .

إكتشف .. ان شيئا ما يحدث بقلبه و جسده . شيئا غير مألوف من قبل ، أذهله و كأنه فقد القدرة على التحكم بأنفاسه و ضربات قلبه . في حين أطبقت بصدرها على صدره  ، و طبعت قبلتين حارتين على طرفي شفتيه  و لا ذت بالفرار .

تلك اللحظات الخاطفة ، ظلت ذكراها ألذ ما ذاقه طيلة حياته . و ذلك البريق المدهش الذي لم يألفه ، و لم يسأل أحدا ممن خاضوا غمار الحب ، لكي يفسر له ما حدث . 

كم أسرف بخجله و تهيبه ؟ فأضاع على نفسه أن يجاريها ، و ينال من شغفه بها ؟

***

إنه يستبعدُ ، حتى بالأيام الاعتيادية ، إنشغال بالها بشأنه ، بعد هذه السنين التي تغير فيها كل شيء ، البشر و الجدران و الشوارع ، و حجم المدينة ، و انمحت الذكريات و رحل من رحل. و شاب فيها الذي كان رضيعاً . فلا يعقل ان يمرّ طيفُهُ ببالها و لو مر الكرام .

 ربما يُخجلها الآن ، أن تتذكر قبلتيها . و السهرات في أطراف الليل . عندما عادت عائلتها من الغربة و هي متزوجة . 

لقد اندثر كل شيء و لم يبق حال على ما كان عليه  . فهي خَلَّفت و كبر شأنها . و هو تزوج و خلف و عاش حياته في الغربة و لم ينصفه الحظ لكي يلتقيها . كل شيء يلقي بدثاره على تلك الأيام الحالمة لكي تندثر ذكرياتهما . 

 مع ذلك من الصعب عليه أن ينساها . ستعتكف بحدادها على زوجها لمدى اربعة أشهر . و لذلك حتى لو حاول أن يواسيها ، فإن ذلك لا مجال فيه .

كان عليه أن يقرأ الفاتحة و يعود إلى مسكنه . فالطريق طويل جداً ، و يحتاج إلى وقت .

***

بعد مضي سنوات على سفرته تلك، استضافه أقاربه ، الذين جاؤا لزيارة كربلاْء .

فباتوا في بيته ، و عبر أطراف الحديث صُعق بالخبر: المحزن ان (وفيَّة )قد أصيبت بالعمى المفاجئ الكلي .

و في أطراف الحديث ، قيل له : إنها تكرر عتبها عليه كلما التقوها .

فتقول و هي تبكي :

ـ ماذا يخسر لو طرق بابي لبضع دقائق ، ثم تردد هذا البيت الشعري بنغمات حزينة باكية :

(على غفله يالعزيزتغير الحال   وراحت كل سوالفنا و الامال ).

***

  ربما هي أيضا كانت تحلم ، حالها مثل حاله ، بإتاحة اللقاء .. لإحياء  تلك النظرات التي افتقداها عشرات السنين ؟ 

فهذه الامور قد تسترجعها الذاكرة لتلك الأيام . و ربما تبكيها ، و تحزنه هوأيضاً. لأن الدعوة التي وجهتها إليه ، كي يلتقيا و يطفئا أشواقهما .ويتحسس هو لذة الجلوس معهاً هي لكي يستذكرا، و لو مجرد كلمات و نظرات لا أكثر ، ليستعيدا أيام حبهما الغابر  .

 لكن .. كيف الحال و هي لا تبصر ؟ كيف يعبر لها بنظراته الصامتة  التي اعتادت على فهمها . لكي يترك  للغة العيون أن تبوح بما ظل خفياً ؟

***

كلما خلا مع نفسه ، دار في باله السؤال المُحيِّر : إذن كيف يلتقيها و الحالة هذه ؟ ألم يكن من المناسب أن يستعرضا نفسيهما بعد هذا الفراق الطويل ؟ أن يشاهدا ما الذي عبث به الزمن وغيّر فيهما ما غَيَّره ؟ و أي شيء تبقى لهما لكي يُطفئ شوقهما و يستأنسا به ؟

***

استدرج الذكريات ، و هو يستلقي على فراشه : 

أيام رحيلهم، و هي تحتفظ بصورته ، و ذهابه للعاصمة لإكمال دراسته . و استذكرعودتها مع اهلها ، وبين ذراعيها طفلة . عادت العائلة بأجمعها لكونها لم تتطبع على عالم الغربة .

وتذكر لقاءهما ، بعد عودتها ، بنفس الغرفة التي قبلته فيها و هربت . إلتقيا لوحدهما .

كان يريد أن يطفئ ندمه لكونه لم يُقبِّلها كما قَبَّلته قبل زواجها . فأمسك بها و قربها إليه ، و لكنها انتزعت رأسها من بين يديه ، و لم يحظ سوى بانتزاع قبلة على جبينها غصبا .

 تلك القبلة لم تُطفئ شوقه ، و لا تعبر عن أي معنى من معاني الحب ، بل هي أعلنت عن رفضها لها ،وأحرجته بما فعلت . رغم انها .. ليست سوى قبلة اعتاد الأقرباء أن يؤدياها تعبيرا عن عرفٍ اتّسَمَ بطابع الاحترام و المجاملات الرسمية.

هذا كل شيء . أما هي و حسبما صعق به ، فقد أرسلت له رسالتها الواضحة : أن ييأس و لا يفكر بأي تنازل منها لكونها مرتبطة بزوج .

و كان في باله أن يعاتبها على زواجها من غيره . فألجمت ممانعتها لسانه . و لم يحظ بأي رد شاف سوى أنها قالت : إن اقترانها بزوجها الغائب حدث دون إرادتها .

***

 و رغم ما حدث .. فقد التزما ، أن يلتقيا بحجة زيارتها لعائلته ليلاً ،كلما عاد من العاصمة يوم العطلة الاسبوعية ، ليقضيا الليل جنباً إلى جنب و يسهران بملء حريتهما .

يتحرقان لقدوم الليل . لكي يلتقيا ، فتضع ابنتها في حضنه . فيتلقفها وهي تطوقها بيديها ، و يطبق صدره على ذراعيها و هما يطوقان البنت . ثم تسحبهما ببطء. و تنشدُّ لما يستعرضه أمامها ، من إسراف في لثمٍ خدي الطفلة و فمها ، ثم يتنقل بقبلاته العميقة و(وفية) منشدة لذلك و هو يرسل رسالته التي تفهمها بلغة القلوب : و كأنه يتمنى أن يفعل ذلك معها . و كانت رسالة واضحة المعالم . لأن نظراته ، و هو ماض بقبلاته ، كانت منصبة على وجه الأم .

قالت و هي تستعيد طفلتها من يديه :

ـ هل أعجبتك الأجواء هناك ؟ يقال أن الكلية فيها أولاد و بنات .

فابتسم :

ـ أنا لم أتعود بعد هناك . كنت أفكر متى ينقضي الوقت لكي أعود .

كانت تحاول أن تقترب منه أكثر ، و كانت سعيدة جداً .

قالت مازحة :

ـ قلها بصراحة ... ألمرء ليس معصوماً .

ـ لا . لا شك إن الحياة هناك جميلة جداً و مغرية لمن تطبع عليها . أما أنا .. فما زلت أحن إلى هنا . لم أتطبع ، و ربما أبقى أحتاج أن أنسى كل شيء . و لكني سأفشل .

ـ لماذا تفشل ؟ لأنك تحن إلى ثدي أمك ؟

و ضحكت .

ـ لا 

كان بوده أن يقول لها : لك أنت . 

و ضحكا معا . فالموضوع و أسبابه ، الذي يشغل بالهما واضح لديهما . 

 ثم مضى يحكي عن الأجواء هناك . كان يتفنن في اختيار المفردات . و كان يدفعها لكي تنشدّ إليه . في حين يفتر تغرها عن ابتسامة إعجاب ، ببراءة استُلِبَ لبه ، بينما هو يتأجج شوقاً .

كانت كلماته تتدفق رقراقة عذبة ، منبعثة من بين شفتيه . كأنه هيأها بإتقان شديد . كلها عذوبة ، تنبعث مع أنفاسه المتلاحقة ، بنغمات أشبه بالغناْء . 

فتذوب و ترتخي بإستسلام كامل لنغمات كلماته ، و كأنها على أعتاب أن تلقي بنفسها بين ذراعيه . 

 و لكي تعرب عن استجابتها الكاملة .. دفعت بطفلتها إلى أحضانه مرة أخرى، ليمضي باحتضانها و لثم كل أجزاء جسدها . مضيا إثنيهما بسيل من التأمل و الإبحار بالمكنون المملوء بالنشوة ، كأنهما يغرقان بطغيانه ، فينشدّ قلبيهما إلى بعض ، وسط هذا التيار الجارف ، دون أن يستعينا و لو بكلمة واحدة .

كانت أنفاسها تتلاحق بصوت مسموع ، فيشعر و كأنها تمرر نسيمها على خديه . و كان يتعمد أن يثير هيامها . 

أناملها.. و ثغرها .. و عيناها .. و أنفاسها .. تنشد بإستجابة كاملة ، لهذه المناجاة الصامتة .

بالتأكيد ان زواجها لم يطفئ جذوة حبهما . في حين كان يفترض قبل زواجها : أن يكمل دراسته و يتزوجها .

يمضي الوقت . و يمضي هو بحديثه عن العاصمة ، و أشيائها التي لم يألفها هنا. و حدائقها ، و السينمات و أبنيتها الشاهقة .و هو يمعن نظره بضفيرتيها المنسرحتين من تحت شالها الشفيف ليسفرعما ورائه ، و ليستقرا في حجرها .

قالت متحسرة :

ـ الوقت يداهمنا سأنهض .

***

أتعبته هذه الذكريات . و لم تغره أجواء العاصمة المكتظة بأنواع الجمال لكي تروّضه و يقلّ شوقه لهذه السويعات القليلة التي لم تزح الخجل جانباً لكي يتنعم بثمالة الحب. 

أما الآن ، و عبر عشرات السنين ، فعبثاً يحاول أن ينسى كل ذلك ، وقد تطرف عمراهما ليغادرا عقد السبعين .

لقد ظلمها ، عندما انتابته الشكوك بانها نسيت كل شيء طيلة الأعوام الماضية . 

إنه لا يعرف عن ماذا يتكلم حين يلتقيها و هي الكفيفة البصر ؟

 إنه قد تغير كل شيء في ملامحه تلك . و ذبل ما عشقته فيه . 

بقي يتقلب على سريره و جَفَاه النوم ، حتى بواكير الصباح .

***

 جلس مبكراً ليتهيأ للسفر. كان جاهزا ، أنيقاً و مهندماً . و انطلقت سيارته ، لكي يكون بوسعه أن يصل في الوقت الملائم ، و ينفردا معاً . 

وضع سيارته في مرآب المدينة و جاء راجلاً .

اعتلا الدرجات الأربع ، و ضغط على المنبه بحذر . ضغط مرة أخرى و سمع بعد لحظات صوت امرأة تجيب :

ـ من الطارق ؟

أجاب :

ـ أنا يوسف .

فتحت الباب و تطلعت إليه بابتسامة ، و رحبت به بحرارة :

ـ ياه... أنت العم يوسف ؟؟؟ ما هذه المفاجأة يا عم ؟؟؟ فقط .. دقيقة .

و بعد أقل من دقيقة عادت مرحبة و هي ترتدي عباءتها :

ـ تفضل عمي .عرفتني من أنا؟ 

إمرأة تخطت الخمسين ، لكنها بدت بحيوية أكثر ممن يبلغن مرحلتها العمرية .

عاتبته بدعابة مؤدبة :

ـ هل نسيت (مريم) التي تطوح بها و تغفو على صدرك ؟

رحب بها بشوق . ثم قادته إلى غرفة الاستقبال ، ألتي اكتظت بالنفائس و الأرائك القيّمة . أشارت له أن يستريح .

كانت الأريكة التي يجلس عليها ، تقع على يسار الباب المؤدي إلى الداخل ، و قالت له على عجل : 

ـ أمي لا زالت مستلقية في فراشها ، سأخبرها حالاً .

لاح له سقف الاستقبال مزدانا بالنقوش المغربية المبهرة و الثريات و مصابيح الزينة التي أنيرت بأجمعها ، لكي يكون كل شيء مبهرا . وَضَعَت أمامه طبلة و عليها كأسا من العصير و غابت .

بدأ يشغل نفسه بالتطلع للمحتويات . الدار تبدو له صامتة . ربما الأفراد الآخرون نائمون أو غائبون .

بدا له أن الوقت قد طال .

 ربما ان (وفية) تهذب نفسها . كل النساء تفعل ذلك .

ظل يتسقط الحركة في الداخل . سمع خطوات متأنية . و انفتح الباب . نهض . كانت ( وفية) تفتح ذراعيها كأنها تبحث عن شيء . تركتها البنت على مسافة من يديه و قالت : 

ـ لحظة عمي و أعود . 

غابت تلك المعاني السابقة و لاح ما تبقى ( كباقي الوشم في ظاهر اليد).استمرت تهوم بذراعيها بحثاً عنه ، وهي تميل بإذنها منصتة ، أمسك بها و أجلسها بجانبه. و مالت بجسدها و هي تحرر يديها لتحتويه و تقبله بوجهه و شعره ، و ألقت برأسها على عنقه و هو يلف ذراعيه على عارضيها ، و تعالى نحيبها عنيفاً . 

كانت تمسك به و تمرر كفها على وجهه و جسده و قفاه :

ـ يوسف .. لماذا كل هذا الغياب ؟

كانت تمسك بذراعيه و تتلمسهما . ثم تمرر يديها على شعره . بدا له جسدها ممتلئاً ، وقد تغيّر فيها الشيء الكثير . 

كانت كل حركاتها و انشدادها إليه ، توحي له و كأنها نادمة على تَمَنُّعِها حينذاك . و حرمانه من قُبلةٍ حاول أن يغتصبها من خدها أو شفتيها . و يتوضح له الآن أنهما كانا لوحدهما . أما الآن فقد وضعت نفسها أمامه في غياب ابنتها : بانها حاضرة أن تعوض ما حَرَّمَتْه عليه و على نفسها .

قُبلاتها الحارة ، و احتضانها له ، و التساقها ، و بكائها . كل ذلك ، و كأنه تكفير عن رفضها ذاك : أن تسمح له بقبلة و لو واحدة. فأباحت له الآن : أن يلثم خدهاو يستنشق عبيره .

 كل ما تكتمت عليه تخطته الآن ، و ألصقت خدها على كتفه ، و أنفها يتنسم عبيرعنقه ، بحيث اتاحت عن عمد فرصة لشفتيه أن يلثما .

 كانت تحاول ،و هي تترنم بكلمات العتاب الشجية ، عن طول غيبته . تعمدت أن تغمض عينيها ،اللتين تبحر بهما أيام زمان ، لكي تخفي عنه ابيضاضهما ، و لكي لا تؤلم قلبه فتكشف عن فداحة خسارة امنياته. لكنها تنسى و هي في ذروة  الشوق و البكاء ، فتفتحهما على سعتهما متطلعة إليه .

***

  عادت البنت ووضعت كرسياً قرب والدتها وواصلتا بكاءهما و صوتاهما يعلو بانسجام ونغمات رخيمة حزينة ، وما زالت الأم تتشبث بيديه .

كانتا تنعيان بصوت رخيم للومه على عمره الذي قَضّاه غريبا عن أحبته .

  ثم توقفت فجأة و سألته :

ـ طالت غيبتك كثيرا .ألم يطرأ ببالك : ان لك أهلاً و أحبة ؟

ثم بدأت تواصل أنينا خافتاً كأن قلبها أُضناه البكاء، و فقدت قدرتها أن ترفع صوتها . ثم فجأة ارتفع عويلها حاداً و هي تمسك بأحشائها التي أضناها البكاء . توقفت ثم قالت عاتبة :

ـ هذه (مريم) التي كانت ترقد بين ذراعيك ، نسيتُها ؟ أسفاً على قلبك الذي غيّرته الغربة . 

كانت البنت و كأن أمها قد حرضتها لكي يتعالى نحيبها بوجع و هي تنظر إليه .

كان هو يقترب من الأم و قد بدا حزيناً جداً .

استأذنت ابنتها ثانية، و غابت في الداخل  ، بينما أمها ما زالت تمسك بذراعه ، و تضغط عليهما :

وأخذت كفه و قبلته و بكت .

ـ ها أنت ذا جِلْداً على عظم ، ماذا كسبت من طرادك ؟ أنظر ماذا فعلت بك الغربة ؟ من الذي يحتضن تابوتك هناك و يبكي عليك ؟من التي تلطم خديها و تشق ثوبها ؟

و امتدت يدها لشعره :

ـ أما زال على حاله ؟

قالت ابنتها التي عادت :

ـ كل شيء فيه قد تغير .

كررت :

ـ مالهن حبائبك ؟  غدا جَداءهُنَّ(2) .كم رجوتهن أن تأتي قبل أن يكف بصري ؟ما الفائدة ؟ هل هذا كثير عليك ؟ إنها مجرد لحظة مضغ سجارة ، ثم تعود إلى غربتك دون أن تفقد شيئاً من خيرها ، هنيئاً لك على خيرها . 

 انظر إلى ( وفية)السعيدة كم تَلّلَ عليها الخير بلحمه ؟ لماذا لم يقسمه الرب بيننا ؟ كم أوصيت لك كي تأتي و أراك ؟ يا له من حظ عاثر . أتيت بعد أن كف بصري و ابيضت عيناي ، و حُكِمَ عليّ أن لا أُكحّلهما بمشاهدتك .

و استمر نحيبها .

قال :

ـ لم تصلني أية وصية منك . أقسم على ذلك. فقط هذه الأخيرة ، و لم أمكث طويلا  فأتيت مسرعاً .

قالت بحرقة :

ـ سوّد الله وجوه أعداء حبائبك . ماذا يكلفهن لو أوصلن لك طلبي قبل أن أفقد بصري ؟ كم اْنقطَعْتَ عنا ؟ حتى الأطفال الذين خلفتهم وراءك شابوا ، و خلفوا . و أبناؤهم أيضاً خلفوا و أنت مستنأنس بغربتك. 

ثم عاودت أنينها .

كانت قد فقدت رشاقتها و الكثير من جمالها و هيمنت على ملامحها مسحة الحزن. و رغم أنها حاولت أن تبدو محافظة على ملامح أيام زمان ، لكن الأعوام الكئيبة لم تنصفها . و مالَ كل شيء فيها إلى ما يثير الحزن ، و يوجع القلب .

قال :

ـ أتيت لمواساة الولدين عند وفاة أبيهما .

قالت بعتاب :

ـ كان هذا قبل أكثر من ثلاث سنوات . بينما أنا رجوت من حبائبك أن تأت قبل أن أكون عمياء .

تناول قدح الشاي من يد البنت التي كانت تبدو سعيدة بحضوره  . ووضعت قدحاً آخرَ بين يدي أمها . و أثناء حديثهما و هما يرتشفان الشاي قالت :

ـ يبدو أن شايك قد برد . إعطني إياه و هاك هذا .

قال :

ـ ليس بارداً.

و لكنها أصرت و امتدت يدها تبحث عنه . 

تناولت قدح الشاي ،و أعطته قدحها . كانت الغاية واضحة لديه. راقبها و هي تلثم القدح من كل جوانبه .

 وبعد أن أنهيا تناول الشاي .. طلبت من ابنتها أن ترفع القدحين . 

كانت البنت قد مضت إلى الداخل بينما هي شرعت تسحب شيئاً مخبأً في مخبأ ثوبها ملفوفا بحجم الحِرْز (1)، و دسته بجيبه قائلة :

ـ لا تفتحها هنا . كانت هي ضَمَدي الوحيد . أما الآن فلم أعد أبصر شيئاً .و ربما أنا على أعتاب الرحيل .

كانت عباراتها الأخيرة كأنها تعلم ، بقرب رحيلها الآتي .

لم يعرف ما هذا الذي وضعته . هل هو حرز أم ماذا ؟ بيد أنه حينما تلمسها ، أحس أن هناك ورقة أو ما يشبه  في الداخل .

 بعد أن أمضى وقتاً وافياً ، حاول الإثنان عبره أن يُطفِئا فيه أشوقهما ، كان عليه أن يغادر مودعا .

 و رغم انقضاء عشرات السنين ، و البعد ، و الشوق ، و هذا البكاء ، و رغم تطرف عمريهما فإنه أدرك أن هناك ما يثير لديه ، إحساساً بأن هذه اللحظات هي بداية افتراقهما الأبدي ، إلاّ أنهما ، رغم كل هذا ، بقي عصياً عليهما أن ينطقا كلمة ( أحبك) التي شدّت أواصر قلبيهما كل هذا الزمن الطويل و عصي عليهما أن يحلاّ عقدة من لسانيهما .

 أسرع للمرآب مستقلاً سيارته. و قبل أن يشغل المحرك ،  رأى من المناسب أن يفتح الملفوف ، لكي لا يبقى مشغولاً بأمره طيلة الطريق . 

فتح الملفوف كانت هناك اوراق ملفوفة بإتقان ورقة فوق الأخرى ثم  فوجئ بوجود صورته التي اهداها إليها من قبل .

11/5/2020

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ جدا أو جدى : العطاء

2ـ  دعاْءلجلب الحظ او العافية ، يكتبه الملالي ثم يلف عليه خرقة و يخيّط

موسى غافل الشطري


التعليقات




5000