هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تحليل نقديّ لرواية "لماذا عليَّ أن أهاجر؟"

​رشيد ابوالصبر

تحليل نقديّ لرواية

Porque tengo que emigrar ? 

"لماذا عليَّ أن أهاجر؟"

للكاتبة الإسبانيّة 

Concha Lopez Sarasua ـ  كُونْشا لُوبِّص سََرَسُووَا

 

تستهلُّ الكاتبة مؤلَّفها هذا، الصّادر سنة 2009 عن دار النشر إيبيرساف ـ مدريد ـ في طبعة أنيقة في 109 صفحة، بالتعريف عن نفسها، فتقول : 

"هكذا.. أعيش الآن في ألِيكانتي، جنب البحر الأبيض المتوسّط، البحر الذي أهدي إليه الكثير من صفحات هذا المؤلّف... لكن، كذلك، قضيت في المغرب عشرون سنة... دواخلي تتفتّق في شمال أفريقيا.. في المغرب بالتحديد.. هذا البلد، بدون شكّ، هو الذي أيقظ في الصَّبر على الكلمة المكتوبة." 1

لهذه الكاتبة، العديد من الأعمال الروائيّة نَذكر من بينها :

ـ A vuelo de pajaro sobre Marruecos "تحليق في سماء المغرب" (طبعة أولى، 1988). روايتها الأولى عن المغرب.

ـ  Celanova 42"سيلانوبا 42" (طبعة أولى، 1993). روايتها الأكثر أوتوبيوغرافيّة.

ـ Que buscabais en Marrakech ? "عمّاذا تبحثون في مرّاكش" (طبعة أولى، 2000).

ـLa llamada del almuedano  "نداء المؤذن" (طبعة أولى، 2002 ـ طبعة رابعة، 2002.)

ـ En el pais de Meriem "في بلاد مريم" (طبعة أولى، 1998 ـ طبعة ثالثة، 2003).

ـ  Cita en Paris"موعد في باريس" (طبعة أولى، 2005).


و في سنة 2009، ستضِيف هذه الكاتبة العصاميّة  لبنة أخرى لمنجزها الروائيّ عن المغرب و المغاربة برواية حول تِيمة  الهجرة.. ملحمة العصر و ميسمه،  تضمُّها عُصارة تجاريبها الحياتيّة و الإبداعيّة.. رواية  "لماذا عليَّ أن أهاجر؟".


و قد قمتُ بالترجمةِ الكاملةِ إلى العربيّةِ لهذه الروايةِ فوْرَ صدورها، ثمّ توصّلتُ لاحقاً بموافقةٍ من الكاتبة على نشرها.. النشر الذي لم يتحقق بعدُ لهذه الترجمة ـ و التي، في حدود عِلمنا، لا يَتوفّر غيرُها ـ

و بناءً على ذلك، فسنكتفي في تحليلنا لهذا النصِّ بالإستعانةِ بها في الوقوف عند بعض المقاطع، على أن نعتمد في مفاصله الكبرى على  النّسخة الأصليّة.   


و هكذا، فقد عمِلت سَرسووا على تقسيم روايتها إلى سبعة عشرة قصّة بين المتوسِّطةِ و القصيرة، و جعلت لكلِّ قصّةٍ إسمها الخاصَّ بها :  

حارسة التقاليد غير راضيّة ـ الطاهر، الساحر ـ رحيمو، الشوّافة ـ كمَا اللّقالف ـ ...

   

   و لكيْ نقترب أكثر من صورة الإسبان عن المغرب و المغاربة.. في تقاليدِهم وعاداتِهم، نُسُكِهم و شعائِرهم، و ما إلى ذلك في السَّرد الإسبانيّ، وأيضاً من أسلوب الكاتبة في الطرح.. نقترح على القارىء الفضيل ترجمتنا للقصّة الأولى من روايتنا قيْد التحليل النقديّ.. قصة "حفيظة".

و هي القصّة التي ترتكز بالأساس على إحدى أهمّ الشعائر عند المغاربة و المسلمين كافة : عيد الأضحى


حفيظة

Hafida


حفيظـة سعيـدة في هذه القـريـة الصّغيـرة على ضفـاف البحـر.. هنا وُلِدت هي وأخوها عِيّاد، وهنا يعيشان مع أبويهما ومع جدّتهما بثينـة القادرة على إثارة شهيّتهم بطبق من الحلوى المُعسَّلة ، أو إبداع – حسب المناسبة – واحدة من حكاياتها المُدهِشة.. الحكايات التي تَدُور حَول البحـر، دائماً حَول البحر، حَول ذلك المحيط الهائل الذي يبدو أنّها تعرف أسراره المعقّـدة .

قضت الجَدّة نصف حياتها تعيش جنب البحر، ولذلك فهي تشكو دوماً من الرّوماتيزم الذي سكن ركبتيها ، و لكن على الرّغم من هذا المرض، وهذه الرّطوبة التي نخرت العظام، فإنّها لا تمنع نفسها من النّزول إلى أعماق الأطلنتيك بخيالها، من حيث تَطلع بحكايةٍ جديدةٍ تحكيها لأحفادها.

وعلى الرّغم من تراكم همومها، فإنّ الجدّة تنجح دوماً بفانتازياها في جعل الصِّغار يُحلّقون في الهواء لساعات .

آه!  لكن حفيظـة وعيـّاد يعيشان كذلك مع راتشا .

 راتشا، عنـزة مندفعـة و نــاطّــة، بشَعـَر أشعَـثَ ولونٍ أسمـرَ تجلب تقـدير الجـوار، لا أحد يمُرّ جنبهـا دون تمسيـدها. إضافة إلى شَعَرها الجميل، تُبدي راتشـا هذه  ذكاءً خارقـاً مقارنة مع جنسها.. تستجيب دون تماطلٍ حين مُناداتها، وعندما يَحلِبونها في الأماسي، تمنحهم الوقت الكافي قبل الإستلقـاء على التّبـن في الإسطبل (Establo  ).

إعتادت حفيظة وعيـّاد القول بأنّ هذه العنـزة، فقط، ينقصها الكلام، وفي المنزل يضحكان عندما يسمعان أبويهما يَعُدّان مناقب راتشـا.. فحسب رأيهم، الأمر يتعلق فقط بعنزة عاديـّة، جميلـة نعم، هي كذلك، وهادئـة، لكن الاعتقـاد بأن قدُراتها في التّفاهم يُمكِن مقارنتها بتلك الذي لدى الإنسان – كما يؤكدّون بإصرارـ فيه الكثير من المبالغـة  .

العمّة مباركة بدورها تشارك الطّفلين الرّأي في أنّ العنزة راتشـا لا ينقصها سوى الكلام .

العمّة مباركة هذه، تسكن "برّاكـة" (Barraca) في الضّـواحي، بين العديد من " البراريك " المحاطة بأشجار التّين وشجيرات الدّفلـة (Adelfa) التي تبقى مُزهِرة على الدّوام.

لم يمنع أحد مباركة من بستنـة حديقة خاصّة بها في المدخـل ، فيها يُمكن رؤيـة السّوْسن والنعنـاع، ذلك المنعـش الذي يُعَدُّ به الشاي.. ذلك كلـّه  مغروس في فسيفساء من المتلاشيّات.. فخار مكسّـر، أواني من البلاستيـك أو الزّجـاج ،هي كذلك مكسّـرة.

وضمن ذلك نرى مغروساتٍ في بقايا أوعيـّة مصبّرات صدِئـة.. هي نباتات مُكمِّلـة للطعـام.

ما من شك في أنّ العمّة مباركة تحبّ الأشياء الجميلـة ، لكـن بالخصـوص ليس من شكّ، والأخويـن يعرفـان ذلك جيّـداً : العمّة مباركة امرأة جدّ مهمّـة في القـريـة ، رأيها محترم، وحاضـرة بقـوّةٍ عندما يتعلـّق الأمر بأحداث خطيـرة أو سعيـدة ، كتعهـّد حفل زواج أو مناسبـة جدّ مهمـة.

ترمّلـت المسكينـة وهي لا تزال صغيـرة ، وبما أنه ليس لها أبنـاءَ تُعيلهـم ، فقد انصرفت إلى مساعدة العائلات.

الأراضي التي ورثتها عن زوجها بقيت خلاءً إلاّ من بعض شجيرات الأركان التي يُستخرَج من حبّاتها الزّيت الأكثر غلاءً على مستوى الوطن . لا تخلو مائدة العمّة مباركة من زيت الأركان ومعه العسل، لأنّ أبناء أخيها لابدّ أن يمرُّوا عليها عند العودة من المدرسـة ليدهَنوا شطائر خبز لمجـة المساء .  

العمّة مباركة تُسعِدها الحفـلات ، لكنّ الذي يُسعدِها أكثـر، هو أن يُحافظ  فيها على العادات وعلى القيـّم المنقولة أباً عن جَـدّ .

" أنا حارسة التقاليـد .. لا تنسوا ذلك أطفال " . و تضيف : " ضعوا هذا في بالكم ، حتى لا تنسوه ، ثم إن كون حارسـة للتقاليد هو امتياز ليس في متناول أيٍّ كـان .. أوّل شرط للقيّام بهذه المهمـّة ( تشرح لهم بصوت منخفض ) يتمثـل في معرفة تامة بالأيـام ومنازل القمـر ... البـاقي ، حتـى أكون واضحـة أكثـر ، يعود إلى حساباتي الخاصـّة ".

العمّـة مباركـة تعرف كشُعيرات رأسها  اليوميـّة التي علّقتهـا في حائط مطبخهـا، تلك التي يَحمِلها إليها ساعي البريد كلّما حلَّ عام جديد.. اليوميّة العصريّة للحاج إدريس بوعيّاد . تتصفّح سابقتها ذات الأوراق الصّفـراء، تتذكّر أبرز أحـداث الأشهـر المنصـرمـة، الأفـراح والأطراح، أجزاء من حيـاة مثيـرة علـى الورق، ثم تمضي إلى الحديقـة، ودون أن تفكـّر مرّتيـن، تضـرم فيهـا النـار.

والآن تعلّـق بهـدوء اليـوميـّة الجديدة، الأشهـر القادمـة ، حتى تبلـّغ العائلـة بالأيّام التي تصادف أعيادهـا: العيـد الكبيـر، المَولد، عاشـوراء.. هذا الأخيـر ينتظـره الأطفـال بفـارغ الصبــر حيـث تَهـدَى إليهـم فيه اللعـب .

فـي البيـت، كلّهم يعرفون بأنّ العيـد الأفضـل لدى العمـّة مباركـة هو العيـد الكبيـر.

 للإحتفال به تَبـْذل كلّ جَهـدها ونباهتهـا، لا شيء يفلت من بالها، لا تنسى صغيـرة لأنّ هذا اليوم هو الأكثـر تقديساً في السَّنـة، ولذلك فهو الأهـمّ في تلك اليوميـّة الإسلاميـّة التي علّقتها في حائـط مطبخهـا، والذي سطّرت تحتـه بمِـدادٍ أحمــر.

الإستعدادات للعيد الكبير تبتديء عند العمّة مباركة أسبوعاً قبـل حلـولـه، منذ الفجر وهي على الباب تنتظر عبد الله العجوز لينطلقا سويّاً نحو السوق والذي لن يعودا منه إلا وقتَ الأكل. هذا الموعد السّنويُّ يكتسي أهميّة كبيرة لهما الإثنين، الرّاحة عند العودة لا تهمّ ، ذلك أنّ الخروف الذي ينقلونه يحاول الهرب، خروف بريء عليهم التضحيـّة به. حفلـة العيـد الكبيـر تتلخّـص في هذا، في التضحيّة بكبش . هكـذا كُتِـب وكذلك يَتـمّ . إلاّ أن حفيظـة لا يعجبها ، مجـرّد التفكيـر في أنّ عنزتهـا ستلقـى يوما نفس المصيـر يرعبهـا.

   ـ عنزتـك ! تقول العمّـة مباركـة ، ـ بمزيج من الضحـك ـ عنزتك المسكينـة راتشـا ، ليس من يأكلهـا، دعيهـا تتسلّـق شجيـراتي وتأكل ثمار أركاناتي ، لم أكشّـر أنيابـي عليها بعـد، كونـي مطمئنـّة.

  ـ لا أعرف، لا أعرف.. إذا تركنـاها تطبـخ لوقـتٍ طويـلٍ مع الزعيتـرة والحبـق (Albahaca)، ستكون لــذيــذة ـ تضيف أمّها هذا الّلسـع باستهـزاء ـ .

صَـدِّق أو لا تُصدِّق ، حفيظـة تتغاضى عن زيارة العمّـة مباركـة عندما يُعلَن أنّ الخروف قد أُحضر إلى حديقتهـا ليتغـذَّى جيّـداً خلال الأيّام القليلـة قبـل النّحـر، تحجـُم عن رؤيته لأنّها تفكـر في راتشـا ، وبعبارة أخرى لأنها مرتبطـة بهـا.

عبـد الله العجـوز صديـق العمـّة مباركـة، ليس فقط خبيـراً بالخرفـان، لكن يعتبرونه في القريـة رَجـلاً مُقـدّساً، كلّما نادوه أضافوا لقب "حـاج" ، و كون " حاج" ، بمثابة شهادة فخـريّة تُميِّز الناس الذين حجّوا إلى مكـّة ، المكان المُقدّس لدى المسلمين . 

وعبد الله العجوز كانت له حُظوة الذهاب مرّتين. العمّة مباركة فخـورة بصداقتـه. وهاهو العيد الكبيـر قد جاء أخيـراً. مع الاستعـدادات ، لا تتوقّـف الحركـة في بيتهـا.


ماء في أواني يُطبخ فوق النـار، غلاف المائدة مغسـول، والأدوات اللاّزمـة لامعـة.

عندما وصلت الحلقة الأخرى من هذه التفاصيـل تجمَّد الكلّ، حان الوقت، وعليها لوحدها تثبيت النّظـام. و مساعدة عبد الله.. سوف يبـدأ النحـر.

الذين يَحضُرون المراسيم يلاحظون بانتباه وفي صمـت: تخلّص عبد الله من الجلباب، بقيَ في "القندريسي"، ثنى أكمام القميص، ودون تضييع الوقت أشار إلى العمّـة مباركـة التي لم تتوان في لفـّه حول الحزام بإزارٍ ناصع البياض ثمّ مـدِّه بسكّيـن ضخم . أمسَـك العجوز الخـروف من صوفـه، طرَحه أرضاً، عكـَس أرجلـه وتمتـم بصـلاةٍ قبـل أن ......

لم يَحـدث أيُّ شيءٍ آخــر.

ولأنّ حفيظـة تمقـت الدّم، هرولـت للإختبـاء في مكانٍ أكثـر بُعـداً.

مخبـأها المفضّـل في مثـل هذه المناسبـات ، قبْـو مظلـم لخـزن الصّوف لا يكاد يصلـه ضـوء.

اليـوم الذي اكتشفتـه فيـه أصابها ذعـر كبير، شعَرت وكأنّ عنكبوتاً قيـَّد يديْهـا، كانت على وشك الإختنـاق.

أقسمت حينها أنّها لن تغلق على نفسها ثانيـة هنـاك، لكن عادت إليـه لتنسُج مع العناكب علاقـة، وتفضّلها ألف مرة على حضور مصـرع خروف بريء.

مـرّات عديدة ، وهي مختبئـة في القبـْو، تَجهد على تذكّر واحدة من تلك الحكايات التي يحكيها لهم المعلّم ، تلك التي تنتهـي دومـاً نهايـة سعيـدة ، حكايات تُنسيها حرارة القبـْو. وفي أوقاتَ أخرى تغنـِّي أناشيـدَ لتزجيّة الوقت ، و لتبـدو مصحـوبـة بأحـد لِحِيـن موعـد الأكـل.

عندما عادت إلى البيت كانت قد نسيت مخبأهـا، هناك نشاط احتفالـيّ كبيـر يَعـمّ المنـزل على إيقـاع الضّجيـج المصاحب لحفلـة النّسـاء، جلست إلى المائـدة على استعدادٍ لالتهـام نصيبها من الكُسكُس و كبـابٍ بنكهـة الكامون الذي نُثر فوقـه.

قبـل أن يتفـرّق الجمع، سيبقـى لحفيظـة وعيـّاد أداءَ المهمـّة التـي تكلّفهـم بهـا العمـّة مباركـة كلَّ عام . تقليـد آخـر.. ما الفائذة من مثل هذه المناسبـة إذا لم يشاركنا الطعام الفقـراء. هكـذا اختاروا من المائدة ما يَروْنـَه عادلاً، وضعـوه في سلّـة، ومضـوْا متأكّدين من أنّه ينتظرهـم في الشّارع  كثيرممـّن هم أسوأَ منهم حالاً.

لم يتكلّم الإثنان طيلة هذا السعـي ، لكـن عند العـودة، سيَشعـران بارتيـاح كما هو بالتأكيـد حالُ العمّة مباركـة حارسـةُ التقاليـد.


=*=*=                 انتهت القصّة


  هكذا نرى، أنّ هذه القصّة على غِرار قصص الرواية الأخرى، تزخر بصور عميقة تُقدِّمها الكاتبة الإسبانيّة عن المغرب و المغاربة، و من خلالهم العرب و الأمازيغ و المسلمين قاطبة.


    و اختيّارُنا لهذا العمل بالذات، يأتي إضافة إلى ما أشرنا إليه من كونه يَضمُّ عُصارة تجاريبها الحياتيّة والإبداعيّة.. إلى ما يشهده المغرب و إسبانيا من تجاذبات سياسيّة، اقتصاديّة، و اجتماعيّة قديمة/جديدة، بفعل الثعور المحتلّة شمال المغرب (سبتة و مليليّة)، و الجزر الجعفريّة جنوبه، و من مشاكل الصيد البحريّ، و الهجرة السريّة.

 و لكن أيضاً و أساساً يأتي اختيارنا لهذه الرواية لراهنيّتها على اعتبار أنّها موجّهة بالأساس إلى التلميذِ الإسبانيِّ و ذلك في نهاية العُشَريّةِ الأولى من الألفيّةِ الثالثة.

ثمّ، كوْن سرسووا كاتبة نسويّة غيريّة حَضرت مراراً التجميلَ النسويَّ المغربيَّ عَرَبه و أمازيغه، و العُرس النسويَّ المغربيّ، كما دخلت الحَمَّامَ النسويَّ المغربيَّ كما لا يُمكِن أن يَدخله رجل و لو كان مغربيّاً.


  فما هي الصُّورة التي قدّمتها هذه الكاتبة عن هذا البلد الجار على مرمى حجر؟ وما هي حدود موضوعيّتها ؟ و قد عاشت في المغرب ما لا يقلّ عن عشرين سنة.

و كيف تقبَّلَ الطّفلُ الإسبانيُّ هذه الصورة ؟


    منذ قصّتِها الأولى في هذه الرواية.. "حفيظة"، و التي هي كما رأينا، غاية في التشويق و الجمالِ و الإبداعِ الفنيّ، و مزخرَفة بكلمات إسبانيّة ذات أصل عربيّ :

(Establo  = إسطبل ) ، ( الدفلة = Adelfa ) ، (الحبق = Albahaca)

 ستنزلق سرسووا في صورةٍ مغلوطةٍ لا تخطئها العين، و هي تتحدّث عن إحدى أعظم شعائر المسلمين.. النّحر في عيد الأضحى.. فتتحدّثُ عن الكبش البريء، و عن كون حفلة العيد الكبير تتلخّص في هذا.. في التضحية بكبش: " هكذا أمسك عبد الله الخروف من صوفه، أَوْقعَه أرضاً،، عَكَس أرجله، و تمْتم بصلاةٍ سريعةٍ قبل أن ... و لم يَحدث أيَّ شيءٍ آخر، و لأنّ حفيظة تمقث الدم، جرَت للإختباء في مكانٍ بعيد."2

لقد حذفت الكاتبة هنا كلمة "نحر"، رفقاً بمشاعر الطفل الإسبانيِّ، ثم أضافت في استخفافٍ بهذه الشعيرة :3 « y no ocurria nada mas »  (و لم يَحدث أيُّ شيءٍ آخر).

 

    و كانت الكاتبة قد جعلت بَطَلتها في هذه القصّة (حفيظة) محلَّ نفورٍ من النحر فوَفّرتْ لها مكاناً سيِّئاً للإختباء في هذه المناسبة : 

"قبو مظلم، لخزن الصوف، لا يكاد يصِله ضوء."4 

و زادت أن جعلته أفضلَ لها من رؤية النّحر: 

"أقسمتْ حينها أنّها لن تغلق على نفسها ثانية هناك، و لكن عادت إليه  و نسجت مع العناكب علاقة و فضّلتها ألفَ مرّةٍ على حضور مَصرع خروف بريء."5

و قد زاد من إستيّاء الطفلة حفيظة من عمليّة النّحر أنَّ عنزتها راتشا، المحبوبة لديها، ستَلقى يوماً نفس المصير، 


و لكنّنا سنرى بعد ذلك مباشرة، و من المفارقات العجيبة، كيف أنّ  حفيظة ستسرع إلى البيت لالتهام نصيبها من الكباب و الكُسكُس.

أمّا الكُسكُس هنا، فلا نعرف ما دَخْله بعيد الأضحى؟ و هو الذي يَغيب أيَّامَها عن الموائد المغربيّة، و لا يَحضر بقوّةٍ إلا أيّامَ الجمعة، و في المآتمِ  و الأضرحة.

ثمّ إنّنا سنرى كيف أنّ حفيظة ستسعَد كثيراً بتوزيع بعضَ هذا اللحم على الفقراءِ و المساكينِ و أبناءِ السبيل... و هنا كان يَجدُر بالكاتبة أن تعتدل في الحديث عن النّحر، و ألاّ تتعسّف على هذه الحَلَقة، حتى لا يعتقد الأطفال الإسبان  نأنّ بابا نويل هو الذي يضع لهم الكباب فوق المائدة و هم نيّام. 

و كان حريّ بروائيّتنا أيضاً أن تقف مطوَّلاً للخوض في  ما تدعو إليه هذه المناسبة من تسامح دينيّ، و صلة الأرحام... و هو ما بات مفتقداً في الغرب.


و ثمّةَ أيضاً في هذه الرواية مسألة خطيرة لا يَقوم لها مَسوغاً لا الخطأُ المطبعيُّ و لا السَّهْو.. و هي قول الكاتبة في قصّة "ابن بطوطة، رحّالة الإسلام"، و هي تتحدَّث عن هذا المغربيِّ على لسان الجَدّة بُثينَة:

"المعروف أنّه يريد الذهاب إلى مكّة، و زيارة قبر الرسول محمد ((Mahoma."6 


و هنا إساءة بالغة لتاريخ الإسلام و جغرافيا بلاده، لا تُقِيم فيها الكاتبة وزناً لزمان و مكان و ظروف هجرة الرّسول محمّد ـ من مكّة إلى المدينة و وفاته و دفنه بها صلّى الله عليه و سلّم ـ . الهجرة كإحدى مفاصيل الدّعوة الإسلاميّة، التى لا يجوز أبداً الجهلُ بها و تجاهُلها و تضليل الناشئة الإسبانيّة بشأنها.. الدّعوةُ التي ستصِل إلى إسبانيا و تقوم آثارها شاهِدةً على ذلك إلى يوم الناس هذا.    


و لولا هذا الإستهثارُ البيِّنُ في الحديثِ عن الأماكنِ المقدَّسةِ عند المسلمين،   لاعتبرنا هذه القصّة أروعَ ما في الرّواية على الإطلاق، و قد وقفتْ فيها سرسووا مصدومة، متأسيّة، و مندهشة لعدم معرفة التلميذِ المغربيِّ بابن بطوطة !؟ 

تقول على لسان الجَدّة بثينة و هي تُحدِّثُ حفيدتها حفيظة :

ـ كيف، من هو ابن بطوطة؟ ألم يحدِّثكم مُعلّكم عنه ؟

فتُجيب حفيظة : 

ـ أبداً، أقسِم لكِ يميناً. هل يعيش هنا ؟ 7


ثمَّ، بشهامةٍ و نبلٍ ستدافع الكاتبة عن معرفة التلميذِ المغربيِّ و الإسبانيِّ  بهذا الرحّالة المغربيّ.. فنقرأ في القصّة دائماً على لسان الجدّة :


ـ سأقول بنفسي لمُعلّمك.. أكيد سأقول له.. كيف نسيَ أن يحكي لكم عن رحّالة الإسلام. 8


   و في قصّةٍ أخرى من قصص هذه الرّواية عنْوَتها الكاتبة ب "رحيمو، الشوّافة"، سنلاحظ باستغرابٍ كيف تجعل الكاتبة يومَ عاشوراء عطلة للتلاميذ المغاربة !؟ لا لشيء، سوى بُغية اتساق سردها و سَيْر الأحداث.. فتتحدّثُ عن اخييّار "مباركة" يومَ عاشوراء كيَومِ عطلةٍ لاصطحاب الطفلين عيّاد و حفيظة إلى مراكش، و"جامع الفنا" بها العجائبيّ.

 ثمّ حشر يوم عاشوراء في العيد و المعتقد بإجلاءِ مظاهر الفرح و البهجة عند التلميذِ المغربيِّ و نقلِها إلى جاره الإسبانيّ.

و ما كان أبداً عاشوراء يومَ عطلة في المغرب في أيٍّ من قطاعاتِ الدولة، و لا كان يومَ فرحٍ و ابتهاج مجاني.. بل على العكس من ذلك، فإنّ الدولة تصرُّ على أن يمرّ هذا اليوم عاديّاً من غير فرح و لا حزن ظاهر، و من غيرِ طقوسٍ كالّتي تصلنا أصداءها في المغرب الأقصى، بعيداً من العراق و إيران .

و كلّ ُ ما في الأمر هنا.. بعض العادات الباليّة من قبيل التراشق بالماء بين التلاميذ عند الخروج من المدرسة، و إطلاق بعض المفرقعات، و إشعال النّار في هوامش بعض الأحياء. و هي أمور يجري مَنعُها في المغرب لعواقبها  الخطيرة على صحّة الأطفال.

و هي على كلِّ حال سفاسِف لا ينبغي حشرُها في المعتقد فقطّ لإشباع فضول الغير.


و لكنَّ المظاهرَ الغالبةَ في هذا اليوم عند المغاربة.. الصيّامُ و زكاة المال.

و هي الصُّوّرُ الجميلة و السّموحَة التي تُغيِّبها الكاتبة، و تُعلي بدَلها الصُّوّرَ المدهشة و العجائبيّة و الخرافيّة...


   و قد لا تخلو قصّة من قصص هذه الرواية من تضليل الناشئة الإسبانيّة و التّمادي في إبعادها عن وجْه الحقيقة، و هي القصص التي تستهدفُ بالأخصّ ـ و لا نعرف لذلك سبباً ـ أمُورَ الدِّين الجوهريّة عند المغاربة، و التي لا يَقبلون أبداً  أيَّ مزايَدةٍ، و لامساومةٍ، و لا تساهلٍ،... في تناوُلِها.


و كذلك، و أيضاً، و كثير من ذلك، في القصّة الأخيرة من الرّواية.. "كما اللقالق".. تصف حفيظة مراسيم دفن صديقها العجوز  الطاهر العطّار ـ و هي تحضُرها !ـ فتقول عنه و هو داخل القبْر :

ـ "يديْه متقاطعتيْن فوق صدره، مشدودتيْن بتسبيحٍ إسلاميٍّ ذو سبْحاتٍ سوداء." 9    

الله أكبر.. ليس هكذا أبداً يُدفَن المسلم !


   إنّه من المؤسِف جدّاً أن تظلَّ هذه الصور المَقيتة قائمة، و أنْ تتوفّر لها أسباب و شروط الإستمرار بأنْ تُضحِّي هنا، كاتبة عايشت المغاربة عن كثب لمدّةٍ لا تقلّ عن عشرين سنة، بشعائر المسلمين و نُسُكِهم، لا لشيء، سوى للإحتفاظ للمَشرق لدى الناشئة الغربيّة بعجائبيّته وغرائبيّته و وحشيّته... و الإبقاءِ على أفواه الأطفال الإسبَان نصف مفتوحة على جارٍ لم يرَوْه و لم يسمعوا به إلاّ في ما توارَث.


و لا غرابة، ففي مختلف مدن شرق إسبانيا، ما تزال تُجسَّد كلَّ سنةٍ قصّة اسمها "موروس و كريستيانوس"، تُصوِّر العَرب في قمّةِ الغَباءِ و البَلادةِ و الحَقارةِ و الدَّنائةِ و الخِسّة،... في ما يتجاوز المشاكل الثنائيّة  الرّاهنة بين المغرب و إسبانيا، إلى مكبوثٍ تاريخيٍّ و ثأرٍ حضاريٍّ دفينٍ لا تُخطِئه العيْن، يعود إلى زمن السيّادة العربيّة الإسلاميّة في الأندلس.. ما يُفِيد ب "أنّ قضيّة الأندلس انتهت في الزمان، لكنّها ما زالت حيّة في المتخيّل" 10


في يوميّاته.. "يوميّات مهاجر سرِّي"، يحكي الكاتبُ و الإعلاميُّ المغربيُّ رشيد نيني : "هناك قصة تجسد كل سنة في شوارع هذه المدينة [بني دروم]. اسمها "موروس و كريستيانوس". محتوى القصة أن ملكا صليبيا سيأتي بجيشه عند ملك عربي. و سيقف أمام باب الحصن و سيقنع الملك العربي بمغادرته عن طريق إلقاء قصائد شعرية. هكذا يخرج الملك العربي و يعود إلى أرضه وراء البحر صحبة جنوده. ثم يدخل الملك الصليبي الحصن." 11


لا يمكن طبعاً، أمام هذا الإرث الثقيل، أن نتصوَّر صورةً موضوعيّةً عنّا، حتى على المدى المتوسِّط، و حتى لدى  الذين يَعتبرون أنفسَهم أقوى الأصدقاء الأوفيّاء للمغرب.. في مِخيالهم، و آدابهم، و بلاغتهم، و سرودهم، حتى النسويّة منها المرهَفة الحِسّ.


و هنا، لا يمكن أن نتّفق تمامَ الإتّفاق، و نحن نقرأ هذه الرّواية، مع أحد الأصدقاءِ المغاربةِ الكبار لكاتبتنا، الذي أثنى عليها بلا ضِفاف، و قدَّم  لترجمتة إحدى رواياتِها بكلمةٍ نقتطف منها قوْله : 

"غير أن في الأدب الإسباني نفسه، و لحسن الحظ، تيارا آخر من المؤلفين الذين يتميزون عن نقيضهم بالتحرر من تلك الأحكام الجاهزة تجاه المغرب و المغاربة، وقد احتكموا إلى الواقع التاريخي والجغرافي و الطبيعي والبشري معا." ص. 4. 

و هو يقصد ـ من بين ما يقصد ـ صديقته كونشا في المَقام الأوّل. 

ذلك هو الإسبانيست الدكتور أحمد صابر، العميد السابق لكليّة الآداب 

و العلوم الإنسانيّة بأغادير، و أستاذ الأدبِ الإسبانيِّ بها حاليّاً.


أمّا الرواية التي قام بترجمتها لسرسووا، و كان ذلك سنة 2003 (مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط ـ)، و عنونَها ب "تحليق في سماء المغرب"  فهي : « A vuelo de pajaro sobre Marruecos »

التي صدرت لها سنة 1988، و التي كانت روايتَها الأولى عن المغرب كما أسلفنا.  

و لا نعرف ماذا كان ينتظر الدكتور صابر لتعريب هذا العمل عندما يقول: "و إن ترددنا لفترة تناهز عقدين من الزمن بصدد إخراج نصه المعرب و وضعه رهن إشارة العموم." 12  هو الذي برّأ صديقته من أيِّ حُكمٍ جاهز.

 

التقديم الذي يقول فيه أيضاً كلاماً يُخالفِ حتى ما نجده في روايتها لِمَا بعدَ 21 سنة.. "لماذا عليّ أن أهاجر" (2009)، و ما نجده في "تحليق في سماء المغرب" ذاتُها : 

"تلك الصورة التي أرادت لها ملتقطتها أن تكون أقرب ما يمكن إلى أرض الواقع، بل أن تكون هي الواقع المجتمعي نفسه، بما في ذلك من مشاهد و سلوكات قد لا تستوقف في غالب الأحيان الإنسان المغربي بقدر ما تجتذب عين القادم من الضفة الأخرى. و هنا قد يذهب بنا الأمر و لو لوهلة إلى عدم الإنصياع كليا في مواقف معينة للمقولة المتداولة: "أهل مكة أدرى بشعابها". 13


يجدُر بنا ـ و الحالة هذه ـ، التوقّف قليلاً عند هذه الرواية علّنا نتلمّس فيها أجوبةً على بعضٍ من الأسئلة المنهجيّة و إن تكاد تظهر للعِيّان..

ـ كيف تقدِّم السرود الغربيّة المرأة المشرقيّة بشكل عامّ ؟

ـ إلى أيِّ حدٍّ اقتربت من وضوح الصورة ؟

ـ هل تعرف سرسووا المغاربة أكثر من أنفسهم ؟ 

كما ذهب إلى  ذلك صديقها المترجم لهذه الرواية، و المصاحب لأعمالها.





 





بداية، ترى الباحثة المغربيّة السيّدة عزيزة بنّاني، رئيسة المجلس التنفيذيّ النسويّ لليونسكو، أنّ "أغلب  الدّراسات الصّادرة عن النساء المسلِمات والعِبريّات لا تعدو أن تكون كليشيهات تُظهِر المرأة المغربيّة كطفلة، امرأة عديمة النّضج، مغلَق عليها في المنزل، نادراً ما تخرج إلى الشارع، فإذا  خرجت فبرفقة محرم، ملتحفة في حَيْكِها الأبيض تثير الرّجال بعينيْها البارزتين." 14


فيما تحدَّث الدكتور محمد أبريغاش، أيضاً أستاذ الأدب الإسبانيّ بكليّة الآداب و العلوم الإنسانيّة بأغادير، و أيضاً أحد الأصدقاء  المغاربة الكبار لسرسووا، على الغلافِ الخلفيِّ لمؤلّفه الضخم (318صفحة)، و الذي خصّه لهذه الكاتبة :

 «superando orillas lectura intercultural de la narrativa de concha lopez sarasua »15  

(تجاوز الضفتين، قراءة تثاقفية لسرد كونشا لوبص سرسووا) :       

     "كونشا لوبص سرسووا، من  الكاتباتِ القليلاتِ المُهتمّاتِ بعُمق أفريقيا الشماليّة، والمغرب ملاذها، المتواثر في كتاباتها، و هو البلد الذي أمضَت فيه ما لا يَقلُّ عن عشرين سنة. تصف جغرافيّته و تاريخه و ناسُه من شماله إلى أقصى جنوبه بموضوعيّةٍ وعُمق التحليل، في رؤيةٍ جديدةٍ للحديث عن المغاربة والإسبان، مُكسرِّة بذلك الثنائيّة الضدِّية، عرب/ مسيح، التقليديّة في الأدب الموريسكي.".

و كتب عنها: 

     "الذي أعرف أنّ كاتِبتنا لا يَهمُّها في شيءٍ أن تنعث بكاتبةٍ نسويّةٍ تمييزاً لها عن كتابات الرّجال... النموذجُ النسويُّ الذي تقدِّمه لنا سرسووا هو لامرأةٍ ديناميّة، دائمة القوّة، مع عزيمةٍ و قدْرةٍ كافيّةٍ على مواجهة ظروف و قهْر الحياة." 61

     "في "سيلانوبا 42" إهداء لروائيّتنا لنساء عائلتها و نساء محيطها الأقرب، لقدرتهنّ على تجاوز أزمة ما بعد الحرب الأهليّة (1936-1939)، واستيعاب أنّ إغراق السجون بأبنائهنّ انتصار.. ما لا يدعو إلى القلق و النَّدم و التشاؤم." 17

    "هذه النظرة إلى المرأة تأخذ نفْس الشكل في عملها اللاّحق.. "موعد في باريس"، فنِساء هذه الرواية يَطمحن إلى الحريّة و الى الهويّة الغير المنقوصة، و ذلك في كمال الديكتاتوريّة الفرانكاويّة ." 18



     قد تكون هذه الصورة أقرَب إلى الموضوعيّة و الدكتور أبريغاش يتحدَّت عن الإسبَانيّات، و لكن بالعودة إلى المغربيّات  في الحيّز الشحِّيح الذي خصَّ به الموضوع في مؤلّفه الضّخم (بدعوى "أنّنا لا نتوفرعلى الفضاء اللازم لتناول الموضوع" كما يقول) 19..  فالصُّورة جوفاء : 

"أكيد أنّ في الجغرافيا الخياليّة و السرديّة لروائيّتنا، تسري وجوه نساء تقليديات بفولارهن و جلاليبهن. ذلك، لأنّهن يؤْمنّ بالتقاليد الموروثة و يستعِبنها من غير اعتراض." 20

   

أمّا في روايتها "تحليق في سماء المغرب" ـ التي سبقت مؤلّفَ أبريغاش، و التي لم يتناولْها صابر من هذا الجانب ـ ، حيث يتّسعُ مجال تناول المرأة المغربيّة.. فإنّ الصّورة عنها ظهرت قاسيّة و مجحِفة و ظالِمة .



    و الحق أنّه لا يَجوز لنا أن ننكُر أنّ صورة المرأة المغلَق عليها، الخاضعة لزوجها، و التي تعيش حياة الحريم.. صورة لا تجدُها سرسووا في المرأة المغربيّة، و لا تروق لها. و النقد الذي ينحو هذا المَنحى عندها غير سليم.

    و أنّنا أيضاً لا نشكُّ في جدِّيّة و صرامة كاتِبتنا في تناول موضوع المرأة المغربيّة، و في حبِّها للمغرب و المغاربة، إلا أنّنا مع كلِّ هذا  نَشعر في أحايِين كثيرة، و نحن نقرأ "تحليق في سماء المغرب"، بالغُبن و بالحَرج و الدّهشة حين تناوُلِها الموضوع !

 

¤ ففي قصّة "العُرس".. الحكاية 4. (و الرواية هذه مُشكَّلة من خمسة عشرة قصّة)  نقرأ :  

"..لما تركت عائشة عملها و قد أنهكتها الولادات المتتالية". 21


¤ و في "الوداع".. الحكاية 8 :

"و عندئذ خرج أبناء الحارس مختار لاستقبالهم. ترى كم كان عددهم؟ أربعة؟ خمسة؟ لست أدري بالضبط، إذ يزداد طفل كلّ سنة في عائلة مختار". 22


¤ في "أسرار الحياة".. الحكاية 11 : 

"انظري يا سيدتي إلى هاتين المعوزتين... إنهما مثلنا أو أكثر، فالسيدة رقية أرملة و أمّ لسبعة أطفال، و أختها لم تشتغل مند وقت طويل." 23


¤ ثمّ في حكاية "ابن مسعود".. الحكاية 7  

و التي "ارتبط التخييل فيها ارتباطا عضويا ببلاغة الألم، التي وضّفت شعريّة القسوة، لإفسال الملامح الأسلوبيّة لخيبة الإنسان وهو يمر بإحدى التجارب القاسيّة." 24: 

" لقد أجهضت سعاد. ذلك الابن المنتظر الذي سبق أن عرفته وقد شاهدته بين أسل النهر وعيناه تشبهان عيني أبيه". 25

ـ وجدنا فى أرشيفنا المتواضع للملاحق الثقافيّة للجرائد المغربيّة، ترجمة جميلة سابقة إلى العربيّة لهذه الحكاية، تحت عنوان "طفل بين أشجار الأسل"، للمترجم المغربيّ عبد السلام مصباح و مصطفى عائشة، في الملحق الثقافيّ لجريدة "العلم" ليوم السبت 15 أبريل 1989، عدد : 921، السنة : 20 ـ


     صحيح أنّ شخصيّات الرواية ليست من لحمٍ و دم، و أنّ الأحداث فيها تتراوح بين الواقع والخيال، إلاّ أنّها لا ترقى إلى مستوى التقدير الذي تكنُّه الروائيّة للمغرب و المغاربة. هي التي قالت ذات توقيع لعَملها هذا، بأنّه مكافأة  للمغرب و المغاربة.

    و الحالُ أنّ المكافئة للطفل الإسبانيّ ـ و الرواية موجّهة إليه بالأساس- حتى يلتقط هذه الصوّر بفم نصف مفتوح كما عوّده أيضاً إعلامُه السمعيُّ و البصَريُّ و المكتوب، و هو يُصرّ بذلك على أن يَظلَّ هذا الشرق مَحطّ المُدهِش و الغريب و العَجبَ العُجاب حتى لو رأى رأي العيْن !

  

     هكذا نصل باختصارٍ شديدٍ إلى أنّ سرسووا في صُورتها عن المرأة المغربيّة تتمادى في صُوَر قاتِمة، و لكنّها أحياناً تمِيل إلى تفاءلٍ بلا ضِفاف:  

    "ففكرت في أن قرانها بجمال ينبني على أسس ثابتة من الحبّ والتفاهم. ليس لاتفاقيات عائلية و لا لأغراض نفعية دخل في زواجهما. لقد صارت نساء بلادها يتحررن، و ذلك مؤشر إيجابي... فابتسمت و هي واقفة أمام مرآتها و قد اقتنعت أن الظروف قد تغيّرت."26 



   إذا كانت كاتبتُنا قد جانبت الصَّواب و هي تتحدَّث عن شعائر المسلمين في المغرب، و بدرجةٍ أقلَّ و هي تتحدَّثُ عن المرأةِ المغربيّة، فإنّها عند الحديث عن التقاليد و العادات في هذا البلد، قد أصابت بشكلٍ بارع.. 

فكان أن أَعْجِبت بغِناها و  تنوُّعِها لمَّا تمثّلتْها و  صوَّرتْها أحسن صورة. 

 فجاءت قصِصها عن "الحمّام"، "التجميل الأمازيغيّ"، "العُرس"، و "عطّارة في السوق"، غاية في الدِّقة في الوصف، و العمق في التناول و الفهمِ لهذا الموروثِ الثقافيّ.

 

هذا، على عكس بعض الأعمال الروائيّةِ و الفنّيةِ المغربيّةِ و العربيّةِ التى خلعت عن بعض الفضاءات أدوارَها الحقيقيّة، و نقلت عنها صورة معاكِسة تزلّفاً و مَسْحاً لجُوخِ الغرب.. و ذلك مِن مِثل الصّور القذِرة التي نقلتها عن الحمَّام كفضاءٍ للفحشاءِ و الرّذائلِ و الأشباح، رواية "ليلة القدر" للمغربيِّ الطاهر بنجلون.. الفائزة سنة 1986 بجائزة الغونكور الفرنسيّة.

نقرأُ منها يلي للتمثيل لا الحصر :

"إنّ الحمّام بصفةٍ عامِّة مكان ملائم للأخيلة، فالأشباح تُعمِّرة بالليل لخوض محادثاتها السرّية. و عندما تُفتح الأبواب، في الصباح الباكر، يَشمّ المرء رائحة الموت، و يعثر على قشور فستق العبيد ملقاة على الأرض". 27

و صور منمَّقة من السخريّة و الإزدراء بالدّين كما لم تقع فيها سرسووا و لوْ جهلاً : 

"المؤذّن الذي كان يستعمل ميكوفوناً لكيْ يسمعه الله على نحو أفضل." "إنهم هنا [الأطفال] لاستقبال الملائكة الذي أنزلهم اللهُ تَنَّزَلُ المَلاَئِكَةُ و الرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِنْ كُلِّ أَمْر" 28

   

و مِن مِثل الصور البئيسة  التي نراها في شريط "عصفور السطح" للمخرج للتونسيّ فريد بوغدير...  و غيرُ ذلك كثير.



و حتّى لا نَخرُج من هذا التحليل باليأس و التشاؤم و الخَيْبة و الإحباط جرَّاءَ غيرَ يسيرٍ  من الصور المغلوطة ممّا نقّلتها عنّا هذه الكاتبة، و ممّا يَحُزّ في النفس و يخيِّب آمالنا في التقارب مع هذا الجار القريب، فإنّنا احتفظنا لنا و لها لمِسك الختام بقصَّةٍ من روايتها.. قصة "الهجرة"، و ذلك لِمَا لزِمت فيها من موضوعيّةٍ في التناول، ممّا لا يتأتّى سوى لكبار المفكّرين الذين خبَروا عقليّة الإسبَان و المغاربَة على حدٍّ سواء، فتناولوا هذه الظّاهرة الكَوْنيّة بموضوعيّةٍ كبيرةٍ كما يَعيشها المغاربة و كما عاشها الإسبان بالأمْس القريب.. فما أشبَهَ يومَنا بأمْسِهم.


يقول أنطونيو دي بيينا: "نحن الإسبان عنصريُّون بسبب عدم تعوُّدنا على التعامل مع الآخر" 29.  نتيجة القرون الطويلة من الإنغلاقِ السياسيِّ و الثقافيِّ و الدينيّ.

كما لاحظ الأديبُ و المفكّرُ الإسبانيُّ خوان غويتيصولو أنّه على الرّغم من مرور ربع قرن على عودة الديموقراطيّة، فإنّ "المجتمع الإسبانيّ ما زال بعيداً عن العقليّة الديموقراطيّة." 30

و حسب المفكّر بيدرو مارتينيث مونتابت، فإنّ "الإسبانيَّ عندما يريد دراسة الأندلس في أبعادها المختلفة، فإنّه يَفشل في ذلك، و يقتصر على ما هو مرتبط بالأندلس من خلال هويّته و ماهيّته و لا يتعدّى ذلك لدراسة ما يهمُّ هوية و ماهيّة الآخر." 31


و كونشا لوبص سرسووا الرحّالة، و هي تتناول موضوعة الهجرة كمأساةٍ إنسانيّة، استطاعت أن تتخطّى هذه الذاكرة المعتقلة، و تقدِّم لنا تجربةً إبداعيّةً جديدةً متحرّرةً من أيِّ حكم جاهز، و هي ترتفع بذلك بالسَّردِ النسويِّ عمّا يلحقه من ضيم.  

 

 



   

الهجـــرة

La emigracion





و يمضي الوقت رتيباً في قرية "حفيظة" الصّغيرة على ضفاف البحـر.

في الحقيقة ، قريتها لا تختلف عن القرى المستلقاة على الساحل الأطلسيّ المغربيّ ، لكن ، هي منها ولها، الأكثر محبوبة ، ببيوتاتها المتلاصقة جنب الشاطيء.

منها يذهب الناس يَوميّاً إلى الصّيد، كلهم صيّادون ، يعودون في المساء بقواربهم المليئة بالإسقمري أو السردين، وعلى الأرض تلمـع الأصـداف.

كذلك يصطادون أنواع أخرى لها وزنها في السّوق ، وعندما ، بالصُّدفـة ، يجلبون مجموعة من السّلامون، تُسمع أصواتهم الممزوجة بالفرح وهم ينزلون البحر.

أمّا هي ، فتلحق بأخيها وباقي الأطفال للنزول وحضور الجمع البهيـج.

جغرافيـّاً ، بلدتها تقع في الجنوب ، عميقـاً نحو الجنوب، حتى أنها تجاور مدينة تسمّى أغادير، هته التي رافقها أبوها إليها يَوماً لزيارة بعض الأهالي. حفيظة تتذكّر ذلك السفـر، كيف لا وهي المرّة الأولى التي ترى فيها بناياتٍ أكثـرَ عُلـوًّا ، وفنـادق بأضواء على الواجهات يُسمّونها مقاهـي ، حيث السيّاح ، أناس قدِموا من أماكن بعيـدة جدّاً للتعرّض لأشعّـة الشمـس ، يشربون الكوكا أو الليمونادة ، موزّعين على أسِرَّة من شباكٍ بلباس بسيط يخدش الحيـاء .

هذا هو بالضّبط ما سمِعت أباها يقول ذلك اليـوم : الحَيـاء

هي تعرف أنّ هذه الكلمـة يستعملـونها في الوسـط العائليّ لانتقـاد الأشخاص الذين تصدر عنهم أقوال أو أفعال مشينـة .

لهذا السبب لم تجد صعوبـة في فهم : لماذا جرّها أبوها للسيّر بسرعـة عند رؤيـة السيّاح موزّعيـن على أسِرَّتهـم بلباسهم الشفـاف : حتى لا تنظـر إليهـم..

" حْشـُومـَـا " !  - يقـول لها بعصبيـّة :  -" حْشـُومـَـا " !   يكـرّر بوضوح محتقنـا من تصـرّف هؤلاء الوافـدين الجُدد  الذين يتهمهم بالتحرّر. فهـم  حسب رأيه ،  لا يتجاهلون فقط عادات البلد الذي يستقبلهم، ولكنهم يُصرّون، وهم على هذه الهيئـة ،على تدنيس مقدّساته الأساسيـّة.

 ذلك ما قال أبوها عندما صاحبها ذات يوم إلى أكادير لزيارة بعض الأهالـي ..       

 تتساءل حفيظـة : كم مضـى على ذلك؟

 ـ ثلاثة أو أربعـة أعوام ، إحتمـالاً ...


مع ذلك لم تـنـس كلمات أبيها ، تحتفـظ بها طريـّة في المخيّلــة ، كأنّما سمعتهـا للتــو..

كيـف هرول مسرعاً ذلك اليوم آخـذاً يدها بقـوّة جوار البحـر..

لكن .. الآن .. ها .. لاشيء من ذلك ...

وهي بدأت تعتقـد بأنّه مع مرور الوقـت ، أفكار الناس تسير نحو التغييـر دون معرفـة السّبـب .

 وهذا ما حدث لأبيهـا بالتأكيـد.

 اليوم الذي أخبرهم فيه بأنه سوف يذهب للعمل في بلد آخر بقيت حفيظة منزعجـة .

لا أحد يمكنه تصـوّر ذلك .. كيف يمكن أن يذهب أبوها بعيـداً جدّا إلى إحـدى تلك الأماكن التي يأتي منها الناس لتبديل جلودهم على شواطئـه ...؟

هو الذي طالما انتقد هذا التصرف.. 

الآن يعتزم المُضيّ إلى حيث هم يعيشون .. 

لا أفهمــه ...

لماذا عليه أن يهاجـر ؟


في المنزل الموالي ، فقط ، يتحدثون عن الهجـرة ..

الهجـرة : يعني الذهاب ، كما اللقالق التي تلاحظها جدّتها وهي تطير فوق السطـوح .. لكن ، الحالـة هذه تأخــذ أبعادَ أخرى..

لم تستسغ حفيظة فكـرة فـراق أبيهـا ، أحزنها ذلك كثيـراً ، لم تتمالك أن خرجت إلى الشارع مهرولـة دون اتجاه ..

أمّها بالمقـابل تقبّلت الوضع بدرجة عاليـّة من الإعتدال، وحكت لصديقاتها بالاعتقـاد في أنّ زوجهـا  أخيراً حصلت له البَركـة .. يا للحظّ الجيـّد ! .. دُفعــة واحـدة ... وداعاً الفقـر .

شعـرت حفيظـة بأنّ الأمور تسير نحو الأســوإ ..

صيّادوا المنطقـة ومن بينهم أبـوهـا ، يشتكون يوميّاً من النّقص في المردوديـّة..

شباكهم لم تعد تصعد بكميّاتٍ معقولةٍ من الإسقمـريّ والسّردين الفضيّ ، وقليلة هي تلك السّلامونات الأكثر قيمة في السّوق .

لأنّ البواخر الكبيـرة التي تصطاد في الضّواحي تذهب بعَطاء البحـر ومعه خبـز الأبنـاء.

ليس هناك قانون يحمي الصيّادَ التقليـديَّ من هذا الحَيـف ..

حفيظـة تعـرف ذلك.. لا عدالة تلوح في الأفق..

والآن يخبرونها بأنّ أباهـا ذاهـب..


الـذي هي متأكّـدة منــه، هــو أنّه لم يأخــذ قــراره باللّيونـــة ، وأنّ فكـرة المغادرة كانت تدور بخلـده قبل الآن..  عندما بدأ يهتمّ بأناس المحيط ، الذين هاجروا إلى أوروبا، والذين يصاحبهم عند عودتهم إلى العطلـة..


هذا الفضـول الذي يتملّكـه لمعرفـة أنواع هداياهم ، كم يتقاضَون؟ ، كيف يَصرفون أيّامهم بعيداً عن هنا ؟ ، أو إلى أيِّ حدٍّ يشعرون بأنّهم مهمّشون.  إذا كانوا كذلك ؟

إهتمـام أبيها بحيَوات الآخرين لا ينسجم وطبعـه ، هناك شيء ما خارج عن المقاس ، شيء تكرهـه حتى الغثيـان.

مؤخّـراً صار ينتظر بفارغ الصّبـر رؤيتهـم قادمين ، على مقود سيّاراتهم ، مثقليـن بالهـدايا ، سيّاراتٍ تحمل أرقاماً مدهشـة لألمانيا ، بلجيكا ، إسبانيـا،...

إسبانيـا ، بالضّبط ، هو ذلك المكان الذي اختاره أبوها للذهـاب.


الجدّة بثينـة في حيطـة من كلِّ ما يجري ، لا تستطيـع هضم أنّه في هذا الزّمن لا يزال يوجد "الإلدورادو"..

كيف سيوجد؟ لم تنس ما كان يحكي لها جدّها وهي صغيرة بأنّ الإلدورادو يعود إلى حقبة بعيـدة جدّا ، يتعلـق الأمر بالغزاة والكنــوز التي يجلبـونها .

و إذا لم تخنها الذاكرة ، فتلك الحكاية جرَت بأمريكـا ، وليس بأوروبا ، ثم هي ليست بالعمليّـة السّهلـة.

لم تشإ الكشف عن رأيها للعائلـة مخافة أن يتقبـّل بالإنزعاج.

الذين ستحكـي لهم هم حفـدتهـا ..


- ماهو الإلدورادو جدّتي؟  يسألون...  

- آه .. إلدورادو؟ .. مكان مليء بالخيـرات ، جبال من قطع ذهبيـّة ، أحجار كريمـة ...

- وأين هو؟  - يُعاودون السّؤال بفارغ الصّبر وأثر المفاجأة على أعينهم -

- أين تريدون أن يكـون؟ ... في هذه الأعالي .. هذا لا يوجـد .. أطفـال.


وتستمر الجّدة بثينـة دون أدنى اعتقادٍ بأنّ المهاجرين الذين يأتون لقضاء العطلـة هم في منأى عن الخصاص كما هم يؤكـّـدون.

علينا أن نعرف كم عليهم أن يُكابدوا من المشـاقّ والتضحيّـات ... ! حين يُقتلعـون من جذورهم مجموعيـن ...؟

وكم من القلـق يصيب عائلاتهم عندما يأتيها نبـأ غيـر سـارّ.

ليس من الغريب – وهي تعرف جيّـداً – أنّ الذين يمتطـون قوارب بسيطـة يتعرّضون لخطر كبيـر.. حتى أنّ بعضهم يغرق في المضيَق  . (Estrecho)

الله أكبـر .. ليَرحم الكلّ .. تدعو عندما تتحـدّث عن الموتـى .. باقي الوقت تقضيـه في التفكيـر ، في دراسة جوانب القضيـّة، لتنتهي بداهـة إلى أنه عندما يعـود المهاجرون مثقليـن بالهدايا، يُستقبلـون كأبطال حرب.. حتى أنهم يُوقِظـون غَيـرة البعـض..

حفيظـة ليست متأكـّدة من أنّ أباها بمكنتـه إيقـاظ غَيـرة أحـد ،  في الحقيقـة ، ليست متأكـّدة من أيِّ شيء..لكـن ، تغيـّر كثيـراً مذ تعالق مع المهاجرين.. مسترشداً بنصائحهم ، حتى إنّهم دسُّوا له فكرة تركيب صِحـن مقعَـر في السّطـح.

 – الصّحن المقعَـر لا محيـد عنـه !  مع هذا الاختـراع يمكنك رؤيـة العالم الذي تريد الذهاب إليـه ، – يُلحُّ عليه أصدقاؤه الجـدد – اللاّقـط اكتشاف..  يـؤكّـدون .

مضى عام و ها هو جارها عز الدين ، ذلك الذي يعيش في الجديدة ، يَحضُر إلى المنزل قصد تركـيب اللاّقـط العجـيـب.. الجار عز الدين خبير بتلك الفـنـون .

فقد ركَّب كثيـراً من تلك الصّحون التي تنمو كالفطـر فـوق أسطح كافـة البلــد .. صحيح أنّ المنـزل فـقـيـر ، ولا يتعلق الأمر بقصـر، لكن ، لا أحد في هذه القرية، حتى اليوم ، غير أبيها، سمح لنفسـه بإقتنـاء واحـد . الهوائـيُّ أصبـح موضـة ، ومعـه سيبـدأ هذا التلفـاز القـديم بالإمتلاء بأصوات غريبـة وأشيـاء مثـيــرة . حفيظـة أسعـدها ذلك ، ونفس الشّيْء يقال عن أخيها عيـّاد. ، أمّا بخصوص أبيهـا، فلم يَكن أحد يتصـوّر أنه من أجل هذا سيُبسِط يديــْه .

- أنظـروا ، يا إلهي ، إنّها ماربيـا ! إلى هنا سوف أذهب، إلى أوروبا، لأنتشلكـم من الفقـر! 

و يسترسل منتشيـا... 

كلَّ ليلة يدعو العائلـة إلى الشّاشـة ، و كلَّ ليلـة تُسمع موسيقى أخرى ، يُمرّرون وصلاتٍ بألوانَ و أشخاصَ يبدون سابحيـن في النّعمـة ..

- إستيهامات !   مبتلعـة صوتها حتى لا يُسمـع  - لكن حفيظة التي بالكادّ سمعتهـا ـ :

- ماهي الاستيهامات جـدّتي؟  

 وهي تـلحـــق بها إلى غـرفـتهــا حيث تــنـــاولـــت مُرهـَمـاً من صنـدوقـتهـا  تــدلك به ركـبـتـيهــا   "المـرتـزمـتيــن" ( الروماتيزم ) .

- إستيهامات ، بنتـي ، إستيهامات .. هذه الآلات تُري ما لا يوجـد .. هكذا ببساطـة ..

لأنّه في تلك البلاد ، أيضاً يوجـد فقـراء ، لن تعتقـدي ذلك ، لكن ، تمـرير الوصلات تلك ، عبـر التلفـاز، عمليــّة قـذرة.

تعرفين ، في هذه الحيـاة ، الكـلُّ رهيـن بالحـظّ .

لتحـل علينـا البَركـة .. هي لا أقـلّ ولا أكثـر ما سيبحـث عنه والـدك .

- البَركـة ، كأنها لا توجـد هنـا ، صغيـرتـي ! 

   كـأنّها لا توجد هنـا ! 

- لماذا لا تقوليـن له ، جـدّتي؟

- لمـاذا ؟ لأنّ أبوك مسلـوب ، ها أنت ترينـه، لم يَعـد يصلـح لشـيء.

- و إذا أهدينا له حجاباً جالبـاً للحظّ ، يَصيرمحظوظاً ، و ينسى مسألة الذهاب ..


يقول عيّاد الذي كان يُلقـِي إليهما السَّمـع من البـاب : 

- أمّ رشيـد شُفيـت عنـدما وضعـوا في سريرها كفّ فاطمة .

يضيف بجــدّيــة : – أعتقــد أنني وجــدت حَلاًّ .

- أيْ صغيـري ، أنا فكـّرت في ذلك !  مضى زمن إشتريت له حجاباً ، كفّ فاطمة كما تسمّيـه ، لكن لم يستلمـه منّي ، لأنّ أباكم لا يؤمن بتلك الأشيـاء ، هو قريب من اللاّ إعتقـاد ... لكـن ، الذي لا يعرفـه .. هو أنه تحت فراشـه..

- دسستـه له هنـاك ؟

- طبعـاً ، أكيـد ، حـدث ذلك لأوّل مرّة ، كنت اعتقـدت بأنّ الحجـاب سوف يكون له تأثيـر لمجـرّد أن ينـام، لكن ، لحـدِّ السّاعـة ، لم يف بالمطلـوب مع أنّني وضعت فيه الكبـد.

- من الأفضـل الآن ، آن الأوان جـدّتي ..

- لا أعرف ، لا أعرف .. أعمـل صـُرّة بالملـح ، الملـح يُحدِث العجائب في كثيـر من الحالات .. لكن ليس لديّ كبيـر أمل..

في يوم من الأيـاّم ، أبوكـم سيذهـب ، وعاجلاُ أم آجـلاً  سوف يصحـبكـم معـه ، هذا ما يؤلمنـي في الحقيقـة ، آه .. الرّكبتيـن.

تقول دون الكفّ عن الدّلك : 

ـ الذي يُذهب عنِّي النـوم هو مخافة بقائـي دونكــم ..



المصادر والمراجع

(1) ترجمتي من المصدر الأصليّ:  

concha Lopez sarasua, porque tengo que emigrar, ibersaf editores, primera edicion: mayo 2009. P5                                                                                                       

(2) مترجم من نفس المصدر. ص.12ـ13    

(3) (4) (5) نفسه. ص.13

(6) نفسه. ص. 36

(7) نفسه. ص. 34

(8) نفسه. ص. 37

(9) نفسه. ص. 106

(10) أكمير، عبد الواحد: الهجرة إلى الموت: إسبانيا و أحداث إليخيدو، تقديم محمد العربي المساري، منشورات الزمن، الكتاب 28، مطبعة النجاح الجديدة ـ  الدار البيضاء ـ 2001، ص. 132.

(11) نيني، رشيد، يوميات مهاجر سري، الرباط: منشورات عكاظ، ط2، 2005، ص. 28.

 (12) صابر، أحمد، تحليق في سماء المغرب، مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط ـ 2003. ص.7.

(13) نفسه. ص. 5

(14) .12En Tetuan. Ciudad de todos los misterios (antologia). Granada. 1992 p  

(15)            Abrigach, mohamed, SUPERANDO ORILLAS Lectura intrculturl de la narativa de Concha Iopez Sarasua, Imprimerie Elmaarif Aljadida – Rabat - 2009 

(16) نفسه. ص. 113

(17) نفسه. ص. 114

(18) نفسه. ص.115 

(19) نفسه. ص. 113

(20) نفسه. ص. 116

(21) صابر، أحمد، تحليق في سماء المغرب، ص. 36

(22) نفسه. ص. 70

(23) نفسه. ص. 95

(24) ذاكر، عبد النبي، أدب الهجرة السرية : تجارب مغربية معاصرة، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، عدد 105. شتاء 2009

(25) صابر، أحمد، تحليق في سماء المغرب، ص. 61

(26) نفسه. ص. 37 ـ 38

(27) بن جلون، الطاهر، ليلة القدر، ترجمة: محمد الشركي ـ مراجعة: محمد بنيس، دار توبقال للنشر، ط1، 1987. ص. 67 ـ 68

(28) نفسه. ص. 17

(29) أكمير، عبد الواحد، مرجع سابق، ص. 23.

(30) نفسه. ص. 23.

(31) نفسه. ص. 134.


 

​رشيد ابوالصبر


التعليقات




5000