هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الجنسانية العربية والحداثة الغربية

علي محمد اليوسف

توطئة:

من المتعذّر الاحاطة الشاملة بالكتابات والدراسات التي تناولت موضوعة الجنسانية,كلازمة انسانية بيولوجية غريزية فطرية رافقت وحفظت بالصميم الوجود البشري من الاندثار منذ وجد الانسان في عصور موغلة بالقدم ,وتعاقب دور الجنس في تحولات متنوعة مؤثرة وكبيرة ,كعامل محرّك للتاريخ والاديان. وتعددت الدراسات الفلسفية والعلمية والتاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية التي تناولت الواقعة الجنسية وتأثيرها في الحياة القديمة و المعاصرة.لعل أعلاها كعبا نظريات فرويد التي ليس سهلا دحضها حين جعل مركزية الوجود الانساني تدور في فلك الجنس منذ الولادة وحتى المماة..

نحاول في هذا المبحث طرح مقاربة دراسة الجنس من منظورين بعيدا عن تلك التناولات الخاصة في علم النفس الطبي :

الاول منظور الاخلاق الجنسية المتعالقة مع منظومة القيم الاخلاقية السلوكية والاعراف السائدة مجتمعيا بمعنى الاخلاق بمفهومها القيمي القانوني . 

والثاني منظور التعالق الجنسي كسلوك مجتمعي مع الحداثة والمعاصرة في الحياة سلبا أوايجابا.   

وما يهمنا في المجتمعات العربية الاسلامية هو قصدية مدى أمكانيتنا كشف أن يلعب الجنس دورا مؤثرا في ردم هوّة تخلفنا عن الحداثة أو تحفيز تقدمنا منها خطوات وتحقيقها في حياتنا كسلوك مجتمعي منتج نظيف , بعدما أصبحت لدينا أشكالية تجديد الفكر الديني(نقد ومراجعة التراث العربي- الاسلامي) بؤرة مركزية في التجاذبات الفلسفية - الثقافية في كيفية توظيف تلك المراجعة النقدية لموروثنا الفكري الديني في مسعى تحقيق نهضة حداثية تجديدية عندنا تأخرنا كثيرا عن أدراكها في حياتنا ومجاراة حداثة العصر .

  نعيش منذ نهايات  القرن التاسع عشر اشكالية المسألة الجنسية  التي لا تقل خطورتها وأهميتها,من نفس منطلق محاولة أستحضارأصلاح ونقد الفكر الديني ومراجعته التثويرية بربطه بالمعاصرة  في محاولتنا أعتماد توظيفه عامل تنشيط  الحداثة لدينا في ممارستنا نقد الفكر الديني الوضعي في جنبة, ومسعى أن يكون (الجنس) ومنظومته الاخلاقية وتنظيمه في حياتنا عامل يقظة تنويرية تقدمية في حياتنا ,لا مصدر أنحلال أسري وتدهور وأعاقة لتقدمنا النهضوي من جنبة أخرى, ونسعى تماما لأعطاء مراجعة وتجديد الفكر الديني والتراث عموما مثل هذا الدور في حياتنا وفي تلمسنا تحقيق نهضة تمدينية ,وأملنا أن يضطلع  تنظيم الاخلاقية الجنسية الاسرية والعامة بمثل هذا الدورأيضا.

وربما في هذا المجال الضيّق نستطيع حصر الدراسات الجنسية التي سنرفضها لاحقا فهي لا تناسبنا كمجتمعات محكومة اخلاقيا , وممثلة في منحيين يخصان الجنس في مجتمعات لا تحكمها أخلاق الدين ومحرمات المجتمع كما هو الحال عندنا لذا لا نأخذ بهما ولا يشكلان عندنا أضافة يمكننا الافادة منها,كما يتعذّرعلينا  حتى محاولتنا أدماجهما تلفيقيا معا, لأننا غير معنيين بذلك التلفيق غير الضروري لنا لأننا لسنا بحاجة الى تمرير انحرافات الجنس وتفكك الاسرة فهو(إشكالية جنسية) مركّبة من خصائص افرازات الحضارة الغربية فقط , لها مبررات أجتماعية ثقافية معزولة عن سعينا ومحاولتنا أيجاد منفذ خاص بنا أن كان ذلك متاحا متيسرا لنا وأمامنا في معالجة أهمية ودور الجنس في تقدم حياتنا والمحافظة على حشمة تقاليد وأعرافنا الجنسية الخاصة بنا كأمة عربية إسلامية وليس المقصود من ذلك الدعوة الى تنظيم الجنسانية العربية بفروض التدين الديني فليس هذا المقصود.

منهجان لدراسة الجنسانية:

المنحى أو المنهج الاول: الذي يشمل دراسة الجنس(فلسفيا,تاريخيا, علميا, ثقافيا,نفسيا) في المجتمعات الغربية,نجده في سحبنا تلك الدراسات وألباسنا نتائجها البحثية, واقعنا الاخلاقي العربي الإسلامي الذي فيه الكثير من التعسّف والمحاذيرالتي تصطدم مباشرة مع  أمانة المنهج العلمي ,قبل وجوب الاخلاص لواقع حال مجتمعاتنا وخصائصنا الاخلاقية,من حيث أن تلك المباحث أخرجت التقائنا بها من منطلقات دراسة الجنس,كمعطى بايولوجي غريزي انساني وتكوين فسيولوجي نفسي متمايز في توزيعه بين فروقات بايولوجيا المذكروالمؤنث,الذي طبع تاريخ الجنسانية البشرية, والتي تنعدم فيه التمايزات والفروقات الجوهرية في أهمية أن يكون(الجنس) مؤثرا سلوكيا وأخلاقيا ومبعث تجديد حداثوي للحياة لدينا, المنتفية الحاجة لها أساسا عند غيرنا, فالعلم والمعرفة  في (اوربا وامريكا ومعظم دول العالم) حققتا  الهدف في تجاوزهم كلا من  ثنائية (الدين والجنس) أن يسهما في تحقيق القفزات الحداثية والحضارية التي حصلت عندهم.كما حققت لهم المساواة الجنسية بين الرجل والمرأة غريزيا مصطنعا وليس بايولوجيا طبيعيا بالوراثة التمايزية بين الجنسين. 

بداية كان تجاوز الدين في فصل تدخل الكنيسة في شؤون العلم والحياة للناس في القرن الثامن عشر الميلادي, والثانية أن الجنس وأهميته جاء لاحقا نتاجا للحضارة الغربية وليس خالقا ومساهما في تكوينيا لها.اذا لم نقل تقويضا تمهيديا لها. 

أهمية  ثنائية (الدين – الجنس) كعاملي نهضة عندنا معدومة أصلا كما هي معدومة الحضور في تفاوت الاسباب واختلافها بيننا وبينهم, ويرافقها أنعدام انتاج مؤثرات العلوم ومؤثرات التطور المعارفي الكبير في جميع المنظومات التكوينية لانتاج نهضة تقدمية خاصة بنا كطموح نريد أستحضاره وبلوغه في مستقبل حياتنا لا وجود له الا  بحضور مدنية الاستهلاك الحضاري التي نحيا العصر بها اليوم ومن خلالها فقط.

وفي محاولة تلخيصنا هذه الدراسات المتشّعبة نجدها لا تخرج عند كثير من الفلاسفة الغربيين مثل سيجموند فرويد وكانط وشوبنهاور وأتباعهما في نزعتهم التشاؤمية, فهم  يعتبرون الجنس أنحطاطا للطبيعة البشرية,وأن الرغبة الجنسية منافية للاخلاق حتى لو كانت ضمن نطاق الزواج,وهدف الانجاب, وأن الجنس اذا لم يتقيّد بصرامة الاعراف الاجتماعية السائدة فانه سيؤدي الى أنحدار البشرية والحضارة نحو الانحلال. (الى هذا الحد كلام فرويد يخدمنا) لكن نجد فرويد ينحى بتطرف يناقض أهمية تنظيم الجنس في الحياة قائلا: وكل قيد ديني أخلاقي مجتمعي أو تقاليد وأعراف ,هو قيد باطل للجنس ومدمّر لطاقة الانسان وهو كبت غير مشروع (1) , وبهذا يكون فرويد أول فيلسوف وعالم نفس طبّي شرعن طبيعية ممارسة الاباحية الجنسية من ناحية علمية سايكولوجية  أجتاحت العالم بجنون غير مسبوق في القرن العشرين وما تلاه. 

على العكس من هذه التشاؤمية السوداوية,نجد الفلاسفة المتفائلين يتقدمهم افلاطون وبراتراند رسل وفوكو, يذهبون أن النشاط الجنسي يمثل أضافة (بعد) انساني آخر من أبعاد الانسان يكمّل وجودنا كبشر, وأن الدافع الجنسي ينقلنا الى شكل أعلى من السعادة والرضا ,والجنس آلية طبيعية تربط البشر وتوّحدهم, لأن العلاقة الجنسية أشباع الذات وأرضاء الاخر معا.(2) قد لا نقع  بمفارقة  القول أن هذا التفاؤل  المنظّم  للجنس يخدمنا أكثر من أطلاق فرويد عنان الاباحية التي لا يمكننا استنساخها بالمطلق.

المنهج أو المنحى الثاني :من دراسة الجنس هو مانجده عندنا,المنطلق من نزعة المجاراة فيما تتركه فينا فلسفات ودراسات الجنس الغربية من أبهار, ورغبة في التقليد النزعوي ولكن بالاعتماد على مرجعية الجنس في (حكايات الف ليلة وليلة) وأخواتها,الروض العاطر في نزهة الخاطر, طوق الحمامة,رشف الزلال من السحر الحلال, مباهج القلوب وغيرها من مؤلفات جنسية مؤثرة في غرائبيتها وما تحمله من أدهاش يعزّز هوس القراءة الترفيهية الاستهلاكية في تقليب صفحات المتعة الايروسية النظرية للجنس في الكتب, كمثل قراءة الشعر الماجن أو الروايات الجنسية الخليعة كجواز مرور حصد الاقبال القرائي منقطع النظيرلها.. 

مفهوم الادب للجنس هو غير الفهم النهضوي الحداثي الذي نبتغيه... توظيف الجنس في الادب العربي كثيمة (الرواية والشعر) تحديدا لا يدخل في نطاق الارتقاء الجنساني العربي من منظور تقدمي, بل هذا التوظيف اللقيط للجنس في الادب عندنا هو ليس ثيمة فنية تتم معالجتها خارج الاثارة الجنسية العابرة في حصد اكبر عدد من القراء للعمل الادبي .

أي أن تلك الدراسات العربية الاسلامية القديمة والحديثة الغربية  (نوعا ما ) أهملت تناول الجنس كواقعة تمثّل اشكالية وجودية أخلاقية, ترتبط من حيث التوظيف المطلوب والمراد منها (سيسيوتحديثي), بوثيق الارتباط والصلة باشكالية تكوين مظلّة أشمل منها عندنا هي علاقة ( ازدواجية التراث والمعاصرة) التي كثر الجدل حولها منذ ما يقرب القرن كاملا ولم تحسم نتائجها في التوظيف لنهضة عربية حضارية وبقيت حبيسة التنظير في المراجعات النقدية التي تراوح مكانها عبر مراجعات كتب التراث.

وأفضل تعبير عن هذا المنحى  في تناول الجنس كمادة قرائية للمتعة والترفيه نجده في كتاب مالك شبل(الجنس والحريم/ روح السراري) فهو من جهة يحاول مجاراة وتقليد تناول الجنس كموضوع فلسفي حداثي في دول المغرب العربي كما هو حاصل بأهتمام فلاسفة فرنسيين واوربيين, ومن جهة ثانية فهو يتوفر على متعة القراءة الترفيهية لا علميتها الاخلاقية المطلوبة عندنا في كشف أبعاد الجنس الحضارية في تقويم الكيان الاسري على اساس أن الحميمية الجنسية لم تعد هي ملك الرجل فوق ألمرأة,حين أختار المؤلف المجتمع العربي المغاربي المعروف بنزعته (الاسلامية الدينية) عيّنة لموضوع دراسته, بما يعزز مرجعية الجنس في العادات والتقاليد والعرف الاحتشامي الاخلاقي المشبوب , والمشبوه أيضا بأختراقات جنسية كبيرة مستترة , كما في جميع المجتمعات العربية / ازدواجية الممارسة الجنسية في السر والعلن.

وبالأحالة الى القديم في الكتابات والمؤلفات العربية والاسلامية الجنسية كمادة ترفيهية بعيدة عن مقتضيات البحث العلمي وآثاره الفكرية والثقافية,وتلبيس سيسيولوجيا البحث عباءة القديم بما يحتويه من أمتاع قرائي شبقي أستهلاكي لا أكثر, في ترسيخ الخطأ الجنس لذّةغريزية فقط غير مقيدة ولا منظمة بعرف أخلاقي مستمد من خصوصية الانسان الاخلاقية وخصوصية المجتمع المتمسك بعدم انفراط الاسرة.

لم يطرح مالك شبل في مؤلفه المذكور(الجنس) أشكالية حضارية يتطلبها الواقع العربي كمعالجة أخلاقية لنهوض حضاري, في موازاة أشكالية أصلاح الفكر الديني في حياتنا المعاصرة وتكافلهما معا, بل طرح سيسيولوجيا الجنس في العادات والتقاليد الاجتماعية والاخلاقية في المغرب العربي كسرد أمتاعي لممارسات وعادات جنسية فولكلورية شعبية تختزل إشكالية الجنس بالعادات والتقاليد الفولوكلورية في الزواج والختان والزغاريد وما شابهها التي هي تقاليد جنسية وليست مواضيع تهتم بأقامة نهضة تقدمية في الحياة.

بين فوكو وبورديو

بضوء التمهيد الذي سقناه سابقا يمكننا الآن الاشارة الى كتابات ميشيل فوكو 1926 – 1984 في أشهر مؤلف فلسفي له حول تاريخ الجنسانية ثلاثة أجزاء,ذهب في الجزء الاول (ارادة العرفان ) 1976 الى ربط الجنسانية باركيولوجيا التاريخ وحفريات المعرفة مرورا بعصر الفلسفة اليونانية القديمة والهلنستية الرومانية, وفي المسيحية وما قبلها في العهد القديم, محاولا الاجابة عن تساؤل يهمنا نحن اليوم بالصميم هو : لماذا يشكّل السلوك الجنسي والانشطة والمتع المتعالقة به موضوع أنشغال  أخلاقي مجتمعي؟.

لا نغالي أذا قلنا أن الاجابة عن هذا التساؤل هو صميم ما نحتاجه ونبحث عنه  لمجتمعاتنا العربية الاسلامية, في أجابتنا الذاتية الخاصة بنا نحن وليس بما يجيب فوكو عوضا عنا عنه أن جاز التعبير, فهو يجيب بما يرضي نزوعه الفلسفي الخاص بالمجتمعات والحضارة الاوربية لا بما نحتاجه نحن كمجتمعات شرقية لم تعرف من الحضارة المعاصرة غير النزعة الاستهلاكية منها بعد في حاضرها و في مستقبلها المنظور.

أجابتنا نراها في تسليط الضوء على التساؤل المشروع الجوهري, هل أن الجنس أصبح اليوم عندنا كما هو الحال مع الفكر الديني,اشكالية وجودية في أعاقة أو تسريع تقدمنا نحوتمدينية معاصرة, في حال أمكاننا وضع الجنس ضمن منظومة أخلاقية مجتمعية نظيفة محتشمة, تمتلك كل مقوماتها في قيم شغّالة مصدرها تشريعات الدين المعتدل من جهة,ووصاية القوانين الوضعية الرقابية العادلة في حمايتها ورعايتها (الجنس- الزواج - الاسرة) كعرف أخلاقي تقليدي يحمي الممارسة الجنسية من السقوط في الابتذال والاباحية والتفكك الاسري من جهة ثانية؟!

بهذا التفريق في أن يكون الجنس عامل تحديث نحو معاصرة ننشدها في حياتنا,أم يكون عامل أنحطاط يحملنا الى أنفلات جنسي كما في الغرب,يغذّي ويلتقي عندنا عوامل التردي والانحلال في مجمل أشتمالات حياتنا السياسية والاقتصادية والثقافية, هو ما نسعى حضوره ويمكّننا من  العثور على ماهو خاص بنا ومفيد لنا.

وبالعودة الى فوكو نجده في تقصّيه وتشعّب الاجابات بما يمتلكه من ثراء فلسفي معرفي عمد ربط الممارسة الجنسية المثلية والشذوذ والغلمان غربيا أساسا مرتبطا بتاريخ السلطة والمصّحات وقوانين الحظر الوضعية غير الانسانية التي سادت ردحا طويلا من عمر التاريخ الاوربي, بما تحمله تلك الممارسات الجنسية الطبيعية والشاذة, من خرق بعضها النظام الاسري والمجتمعي التي تجاوزها فوكو متعمّدا قاصدا من منطلقات أدانته لها في متراكمها التاريخي الذي يتقاطع مع نزوعه البحثي ولا يماشيه أو يخدمه في توكيده الغلمانية وأنواع الشذوذ الجنسي الذي كساه بمنطلقات حقوق الانسان والحرية الاجتماعية في أشباع الجنس والنزعات الجنسية المكبوتة والمحاربة عبر العصور.

وعمد فوكو في دوغمائية فلسفية وقبلية معرفية ألباس التاريخ الجنسي رؤاه المنحرفة جنسيا حين سعى بمثابرة وجهد كبير أيجاد تدعيمات تاريخية في تمريره أنحرافات وشذوذات الجنس,تحت مسوغات عاطفية وانسانوية مرجعيتها(البيولوجيا,الفسلجة وعلم التشريح,علم النفس الطبي,الاجتماع, السلطة , وفي المصحات والعزل والسجون).

في هذا المتراكم البحثي المعرفي والثقافي أستطاع فوكو تطويع حقائق الجنس في أعتبارها أشكالية بيولوجية غريزية أنسانوية قبل أي أعتبار آخر لا يهمه ولا يعنيه, في عدم أدانته شذوذاتها ,أو في محاولة تهذيب تلك الممارسات الشاذة في منظومة أخلاقية شاملة,وسعى ما وسعه الجهد أنقاذ الاباحية الجنسية بدءا من مراحلها التاريخية القمعية, ومراحلها التسفيلية,الاستلابية المجتمعية وسحبها الى مراتب ومصاف حرية التعاطي

الجنسي الفردية,وضرورة أشباع الغرائزالايروسية الانسانوية للجنس, المفتقدة للمشروعية في القمع خلال وطيلة أحقاب زمنية تاريخية, وأنه حان الوقت أعادة الاعتبار المفقود لها وتجويزه تلك الخروقات الجنسية الشاذة على أنها من مسلمات الطبيعة الغريزية الانسانية, لا يتوجب التقاطع المجتمعي معها, ولا تحشيد المؤسسات الدينية أوالسلطة المدنية بوجوب رفضها ومحاربتها, وليس من حق السلطة والقانون الوضعي محاسبتها أو ألجامها وأيقافها عند حدودها المقبولة أجتماعيا بما يحفظ الجنس من الابتذال الاباحي.من المهم التذكير أن الانفلات الجنسي العالمي المتحرر من حولنا ليس هو سبب قيام بنى حضارية على مستوى حقوق الانسان في التكافؤ بل جاء ناتج متراجع للنهوض الحضاري والتقدم الصناعي والعلمي في الغرب.

ويشير تاريخ حياة فوكو أنه في أيامه الاخيرة أراد وضع آرائه الفلسفية الجنسية موضع التطبيق ,حيث أنخرط في ممارسات جنسية مثلية أعتبرها على حد تعبيره, (الخلق الحقيقي لامكانية الرغبة التي لم يكن يحظى الناس بها في الماضي) وأدت الى أصابته بالايدز ووفاته.

النموذج الثاني في دراسة الجنسانية هو عالم الاجتماع الفيلسوف  الفرنسي بيار بورديو (1930- 2002) في مؤلفه (الهيمنة الذكورية) فقد ذهب الى دراسة الجنس (بيولوجيا),في مقارنته تضاريس أختلافات الجسد الذكري والانثوي فسيولوجيا وظائفيا, وتشريحيا طبيّا,وتوظيفه التمايزات والفروقات الجسدية الجنسية بدءا من أختلاف بيولوجيا الاعضاء التناسلية, وهيمنة الذكورة في الحياة الزوجية الاسرية, والبيت, والعمل, والعلاقة مع الآخرين,والاختلافات النوعية في السلوك والممارسات الاجتماعية, بما يمنح الرجل ويكسبه شرعنة الافضلية على المرأة, بحكم تمايز بيولوجيا  الجسد وما تجرّه وراءها من تبعات التمايزوالاختلاف على مختلف الصعد الاسرية والمجتمعية,.والانفراد والهيمنة الذكورية, ليس على صعيد علاقة(فوق- أسفل) جنسيا وحسب,ولكن في أنسحاب النتيجة التنافسية في أعلاء شأن الذكر على الانثى وعجز المجاراة في جميع مفاصل الحياة تقريبا. العلاقة التي يشوبها الكثير من الاجحاف بحقوق المرأة انسانيا واجتماعيا وحقوقيا.

أن في أختلاف بيولوجيا الجسد – الجنس الفيزيائي الذكوري والانثوي الذي يكرّس هيمنة الرجل(هذا خارج الدعوة الحضارية بالحقوق المتساوية للجنسين وتحقيقها ضمن ميادين ومستويات عديدة في اوربا وامريكا وبلدان العالم الكثيرة) تكون مساحة أستقبالها عندنا مجتمعيا وسلطويا أكثر من مقبول ومرحّب به,في جميع المجتمعات العربية الاسلامية تقريبا,وما ينفرز عنها من ممارسات الافضلية الذكورية على صعيد فروقات بايولوجيا الجسد والجنس مع المرأة,وأستخدام هذا التمايز في مجالات المعيشة والعمل ومرافق التعامل مع الحياة.

ويغذّي ويعمّق هذه الواقعة المكتسبة نزعة الافضلية ,المتراكم التاريخي التقاليدي والاعراف المستمدة من الموروث الطويل تاريخيا في المتجذّر الوجداني والسلوكي وفي مصدرية ومرجعية الاسناد الديني وقوانين واوامر السلطة والحكم الانفرادي الوراثي المستبد والهيمنة الأطلاقية الذكورية الاحادية غير المتنافسة على مفاصل الحياة والسلوك على مدى قرون طويلة.

لذا يأتي مؤلف بورديو(الهيمنة الذكورية) مطابقا تماما لمسرح اشتغاله  لواقع الجنسانية في اقطار المغرب العربي, الذي يصح تعميمه على أقطار الوطن العربي الاسلامية بلا ادنى تحفّظ عليه في المفصح عنه أو المخفي المستور.

لم نجد في هذا المؤلف, رغم أن كاتبه  فيلسوف وعالم أجتماع متمّيز, أية أنتباهة لافتة لأهمية نقل دراسة الواقعة الجنسية من ميدان سيسيولوجيا الممارسة الجنسية الى سيسيولوجيا الاخلاق والسلوك الجمعي الذي يعزز الالتزام العام بأخلاق الجنس الطبيعية المحتشمة على الاقل ما يهم منها مجتمعاتنا الشرقية العربية سيسيولوجيا جنسانيا.

في غياب هذا الربط المفقود الذي أشرنا له , الذي لا يقلل من أهمية ثيمة الكتاب في وصوله نتيجة هي تحصيل حاصل موجود في مجتمعاتنا / الهيمنة الذكورية وما يترتب عليها من ممارسات أخلاقية متمايزة ليس على صعيد الجنس وحده بل في مجمل الحياة  كما ذكرنا سابقا.

كيف نفهم اشكاليتنا في الجنس؟

بأي فهم ومعنى والى أي مدى يمكننا الحكم على أخلاقيات الجنس, أن تكون مرتكزا في تعميمنا لها على أخلاقيات السلوك المجتمعي العام المعلن, في حال توفرنا على الضبط المطلوب أن لا تصبح العلاقات الجنسية عامل تردي وأنحلال مجتمعي وأسري عندنا؟

وما الفرق الذي يمكننا الافادة منه في مقارنتنا أشكالية الجنس عندنا وأشكاليتها في المجتمعات الاوربية والامريكية ومعظم دول العالم على وفق منظور(السيسيولوجيا) الذي ذكرناه في أعلاه؟

قد يبدو للوهلة الاولى أن هذا الطرح يحوي أفتعالية / مقارنة الاشكالية الجنسية بيننا وبين الغرب الاوربي أنها ليست في محلها, وانها تسطيح مقارن في أنعدام اوجه مقارنة الاختلاف المحسومة مسبّقا لصالحهم , وليس في  صالحنا نحن.وهو خطأ... كيف؟ 

الاشكالية الجنسية في الغرب انتهت الى نتيجة أنها أستنفدت نفسها جنسيا أباحيا, ولم يعد لديها ما تدّخره وتنافس به غيرها.فهي وصلت مراحل متدنية جدا في الاباحية الجنسية التي لا ينفع معها المعالجة في تصحيح السقوط النهائي. وان زوايا الرصد والمعاينة من قبلنا لاشكاليتهم الجنسية وفروقاتها الكبيرة بيننا وبينهم, لا تتكافأ (نوعيا وقيميا)مع اشكاليتنا التي هي في مراحلها الاولى المستترة بعد, وأمكانية وقدرات التصحيح عندنا موجودة وليست ميؤوس منها كما هي عندهم.أن الاباحية الجنسية في امريكا واوربا خرجت ان تكون مخرجا لتنظيم المجتمع أخلاقيا سوّيا.

الانحدار الجنسي في اوربا وامريكا انحدار مفزع ومؤرق برأيهم هم وليس برأينا نحن الى حد ان وصف ذلك احد المهتمين بهذا الشأن بقوله:أن تفاقم الاشكالية الجنسية التدميرية في امريكا والغرب تمثل قنبلة نووية, يهدد انفجارها المستقبلي افناء البشرية.

ورغم كل ماذكرناه قد يبدو أنه  مصادرة فكرية بحثية نظرية من قبلنا في حسم مقارنة تحتاج الى توضيح اكثر,يدخلنا ببعض التفاصيل, اننا نجد وبشكل عام معلن ان الجنس في المجتمعات الغربية انحدر وينحدر اليوم بمتواليات رياضية نازلة في الاباحية والانحلال السلوكي والخرق العام للنظام الاخلاقي والقيمي الاسري السوي,ما رتّب انحلال تماسك الاسرة,وتراجع الزيجات,انفلات التربية الاسرية وفقدان السيطرة بحكم القانون,في البيت والمدرسة,ممارسة الشذوذات الجنسية المثلية الذكورية والسحاقية الانثوية وحمايتها قانونا,زنا المحارم, الديوثية, تعاطي المخدرات وهكذا.

يقابل هذا الانحدار البشع في الجنس, تصعيدا (قيميا ) في السلوك الاخلاقي العام عندهم,بمتوالية تصاعدية مناقضة لمتوالية الانحدار الجنسي الاباحي, تعبيراتها تفشّي سلوكيات وقيم العلم والتحضر والحداثة,أعلاء قيم المساواة والعدالة والديمقراطية في الحقوق والواجبات,النزاهة والصدق والاخلاص,حقوق الانسان والمرأة,حرية المعتقد,وحرية الممارسات الفردية,  الى غيرها من قائمة طويلة عريضة تقاطع جميعها التسفيل الامتهاني للجنس لديهم. ولا ننفي أن يكون هناك خروقات غير مقننّة, أنه ليس كل من يمارس التسفيل والانحطاط الجنسي , يكون حريصا على ممارسة التصعيد الاعلائي الاخلاقي القيمي في السلوك والحياة. فقد يمارس العديدون اباحية  التسفيل والانحطاط الجنسي بالتماهي مع ممارسة الخروقات في السلوكيات والقيم العامة التي ادرجنا بعضها, في ما ذكرناه مفارقة غريبة فعلا.

لكن لو نحن جربنا سحب هذه المعادلة السبق لنا ذكرها على مجتمعاتنا العربية – الاسلامية, ومحاولتنا تطبيقها , لوجدنا ان مرتكز اخلاقنا الجنسية وغير الجنسية مستمدة من ثنائية ( فقه الدين المجتمعي – السلطة الحاكمة) وفي تنظيم الحياة برمتها, وفي مجال الجنس تمارس تلك الثنائية دورها التحريمي الانضباطي الاخلاقي الذي يحول دون السقوط في الانحدار التسفيلي الانحطاطي – هذا على الاقل في المعلن المتداول والمتواضع قبوله مجتمعيا – في تطويق انتشار الاباحية الجنسية وتفكك النظام الاسري الاخلاقي المتين.والمحافظة على الشرف الشخصي والتقاليد الاخلاقية السلوكية المجتمعية.

في مقابل هذا التعالي الاخلاقي المكابرعندنا في العلن ماذا نجد من خروقات واختراقات عميقة غائرة في السر والكتمان على صعيد الممارسة الجنسية.وماذا نجد بخلاف الغرب عندنا من تفريط مذهل بكل قيمة اخلاقية على صعيد سيسيولوجيا الحياة والسلوك الجمعي العام.في عجز ايقاف التردي الاخلاقي في السياسة والاقتصاد والثقافة وميادين الحياة , فلا وجود لقيم الصدق والنزاهة والامانة ومصلحة المجتمع في جميع مفردات التردي البشع في حياتنا, وفي تقاطعها المعيب مع كل مقومات التقدم ومجالات التحضر من حولنا التي تحاصرنا.

اننا هنا لا نتخطى ازدواجية المعلن في تقاطعه الاختراقي مع المستور,بأن فواحش الجنس غير المعلنة عندنا هي نفسها فضائح الاباحية الجنسية في اوربا وامريكا المعلنة التي ندينها,لا فرق بين اباحية معلنة ليس فيها محظور او ادانة اسرية او مجتمعية او سلطوية,واباحية تمارس في السر داخل الغرف المقفلة وأسرار وخفايا السرير.

الفارق أن الاباحية الجنسية غير المعلنة عندنا يقترن فيها التسفيل الانحطاطي الجنسي مع الانحطاط السلوكي المجتمعي الاخلاقي العام.(يوجد استثناءات لذلك).على صعيد العمل والوظيفة والمؤسسة وتقديم الخدمات وغيرها, وهو ما لانجد مشابهاته في المجتمعات الغربية , فالجنس خارج معادلة الشرف المهني عندهم.فشرف أداء الواجب الوطني والعملي في الحياة اليومية عندهم يتم بمعزل تام عن ممارسة الفرد لحرياته الشخصية الاجتماعية.

وحيثما وضعنا نحن الجنس ضمن وصاية ومدركات(الدين – العقل) نجد يلازم ذلك انحدار كبير في اخلاقيات المجتمع وتدني قيم البناء المجتمعية.ان ما يشكل في المجتمعات الغربية , عيبا او خللا في منظومة البناء الحضاري, نجده لدينا لا يوازي الخلل الذي نتعمده في تعطيل بنانا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الغش والفساد والكذب والتزوير.

قضية تردي اخلاق الجنس لدينا,مع تردي مجمل احوالنا الاخلاقية والسلوكية العامة, اصبحت قضية مركبة في ان يكون الاختراق في احدهما يكمله ويعاضده مفردات التردي والاختراقات في الجانب المتتم الآخر وهكذا, حتى تكتمل حلقات التردي والانحلال التدريجي في هياكل المجتمع البعيد عن ادنى معيار اخلاقي متحضّر يحكم الحياة وينظّم شروط وواجبات وحقوق الفرد وحقوق المجتمع.

خاتمة:

نخلص من هذا بمجمله ان التسفيل الجنسي الاباحي في اوربا والعالم تقريبا, منعزل تأثيره عن سيسيولوجيا القيم والسلوكيات الاخلاقية والمهنية التي تنظم شؤون الحياة المتحضّرة لديهم, وهذه الممارسات غير مستمّدة لا من وصايا وتحريمات الدين, ولا من رفض قيم العلم والاعراف الاخلاقية لها, اذ كلما انحدرت تلك المجتمعات جنسيا, ارتفعت وتسامقت في تحضّرها في توفير ضرورات الحياة اليومية, ومتطلبات معيشتهم في الرفاهية والسعادة والعيش الكريم.بعيدا ان تكون هذه المعادلة اشكالية تقرر مصير وموقع الفرد في المجتمع. طبعا من غير المعقول انه لا توجد خروقات في تلك المعادلة,لكنها عديمة التأثير بالمنحى الأخلاقي والسلوكي المتمدن العام. نريد العكس عندنا في اهمية ووجوب ان يكون للتربية الجنسية والاخلاقية دورها المؤثر الكبير في بناء مجتمعات متقدمة ,تتكافل مع كل قيم بناء الشخصية الفاعلة المنتجة التي تمتلك المعاني الكبيرة في تعاملها مع الحياة.

 بقينا عصور طويلة من تاريخنا نفهم الاخلاق انها (جنس ومتعة فقط) يتحدد موقعه ومجال اشتغاله من تحت حزام بنطلون الرجل وسرّة بطن المرأة, وكل ماعداها من خروقات جائز حلال, وفهمه غيرنا أن مافوق حزام البنطلون  وسرّة بطن المرأة  تكون  ممارسة الاخلاق خارج الابتذال الجنسي عندهم الذي ندينه في العلن ونمارسه في السر.                                                

علي محمد اليوسف


التعليقات




5000