هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الإمام ينتظر الوعد وينعى نفسه قبل الاغتيال.

محمد الكوفي

 ليالي حزينة ومؤلمة جدًا. تطل على محراب مسجد الكوفة بمناسبة ذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ}، الإمام ينتظر الوعد وينعى نفسه قبل الاغتيال.


أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجّلين، وسيّد المسلمين، ويعسوب الدين، أسد الله الغالب عليّ بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ}، باب مدينة العلم الذي حيَّر العقول، وبهر النفوس، وأنار القلوب ولولاه ـ بعد رسول الله { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ}، لما قام للدين عمود.


شهيد المحراب الخالد أسد الله الغالب سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الحق المبين والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيداء والفيافي {عَلَيْهِ السَّلامُ}،


* * * * * * * * * * * *


مقال خاص: إلى الأخوة والأخوات الأعزاء المشرفين على الأخ العزيز المثابر الكاتب والإعلامي المبدع الأستاذ السيد احمد الصائغ المحترم . موقع مركز  النور للأعلام المحترمة، تحيه ملؤها الحب والإخلاص لكم جميعاً،


* * * * * * * * * * * *


تحقيق إخباري: الإعلامي محمد الكوفي الحداد العبودي – أبو حاسم.


* * * * * * * * * * * *


نـعُـزَّي بقيـة الله في أرضهِ وصاحب العصر والزمان {ع}  وأهل بيتهِ الطاهرين { سلام الله عليهم أجمعين} بذكرى إستشهاد سيد البلغاء والمتكلمين ووصي سيد الأنبياء والمرسلين أسد الله الغالب إمـام الموحدين وسيد المتقين المذكور في أم الكتاب / {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }


سائلين المولى تعالى أن يمكن لمولانا الامام الحجه بن الحسن أرواحنا لهُ الفداء} و ولدهِ الموعود ع { وأن يقيم دولة الحق، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً،.. على يديهِم ويمكن لنا ديننا الذي أرتضاهُ لنا إنهُ نعم المولى ونعم النصير.


بــــــــــــــِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيــــــــــــــمِ


قال الله تعالى: { قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]


قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، سورة النساء رقم الآية {93} ، قوله تعالى : { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ  إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا} من تفسير سورة الإسراء رقم الآية (33)


الحمد لله حمد الشاكرين على المصيبة وصلى الله على محمد وآله المظلومين.


* * * * * * « 1 » * * * * * *


1} ــــ «  علي بن أبي طالب {عَلَيـْهِ السَّلامُ} –1– نسبه ولقبه " علي بن أبي طالب {عَلَيـْهِ السَّلامُ}،


1– نسبه ولقبه أولاً :- اسمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي،


أول أئمة المؤمنين وولاة المسلمين، وخلفاء الله تعالى في الدين، بعد رسول الله الصادق الأمين : محمد بن عبد الله خاتم النبيين، صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين .. وكان أمير المؤمنين {عَلَيـْهِ السَّلامُ} أصغر ولد أبي طالب. وكان أصغر من جعفر بعشر سنين وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين [1]. ثانياً :- كنيته {عَلَيـْهِ السَّلامُ}.. يكنى الإمام علي بن أبي طالب {عَلَيـْهِ السَّلامُ} {أبا الحسن، وأبا تراب ، وأبا السبطين، وأبا الريحانتين} . ثالثاً :- والديه {عَلَيـْهِ السَّلامُ}.. - والده أبو طالب بن عبد المطلب، واسمه عبد مناف وهو زعيم مكّة، وسيّد البطحاء، وكبير بني هاشم، وهو من تكفّل النبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} مند أن توفّى عنه جدّه عبد المطلب وهو في الثامنة من عمره، وتولّى أبو طالب حمايته وحراسته .. وقد كان أبو طالب قبل بعثة النبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} يتّبع ملّة إبراهيم {عَلَيـْهِ السَّلامُ}، وبعد البعثة كان من السابقين الأولين الداخلين في الإسلام، لكنه يخفي إيمانه عن قريش ليوفر الحماية الكافية للنبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} مستقلاً ما يتمتع به من منزلة رفيعة بين كفار قريش، فكانوا لا يتعرضون للنبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} خوف من أبي طالب وبني هاشم. - وأمّا اُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الإسلام والإيمان برسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} وقد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم. وكانت كالأم لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقد تربي في حجرها وكان شاكرا لبرها، وآمنت به في الأولين وهاجرت معه في جملة المهاجرين. ولما قبضها الله تعالى اليه، كفنها النبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  بقميصه ليدرأ به عنها هوام الأرض .. رابعاً :- لقبه {عَلَيـْهِ السَّلامُ}.. أما ألقابه {عَلَيـْهِ السَّلامُ} كثيرة جداً ننتخب منها أشهرها .. 1- أمير المؤمنين . 2- المرتضى . 3- خاتم الوصيّين . 4- قائد الغرّ المحجّلين . 5- يعسوب الدين والمسلمين .. {اليعسوب : ملك النحل} . 6- باب مدينة العلم . 7- الفاروق الأعظم . 8- الصديق الأكبر . 9- أمير البررة . 10- قاتل الفجرة . 11- قسيم الجنة والنار . 12- الكرار . 13- إمام المتقين . 14- باب الحكمة . 15- مولى المؤمنين . 16- مبير الشرك والمشركين .. {البوار : الهلاك والمبير المهلك}. 17- نفس الرسول . 18- زوج البتول . 19- سيف الله المسلول . 20- صاحب اللواء . 21- سيد المسلمين . 22- ذو القرنين . 23- الهادي . 24- الولي . 25- الوصي . 26- منار الإيمان . 27- راية الهدى . 28- قاتل الناكثين .. {نكث : أي نقض، وهي إشارة إلى أصحاب الجمل، ممن بايعوا الإمام بالمدينة و نكثوا بيعته وعهده ، وخرجوا عليه وقاتلوه} . 29- قاتل القاسطين .. {والقسوط الجور والعدول عن الحق قال الله تعالى وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً و هذه حال معاوية و أصحابه فإنهم عدلوا عن الحق فجاروا عن القصد و طلبوا ما ليس لهم و وسموا غير إبلهم} 30- قاتل المارقين .. {ومروق السهم خروجه عن القوس، وهذه صفة الخوارج لأنهم مرقوا عن الإسلام و خرجوا من الدين} .[2]


* * * * * * « 2 » * * * * * *


2} ــــ « نبدأ حديثنا من هذه الليلة حول شهادة الإمام أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ}، فلقد سبق أن رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} أخبر علياً بأنه يفوز بالشهادة في سبيل الله، ففي يوم أحد تأسف الإمام أمير المؤمنين على حرمانه الشهادة في ذلك اليوم فقال له النبي: إنها من ورائك


الإمام علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} والموت: وإذا كان الموت للمؤمنين هو ما مرّ، فكيف بالنسبة لأميرهم عليه السلام الذي كان يقول: " والله ما يبالي ابن أبي طالب أوقع على الموت أم وقع الموت عليه"4،بل كان يقول:" والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الصبي بثدي أمّه"5. .»{2}.


* * * * * * « 3 » * * * * * *


3} ــــ « ويوم الخندق لما ضربه عمرو بن عبد ود على رأسه كانت الدماء تسيل على وجهه الشريف فقام رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} يشد جرحه ويقول له: أين أنا يوم ضربك أشقى الآخرين على رأسك ويخضب لحيتك من دم رأسك؟؟ .»{3}.


* * * * * * « 4 » * * * * * *


4} ــــ « وخطب رسول الله { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ} في آخر جمعة من شهر شعبان وذكر ما يتعلق بشهر رمضان، فقام علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} وقال: ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل، ثم بكى النبي فقال {عَلَيْهِ السَّلامُ}: ما يبكيك؟ فقال: يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر! كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك، قال الإمام: وذلك في سلامة من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك... الخ .»{4}.


* * * * * * « 5 » * * * * * *


5} ــــ « وكان الإمام {عَلَيْهِ السَّلامُ} كثيراً ما يخبر الناس بشهادته واختضاب لحيته الكريمة بدم رأسه، وحينما أتاه عبد الرحمن بن ملجم ليبايعه نظر علي في وجه طويلاً، ثم قال: أرأيتك إن سألتك عن شيء وعندك منه علم هل أنت مخبر عنه؟ قال: نعم، وحلفه عليه فقال: أكنت تواضع الغلمان وتقوم عليهم وكنت إذا جئت فرأوك من بعيد قالوا: قد جاءنا ابن راعية الكلاب؟؟ فقال: اللهم نعم.»{5}.


* * * * * * « 6 » * * * * * *


6} ــــ « فقال له: مررت برجل وقد أيفعت {صرت يافعاً} فنظر إليك نظراً حاداً فقال: أشقى من عاقر ناقة ثمود؟ قال: نعم قال: قد أخبرتك أمك أنها حملت بك في بعض حيضها؟ فتعتع هنيئة ثم قال: نعم.»{6}.


* * * * * * « 7 » * * * * * *


7} ــــ «  فقال الإمام: قم فقام، قال {عَلَيْهِ السَّلامُ}: سمعت رسول الله { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ} يقول: {قاتلك شبه اليهودي بل هو اليهودي}.»{7}.


* * * * * * « 8 » * * * * * *


8} ــــ « وقد تكرر منه {عَلَيْهِ السَّلامُ} أن رأى ابن ملجم فقال: أريد حياته ويريد قتلي، وفي تلك السنة الأخيرة من حياته والشهر الأخير من حياته كان يخبر الناس بشهادته فيقول: ألا وإنكم حاجوا العام صفاً واحداً، وآية {علامة} ذلك أني لست فيكم .»{8}.


* * * * * * « 9 » * * * * * *


9} ــــ « فعلم الناس أنه ينعى نفسه، ولم يكتفِ {عَلَيْهِ السَّلامُ} بذلك بل كان يدعو على نفسه ويسأل من الله تعالى تعجيل الوفاة، وتارة كان يكشف عن رأسه وينشر المصحف على رأسه ويرفع يديه للدعاء قائلاً: اللهم إني قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني، أما أن تخضب هذه من هذا ـ ويشير إلى هامته ولحيته .»{9}.


* * * * * * « 10 » * * * * * *


10} ــــ « وقبل الواقعة أخبر {عَلَيْهِ السَّلامُ} أبنته أم كلثوم بأنه رأى رسول الله { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ}  وهو يمسح الغبار عن وجهه ويقول: يا علي لا عليك، قضيت ما عليك.»{10}.


* * * * * * « 11 » * * * * * *


11} ــــ « وكان الإمام قد بلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة، وفي شهر رمضان من تلك السنة كان الإمام يفطر ليلة عند ولده الحسن وليلة عند ولده الحسين وليلة عند ابنته زينب الكبرى زوجة عبد الله بن جعفر وليلة عند أبنته زينب الصغرى المكناة بأم كلثوم  .»{11}.


* * * * * * « 12 » * * * * * *


12} ــــ « وفي الليلة التاسعة عشر كان الإمام {عَلَيْهِ السَّلامُ} في دار ابنته أم كلثوم فقدمت له فطوره في طبق فيه: قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن حامض، فأمر الإمام ابنته أن ترفع اللبن، وأفطر بالخبز والملح، ولم يشرب من اللبن شيئاً لأن في الملح كفاية، وأكل قرصاً واحداً، ثم حمد الله وأثنى عليه، و قام إلى الصلاة، ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله تعالى، وكان يكثر الدخول والخروج وينظر إلى السماء ويقول: هي، هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله  .»{12}.


* * * * * * « 13 » * * * * * *


13} ــــ « ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوباً وجعل يمسح وجهه بثوبه، ونهض قائماً على قدميه وهو يقول: اللهم بارك لنا في لقائك  .»{13}.


* * * * * * « 14 » * * * * * *


14} ــــ « ويكثر من قول {لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم} ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب، ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوباً، وقالت أم كلثوم: قال لأولاده: إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالتني وأريد أن أقصها عليكم قالوا: وما هي؟ قال: إني رأيت الساعة رسول الله { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ} في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان، فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقى .»{14}.


* * * * * * « 15 » * * * * * *


15} ــــ « قال: فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل عليهم يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر قالت أم كلثوم: لم يزل أبي تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت .»{15}.


* * * * * * « 16 » * * * * * *


16} ــــ « ويكثر من قول: {أنا لله وأنا إليه راجعون} ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويصلى على النبي { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ} ويستغفر الله كثيراً قالت أم كلثوم فلما رأيته في تلك الليلة قلقاً متململاً كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت: يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ قال: يا بنية إن أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوفاً، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة ثم قال: {أنا لله وأنا إليه راجعون} .»{16}.


* * * * * * « 17 » * * * * * *


17} ــــ « فقلت يا أبا ما لك تنعى نفسك منذ الليلة؟ قال: بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل قالت أم كلثوم: فبكيت فقال لي يا بنية لا تبكي فإني لم أقل ذلك إلا بما عهد إلي النبي { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ} ثم إنه نعس وطوى ساعة ثم استيقظ من نومه، وقال: يا بنية إذا قرب الأذان فأعلميني .»{17}.


* * * * * * « 18 » * * * * * *


18 } ــــ « ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب الأذان فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، ثم أيقظته فأسبغ الوضوء، وقام ولبس ثيابه وفتح بابه ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوز قد أهدي إلى أخي الحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن، وصحن في وجهه  .»{18}.


* * * * * * « 19 » * * * * * *


19} ــــ « وكان قبل تلك الليلة لم يصحن فقال {عَلَيْهِ السَّلامُ}: لا إله إلا الله، صوائح تتبعها نوائح، وفي غداة غد يظهر القضاء.»{19}.


فقلت: يا أبتاه هكذا تتطير؟ فقال: بنية ما منا أهل البيت من يتطير ولا يتطير به.


* * * * * * « 20 » * * * * * *


20} ــــ « ولكن قول جرى على لساني ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، وقد حبست ما ليس له لسان، ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش فأطعميه واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض  .»{20}.


* * * * * * « 21 » * * * * * *


21} ــــ « فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول:


أشدد حيازيمك للموت           فإن الموت لاقيكــــــا "


" ولا تجزع من المــوت           إذا حــل بناديكــــــا


" كما أضحك الدهـــــــر           كذاك الدهر يبكـــيكا ".»{21}.


* * * * * * « 22 » * * * * * *


22} ــــ « ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت اللهم بارك لنا في لقائك قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك قلت: واغوثاه يا أبتاه أراك تنعى نفسك منذ الليلة قال: يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت يتبع بعضها بعضاً، فامسكي عن الجواب، ثم فتح الباب وخرج قالت أم كلثوم: فجئت إلى أخي الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} فقلت: يا أخي قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فألحقه فقام الحسن بن علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} وتبعه فلحق به قبل أن يدخل الجامع فأمره الإمام بالرجوع فرجع  .»{22}.


* * * * * * « 23 » * * * * * *


23} ــــ « وقيل إنه تعاهد هو ورجلين على قتل معاوية وعمرو بن العاص واختار الثالث قتل معاوية، فقصد البرك بن عبد الله التميمي مصر ليقتل ابن العاص، ولم يخرج ابن العاص تلك الصبيحة فأرسل رجلاً يقال له: خارجة بن تميم، فلما وقف في المحراب صربه البرك ظناً منه أنه ابن العاص فمات خارجة من تلك الضربة  .»{23}.


* * * * * * « 24 » * * * * * *


42} ــــ « وأما الآخر ويقال له: العنبري فإنه قصد الشام يقصد قتل معاوية وتعرف بمعاوية وجعل يدخل عليه ويلاطف له في الكلام وينشده الأشعار حتى صارت صبيحة يوم التاسع عشر من شهر رمضان وجاء معاوية للصلاة وثار إليه العنبري ورفع السيف ليضرب عنقه فأخطأ الضربة فوقع السيف على إلية معاوية، ولم يقتل من ضربته بل جرح جرحاً برء بالمعالجة  .»{24}.


* * * * * * « 25 » * * * * * *


25} ــــ « وأما عبد الرحمن بن ملجم فقد جاء تلك الليلة وبات في المسجد ينتظر طلوع الفجر ومجيء الإمام للصلاة وهو يفكر حول الجريمة العظمى التي قصد ارتكابها ومعه رجلان: شبيب بن بحرة ووردان بن مجالد يساعدانه على قتل الإمام  .»{25}.


* * * * * * « 26 » * * * * * *


26} ــــ « وسار الإمام إلى المسجد فصلى في المسجد، ثم صعد المأذنة ووضع سبابته في أذنيه وتنحنح، ثم أذن، فلم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوته، ثم نزل عن المأذنة وهو يسبح الله ويقدسه ويكبره، ويكثر من الصلاة على النبي { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلمَ}، وكان يتفقد النائمين في المسجد ويقول للنائم: الصلاة، يرحمك الله، قم إلى الصلاة المكتوبة ثم يتلو: {إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر}.»{26}.


* * * * * * « 27 » * * * * * *


27} ــــ « لم يزل الإمام يفعل ذلك حتى وصل إلى ابن ملجم وهو نائم على وجهه وقد أخفى سيفه تحت إزاره فقال له الإمام: يا هذا قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان، ونومة أهل النار بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء، أو على يسارك فإنها نومة الحكماء، أو نم على ظهرك فإنها نومة الأنبياء .»{27}.


* * * * * * « 28 » * * * * * *


28} ــــ « نعم، الشمس تشرق على البر والفاجر والكلب والخنزير وكل رجس وقذر، والإمام أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} يفيض من علومه على الأخيار والأشرار وينصح السعداء والأشقياء ولا يبخل عن الخير حتى لأشقى الأشقياء، ويرشد كل أحد حتى قاتله!! ثم قال له الإمام: لقد هممت بشيء تكاد السماوات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك ثم تركه، واتجه إلى المحراب، وقام قائماً يصلي، وكان {عَلَيْهِ السَّلامُ} يطيل الركوع والسجود في صلاته، فقام المجرم الشقي لإنجاز أكبر جريمة في تاريخ الكون!! وأقبل مسرعاً يمشي حتى وقف بازاء الاسطوانة التي كان الإمام يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وسجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها فتقدم اللعين وأخذ السيف وهزه ثم ضربه على رأسه الشريف فوقعت الضربة على مكان الضربة التي ضربه عمر بن عبدود العامري .»{28}.


* * * * * * « 29 » * * * * * *


29} ــــ « فوقع الإمام على وجهه قائلاً: بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم صاح الإمام: قتلني ابن ملجم قتلني ابن اليهودية، أيها الناس لا يفوتكم ابن ملجم .»{29}.


* * * * * * « 30 » * * * * * *


30} ــــ « أخبر الإمام عن قاتله كيلا يشتبه الناس بغيره فيقتلون البريء، كما قتل في حادثة قتل عمر بن الخطاب جماعة من الأبرياء المساكين الذين هجم عليهم عبيد الله بن عمر وقتلهم.»{30}.


* * * * * * « 31 » * * * * * *


31} ــــ« حتى في تلك اللحظة يحافظ الإمام على النظام وعلى حياة الناس، نبع الدم العبيط من هامة الإمام وسال على وجهه المنير، وخضب لحيته الكريمة وصدق كلام الرسول ووقع ما أخبر به، لم يفقد الإمام وعيه وما انهارت أعصابه بالرغم من وصول الضربة إلى جبهته وبين حاجبيه، فجعل يشد الضربة بمئزره ويضع عليها التراب، ولم يمهله الدم فقد سال على صدره وأزياقه، وعوضاً من التأوه والتألم والتوجع كان يقول {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}: فزت ورب الكعبة! هذا ما وعد الله ورسوله! وصدق الله ورسوله! استولت الدهشة والذهول على الناس، وخاصة على المصلين في المسجد، وفي تلك اللحظة هتف جبرائيل بذلك الهتاف السماوي.» {31}.


* * * * * * « 32 » * * * * * *


32} ــــ « لم نسمع في تاريخ الأنبياء أن جبرائيل هتف يوم وفاة نبي من الأنبياء أو وصي من الأوصياء، ولكنه هتف ذلك الهتاف لما وصل السيف إلى هامة الإمام وهو بعد حي، هتف بشهادته كما هتف يوم أحد بفتوته وشهامته يوم قال: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار.»{32}.


* * * * * * « 33 » * * * * * *


33} ــــ « فاصطفت أبواب الجامع وضجت الملائكة في السماء بالدعاء وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة ونادى جبرائيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى قتل ابن عم محمد المصطفى (صلّى الله عليه وآله) قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء.»{33}.


* * * * * * « 34 » * * * * * *


34} ــــ « فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرائيل لطمت على وجهها، وخدها وشقت جيبها وصاحت: واأبتاه وأعلياه وامحمداه واسيداه .»{34}.


* * * * * * « 35 » * * * * * *


35} ــــ « وخرج الحسن والحسين فإذا الناس ينوحون وينادون: واإماماه واأمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم قط وكان أشبه الناس برسول الله.»{35}.


* * * * * * « 36 » * * * * * *


36} ــــ « فلما سمع الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} صرخات الناس ناديا: واأبتاه واعلياه ليت الموت أعدمنا الحياة، فلما وصلا إلى الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس وهم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلي بالناس.»{36}.


* * * * * * « 37 » * * * * * *


37} ــــ « فلم يطق على النهوض، وتأخر عن الصف وتقدم الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} فصلى بالناس، وأمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} صلى إيماء من جلوس وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمته يميل تارة ويسكن أخرى والحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} ينادي: وانقطاع ظهراه! يعز ـ والله ـ علي أن أراك هكذا ـ ففتح الإمام {عَلَيْهِ السَّلامُ} عينه  .»{37}.


* * * * * * « 38 » * * * * * *


38} ــــ « وقال: يا بني لا جزع على أبيك بعد اليوم! هذا جدك محمد المصطفى وجدتك خديجة الكبرى وأمك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون فينتظرون قدوم أبيك، فطب نفساً وقر عيناً وكف عن البكاء، فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء .»{38}.


* * * * * * « 39 » * * * * * *


39} ــــ « ثم إن الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتى المخدرات خرجن من خدرهن إلى الجامع ينظرون إلى الإمام علي بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ} فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} ورأس أبيه في حجره وقد غسل الدم عنه، وشد الضربة وهي بعدها تشخب دماً ووجهه قد زاد بياضاً بصفرة وهو يرمق السماء بطرفه، ولسانه يسبح الله ويوحده، وهو يقول أسألك يا رب الرفيع الأعلى  .»{39}.


* * * * * * « 40 » * * * * * *


40} ــــ « فأخذ الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} رأسه في حجره فوجده مغشياً عليه فعندها بكى بكاء شديداً وجعل يقبل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} ففتح عينيه فرآه باكياً .» {40}.


* * * * * * « 41 » * * * * * *


41} ــــ « فقال له الإمام {عَلَيْهِ السَّلامُ}: يا بني يا حسن ما هذا البكاء؟ يا بني لا روع على أبيك بعد اليوم! يا بني أتجزع على أبيك وغداً تقتل بعدي مسموماً مظلوماً؟ ويقتل أخوك بالسيف هكذا؟ وتلحقان بجدكما وأبيكما وأمكما؟ فقال له الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: يا أبتاه ما تعرفنا من قتلك؟ ومن فعل بك هذا؟ قال {عَلَيْهِ السَّلامُ}: قتلني ابن اليهودية: عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقال: يا أباه من أي طريق مضى؟ قا لا يمضي أحد في طلبه فإنه سيطلع عليكم من هذا الباب . »{41}.


وأشار بيده الشريفة إلى باب كنده.


* * * * * * « 24 » * * * * * *


42} ــــ « ولم يزل السم يسري في رأسه وبدنه ثم أغمي عليه ساعة والناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كنده، فاشتغل الناس بالنظر إلى الباب ويرتقبون قدوم الملعون وقد غص المسجد بالعالم ما بين باكٍ ومحزون فما كان إلا ساعة وإذا بالصيحة قد ارتفعت، من الناس وقد جاءوا بعدو الله ابن ملجم مكتوفاً هذا يلعنه وهذا يضربه  .»{ 42}.


* * * * * * « 3 » * * * * * *


43} ــــ « فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون إليه فأقبلوا باللعين مكتوفاً وهم ينهشون لحمه بأسنانهم، ويقولون له: يا عدو الله ما فعلت؟ أهلكت أمة محمد {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} وقتلت خير الناس.»{34}.


* * * * * * « 44 » * * * * * *


4} ــــ « وإنه لصامت وبين يديه رجل يقال له حذيفة ألنخعي بيده سيف مشهور وهو يرد الناس عن قتله وهو يقول هذا قاتل الإمام علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} حتى أدخلوه إلى المسجد  .»{44}.


* * * * * * « 5 » * * * * * *


54} ــــ « وكانت عيناه قد طارتا في أم رأسه كأنهما قطعتا علق وقد وقعت في وحهه ضربة قد هشمت وجهه وأنفه والدم يسيل على لحيته وعلى صدره، وهو ينظر يميناً وشمالاً وعيناه قد طارتا في أم رأسه وهو أسمر اللون وكان على رأسه شعر أسود منشوراً على وجهه كأنه الشيطان الرجيم .»{ 45}.


* * * * * * « 6 4» * * * * * *


64} ــــ « فلما جاءوا به أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} فلما نظر إليه الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: قال له: يا ويلك يا لعين! يا عدو الله! أنت قاتل أمير المؤمنين ومثكلنا بإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه منك حيث آواك وقربك وأدناك وآثرك على غيرك؟ وهل كان بئس الإمام لك حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي؟؟ فلم يتكلم بل دمعت عيناه.»{ 46}.


* * * * * * « 7 4» * * * * * *


74} ــــ «  فقال له الملعون: يا أبا محمد أفأنت تنقذ من في النار؟ فعند ذاك ضج الناس بالبكاء والنحيب .»{74}.


* * * * * * « 8 4» * * * * * *


48} ــــ « فأمر الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} بالسكوت ثم التفت الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} إلى الذي جاء به حذيفة فقال له: كيف ظفرت بعدو الله وأين لقيته؟ فقال: يا مولاي كنت نائماً في داري إذ سمعت زوجتي الزعقة، وناعياً ينعي أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وهو يقول: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء .»{ 48}.


فأيقظتني وقالت لي: أنت نائم؟ وقد قتل إمامك علي بن أبي طالب.


* * * * * * « 49 » * * * * * *


94} ــــ « فانتبهت من كلامها فزعاً مرعوباً وقلت لها: يا ويلك ما هذا الكلام؟ رض الله فاك! لعل الشيطان قد ألقى في سمعك هذا أن أمير المؤمنين ليس لأحد من خلق الله تعالى قبله تبعه ولا ظلامة، فمن ذا الذي يقدر على قتل أمير المؤمنين؟ وهو الأسد الضرغام والبطل الهمام والفارس القمقام فأكثرت علي وقالت: إني سمعت ما لم تسمع وعلمت ما لم تعلم، فقلت لها: وما سمعت فأخبرتي بالصوت .»{94}.


ثم قالت: ما أظن أن بيتاً في الكوفة إلا وقد دخله هذا الصوت.


* * * * * * « 50 » * * * * * *


50} ــــ « قال: وبينما أنا وهي في مراجعة الكلام وإذا بصيحة عظيمة وجلبة وقائل يقول: قتل أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} فحس قلبي بالشر فمددت يدي إلى سيفي وسللته من غمده، وأخذته ونزلت مسرعاً، وفتحت باب داري وخرجت، فلما صرت في وسط الجادة نظرت يميناً وشمالاً فإذا بعدو الله يجول فيها، يطلب مهرباً فلم يجد، وإذا قد انسدت الطرقات في وجهه، فلما نظرت إليه وهو كذلك رابني أمره فناديته: من أنت وما تريد؟ لا أم لك! في وسط هذا الدرب؟ فتسمى بغير اسمه، وانتمى إلى غير كنيته فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من منزلي قلت: وإلى أين تريد لأن تمضي في هذا الوقت؟ قال إلى الحيرة، فقلت: ولم لا تقعد حتى تصلي مع أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} صلاة الغدة وتمضي في حاجتك؟ فقال: أخشى أن أقعد للصلاة فتفوتني حاجتي .»{ 50}.


* * * * * * « 51 » * * * * * *


51} ــــ « فقلت: يا ويلك إني سمعت صيحة وقائلاً يقول قتل أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} فهل عندك من ذلك خبر؟ قال: لا علم لي بذلك.»{ 51}.


* * * * * * « 52 » * * * * * *


52} ــــ « فقلت له: ولم لا تمضي معي حتى تحقق الخبر وتمضي في حاجتك؟ فقال: أنا ماض في حاجتي وهي أهم من ذلك.»{ 52}.


* * * * * * « 53 » * * * * * *


13} ــــ « فلما قال لي مثل ذلك القول قلت: يا لكع الرجال حاجتك أحب إليك من الجسس لأمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ وإذا والله يا لكع ما لك عند الله من خلاق.»{ 53}.


* * * * * * « 14 » * * * * * *


54} ــــ « وحملت عليه بسيفي وهممت أن أعلو به، فراغ عني فبينما أنا أخاطبه وهو يخاطبني إذ هبت ريح فكشفت إزاره وإذا بسيفه يلمع تحت الإزار وكأنه مرآة مصقولة .»{ 54}.


* * * * * * « 55 » * * * * * *


55} ــــ « فلما رأيت بريقه تحت ثيابه قلت: يا ويلك ما هذا السيف المشهور تحت ثيابك؟ لعلك أنت قاتل أمير المؤمنين فأراد أن يقول: لا  .»{ 55}.


* * * * * * « 16 » * * * * * *


56} ــــ « فأنطق الله لسانه بالحق فقال: نعم، فرفعت سيفي وضربته فرفع هو سيفه وهم أن يعلوني به فانحرفت عنه فضربته على ساقيه فأوقعته ووقع لجينه ووقعت عليه وصرخت صرخة شديدة وأردت أخذ سيفه فمانعني عنه، فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتى أوثقته وجئتك به، فهو بين يديك جعلني الله فداك فاصنع به ما شئت.»{ 56}.


* * * * * * « 57 » * * * * * *


57} ــــ « فقال الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه ثم انكب الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} على أبيه يقبله وقال: يا أباه هذا عدو الله وعدوك قد أمكن الله منه .»{ 57}.


* * * * * * « 58 » * * * * * *


ففتح عينيه {عَلَيْهِ السَّلامُ} وهو يقول: أرفقوا بي يا ملائكة ربي.


58 } ــــ « فقال له الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك .»{ 58}.


* * * * * * « 59 » * * * * * *


59} ــــ « ففتح أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ}: عينيه ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه  .»{ 59}.


* * * * * * « 60 » * * * * * *


60} ــــ « فقال له بضعف وانكسار صوت ورأفة ورحمة: يا هذا لقد جئت عظيماً، وارتكبت أمراً عظيماً، وخطباً جسيماً، أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء؟ ألم أكن شفيقاً عليك وآثرتك على غيرك وأحسنت إليك وزدت في عطائك؟ ألم أكن يقال لي فيك كذا وكذا، فخليت لك السبيل ومنحتك عطائي؟ وقد كنت أعلم أنك قاتلي لا محالة ولكن رجوت بذلك الاستظهار من الله تعالى عليك يا لكع فغلبت عليك الشقاوة فقتلتني يا شقي الأشقياء؟ فدمعت عينا ابن ملجم وقال يا أمير المؤمنين: أفأنت تنقذ من في النار.»{60}.


* * * * * * « 61 » * * * * * *


61} ــــ « قال له: صدقت ثم التفت {عَلَيْهِ السَّلامُ} إلى ولده الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} وقال له: ارفق يا ولدي بأسيرك وارحمه، وأحسن إليه وأشفق عليه، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه، وقلبه يرجف خوفا ورعبا وفزعا، فقال له الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}:


يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟! فقال له: نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلا كرما وعفوا، والرحمة.»{61}.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٨٧


* * * * * *  « ٢٨7 »  * * * * * *


62} ــــ « والشفقة من شيمتنا لا من شيمته، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، واسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدما، ولا تغل له يدا، فإن أنامت فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة وتحرقه بالنار، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}،


يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أولى بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا عفوا وكرما.


قال مخنف بن حنيف: إني والله ليلة تسع عشرة في الجامع في رجال نصلي قريبا من السدة التي يدخل منها أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} فبينا نحن نصلي إذ دخل أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} من السدة وهو ينادي: الصلاة، ثم صعد المئذنة فأذن، ثم نزل فعبر على قوم نيام في المسجد فناداهم: الصلاة، ثم قصد المحراب، فما أدري دخل في الصلاة أم لا إذ سمعت قائلا يقول: الحكم لله لا لك يا علي، قال: فسمعت عند ذلك أمير - المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} يقول: لا يفوتنكم الرجل، قال: فشد الناس عليه وأنا معهم، و إذا هو وردان بن مجالد، وأما ابن ملجم لعنه الله فإنه هرب من ساعته ودخل الكوفة ورأينا أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} مجروحا في رأسه.


قال محمد بن الحنفية: ثم إن أبي {عَلَيْهِ السَّلامُ} قال: احملوني إلى موضع مصلاي في منزلي، قال: فحملناه إليه وهو مدنف والناس حوله، وهم في أمر عظيم باكين محزونين، قد أشرفوا على الهلاك من شدة البكاء والنحيب، ثم التفت إليه الحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وهو يبكي. فقال له: يا أبتاه من لنا بعدك؟ لا كيومك إلا يوم رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  من أجلك تعلمت البكاء، يعز والله علي أن أراك هكذا، فناداه {عَلَيْهِ السَّلامُ} فقال: يا حسين يا أبا عبد الله ادن مني، فدنا منه وقد قرحت أجفان عينيه من البكاء، فمسح الدموع من عينيه ووضع يده على قلبه وقال له: يا بني ربط الله قلبك بالصبر، وأجزل لك ولإخوتك عظيم الأجر، فسكن روعتك واهدأ من بكائك، فإن الله قد آجرك.»{ 62}.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٨٨.»{ 62 }.


* * * * * *  « ٢٨8 »  * * * * * *


63 ــــ « على عظيم مصابك، ثم ادخل {عَلَيْهِ السَّلامُ} إلى حجرته وجلس في محرابه.


قال الراوي: وأقبلت زينب وأم كلثوم حتى جلستا معه على فراشه، وأقبلتا تند بأنه وتقولان: يا أبتاه من للصغير حتى يكبر؟ ومن للكبير بين الملا؟ يا أبتاه حزننا عليك طويل، وعبرتنا لا ترقأ (1)، قال: فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء والنحيب، وفاضت دموع أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ}  عند ذلك، وجعل يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته وأولاده، ثم دعا الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} وجعل يحضنهما و يقبلهما، ثم أغمي عليه ساعة طويلة وأفاق، وكذلك كان رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  يغمى عليه ساعة طويلة ويفيق أخرى، لأنه {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  كان مسموما، فلما أفاق ناوله الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} قعبا من لبن، فشرب منه قليلا ثم نحاه عن فيه وقال: احملوه إلى أسيركم، ثم قال للحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: بحقي عليك يا بني إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه، وارفقوا به إلى حين موتي، وتطعمه مما تأكل وتسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه، فعند ذلك حملوا إليه اللبن وأخبروه بما قال أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} في حقه، فأخذ اللعين وشربه.


قال: ولما حمل أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} إلى منزله جاؤوا باللعين مكتوفا إلى بيت من بيوت القصر فحبسوه فيه، فقالت له أم كلثوم وهي تبكي: يا ويلك أما أبي فإنه لا بأس عليه، وإن الله مخزيك في الدنيا والآخرة، وإن مصيرك إلى النار خالدا فيها، فقال لها ابن ملجم لعنه الله: أبكي إن كنت باكية فوالله لقد اشتريت سيفي هذا بألف وسممته بألف، ولو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة ما نجا منهم أحد. وفي ذلك يقول الفرزدق:


" شعر ": بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٨٩


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فلا غرو للاشراف إن ظفرت بها (2) * ذئاب الأعادي من فصيح وأعجمي


(1) رقأ الدمع: جف وانقطع.


(2) كذا في النسخ، والظاهر: فلا عز للاشراف. .»{ 63 }.


* * * * * *  « ٢٨٩ »  * * * * * *


64} ــــ « فحربة وحشي سقت حمزة الردى * وحتف علي من حسام ابن ملجم قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه: وبتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي وقد نزل السم إلى قدميه، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس، ولم يزل يوصينا بوصاياه ويعزينا عن نفسه ويخبرنا بأمره وتبيانه إلى حين طلوع الفجر، فلما أصبح استأذن الناس عليه، فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون عليه، وهو يرد {عَلَيْهِم السَّلامُ}: ثم قال: أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني و خففوا سؤالكم لمصيبة إمامكم، قال فبكى الناس عند ذلك بكاءا شديدا، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه،


فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال:


فيا أسفى على المولى التقي * أبو الأطهار حيدرة الزكي قتله كافر حنث زنيم * لعين فاسق نغل شقي (1) فيلعن ربنا من حاد عنكم * ويبرء منكم لعنا وبي لأنكم بيوم الحشر ذخري * وأنتم عترة الهادي النبي فلما بصر به وسمع شعره قال له: كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة مني، فما عساك أن تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا وأضرم لي النار وألقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك، فقال: وفقت لكل خير يا حجر، جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيك. ثم قال: هل من شربة من لبن؟


فأتوه بلبن في قعب، فأخذه وشربه كله، فذكر الملعون ابن ملجم وأنه لم يخلف له شيئا، فقال {عَلَيْهِ السَّلامُ}: " وكان أمر الله قدرا مقدورا " اعلموا أني شربت الجميع ولم أبق لأسيركم شيئا من هذا، ألا وإنه آخر رزقي من الدنيا، فبالله عليك يا بني إلا ما أسقيته مثل ما شربت، فحمل إليه ذلك فشربه.


قال محمد بن الحنفية { رضوان الله عَلَيْهِ }: لما كانت ليلة إحدى وعشرين وأظلم الليل وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم، ثم قال


النغل: المفسد في الأرض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٠.»{ 64 }.


* * * * * *  « ٢٩0 »  * * * * * *


65} ــــ « لهم: الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل، وأوصاهم الجميع منهم بلزوم الإيمان والأديان والأحكام التي أوصاه بها رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  فمن ذلك ما نقل عنه {عَلَيْهِ السَّلامُ} أنه أوصى به الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} لما ضربه الملعون ابن ملجم و هي هذه " أوصيكما بتقوى الله " وساقها إلى آخر ما مر برواية السيد الرضي.


قال: ثم تزايد ولوج السم في جسده الشريف، حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمر تا جميعا، فكبر ذلك علينا وأيسنا منه، ثم أصبح ثقيلا، فدخل الناس عليه، فأمرهم ونهاهم وأوصاهم، ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى أن يشرب فنظرنا إلى شفتيه وهما يختلجان بذكر الله تعالى، وجعل جبينه يرشح عرقا وهو يمسحه بيده قلت: يا أبت أراك تمسح جبينك فقال: يا بني إني سمعت جدك رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب وسكن أنينه، ثم قال: يا أبا عبد الله ويا عون، ثم نادى أولاده كلهم بأسمائهم صغيرا وكبيرا واحدا بعد واحد، وجعل يودعهم ويقول: الله خليفتي عليكم أستودعكم الله وهم يبكون، فقال له الحسن {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  يا أبه ما دعاك إلى هذا؟


فقال له: يا بني إني رأيت جدك رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  في منامي قبل هذه الكائنة بليلة، فشكوت إليه ما أنا فيه من التذلل والأذى من هذه الأمة،


فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلهم بي شرا مني وأبدلني بهم خيرا منهم،


فقال لي: قد استجاب الله دعاك، سينقلك إلينا بعد ثلاث، وقد مضت الثلاث، يا أبا محمد أوصيك - ويا أبا عبد الله - خيرا، فأنتما مني وأنا منكما، ثم التفت إلى أولاده الذين من غير فاطمة {عَلَيْهِا السَّلامُ} وأوصاهم أن لا يخالفوا أولاد فاطمة يعني الحسن والحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ}،


ثم قال: أحسن الله لكم العزاء، ألا وإني منصرف عنكم، وراحل في ليلتي هذه، ولاحق بحبيبي محمد {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  كما وعدني، فإذا أنامت يا أبا محمد فغسلني وكفني وحنطني ببقية حنوط جدك رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل {عَلَيْهِ السَّلامُ} إليه، ثم ضعني على سريري، ولا يتقدم أحد منكم مقدم السرير، واحملوا مؤخره واتبعوا مقدمه، فأي موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر، فحيث


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة ألمجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩١.»{ 65 }.


* * * * * *  « ٢٩١ »  * * * * * *


66} ــــ « قام سريري فهو موضع قبري، ثم تقدم يا أبا محمد وصل علي يا بني يا حسن وكبر علي سبعا، واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي، من ولد أخيك الحسين يقيم اعوجاج الحق، فإذا أنت صليت علي يا حسن فنح السرير عن موضعه، ثم اكشف التراب عنه فترى قبرا محفورا ولحدا مثقوبا وساجة منقوبة، فأضجعني فيها، فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني، وإني لاحق بجدك رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}   واعلم يا بني ما من نبي يموت وإن كان مدفونا بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا و يجمع الله عز وجل بين روحيهما وجسديهما، ثم يفترقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره وإلى موضعه الذي حط فيه، ثم أشرج (1) اللحد باللبن وأهل التراب علي ثم غيب قبري، وكان غرضه {عَلَيْهِ السَّلامُ} بذلك لئلا يعلم بموضع قبره أحد من بني أمية، فإنهم لو علموا بموضع قبره لحفروه وأخرجوه وأحرقوه كما فعلوا بزيد ابن علي بن الحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتا إلى ظهر الكوفة (2) على ناقة، وأمر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة، بحيث يخفى على العامة موضع قبري الذي تضعني فيه، وكأني بكم وقد خرجت عليكم الفتن من ههنا وههنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة.


ثم قال: يا أبا محمد ويا أبا عبد الله كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ههنا، فاصبرا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. ثم قال: يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة، فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه، ثم أغمي عليه ساعة، وأفاق وقال: هذا رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}   وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  وكلهم يقولون: عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون، ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال: أستودعكم الله جميعا سددكم الله جميعا حفظكم


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٢


(1) شرج الحجارة: نضدها وضم بعضها إلى بعض.


(2) في (خ) و (ت)، ظاهر الكوفة. .»{ 66 }.


* * * * * *  « ٢٩2 »  * * * * * *


67} ــــ « الله جميعا، خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة. ثم قال: وعليكم السلام يا رسل ربي، ثم قال: " لمثل هذا فليعمل العاملون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " وعرق جبينه وهو يذكر الله كثيرا، وما زال يذكر الله كثيرا ويتشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة وغمض عينيه ومد رجليه ويديه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم قضى نحبه {عَلَيْهِ السَّلامُ}، و كانت وفاته في ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، وكانت ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة.


قال: فعند ذلك صرخت زينب بنت علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} وأم كلثوم وجميع نسائه، وقد شقوا الجيوب ولطموا الخدود، وارتفعت الصيحة في القصر، فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} قد قبض، فأقبل النساء والرجال يهرعون أفواجا أفواجا، و صاحوا صيحة عظيمة، فارتجت الكوفة بأهلها وكثر البكاء والنحيب، وكثر الضجيج بالكوفة وقبائلها ودورها وجميع أقطارها، فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  فلما أظلم الليل تغير أفق السماء وارتجت الأرض وجميع من عليها بكوه وكنا نسمع جلبة وتسبيحا في الهواء، فعلمنا أنها من أصوات الملائكة، فلم يزل كذلك إلى أن طلع الفجر، ثم ارتفعت الأصوات وسمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون ولا يرون شخصه يقول:


بنفسي ومالي ثم أهلي وأسرتي * فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم علي رقى فوق الخلائق في الوغى * فهدت به أركان بيت المحرم علي أمير المؤمنين ومن بكت * لمقتله البطحا وأكناف زمزم يكاد الصفا والمشعران كلاهما * يهدا وبان النقص في ماء زمزم وأصبحت الشمس المنير ضياؤها * لقتل علي لونها لون دلهم (1)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ –


(1) الدلهم: المظلم. .»{ 67 }.


* * * * * *  « ٢٩3 »  * * * * * *


68} ــــ « وضل له أفق السماء كآبة * كشقة ثوب لونها لون عندم (1) وناحت عليه الجن إذ فجعت به * حنينا كثكلى نوحها بترنم وأضحى إليها الجود والنبل مقتما (2)* وكان التقى في قبره المتهدم وأضحى التقى والخير والحلم والنهى * وبات العلى في قبره المتهدم يكاد الصفا والمستجار كلاهما* يهدا وبان النقص في ماء زمزم لفقد علي خير من وطئ الحصى * أخا العالم الهادي النبي المعظم فالمعنى عند ذلك أن السماوات والأرض والملائكة والجن والانس قد بكت ورثته في تلك الليلة، وسمعنا في الهواء جلبة عظيمة وتسبيحا وتقديسا، فعلمنا أنها أصوات الملائكة، فلم تزل كذلك حتى بدا الصباح، فارتفعت الأصوات فخرجنا وإذا بصائح في الهواء وهو يقول:


يا للرجال لعظم هول مصيبة * قدحت فليس مصابها بالهازل والشمس كاسفة لفقد إمامنا * خير الخلائق والإمام العادل يا خير من ركب المطي ومن مشى * فوق الثرى من حافي أو ناعل يا سيدي ولقد هددت قواءنا * والحق أصبح خاضعا للباطل قال محمد بن الحنفية: ثم أخذنا في جهازه ليلا وكان الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} يغسله و الحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} يصب الماء عليه، وكان عليه السلام لا يحتاج إلى من يقلبه، بل كان يتقلب كما يريد الغاسل يمينا وشمالا، وكانت رائحته أطيب من رائحة المسك والعنبر، ثم نادى الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} بأخته زينب وأم كلثوم وقال: يا أختاه هلمي بحنوط جدي رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} ، فبادرت زينب مسرعة حتى أتته به، قال الراوي: فلما فتحته فاحت الدار وجميع الكوفة وشوارعها لشدة رائحة ذلك الطيب، ثم لفوه بخمسة أثواب كما أمر {عَلَيْهِ السَّلامُ} ثم وضعوه على السرير، وتقدم الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} (1) العندم: خشب نبات يصبغ به.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٤


(2) قتم وجهه: تغير واسود. .»{ 68 }.


* * * * * *  « ٢٩4 »  * * * * * *


69} ــــ « إلى السرير من مؤخره وإذا مقدمه قد ارتفع ولا يرى حامله، وكان حاملاه من مقدمه جبرئيل وميكائيل، فما مر بشئ على وجه الأرض إلا انحنى له ساجدا وخرج السرير من مايل باب كندة، فحملا مؤخره وسارا يتبعان مقدمه.


قال ابن الحنفية  {رضي الله تعالى عنه}: والله لقد نظرت إلى السرير وإنه ليمر بالحيطان والنخل فتنحني له خشوعا، ومضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره الآن، قال: وضجت الكوفة بالبكاء والنحيب، وخرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات، فمنعهم الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} ونهاهم عن البكاء والعويل، وردهن إلى أماكنهن والحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون يا أباه وانقطاع ظهراه، من أجلك تعلمت البكاء، إلى الله المشتكي.


فلما انتهيا إلى قبره وإذا مقدم السرير قد وضع، فوضع الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} مؤخره ثم قام الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} وصلى عليه والجماعة خلفه، فكبر سبعا كما أمره به أبوه {عَلَيْهِ السَّلامُ} ثم زحزحنا سريره وكشفنا التراب وإذا نحن بقبر محفور ولحد مشقوق وساجة منقورة مكتوب عليها: " هذا ما ادخره له جده نوح النبي للعبد الصالح الطاهر المطهر " فلما أرادوا نزوله سمعوا هاتفا يقول: أنزلوه إلى التربة الطاهرة، فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب، فدهش الناس عند ذلك وتحيروا، والحد أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} قبل طلوع الفجر.


قال الراوي: لما الحد أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وقف صعصعة بن صوحان العبدي {رضوان الله عَلَيْهِ } على القبر، ووضع إحدى يديه على فؤاده والأخرى قد أخذ بها التراب ويضرب به رأسه، ثم قال: بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين، ثم قال: هنيئا لك يا أبا الحسن، فلقد طاب مولدك، وقوي صبرك، وعظم جهادك، وظفرت برأيك، وربحت تجارتك، وقدمت على خالقك، فتلقاك الله ببشارته، وحفتك ملائكته، واستقررت في جوار المصطفى، فأكرمك الله بجواره، ولحقت بدرجة أخيك المصطفى، وشربت بكأسه الأوفى، فاسأل الله أن يمن علينا باقتفائنا أثرك والعمل بسيرتك، والموالاة لأوليائك، والمعاداة لأعدائك، وأن يحشرنا في زمرة


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٥.»{ 69 }.


* * * * * *  « ٢٩5 »  * * * * * *


70} ــــ « أوليائك، فقد نلت ما لم ينله أحد، وأدركت ما لم يدركه أحد، وجاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده، وقمت بدين الله حق القيام، حتى أقمت السنن، وأبرت الفتن (1) واستقام الإسلام، وانتظم الإيمان، فعليك مني { أفضل الصَلَوَاة وَسَلاَمُ}،


بك اشتد ظهر المؤمنين، واتضحت أعلام السبل، وأقيمت السنن، وما جمع لأحد مناقبك وخصالك، سبقت إلى إجابة النبي {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  مقدما مؤثرا، وسارعت إلى نصرته، ووقيته بنفسك، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر، قصم الله بك [كل جبار عنيد، ودل بك] كل ذي بأس شديد وهدم بك حصون أهل الشرك والكفر والعدوان والردى، وقتل بك أهل الضلال من العدى، فهنيئا لك يا أمير المؤمنين، كنت أقرب الناس من رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  قربا وأولهم سلما، وأكثر هم علما وفهما، فهنيئا لك يا أبا الحسن، لقد شرف الله مقامك وكنت أقرب الناس إلى رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  نسبا، وأولهم إسلاما، وأوفاهم يقينا، وأشدهم قلبا، وأبذلهم لنفسه مجاهدا، وأعظمهم في الخير نصيبا، فلا حرمنا الله أجرك ولا أذلنا بعدك، فوالله لقد كانت حياتك مفاتح للخير ومغالق للشر، وإن يومك هذا مفتاح كل شر ومغلاق كل خير، ولو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة.


ثم بكى بكاء شديدا وأبكى كل من كان معه، وعدلوا إلى الحسن والحسين ومحمد وجعفر والعباس ويحيى وعون وعبد الله {عَلَيْهِم السَّلامُ} فعزوهم في أبيهم { صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ }، وانصرف الناس، ورجع أولاد أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وشيعتهم إلى الكوفة، ولم يشعر بهم أحد من الناس، فلما طلع الصباح وبزغت الشمس أخرجوا تابوتا من دار أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وأتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة، ثم تقدم الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} وصلى عليه، ورفعه على ناقة وسيرها مع بعض العبيد.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٦


قال الراوي: فلما كان الغداة اجتمعوا لأجل قتل الملعون، قال أبو مخنف:


(1) أبره: أصلحه .»{ 70 }.


* * * * * *  « ٢٩6 »  * * * * * *


71} ــــ « فلما رجع الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} دخلت عليه أم كلثوم وأقسمت عليه أن لا يترك الملعون في الحياة ساعة واحدة، وكان قد عزم على تأخيره ثلاثة أيام، فأجابها إلى ذلك، و خرج لوقته وساعته، وجمع أهل بيته وأهل البصائر من أصحاب أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} الذين كانوا على عهد رسول الله {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ}  كصعصعة والأحنف وما أشبههما { رضوان الله عَلَيْهِم }: وتشاوروا في قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى، فكل أشار بقتله في ذلك اليوم، واجتمع رأيهم على قتله في المكان الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ}،


قال الراوي: ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وأصحابه إلى الكوفة واجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم فقال عبد الله بن جعفر: اقطعوا يديه و رجليه ولسانه واقتلوه بعد ذلك، وقال ابن الحنفية { رضوان الله عَلَيْهِ }:اجعلوه غرضا للنشاب وأحرقوه بالنار، وقال آخر: اصلبوه حيا حتى يموت، فقال الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} أضربه ضربة بالسيف حتى يموت فيها، واحرقه بالنار بعد ذلك، قال: فأمر الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} أن يأتوه به، فجاؤوا به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ} والناس يلعنونه ويوبخونه، وهو ساكت لا يتكلم، فقال الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: يا عدو - الله قتلت أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} وإمام المسلمين، وأعظمت الفساد في الدين، فقال لهما:


يا حسن ويا حسين {عَلَيْكما السَّلامُ} ما تريدان تصنعان بي؟ قالا له: نريد قتلك كما قتلت سيدنا ومولانا. فقال لهما: اصنعا ما شئتما أن تصنعا، ولا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل، ولقد زجرت نفسي فلم تنزجر! ونهيتها فلم تنته!


فدعها تذوق وبال أمرها ولها عذاب شديد، ثم بكى، فقال له: يا ويلك ما هذه الرقة؟ أين كانت حين وضعت قدمك وركبت خطيئتك؟ فقال ابن ملجم لعنه الله:


" استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون " ولقد انقضى التوبيخ والمعايرة، وإنما قتلت أباك وحصلت


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٧.»{ 71 }.


* * * * * *  « ٢٩7 »  * * * * * *


72} ــــ « بين يديك، فاصنع ما شئت وخذ بحقك مني كيف شئت، ثم برك على ركبتيه و قال: يا ابن رسول الله الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك، فرق له الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} لان قلبه كان رحيما - {صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ} -  فقام الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} وأخذ السيف بيده وجرده من غمده فهز به (1) حتى لاح الموت في حده ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه فاشتد زحام الناس عليه، وعلت أصواتهم، فلم يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه فانقلب عدو الله على قفاه يخور في دمه، فقام الحسين {عَلَيْهِ السَّلامُ} إلى أخيه وقال: يا أخي أليس الأب واحدا والأم واحدة ولي نصيب في هذه الضربة ولي في قتله حق؟ فدعني أضربه ضربة أشفي بها بعض ما أجده، فناوله الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} السيف فأخذه وهزه وضربه على الضربة التي ضربه الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} فبلغ إلى طرف أنفه، وقطع جانبه الآخر، وابتدره الناس بعد ذلك بأسيافهم، فقطعوه إربا إربا، وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار، ثم جمعوا جثته وأخرجوه من المسجد، وجمعوا له حطبا وأحرقوه بالنار، وقيل: طرحوه في حفرة وطموه بالتراب، وهو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة، وأقبلوا إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا، ونهبوا دارها، ثم أخذوها وأخرجوها إلى ظاهر الكوفة وأحرقوها بالنار، وعجل الله بروحها إلى النار وغضب الجبار، وأما الرجلان اللذان تحالفا معه فأحدهما قتله معاوية بن أبي سفيان بالشام والآخر قتله عمرو بن العاص بمصر لا {رضي الله تعالى عنهما}، وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم بالجامع يساعدانه على قتل علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} فقتلا من ليلتهما، لعنهما الله وحشر هما محشر المنافقين الظالمين في جهنم خالدين مع السالفين.


قال أبو مخنف: فلما فرغوا من إهلاكهم وقتلهم أقبل الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} إلى المنزل، فالتفت بهم أم كلثوم وأنشدت تقول هذه الأبيات لما سمعت بقتله


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٨


(1) أي حركه. وفي (م) و (خ): وندبه .»{ 72 }.


* * * * * *  « ٢٩8 »  * * * * * *


73} ــــ « وقيل: إنها لام الهيثم بنت العربان الخثعمية، وقيل: للأسود الدؤلي شعرا يقول:


ألا يا عين جودي واسعدينا * ألا فابكي أمير المؤمنينا وتبكي أم كلثوم عليه * بعبرتها وقد رأت اليقينا ألا قل للخوارج حيث كانوا * فلا قرت عيون الحاسدينا وأبكي خير من ركب المطايا * وحث بها وأقرى الظاعنينا وأبكي خير من ركب المطايا * وفارسها ومن ركب السفينا ومن لبس النعال ومن حفاها * ومن قرأ المثاني والمئينا ومن صام الهجير وقام ليلا * وناجى الله خير الخالقينا إمام صادق بر تقي * فقيه قد حوى علما ودينا شجاع أشوس بطل همام * ومقدام الأساود في العرينا (1) كمي باسل قرم هزبر * حمي أروع ليث بطينا (2) فعمرو قاده في الأسر لما * طغا وسقى ابن ود منه حينا (3) ومرحب قده بالسيف قدا * وعفر ذا الخمار على الجبينا وبات على الفراش يقي أخاه * ولم يعبأ بكيد الكافرينا ويدعو للجماعة من عصاه * ويقضي بالفرائض مستبينا وكل مناقب الخيرات فيه * وحب رسول رب العالمينا مضى بعد النبي فدته نفسي * أبو حسن وخير الصالحينا إذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر فاق الناظرينا وكنا قبل مقتله بخير * نرى مولى رسول الله فينا


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٩٩


(1) العرينة: مأوى الأسد.


(2) الكمي والباسل: الشجاع. القرم - بالفتح -: السيد العظيم. الهزبر: الأسد. الحمى من لا يحتمل الضيم. الأروع: من يعجبك بحسنه أو شجاعته.


(3) قوله " فعمرو قاده في الأسر " إشارة إلى ما جرى بينه {عَلَيْهِ السَّلامُ} وبين عمرو بن معديكرب وقوله " وسقى ابن ود " إشارة إلى قتل عمرو بن عبد ود بيده .»{ 73 }.


* * * * * *  « ٢٩8 »  * * * * * *


74} ــــ « يقيم الحق لا يرتاب فيه * وينهك قطع أيدي ألسارقينا (1) وليس بكاتم علما لديه * ولم يخلق من المتجبرينا أفي الشهر الحرام فجعتمونا * بخير الخلق طرا أجمعينا ومن بعد النبي فخير نفس * أبو حسن وخير الصالحينا فلو أنا سئلنا المال فيه * بذلنا المال فيه والبنينا كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام جال في بلد سنينا فلا والله لا أنسى عليا * وحسن صلاته في الراكعينا لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا ألا فابلغ معاوية بن حرب * فلا قرت عيون الشامتينا وقل للشامتين بنا رويدا * سيلقي الشامتون كما لقينا قتلتم خير من ركب المطايا * وذللها ومن ركب السفينا ألا فابلغ معاوية بن حرب * بأن بقية الخلفاء فينا قال: فلم يبق أحد في المسجد إلا انتحب وبكى لبكائها، وكل من كان حاضرا من عدو وصديق، ولم أر باكية ولا باكيا أكثر من ذلك اليوم.


أقول: روى البرسي في مشارق الأنوار عن محدثي أهل الكوفة أن أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} لما حمله الحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ} على سريره إلى مكان البئر المختلف فيه إلى نجف الكوفة وجدوا فارسا يتضوع منه رائحة المسك، فسلم عليهما ثم قال للحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: أنت الحسن بن علي رضيع الوحي والتنزيل وفطيم العلم والشرف الجليل خليفة أمير المؤمنين وسيد الوصيين؟ قال: نعم، قال: وهذا الحسين بن أمير المؤمنين وسيد الوصيين سبط الرحمة ورضيع العصمة وربيب الحكمة ووالد الأئمة؟قال نعم، قال: سلماه إلي وأمضيا في دعة الله، فقال له الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: إنه أوصى إلينا أن لا نسلم إلا إلى أحد رجلين: جبرئيل أو الخضر فمن أنت منهما؟ فكشف النقاب


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٣٠٠


(1) نهكه: بالغ في عقوبته. .»{ 74 }.


* * * * * * « 300 » * * * * * *


75} ــــ « فإذا هو أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ}، ثم قال للحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ}: يا أبا محمد إنه لا تموت نفس إلا ويشهدها أفما يشهد جسده؟.


قال: وروي عن الحسن بن علي {عَلَيْهِما السَّلامُ} أن أمير المؤمنين قال للحسن والحسين {عَلَيْهِما السَّلامُ}: إذا وضعتماني في الضريح فصليا ركعتين قبل أن تهيلا علي التراب، وانظرا ما يكون، فلما وضعاه في الضريح المقدس فعلا ما أمرا به، ونظرا وإذا الضريح مغطى بثوب من سندس، فكشف الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} مما يلي وجه أمير المؤمنين، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وآدم وإبراهيم يتحدثون مع أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ}، وكشف الحسين مما يلي رجليه فوجد الزهراء وحواء ومريم وآسية عليهن السلام ينحن على أمير المؤمنين {عَلَيْهِ السَّلامُ} ويندبنه (1).


بيان: لم أر هذين الخبرين إلا من طريق البرسي، ولا أعتمد على ما يتفرد بنقله، ولا أردهما، لورود الأخبار الكثيرة الدالة على ظهورهم بعد موتهم في أجسادهم المثالية، وقد مرت في كتاب المعاد وكتاب الإمامة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٣٠١


(1) لم نجدهما في المصدر المطبوع. .»{ 75 }.


* * * * * * « 301 » * * * * * *


76} ــــ « {باب}. 128* (ما وقع بعد شهادته عليه السلام وأحوال قاتله لعنه الله} * 1 - قرب الإسناد: أبو البختري، عن جعفر، عن أبيه {عَلَيْهِما السَّلامُ} قال: أخبرني أبي أن الحسن {عَلَيْهِ السَّلامُ} قدم ابن ملجم فأراد أن يضرب عنقه (1) بيده، فقال: قد عهدت الله عهدا أن أقتل أباك، فقد وفيت، فإن شئت فاقتل وإن شئت فاعف، فإن عفوت ذهبت إلى معاوية فقتلته وأرحتك منه ثم جئتك، فقال: لا حتى أعجلك إلى النار فقدمه فضرب عنقه (2).


2 - قصص الأنبياء: بالاسناد إلى الصدوق عن أحمد بن علي، عن أبيه، عن جده إبراهيم ابن هاشم، عن ابن معبد، عن علي بن عبد العزيز، عن يحيى بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله {عَلَيْهِ السَّلامُ} قال: سأل هشام بن عبد الملك أبي {عَلَيْهِ السَّلامُ} فقال: أخبرني عن الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب {عَلَيْهِ السَّلامُ} بما استدل النائي (3) عن المصر الذي قتل فيه علي وما كانت العلامة فيه للناس؟ وأخبرني هل كانت لغيره في قتله عبرة؟ فقال له أبي: إنه لما كانت الليلة التي قتل فيها علي {صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ } لم يرفع عن وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر، وكذلك كانت الليلة التي فقد فيها هارون أخو موسى {صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِما }،وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون، وكذلك كانت الليلة التي رفع عيسى بن مريم {صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ }، وكذلك الليلة التي قتل فيها الحسين {صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ }، (4).


(1) في المصدر: قدمه ليضرب عنقه. .»{ 76}.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


5- خطب الامام علي {عَلَيْهِ السَّلامُ} - نهج البلاغة- ج 1 -مكتبة اهل البيت {عَلَيْهِم السَّلامُ} – ص 41


بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٣٠٢


(2) قرب الإسناد: 67. (3) النائي: البعيد. (4) مخطوط.


* * * * * * « 301 » * * * * * *


* * * * * * « 63 » * * * * * *


77} ــــ « ولقد أحسن وأجاد المرحوم السيد جعفر الحلي (ره):


لبس الإسلام أبراد الســــــواد           يوم أردى المرتضى سيف المرادي


ليلة ما أصبحت إلا وقـــــــــد           غلب الغي على أمر الرشــــــــــــاد


والصلاح انخفضت أعلامـــه           وغدت ترفع أعلام الفســـــــــــــــاد


ما رعى الغادر شهر الله فـي           حجة الله على كل العبــــــــــــــــــاد


وببيت الله قـــد جدّ لـــــــــــه           ساجداً ينشج من خوف المعــــــــاد


يا ليال أنـــزل الله بهــــــــــــا           ســـــــــــور الذكر على أكرم هادي


مُحيت فيك على رغم العـــــلى          آية في فضلها الذكر ينــــــــــــــادي


قتلوه وهــو في محرابـــــــه           طاوي الأحشاء عن مـــــــــاء وزاد


سل بعينيه الدجى هـــل جفتـا           عن بكا أو ذاقتا طعم الرقـــــــــــاد؟


وسل الأنجم هــل أبصرنـــــه           ليلة مضطجعاً فوق الوســـــــــــاد؟


وسل الصبح هــل صادفـــــه           ملّ من نوح مـذيب للجمــــــــــــاد؟


عاقر الناقة مع شقـــوتــــــه           ليس بالأشقى مـن الرجس المـرادي


فـلقــد عمم بالسيف فـتــــــى           عمّ خلق الله طراً بالأيـــــــــــــــادي


فبكتــــه الأنس والجن معـــــاً          وطيور الجـــــــومع وحش البوادي


وبكاه الملأ الأعلى دمـــــــــــاً          وغدى جبريل بالويل ينـــــــــــــادي


هـــدمت والله أركان الهــدى           حيث لا من منــذر فينا وهـــــــــادي


(1) سورة الأحزاب، الآية: 23 .»{ 77}.


هذه الأحاديث مأخوذة من الكتب العربية والفارسية الشيعية والسنية ومن المكاتب العامة في مواقع الانترنت،14 - نهج البلاغة. بحار الأنوار. - وفاة الإمام أمير المؤمنين.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1]- ينظر : الارشاد في معرفه حجج الله على العباد – للشيخ المفيد / ص ، والإستيعاب في معرفة الأصحاب / ج 1 / ص 335 . [2]- ينظر : كشف الغمة – للأربلي / ج 1 / ص 67, 68 .، و حلية الأولياء – لأبي نعيم الأصفهاني / ج 1 / ص 61  .»{1}.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قوله تعالى: { "ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"  { الحج، الآية 32}.


{ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا{البقرة: 286}.


محمد الكوفي


التعليقات




5000