هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
د.علاء الجوادي 
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غربة وحنين

رجاء بكريّة

 نقد ادبي 

لنص شعري

قصيدة"غربة وحنين"

للشاعرعبد السلام محمد علي الأشقر

من ذكرياتي في النقد الأدبي قبل أربع سنوات لقصيدة وصلتني وطلب مني نقدها ادبيا

القصيدة هي

… غربة وحنين…

شرقتُ بالدمعِ إشفاقاً وتحناناً

وهاجني الشوقُ حينَ البعدُ أبكانا

واستوقفتني بأحلامي منازلهمْ

طيفاً أناجيهِ نرعاهُ ويرعانا


وغصةٌ في شغافِ القلبِ أحملها

هيهاتَ يبرئها إلا الذي كانا


وغربةُ الروحِ عن خلٍّ وعن وطنٍ

وخفقةُ القلبِ صوتٌ في حنايانا


يا طائرَ الشوقِ تحدونا منازلهمْ

كالعيسِ قدْ حُمّلتْ بالوجدِ أطنانا


يا طائر الشوقِ واحملنا لهم خبراً

وارمي على ضفةِ الأشواقِ شكوانا


هناكَ يا طائرَ الأشواقِ لي وطنٌ

أشتاقهُ وهو ذو شوقٍ للقيانا


تركتُ قلبي على أدراجهِ ولِهاً

كالطّفلِ يبحثُ عن ثدييهِ حيرانا


أنَّى التفتُ أرى من فيضهِ أثراً

يمرُّ في خاطري جوداً وإحسانا


وكيفما سرتُ أفياءٌ تظللني

وفي اللّيالي حكايا من حكايانا


في غربةِ الروحِ أغفو كي أرى حلماً

أحياهُ علّي أعزّي النفسَ أحيانا


وأستفيقُ على صبحٍ يذكّرني

بنسمةٍ خلتها جاءت لنجوانا


إنَّ الغريبَ حزينٌ وهو في فرحٍ

فليسَ يعدلُ بالأوطانِ أوطانا



"غربة وحنين" هو نص شعري تتكاثف وتتلبد في فضائه غربة الجسم والروح، لتهطل على أديم الوجدان المتشققة حنينا، فتزيده وجدا وظمأ واكتواء.

ينقسم النص إلى أربعة مقاطع وخاتمة.

يطل علينا الشاعر في المقطع الأول المؤلف من الأبيات 1، 2، 3 و4 ، بنفس مكبلة بأوزار الغربة، محملة بالأشواق، يبث نجواه للدمع حينا وللأحلام حينا آخر. فيستهل البيت الأول لقصيدته بدمعة يشرق بها ، لا هو على سكبها قادر، ولا على الاحتفاظ بها في مقلته تكويه، ثم يلتفت هاربا نحو احلامه عساه يتسلى بها، واذا بمنازل الاحبة تستوقفه  كأطياف شاحبة، تناجيه وترعى ذكرياته وتزيده وجدا وغربة، ثم هي في البيت الثالث غصة القلب تملأ شغافه، وتعبق داء لا يبرئه إلا الماضي الجميل وذكراه العذبة.ثم تفيض الروح على الأحلام غربة من نوع جديد ، تملأ حنايا القلب بخفقات الشوق والحنين.

وينتقل الشاعر في المقطع الثالث للقصيدة، اي الأبيات 5و6و7، من الخبر إلى الانشاء ،  فبعدما كان يصف حاله، ويروي ما آل إليه أمره من عذاب وانتظار واشتياق لا متناه لرؤية وطنه وأحبابه ، ومنازل صباه وشبابه، إذا هو يطلق آهة حرى ينفس بها عن بعض ما به، وينادي بقلب مجروح يدعو تلك الطيور المهاجرة في فضاء الكون، لا تعترف كإياه بحدود او سدود، بل تجول الفضاء حاملة عبير الزهر وشعاع الشمس ودفء التراب ،  ويناجيها مرارا مستخدما أدوات نداء عفوية بسيطة تنقل من الفؤاد أشلاءه، "يا طائر الشوق"،" يا طائر الاشواق"، ...اجل، فالشوق بصيغة المفرد لم يعد يكفي لتحمله تلك الاجنحة الدافئة البراقة، إنها الاشواق كلها تجتمع، علها تعبر عن عمق الصرخة وتناثرها وتكاثرها في كيانه الملهوف.

ويأتي نداء الشاعر للطائر صدى لحداء تلك المنازل المحملة بالوجد أطنانا، كما العيس في البيداء تحمل حمولتها وتنوء بثقل الحمل كواهلها المرهقة.، وقد استخدم التشبيه المفصل ليستكمل البوح بكل تفاصيله ويخرج مكنون قلبه،  وان كان تشبيها غريبا، ان يجعل المنازل تحدو وتترنم بشجو النداء ، لا كالحادي بل كالعيس نفسها التي لا يدرك عمق الحداء وشجوه إلاها...صورة صحراوية خصبة بالمعاني مبتكرة في الطرح والأسلوب.

ثم يتحول النداء تدريجيا الى رجاء وتوسل، ان تحمل تلك الاجنحة الرقيقة رسالة شوق وتوق، وشكوى من وجع الغربة ومرارتها، لا بل ربما امنية مستحيلة، ان تحمل الاجنحة الشاعر نفسه، لا جسدا بل خبرا ينطق بالحنين ، فترميه على ضفة الأشواق ، عله يرتوي من معين الوطن الرقراق...صورة أخرى تعكس حالة الشاعر النفسية، وشدة شوقه لارضه، حتى تحول كله الى خبر ينطق بالحنين ويرفرف صوبها على جنح الشوق ليحط بين جنباتها.

وهنا، عند هذه النقطة يبلغ الوجد منتهاه، فيتحول "طائر الشوق"   الى" طائر اشواق "، لقد تراكم الهم والالم ، فالشاعر ليس وحده مشتاقا لوطنه، بل هو يشعر في الصميم باشتياق الوطن اليه... انه تخاطب روحي خفي بين روحين، روح الشاعر الهائمة الباحثة ، وروح الوطن المستقرة الساكنة تنتظر عودة الاحباب.

وينتقل الشاعر في المقطع الثالث ، اي الأبيات 8، 9، 10، 11، و12، ليصف حاله من جديد، ولكن ليس بصيغة الشكوى والعتاب، بل بصيغة الحلم والذكريات،  فهو يرسم لوحات من الماضي تستدرج نفسها نحوه، فهو تارة طفل قد اضناه البحث عن "ثدييه"اي مرضعته، والمرضعة هي صورة اخرى للام او للارض ، وقد اقتنص الشاعر من الطفل الوله وشدة التعلق، إذ من منا لا يعرف حال الطفل اذا جاع وطلب   امه، انه لا يرضى عنها بدلا، ولو اعطي ملء الارض ذهبا!

ثم يرسم الشاعر بكلماته التائهة لوحة اخرى اعم واشمل من الاولى، فهي لا تقتصر على الحاجة للوطن بل تتعدى ذلك،  فهو يرى وطنه الان في كل ما حوله، في كل لمحة جود واحسان ترمز اليه، وتتدلى افياء الوطن لتظلل رأس الشاعر اينما حل ، تحميه من حر الشمس وظلم الحياة تارة، وتربت عليه بحنان وتروي له حكايا الاجداد تارة اخرى.

و في المقطع  ما قبل الاخير، اي البيتين 13و14، يهرب الشاعر  الى الحلم من جديد ، اذ يجد ان الواقع لم يلب حاجته الماسة لوطنه، ولم يشبع ظمأ روحه التواقة...انه، وفي غربة الروح ، يغفو كي يعيش الحلم بكل ابعاده، ولكن ، حتى النوم والاحلام ، لا يستطيعان ان ينتشلا الشاعر من غربته، فهو في النهاية يستفيق مع انسام الصبح ، ليرى فيها رسول نجوى، هب يحمل عبير الوطن اليه من بعيد.

وفي الختام يستنتج الشاعر ، عبر بيت اخير هو المقطع الاخير، وهو ختام القصيدة وبيت القصيد، ان الغريب يبقى حزينا حتى وهو في فرح ، فليس للوطن عديل ولا بديل، لا وطن يحتل في الروح مكانة الوطن، ولا فرح ينتشل الغريب من غربته، انه حزين وغريب الى ان يتجدد اللقاء بالوطن ، المحبوب الاكبر، بالعودة الى ربوعه وانحائه، واطفاء شموع العيد تحت سمائه، والتلذذ بعذوبة مائه واريج هوائه.

قصيدة رائعة، تأخذ القارئ إلى هوة الغربة الساحقة، وتحمله على متن القافية النائحة"نا" والبحر البسيط المنبسط بتفعيلاته السمحة، والافعال ااماضية المسيطرة على جو النص فاذا هي تذر في عيوننا رماد الذكريات،  لتطلق العنان للعاطفة الجياشة النبيلة الموشحة بأنين الوطن ودموع الغربة.ان الشاعر استطاع ان يحمل القارئ الى عالمه الموحش وان يطوف به بين ملاعب طفولته وصباه، وان يطير به على اجنحة شوقه فيشاطره مرارة غربته ويعيش معه  حالة الانسان المنسلخ عن جذوره، لا هو على الحياة بعيدا عنها قادر، ولا على العودة اليها مقتدر، فاذا هو هائم في فضاء المكان والزمان، يبحث عن روحه  التي تركها هناك.


 


رجاء بكريّة


التعليقات




5000