هالة النور
للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
ـــــــــــــــ.

.
.
.
.
.

..
....

.

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

.

.

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

 

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حـِجـابٌ على الـرأس أم حـِجـابٌ عـلى الـعَــقـل؟

مهما تعدَّدتِ الآراءُ التي تتَّصل بظاهرة فَرْضِ الحجاب على المرأة المسلمة،

فمن الممكن أن يقال عـنها إنَّها جميعًا مجرَّدُ تأويلات.

وهي، بوصفها كذلك، لا تُلْزِمُ أحدًا غيرَ أصحابها.

فليس هناك نَصٌّ قاطعٌ يفـرض الحجابَ وفقًا لما يُريد الأصوليون الدينيون.

  

هناك تفسيرٌ لبعض المأثورات.

لكن، هل يصحُّ، دينيًّا، أن يرتفعَ تَفسيرُ المأثور ،

إلى مرتبة التشريع أو القانون؟!

  

في كلِّ حالٍ، تبقى مسألةُ الحجابِ خِلافيَّةً.

فبأيِّ حَقٍّ، أو بأيَّة سلطة، يفرض بعضُهم تأويلَه الخاصَّ على النَّاس كلِّهم،

ويُجيز لنفسه أحيانًا أن يستخدمَ العـُـنفَ من أجل ذلك،

لا ضدَّ المرأة وحدَها، وإنما كذلك ضدَّ الأشخاص الذين يخالفونه الرأي،

وضدَّ المجتمع كلِّه؟!

  

ولئن كانت مسألةُ الحجاب قـديمةً داخل المجتمعات الإسلامية ،

التي هي، إجمالاً، مجتمعات غير مدنيَّة ، ويمكن لذلك تفهُّم صعوبتها وتعقُّدها ،

فإنَّ موقف الأصوليَّة الإسلاميَّة في المجتمعات الغربيَّة المدنيَّة ،

يثير مشكلاتٍ تُسيء إلى المسلمين الذين يعيشون فيها، بوصفهم أفرادًا،

وتُسيء على نحو خاصٍّ إلى الإسلام ذاته، بوصفه رؤيةً للإنسان والعالم، للذات والآخر.

  

فمن أبسط المبادئ أن يعـرف المسلمون المهاجرون ،

خصوصًا أولئك الذين اكتسبوا جنسياتِ الـدول التي يعيشون فيها ،

كيف يُقيمون حدًّا فاصلاً بين الخاصِّ والعام،

بين المعتقَد الشخصي والقيم الاجتماعيـَّة المشتركة.

إذ لا بُدَّ لجميع المواطنين من أنْ يخضعوا لهذه الأخيرة،

خصوصًا لمؤسَّساتها المدنيَّة والتربوية.

  

لا بُدَّ من أنْ يعرف المسلمون الذين يتمسَّكون بالحجاب ،

نَّ تمسُّكهم هذا يعني أنَّهم لا يحترمون مشاعر الناس ،

الذين يعيشون معهم في وطنٍ واحد، ولا يؤمنون بقيمهم،

وأنَّهم ينتهكون أصولَ حياتهم، ويسخَرون من قوانينهم ،

التي ناضلوا طويلاً من أجل إرسائها، ويرفـضون المبادئ الديموقراطية ،

في الـدول التي تحتضنهم وتوفِّر لهم العملَ والحرية.

  

إنَّ عليهم أن يدركوا أنَّ مثل هذا التمسُّك يتخطَّى الانتهاكَ ،

إلى نوعٍ من السلوك الأرعـن يُتيح لكثيرٍ من الغربيين ،

أن يروا فيه شَكْلاً آخرَ مِن أشكالِ "الغـزو"!

  

هناك زَعْـمٌ بأنَّ المرأة المسلـمة في الغرب هي التي "تخـتار" الحجاب،

وبأنَّها هي التي تضعه "بملء حريتها" ،

وهو زعمٌ يحتاج إلى كثيرٍ من النقاش ليس هاهنا مقامُه.

  

لكن عندما نرى في باريس، على سبيل المثال،

فتياتٍ صغيراتٍ محجَّباتٍ، بعضهنَّ لا تتجاوز الرابعة من عمرها،

هل يمكن لنا أن نقول إنهنَّ يضعن الحجاب "بملء الحرية"؟ ،

وما تكون "حرية" طفلةٍ في مثل هذه السن؟!

ولماذا لا يرى المسلمون الأصوليون المهاجرون في انفتاح دول هجرتهم ،

غيرَ الوسائل التي يستخدمونَها لإعلان انغلاقهم وعزلتهم ،

و"هجرتهم" داخل الهجرة؟!

  

إنهم موجودون في هذه الـدول بفضل انفـتاحها ذاته.

لهذا، عندما يفصحون عن معـتـقـداتهم أو يمارسونها،

بالحجاب حينًا، وباللحية حينًا آخر، أو بهما معًا،

فإنهم يعـتدون على الإسلام أولاً، لأنهم يقزِّمونه في هذه الشكليَّة السطحيَّة،

ويعرضونه على العالم في شعارٍ أو رَمْزٍ يجعل منه مجرَّدَ طَقْسٍ شَكْلي.

  

أهكذا ينبغي على المسلمين أن يقدِّموا، في هذا القرن، الإسلامَ ،

هو الذي كان، منذ قـرونٍ عـديدة، رمزًا للإبداع وللإشعاع؟!

أفلا يَعـقـلـون أنَّهم، في سلوكهم هذا، "يحجبون" الإسلامَ نفسه،

أنَّهم "يُغَطُّون وجهَه"، وأنَّهم بذلك "يشوِّهونه" و"يخنقـونه"؟

  

ثمَّ إنَّ هؤلاء الذين ينادون بِفَرْضِ الحجاب يمثلون أقليَّةً بين المسلمين في الغرب،

وبين المسلمين في العالم العربي كذلك.

ولو وُضِعَ الحجابُ موضعَ اختيار ديموقراطي لسَقَطَ سقوطًا كاملاً.

وبدلاً من أن تَحترم هذه الأقـلـيـَّةُ المسلمةُ في الغرب الديموقراطيةَ ومبادئَها،

تحاول، على العكس، أن تتنكَّر لها، وأن تفرض رأيَها بالقوة،

لا على المسلمين وحدهم، وإنِّما على الديموقراطية نفسها! ،

وهو موقفٌ لا أعرف كيف يمكن تسويغه أو الدفاعُ عنه،

أو كيف يمكن له أن يخدم الإسلامَ أو أن يكون تعـبـيـرًا صحيحًا عـنـه!

  

إنه موقفٌ يـفـرض على مَن يدرسه بموضوعية ودقة أن ينظر إلى أصحابه،

لا بوصفهم متديِّنين أو رجال دين، وإنما بوصفهم سياسيين عاملين في السياسة.

والحق أنَّ جميع الوقائع تُشير إلى أنَّ هذه الأقلِّية إنما هي أقلِّيةٌ سياسية،

وأنَّ على المسلمين والغَرْبيين أن يتعاملوا معهم، لا بوصفهم ممثِّلين للدِّين،

وإنَّما بوصفهم مجرَّد حزبٍ سياسي.

  

الجامع هو، وحده، المكان الذي يتميَّز فيه المسلم،

مفـصحًا عن "هويته" الدينية في الغرب ،

وهذا ما ينبغي أن يكون في الدول العربية والإسلامية كذلك،.

الجامع هو المكان الوحيد الذي يمارس فيه المسلمُ حقوقَه الدينيةَ كاملةً.

كلُّ ممارسة خارجه، اجتماعيةٍ أو عامةٍ، إنَّما هي عـدوانٌ على الـقـيم المشتركة.

  

المؤسَّسة ، وبخاصة التربوية، المدرسة والجامعة ،

مكانٌ مدنيٌّ عامٌّ ومشترك، مكانُ لقاء، مكانٌ مفتوحٌ للناس جميعًا،

مكانٌ يجب أن تزولَ فيه العلاماتُ الدِّينية الخاصة، الفارقة، أيًّا كانت.

نضيف إلى المؤسَّسة: الشارع، المقهى، المنتديات، دور السينما،

القاعات العامة للمحاضرات والمؤتمرات، إلخ.

  

فظهور العلامات الدِّينية الفارقة في مثل هذه الأمكنة خَرْقٌ لمعناها وللغاية منها،

خَرْقٌ للانتماء الواحد أو "الهوية" الواحدة المشتركة،

رمزٌ لإرادة الانفصال، لرفض الاندماج،

توكيدٌ على الهوية الخاصة المغايِرة داخل الهوية العامَّة الموحِّدة.

وفي هذا ما يُمثِّل تحدِّيًا للشعور العام، وللذوق العام،

وللثقافة العامة، وللأخلاقية العامَّة.

  

ثم إنَّ التوكيد المظهري على الخاصِّ في قَلْب العام ،

إنما هو نوعٌ من "المَسْرحة" أو "العَرْض" لا يليقُ بالدِّين أصلاً!

ففي أساس التجربة الدينية قيامُها على الحميمية، على نوعٍ من الخفاء،

على البساطة، وعلى الخَفَرِ والصَّمتِ والانزواء،

بعيدًا من "المظاهر" بأشكالها جميعًا.

  

وإذا كان بعضُهم يحتجُّ بأن المرأة المسلمة تضع الحجاب باسم حقِّ الحرية الدينية،

فإن هذا الحقَّ محفوظٌ ومحترمٌ ما دام خاصًّا ويُمارَسُ في الإطار الخاص.

أمَّا إذا تجاوَز ذلك، فإنه ينـقـلـب إلى تجاوُز، إلى  اعـتـداء على الآخر،

يتمثَّل في عـدم احترام آرائِهِ وأفكاره ومشاعره ،

إضافةً إلى الاستهتار بالمبادئ والقوانين العامَّة المدنيَّة،

وبالجهود والتضحيات الكبرى التي قُدِّمَت مِن أجل تحـقـيـقـها.

  

عندما أمرَ بعضُ الخلفاء في العصر العباسيِّ أن يضعَ غيرُ المسلمين ،

علاماتٍ فارقةً لتمييزهم عن المسلمين،

كان ذلك موضعَ استهجانٍ، عـدا عن أنَّه كان علامةً على التراجع والجمود.

هكذا سُرعان ما أبطلتْه حركيَّةُ المجتمع آنذاك.

وإنه لَمِنَ الغرابة التي يتعذَّر فهمُها أن يُصِرَّ بعضُ المسلمين في الغرب ،

على أن يضعوا، بوصفهم مسلمين، علاماتٍ فارقةً ،

تميِّزهم عن أبناء المجتمع الذي يعيشون فيه.

إنَّ في هذا الإصرار إهانةً لتاريخهم، وحكمًا عليه،

وعلى ثقافتهم، وعلى حضورهم في العالم ،

حتَّى ليبدو للمتأمِّل أن الحجابَ ليس مجرَّد خَرْقٍ لقانون الآخر وثقافته،

وإنما هو، قبل ذلك، امتهانٌ للذات، وشكلٌ آخر من الحياة - لكن في أحضان الموت!

  

أخلص إلى القول في إيجازٍ إن التأويلَ الدينيَّ ،

الذي يقول بِفَرْضِ الحجاب على المرأة المسلمة ،

التي تعيش في بلدٍ عَلمانيٍّ يفصل بين الدين والسياسة،

فيساوي بين الرجل والمرأة، حقوقًا وواجباتٍ،

إنما يكشف عن عَـقـْلٍ لا يحجب المرأةَ وحدَها،  وإنما يحجب كذلك الإنسانَ والمجتمعَ والحياة،

ويحجبُ الـعـقـل.

  

إنه تأويلٌ يمنح الحقَّ لكثيرين في الغرب ،

أن يروا فيه عملاً لتقويض الأسُس التي أرساها نضالُ الغرب ،

في سبيل الحرية والعدالة والمساواة،

وأن يروا فيه مطالبةً بإلغاء دور المرأة في الحياة العامة،

الاجتماعية والثقافية والسياسية، مما يتناقض كليًّا ،

مع مبادئ الحياة المدنيَّة في أوروبا والغرب.

  

إنه، إلى ذلك، تأويلٌ يَعْملُ، في التحليل الأخير،

على تحويل الإنسان والدِّين معًا إلى مجرَّد أدواتٍ،

في خدمة آلةٍ سلطوية يُديرها طغـيانٌ أعـمـى.

د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000